«عشرون» جبران تويني الذي مضى في طريقه حتى النهاية

تكريم موسيقي أعاد قراءة كلمته ومكانته في الوجدان اللبناني

الرحيل حدث لكنَّ الحضور لم يغب يوماً (الشرق الأوسط)
الرحيل حدث لكنَّ الحضور لم يغب يوماً (الشرق الأوسط)
TT

«عشرون» جبران تويني الذي مضى في طريقه حتى النهاية

الرحيل حدث لكنَّ الحضور لم يغب يوماً (الشرق الأوسط)
الرحيل حدث لكنَّ الحضور لم يغب يوماً (الشرق الأوسط)

كان اسم جبران تويني يسبق صورته دائماً. كان يُشبه صوتاً يمشي أمام صاحبه، وجملة تتقدَّمه نحو الساحة التي لا يخشاها. 20 عاماً مرَّت على اغتيال رجل لم يعد ممكناً اختزاله في جريمة أو زمن سياسي. بقي، رغم رحيله، جزءاً من المفردات التي تتردَّد كلما عاد السؤال عمّن يملك شجاعة الكلام في بلد اعتاد أن يدفن أصواته. في ذكراه العشرين، كان الاحتفاء به مواجهة متجدّدة مع معنى أن يصرّ أحدهم على قول «لا» في مرحلة انتشرت فيها الـ«نعم» الرخوة.

الجدران كأنها هي الأخرى تتذكّر (الشرق الأوسط)

بهذه الروح، دخل الحضور إلى «الكنيسة الكبّوشية» في وسط بيروت. جدرانها العتيقة تلقَّت الإضاءة التي صمَّمها أمير توما، والخرائط الثلاثية البُعد التي أعدَّها إميل عضيمي، فتحوَّلت صفحاتٍ تُقلَّب أمام الأوفياء للراحل. لكنّ المعنى الحقيقي ظلَّ مرتبطاً باسم الشخص الذي اجتمعوا لأجله... ابن بيروت الذي لم يُساوم على رأيه.

ميشيل تويني تتمسّك بإرث ترفض أن يُمحى (الشرق الأوسط)

وقفت ميشيل تويني أمام الحضور السياسي والثقافي والإعلامي لتُعيد تركيب صورة والدها من جديد. روت أنه حين سُئل ذات يوم «مَن أهم زعيم بالنسبة إليك؟» فأجاب: «الشعب اللبناني». بدت العبارة في سياق اللحظة سؤالاً للحاضرين أكثر مما هي إجابة قديمة. أين صار هذا الشعب بعد 20 عاماً؟ سألت السؤال نفسه، ثم أجابت بأنّ كثيراً تغيَّر... أنظمة سقطت؛ تماماً كما قال جبران إنّه لا مستقبل لها في هذا الشرق. ذكرت سمير قصير، والحرب الأخيرة على لبنان، والجنوب الذي دُمّر مجدداً، وعادت إلى كلمات والدها: «كلّ لبناني يسقط هو شهيد، حتى لو اختلفتُ معه في الرأي»، و«الأوطان لا تُبنى بالتخوين». كلمات أكثر من اقتباسات... حوار مؤجَّل بين جيلَيْن.

لبنان بعلبكي استدعى جبران من مكانه البعيد ليحضر بالموسيقى (الشرق الأوسط)

ظهرت على جدران الكنيسة صورة غسان تويني. ظِلُّ الرجل الذي وقف يوماً في الأمم المتحدة وقال: «دعوا شعبي (يعيش)»، بدا كأنه يطلّ من فجوة بين تاريخَيْن يتقاطعان ولا يتصالحان. قرأ الممثل رفيق علي أحمد بنبرته العميقة مقالات غسان بعد اغتيال جبران، خصوصاً نصّ «دفن الأحقاد». كيف يمكن لرجل دَفَن عائلته فرداً تلو الآخر أن يدعو إلى إسقاط الكراهية ورفض تعميقها؟ الوجع شهادة إنسانية تُظهر طبقة أخرى من الحِداد؛ طبقة الأب الذي لا يملك سوى كلماته ليُواجه ما تبقّى له من العالم.

صوت رفيق علي أحمد يُعيد إحياء الذاكرة (الشرق الأوسط)

في الكنيسة نفسها التي وقف فيها الإمام موسى الصدر عام 1975 ليدعو إلى الانفتاح قبل سقوط البلاد في الحرب، خاطبت ميشيل تويني الحضور السياسي بوضوح... قالت إنّ «كلّ لبناني خسر شهيداً أو بيتاً»، وإن الوقت حان للخروج من منطق التضحية غير المنتهية، معلنة الإيمان بالدولة التي تحمي الجميع. تجاوزت كلماتها تكرار خطاب قديم إلى محاولة لتسمية ما يتجنَّب اللبنانيون الاعتراف به، وهو استمرار دورة الألم لأنّ أحداً لم يضع لها سقفاً بعد.

جوليا قصار تقرأ وناديا تويني تعود من بين الكلمات (الشرق الأوسط)

ثم سلَّم المايسترو لبنان بعلبكي الأمسية للموسيقى. جوقة جامعة «سيدة اللويزة»، التي يرأسها الأب خليل رحمة، وقفت خلف الأوركسترا، فيما الإضاءة تتبدَّل على الحجارة. تردَّد صوت جبران في الكنيسة... أحاديثه عن الحرّية، «قَسَمه» الشهير، لقطاته، ثم قراءة قصائد ناديا تويني بصوت جوليا قصّار. كانت نصوص الأم التي فقدت عائلتها تُقرأ فوق جدران شهدت تاريخاً آخر. الكلمات التي كتبتها عن الموت والوطن شكَّلت تذكيراً بأنّ اللغة أحياناً هي السلاح الوحيد المُتاح.

جبران يُراقب البلد الذي لم يتخلَّ عنه يوماً (الشرق الأوسط)

جلس ميشال فاضل إلى البيانو ليعزف «ماي واي» لفرانك سيناترا؛ الأغنية التي أحبَّها جبران. كانت المفاجأة تسجيلاً بصوته وهو يُغنّيها. بدا كأنّ الرجل يعود ليُعلّق على حياته الخاصة. فقد اختار طريقه، ودفع ثمنه، وظلَّ مُخلصاً لخياراته حتى اللحظة الأخيرة. الأغنية التي تتحدَّث عن السير في الطريق نفسها مهما كانت مُعقّدة، بدت أقرب إلى سيرة ذاتية مُستترة.

سمية بعلبكي وهي تغنّي «خدني ازرعني بأرض لبنان» (الشرق الأوسط)

توالت المقطوعات: موسيقى «غلاديتور» التي غنّاها بافاروتي بصوت التينور بشارة مفرج، ثم «ميس الريم» لزياد الرحباني بتوزيع جديد من ميشال فاضل. وغنَّت سمية بعلبكي «خدني ازرعني بأرض لبنان»، فيما صوت جبران يعود إلى ذكرى قديمة في فرنسا عام 1976، حين قال إنّ الأغنية تُعذّب المغتربين لأنها تُذكرهم بالأرض التي تركوها، لكنها تمنحهم في الوقت نفسه رابطة لا تنقطع.

اختُتمت الأمسية، التي نظَّمتها «مؤسّسة جبران تويني»، بأغنيات «أومن» لفيروز والأخوين، و«إيماني ساطع»، و«عم بحلمك يا حلم يا لبنان». تراءى الختام طبقة أخرى من الذاكرة وُضعت فوق ما سبقها. بدا الحاضرون كأنهم يخرجون من الأمسية لا بما يُخفّف ثقل السنوات؛ وإنما بما يؤكد أنّ هذه السنوات نفسها لم تهدأ بعد. أسئلة البلد مُعلّقة، واستحضار جبران تويني أكثر من استعادةٍ للماضي... إنه تذكير الحاضر بأنه لم يتقدَّم بما يكفي كي يطوي تلك الصفحة.


مقالات ذات صلة

من الملكة رانيا إلى آل أوباما مروراً بديفيد بيكهام... الكل يلبِّي دعوة «شارع سمسم»

يوميات الشرق الملكة رانيا وديفيد بيكهام ومايلي سايرس مع شخصيات من «شارع سمسم» (موقع البرنامج)

من الملكة رانيا إلى آل أوباما مروراً بديفيد بيكهام... الكل يلبِّي دعوة «شارع سمسم»

برنامج «شارع سمسم»، أكثر البرامج التلفزيونية استقطاباً للمشاهير من كافة المجالات. من محمد علي كلاي إلى باراك أوباما. والغائب الأكبر دونالد ترمب.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

في المَشاهد الأولى، لم يتعرّف الجمهور سريعاً إلى رندة كعدي، وبدت كأنها قشّرت جلدها وأعادت تشكيل ملامحها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق إرث معماري عالمي يُستعاد في مدينة الجذور (غيتي)

الموصل تستعيد زها حديد... قاعة تُخلّد أشهر معماريّات العالم

احتفلت جامعة «الحدباء» في الموصل بافتتاح قاعة باسم زها حديد...

«الشرق الأوسط» (الموصل)
يوميات الشرق تيم حسن... حضور يتجدّد كل رمضان (صفحته في «فيسبوك»)

تيم حسن وسامر البرقاوي و«الصبّاح»: شراكة تتقدَّم المواسم الرمضانية

رسائل «مولانا» تسير بين السطور عبر سخرية خفيفة تبدو في ظاهرها لعباً لغوياً أو مزحة سريعة...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق ظهور مشترك أعاد إشعال شائعات علاقة عاطفية (إنستغرام)

مبابي وإستر إكسبوزيتو... لقطات باريسية تُشعل شائعات الحبّ

أثار ظهور لاعب كرة القدم كيليان مبابي والممثلة الإسبانية إستر إكسبوزيتو معاً، في مناسبات عدّة، شائعات حول علاقة عاطفية وليدة بينهما.

«الشرق الأوسط» (باريس)

للمرة الأولى... اليابان تسمح للأزواج المطلقين بتقاسم حضانة الأطفال

القانون المعدّل يمنح الأزواج الذين سبق أن طُلقوا بموجب النظام القديم فرصة إعادة النظر في ترتيبات الحضانة (بيكسلز)
القانون المعدّل يمنح الأزواج الذين سبق أن طُلقوا بموجب النظام القديم فرصة إعادة النظر في ترتيبات الحضانة (بيكسلز)
TT

للمرة الأولى... اليابان تسمح للأزواج المطلقين بتقاسم حضانة الأطفال

القانون المعدّل يمنح الأزواج الذين سبق أن طُلقوا بموجب النظام القديم فرصة إعادة النظر في ترتيبات الحضانة (بيكسلز)
القانون المعدّل يمنح الأزواج الذين سبق أن طُلقوا بموجب النظام القديم فرصة إعادة النظر في ترتيبات الحضانة (بيكسلز)

في خطوة قانونية تُعدّ تحولاً بارزاً في نظام الأسرة، بدأت اليابان تطبيق تعديلات جديدة على قانون الأحوال الشخصية تتيح للأزواج المطلقين تقاسم حضانة أطفالهم، وهو تغيير طال انتظاره في بلد كان يعتمد تقليدياً نظام الحضانة المنفردة. ويعكس هذا التطور توجهاً متزايداً نحو تعزيز دور كلا الوالدين في حياة الأطفال بعد الطلاق، بما يحقق مصلحتهم الفضلى.

وابتداءً من يوم الأربعاء، دخلت التعديلات حيّز التنفيذ، حيث أصبح بإمكان الأزواج المنفصلين اختيار تقاسم حضانة الأطفال أو الاتفاق على منح الحضانة الكاملة لأحد الوالدين، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

كما يمنح القانون المعدّل الأزواج الذين سبق أن طُلقوا بموجب النظام القديم فرصة إعادة النظر في ترتيبات الحضانة السابقة. وفي هذه الحالات، يمكنهم التقدم بطلب إلى محكمة الأسرة لإعادة تقييم القرارات وتعديلها بما يتناسب مع الوضع الجديد.

تحوّل عن النظام السابق

في السابق، كان القانون الياباني يشترط منح الحضانة القانونية لأحد الوالدين فقط بعد الطلاق، وهو ما كان يؤدي في كثير من الأحيان إلى تهميش دور الطرف الآخر وحرمانه من المشاركة الفاعلة في تربية الطفل. ويمثل التعديل الجديد أبرز تحديث لقوانين الحضانة منذ تقنين قوانين الأسرة لأول مرة في أواخر القرن التاسع عشر. يركّز القانون المعدّل على مبدأ التعاون بين الوالدين، سواء كانا معاً أو منفصلين، إذ ينص على ضرورة احترام كل طرف لخصوصية الآخر والعمل المشترك بما يخدم مصلحة الطفل.

وعملياً، يعني ذلك أنه في حالات الحضانة المشتركة، يتعيّن على الوالدين الاتفاق على القرارات المصيرية التي تؤثر على مستقبل الطفل، مثل الانتقال إلى مكان جديد أو اختيار المسار التعليمي. في المقابل، يمكن لأحد الوالدين اتخاذ القرارات اليومية الروتينية، مثل منح تصاريح العمل الجزئي أو إدارة الشؤون الحياتية البسيطة. كما يسمح القانون باتخاذ قرارات فردية في الحالات الطارئة، بما في ذلك التدخلات الطبية العاجلة.

دور القضاء في حال الخلاف

في حال عدم توصل الوالدين إلى اتفاق عند الطلاق، تتدخل محكمة الأسرة للفصل في مسألة الحضانة، حيث يحدد القضاة ما إذا كانت الحضانة المشتركة أو المنفردة هي الخيار الأنسب، مع إعطاء الأولوية لمصلحة الطفل.

ومع ذلك، يضع القانون ضوابط واضحة في الحالات التي تنطوي على مخاطر، إذ تُلزم المحاكم بمنح الحضانة المنفردة إذا تبيّن وجود إساءة معاملة، أو تهديد لسلامة الطفل الجسدية أو النفسية، أو في حال وجود عنف أسري يجعل التعاون بين الوالدين غير ممكن.

رغم الترحيب بالتعديل، لا يزال بعض المراقبين يبدون قلقهم بشأن قدرة المحاكم على تقييم المخاطر بشكل دقيق، خاصة في قضايا العنف المنزلي المعقدة أو غير الواضحة.

كما أن التحول إلى الحضانة المشتركة ليس مضموناً لجميع الحالات، إذ يمكن للمحاكم رفض الطلبات إذا وُجدت أسباب مقلقة، مثل وجود سجل من الإساءة أو التقصير المستمر في دفع النفقة دون مبررات مقنعة.

دعم مالي للأطفال بعد الطلاق

يتضمن القانون أيضاً بنداً جديداً لتعزيز الدعم المالي للأطفال بعد الطلاق. إذ يحق للوالد المقيم مع الطفل المطالبة بدفعة شهرية تبلغ 20 ألف ين ياباني (نحو 125 دولاراً) لكل طفل من الطرف الآخر، حتى في حال عدم وجود اتفاق مسبق.

وفي النظام السابق، كان تنفيذ نفقة الطفل يتطلب موافقة الطرفين أو اللجوء إلى إجراءات قانونية، ما كان يعرقل حصول الأطفال على الدعم المالي المستحق.


كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
TT

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير والتشكيك في قراراتهم، والانشغال بأسوأ السيناريوهات المحتملة، وهو ما قد يستهلك طاقتهم ويبطئ أداءهم ويجعل الاستمتاع بالحياة أكثر صعوبة. لكن الحفاظ على صحة الدماغ لا يتطلب بالضرورة تغييرات جذرية أو استغلال كل دقيقة من اليوم، بل يمكن تحقيقه من خلال تعديلات بسيطة في أسلوب التفكير والسلوك اليومي.

يرى أليكس كورب، عالم الأعصاب وأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، أن تحسين أداء الدماغ يبدأ بتجنّب بعض العادات الشائعة التي تستنزف الطاقة الذهنية. وبعد أكثر من 20 عاماً من البحث في علم الأعصاب، يؤكد أن التغييرات الصغيرة قد تُحدث فرقاً كبيراً في تعزيز التركيز والشعور بالهدوء ومقاومة الإرهاق، حسب ما أورده في تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي».

وفيما يلي أبرز 6 أمور ينصح كورب بتجنّبها للحفاظ على قوة الدماغ وصحته:

1. تجاهل القلق

يُنظر إلى القلق غالباً بوصفه أمراً سلبياً، لكن كورب يعتبره بمثابة «نظام إنذار» يصدر إشارات من الجهاز الحوفي- مركز العواطف في الدماغ- لينبّهك إلى ما هو مهم. تجاهل هذا الشعور قد يجعلك غير قادر على التمييز بين المواقف التي تتطلب استجابة فورية وتلك التي لا تستدعي القلق. لذلك، من الأفضل التوقف لحظة عند الشعور بالقلق، ومحاولة فهم مصدره، وطرح سؤال بسيط: ماذا يخبرني هذا الشعور عن أهمية هذا الموقف؟ هذا الوعي يساعد على التعامل معه بفعالية بدلاً من الانفعال أو التجمّد.

2. الاعتماد على النقد الذاتي بوصفه وسيلةً للتحفيز

في حالات الضغط، يفرز الدماغ مواد كيميائية مثل الدوبامين والنورأدرينالين، ما يعزز التركيز مؤقتاً. لكن هذا النوع من التحفيز يأتي على حساب مواد أخرى مرتبطة بالسعادة، مثل السيروتونين والأوكسيتوسين والإندورفين. لذلك، فإن الاعتماد على النقد الذاتي قد يمنح دفعة قصيرة المدى، لكنه يؤدي في النهاية إلى استنزاف الطاقة والشعور بالإرهاق. وعند الشعور بالإحباط، يُنصح بتحويل التركيز من النتائج السلبية إلى الأهداف الإيجابية التي تسعى لتحقيقها.

3. الهوس بتتبع جودة النوم

قد يبدو تتبع النوم باستخدام الأجهزة الذكية مفيداً، لكنه قد يتحول إلى مصدر إضافي للقلق، خصوصاً عندما تنشغل ببيانات لا يمكنك التحكم بها مباشرة. بدلاً من ذلك، يُفضّل التركيز على العادات التي تدعم نوماً جيداً، مثل التعرض لضوء الشمس صباحاً، والحفاظ على مواعيد نوم منتظمة، وممارسة الرياضة، واتباع روتين مسائي هادئ يساعد على خفض مستويات التوتر.

4. تعدد المهام عند الحاجة إلى تركيز عميق

قد يعطي التنقل بين المهام المختلفة شعوراً زائفاً بالإنتاجية، نتيجة دفعات صغيرة من الدوبامين. لكن في الواقع، يؤدي ذلك إلى إرهاق قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن اتخاذ القرارات وحل المشكلات. هذا الإرهاق قد ينعكس في صورة أخطاء متكررة وإجهاد ذهني. لذا، عند الحاجة إلى التركيز، يُفضّل تقسيم العمل إلى فترات زمنية قصيرة، والتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

5. تجاهل المشاعر بحجة التفاؤل الدائم

رغم أهمية التفكير الإيجابي، فإن تجاهل المشاعر السلبية أو إنكارها قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فمحاولة فرض التفاؤل قد تعيق القدرة على التعامل مع الواقع. الأفضل هو الاعتراف بالمشاعر وتسميتها بوضوح، إذ يساعد ذلك على تخفيف الضغط عن اللوزة الدماغية، ويمنح الدماغ فرصة لاستعادة توازنه والتعامل مع الموقف بوعي أكبر.

6. ربط القيمة الذاتية بالإنتاجية فقط

يرتكب كثيرون خطأ ربط قيمتهم الذاتية بمدى إنتاجيتهم أو إنجازاتهم، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق على المدى الطويل. ويشير كورب إلى أن هذا النمط قد يمنح دفعات مؤقتة من التحفيز، لكنه يستنزف الطاقة النفسية مع الوقت. لذلك، من المهم تذكير النفس بأن القيمة الذاتية لا تقتصر على الإنجاز، وأن بذل الجهد بحد ذاته أمر كافٍ.


من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.