إنجازات نوعية جديدة لتعزيز استدامة وثراء البيئة السعودية

الرئيس التنفيذي للمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية لـ«الشرق الأوسط»: جهود المملكة لصون النظم البيئية البحرية «تضمن استدامة الموارد»

يسعى المركز إلى تحقيق الهدف «30X30» من خلال حماية 30% من مساحة المملكة البرية والبحرية بحلول عام 2030 (الشرق الأوسط)
يسعى المركز إلى تحقيق الهدف «30X30» من خلال حماية 30% من مساحة المملكة البرية والبحرية بحلول عام 2030 (الشرق الأوسط)
TT

إنجازات نوعية جديدة لتعزيز استدامة وثراء البيئة السعودية

يسعى المركز إلى تحقيق الهدف «30X30» من خلال حماية 30% من مساحة المملكة البرية والبحرية بحلول عام 2030 (الشرق الأوسط)
يسعى المركز إلى تحقيق الهدف «30X30» من خلال حماية 30% من مساحة المملكة البرية والبحرية بحلول عام 2030 (الشرق الأوسط)

شهدت البيئات البحرية والساحلية في السعودية تسجيل أعداد قياسية من الطيور والكائنات البحرية الكبيرة خلال العام الجاري، في مؤشر يعكس تنامي جهود «المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية» في حماية التنوع الأحيائي وصون النظم البيئية البحرية وتعزيز استدامتها، ضمن مستهدفات «رؤية السعودية 2030» ومبادرة «السعودية الخضراء» إلى جانب عدد من المنجزات التي حقّقها المركز خلال الفترة الماضية.

برنامج تعاوني مع جامعة «كاوست» يخدم التنوع الأحيائي كأولوية استراتيجية لمستقبل المملكة البيئي (الشرق الأوسط)

وكشف المركز لـ«الشرق الأوسط»، جملة من التفاصيل المتعلقة بعدد من الجوانب التي أنجزها مؤخراً، وفي جانب «رحلة العقد الاستكشافية للبحر الأحمر» التي مثّلت وفقاً للمركز، نموذجاً استثنائياً لجهوده في استكشاف النظم البيئية الجديدة وتوثيق الأنواع النادرة بشكل علمي منهجي، بالتعاون مع جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية «كاوست» وسفينة الأبحاث «أوشن إكسبلورر»، وبمشاركة 126 باحثاً، أشار المركز إلى أن هذه الرحلة وفّرت بيانات مهمة حول النظم غير المكتشفة، بما يدعم استراتيجيات المحافظة والإدارة المستدامة.

مسوحات شاملة للتنوع الأحيائي على السواحل السعودية

كما عزز المركز تعاونه مع «جامعة كاوست» عبر برنامج تعاوني يركز على توظيف الأبحاث الرائدة في تطوير قاعدة البيانات والأدوات العلمية لحماية البيئات البحرية والساحلية وضمان استدامتها، بما يخدم التنوع الأحيائي كأولوية استراتيجية لمستقبل المملكة البيئي والاقتصادي. ويتضمن البرنامج مسوحات شاملة للتنوع الأحيائي على السواحل السعودية في البحر الأحمر والخليج العربي، وجمع العينات لتحديد الأنواع الغازية وتصنيفها، إلى جانب برامج تدريبية متخصصة لتأهيل الكوادر الوطنية وتعزيز قدراتها في إدارة البيئات البحرية.

برنامج تعاوني مع جامعة «كاوست» يخدم التنوع الأحيائي كأولوية استراتيجية لمستقبل المملكة البيئي (الشرق الأوسط)

وحول ذلك، أكّد الدكتور محمد علي قربان، الرئيس التنفيذي للمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية لـ«الشرق الأوسط» أن التعاون مع جامعة «كاوست» يوفر أدوات علمية ونماذج تقييم مخاطر وأنظمة إنذار مبكر تسهم في حماية التنوع الأحيائي البحري والتأسيس لمستقبل مستدام، مؤكداً أن «جهود المملكة الحثيثة لصون النظم البيئية البحرية تضمن استدامة مواردها»، وكشف قربان أن «الباحثين من الجانبين يعملون حالياً على دراسة التنوع الأحيائي ومدى وجود الأنواع الغازية في 34 موقعاً في البحر الأحمر والخليج العربي، حيث جُمعت أكثر من 10 آلاف عينة وحدد نحو 200 نوع بحري محتمل من هذه الأنواع».

مستهدفات «30X30» البريّة والبحرية

وأوضح المركز أن برامج «الاستكشاف والرصد الميداني» التي ينفذها، أظهرت توثيق الباحثين مشاهدات مهمة لأكثر من 84516 طائراً بحريّاً على طول الساحلين الشرقي والغربي في الخليج العربي والبحر الأحمر، مع تحديد 39 موقعاً مهماً للهجرة والتكاثر. كما رُصدت مشاهدات استثنائية لأكثر من 1219 كائناً بحرياً كبيراً على امتداد الساحلين، الأمر الذي يجسد فاعلية جهود الحماية التي ينفذها المركز للمحافظة على التنوع الأحيائي البحري وصون النظم البيئية واستعادة توازنها واستدامتها، وتحقيق الهدف «30X30» من خلال حماية 30 في المائة من مساحة المملكة البرية والبحرية بحلول عام 2030.

تقييم 820 موقعاً في البحر الأحمر و116 في الخليج العربي

وبيّن المركز أنه يعمل ضمن الجهود الوطنية لدعم الاستدامة في النظم البيئية البحرية وتعزيز توازنها، وهي جهود تتوافق مع الالتزامات العالمية الداعمة للهدف الرابع عشر من أهداف التنمية المستدامة: «الحياة تحت الماء». وفي هذا السياق، أعلن المركز لـ«الشرق الأوسط» الانتهاء من دراسة وتقييم 936 موقعاً شملت 820 في البحر الأحمر و116 في الخليج العربي، بينما تأتي في إطارٍ متصل عملية «تقييم حالة النظم البيئية البحرية» لتحديد التهديدات والمواقع ذات الأهمية البيئية العالية وأولويات الحماية وإعادة التأهيل.

ولفت المركز إلى أنه يعمل على تطوير خطط لحفظ الموائل البحرية وإعادة تأهيلها، وضمان استدامتها للأجيال القادمة، من خلال برامج الاستكشاف الميدانية باستخدام أحدث التقنيات، إلى جانب توفير التعليم البيئي والتدريب للكوادر الوطنية لترسيخ مفاهيم المحافظة على البيئة.

تحديد المهدّدات وتعزيز الحماية

أما حول ما تستهدفه المسوحات التي يجريها المركز، فكشف المركز أنها تهدف إلى تحقيق فهم أفضل للتوزيع المكاني والزماني للأنواع البحرية، بما في ذلك الثدييات البحرية (الدلافين، الحيتان، الأطوم) والسلاحف البحرية وأسماك القرش والشنفين والطيور البحرية. وتمكّن هذه الأبحاث من مراقبة التغيرات في أعداد الأنواع الحية وتدهور الموائل وتحديد المهددات، بما يعزز خطط الحماية والاستدامة.

ويؤدّي المركز دوراً استباقيّاً للاستجابة لحالات الطوارئ مثل التلوث البحري وحوادث القوارب، من خلال تقييم سريع للأضرار واتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من التأثيرات السلبية على الكائنات والموائل البحرية. وتشمل الجهود أيضاً المحافظة على الموائل الساحلية مثل الحشائش البحرية وأشجار المانغروف عبر مسوحات دورية لتقييم الحالة الصحية والوظيفية لهذه النظم، وفقاً لما شدّد عليه المركز خلال تفاصيل موسّعة كشفها لـ«الشرق الأوسط».

تعزيز قاعدة البيانات المعرفية

وفيما يتعلق بقواعد البيانات المرتبطة، بالتنوّع الأحيائي والمواقع ذات الأهمية البيئية في المملكة، بيّن المركز أن عدداً من التسجيلات والدراسات ساهمت في تعزيز قواعد البيانات المعرفية، بما يدعم جهود المركز في «بناء خط أساس للإدارة المتكاملة والمستدامة للموارد الطبيعية. كما تواكب التوجهات الوطنية لتعزيز السياحة البيئية ورفع الوعي البيئي المجتمعي».

مسوحات يجريها المركز تهدف إلى تحقيق فهم أفضل للتوزيع المكاني والزماني للأنواع البحرية بما في ذلك الثدييات البحرية (الشرق الأوسط)

وتأتي هذه الدراسات ضمن مستهدفات المركز لاستثمار البحث والابتكار في التخطيط البيئي واتخاذ القرارات المبنية على البيانات الدقيقة، مستنداً إلى منظومة من التقنيات المتقدمة والمبتكرة التي تعزز عمليات المراقبة ورصد التغيرات البيئية وتحسين الاستجابة لحالات الطوارئ البحرية كحوادث السفن وجنوح الكائنات البحرية.

وبحسب المركز، تتناغم هذه الجهود مع «الاستراتيجية الوطنية لاستدامة البحر الأحمر»، التي تركز على الحفاظ على البيئة البحرية ودعم السياحة البيئية وتحفيز النمو الاقتصادي المسؤول، بما يوازن بين التنمية والاستدامة. ويعزز ذلك مكانة المملكة وريادتها في الاستدامة البحرية، ويسهم في دعم المجتمعات المحلية، ورفع الوعي البيئي، وتحسين جودة الحياة، وتنويع الاقتصاد بما يتواكب مع طموحات «رؤية السعودية 2030».


مقالات ذات صلة

جماعات بيئية تُقاضي إدارة ترمب بسبب تخفيف معايير كفاءة استهلاك الوقود

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

جماعات بيئية تُقاضي إدارة ترمب بسبب تخفيف معايير كفاءة استهلاك الوقود

أقامت منظمات معنية بالبيئة، الجمعة، دعوى قضائية على إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بسبب تخفيفها لمعايير رئيسية تتعلق بكفاءة استهلاك وقود المركبات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
بيئة بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

قال ‌باحثون إن الحرارة المفرطة الناجمة عن ظاهرة النينيو «الخارقة» قد تؤدي إلى ما يصل لـ451 ألف حالة وفاة خلال ستة أشهر.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
يوميات الشرق تحت عنوان «الأرض وأهلها» ينطلق «ريف السينمائي» من بلدة القبيات (الجهة المنظّمة)

«ريف السينمائي» في دورته التاسعة يحتفي بـ«الأرض وأهلها»

يقيم المهرجان، بالتوازي مع عروضه السينمائية، ندوة حول حماية أنهر عكّار...

فيفيان حداد (بيروت)
تكنولوجيا المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض

الذكاء الاصطناعي يستهلك الطاقة… فهل يستطيع أن يوفرها؟

علاقة مزدوجة بين الخوارزميات والطاقة تضع الاستدامة أمام اختبار جديد

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
يوميات الشرق مخطط يوضح حدود المحمية (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)

محمية «الإمام عبد الرحمن بن فيصل»... تنوّع طبيعي يجمع جبال طويق والكثبان والأودية

لا يؤثر تأسيس المحمية في الملكيات القائمة ولا يتضمن الإعلان نزع ملكية أراضٍ أو عقارات.

غازي الحارثي (الرياض)

تقرير: 5 آلاف مدان في إنجلترا وويلز خارج نطاق المراقبة

هل تتبُّع المجرمين يسهم في الحد من العودة للإجرام (أ.ب)
هل تتبُّع المجرمين يسهم في الحد من العودة للإجرام (أ.ب)
TT

تقرير: 5 آلاف مدان في إنجلترا وويلز خارج نطاق المراقبة

هل تتبُّع المجرمين يسهم في الحد من العودة للإجرام (أ.ب)
هل تتبُّع المجرمين يسهم في الحد من العودة للإجرام (أ.ب)

كشف تقرير حديث عن إخفاقات في نظام المراقبة الإلكترونية للمحكوم عليهم في إنجلترا وويلز، بعدما تُرك أكثر من 5 آلاف مدان دون مراقبة، خلال الأشهر الأولى من العام؛ بسبب عدم تركيب الأساور الإلكترونية لهم، في حين انقطعت الإشارات الصادرة عن نحو 1600 سوار، لأكثر من أسبوعين، نتيجة أعطال فنية أو عدم شحن الأجهزة، وفق صحيفة «الغارديان» البريطانية.

وأوضح التقرير، الصادر عن معهد الحكومة، وهو مركز أبحاث مستقل، أن نقص الموظفين في نظام المراقبة والإشراف على المحكوم عليهم أدى إلى تقليص مستوى المتابعة المفروضة عليهم، محذّراً من أن الأحكام القضائية باتت، عملياً، تفتقر إلى الفاعلية لدى معظم المدانين.

وأشار التقرير إلى أنه مع التطبيق الكامل لقانون الأحكام القضائية لعام 2026، الذي ينص على تقليص المدة التي يقضيها عدد من المحكوم عليهم داخل السجون قبل الإفراج عنهم، سيقضي معظم المدانين الثلث الأخير من عقوباتهم خارج السجن، بموجب نظام الإفراج المشروط، لكن دون إشراف فعلي.

وحذّر مُعدّو التقرير من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى مزيد من تراجع ثقة الجمهور بنظام العدالة الجنائية، فضلاً عن زيادة تعقيد الأحكام القضائية وغموضها، بما في ذلك بالنسبة إلى ضحايا الجرائم.

ووفقاً للتقرير، لم تُركَّب الأساور الإلكترونية لأكثر من 5 آلاف شخص كان يتعيّن إخضاعهم للمراقبة، خلال الفترة الممتدة بين يناير (كانون الثاني) وأبريل(نيسان) الماضيين، وهو ما يمثل نحو 15 في المائة من إجمالي الأشخاص الذين صدرت بحقّهم أوامر بالمراقبة الإلكترونية.

كما أظهر التقرير أن نحو 1600 شخص كانوا يرتدون أساور إلكترونية لم ترسل أي إشارات إلى نظام المراقبة لمدة تجاوزت أسبوعين، بسبب مشكلات تقنية أو عدم شحن الأجهزة، ما أثار تساؤلات بشأن فاعلية منظومة المراقبة الإلكترونية وقدرتها على ضمان متابعة المحكوم عليهم.

وخلص التقرير، الذي استند إلى بيانات عامة ومقابلات مع موظفين يعملون في الخطوط الأمامية، إلى أنه إلى جانب ازدياد المخاطر التي تهدد السلامة العامة، فإن السجناء أيضاً قد خُذِلوا، إذ لم تُتخذ تدابير محدودة للحد من معدلات العودة إلى الإجرام.

وفي مطلع شهر أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، أُفرج مبكراً عن الدفعة الأولى، المكونة من 700 شخص، من إجمالي 4500 مجرم من المتوقع شمولهم بالقرار، في إطار تدابير طارئة طُبقت نظراً لاقتراب السجون من بلوغ طاقتها الاستيعابية القصوى في غضون أشهر قليلة.


تقرير: الذكاء الاصطناعي والحرب النووية يهددان بفناء البشرية بحلول 2100

الاستخدام الخبيث للذكاء الاصطناعي والنزاعات النووية يشكلان أكبر تهديدين للبشرية (رويترز)
الاستخدام الخبيث للذكاء الاصطناعي والنزاعات النووية يشكلان أكبر تهديدين للبشرية (رويترز)
TT

تقرير: الذكاء الاصطناعي والحرب النووية يهددان بفناء البشرية بحلول 2100

الاستخدام الخبيث للذكاء الاصطناعي والنزاعات النووية يشكلان أكبر تهديدين للبشرية (رويترز)
الاستخدام الخبيث للذكاء الاصطناعي والنزاعات النووية يشكلان أكبر تهديدين للبشرية (رويترز)

حذر تقرير جديد من أن الاستخدام الخبيث للذكاء الاصطناعي والنزاعات النووية يشكلان أكبر تهديدين للبشرية، وقد يؤديان إلى انقراضها بحلول عام 2100.

ووفق شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد جرى إعداد التقرير بقيادة الدكتور كريستوفر جيه إل موراي، مدير معهد القياسات الصحية والتقييم بجامعة واشنطن، والدكتورة ناتاليا كانيم، المديرة التنفيذية السابقة لصندوق الأمم المتحدة للسكان، وذلك بالاستناد إلى خبرات 35 خبيراً عالمياً في مجالات الصحة والاقتصاد والأمن والحوكمة والتكنولوجيا.

وفحص مُعِدو التقرير مئات المخاطر المحتملة، مستندين إلى أدلة تاريخية وتحليلات جديدة للمخاطر شملت 204 دول وأقاليم؛ بهدف تحديد أخطر السيناريوهات المحتملة وتأثيراتها على حياة البشر.

وإلى جانب إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي واندلاع حرب نووية، واللذين قد يؤديان إلى الانقراض، حدَّد التقرير، الذي نُشر في مجلة «لانسيت»، 15 خطراً كارثياً آخر يهدد صحة الإنسان، بما في ذلك تلوث الهواء، وتغير المناخ، والإفراط في استهلاك الكحول، والأوبئة الطبيعية، والسمنة، والتدخين، وتدهور الصحة النفسية.

وقد حذر الباحثون قادة العالم من أن هذه التهديدات الخطيرة التي تواجه بقاء البشرية وصحتها تتطلب تحركاً منسقاً وموجهاً، وأنه يجب التصدي لها بشكل جماعي.

وأشاروا إلى أن القرارات المتخَذة في قطاعات الصحة والمالية والمناخ والدفاع والأمن ستحدد عدد سنوات الصحة الجيدة التي ستكتسبها الأجيال القادمة، أو تفقدها، بسبب الأمراض التي يمكن الوقاية منها والوفاة المبكرة، مضيفين أن هناك «مساراً واقعياً للتحرك».

وقال الدكتور كريستوفر: «إن النتيجة اللافتة للنظر لا تقتصر على حجم هذه التهديدات، بل تكمن أيضاً في أن البشرية لا تزال تملك القدرة على اتخاذ إجراءات».

وأضاف: «فيما يتعلق بجميع التهديدات الكارثية السبعة عشر، فإن القرارات التي يتخذها القادة، اليوم، ستُشكل صحة ورفاهية الجيل القادم، لكن تأجيل التحرك لن يؤدي إلا إلى ترحيل التكاليف إلى المستقبل ومضاعفتها».

من جانبها، شددت كانيم على أن الأحداث العالمية الأخيرة «تُظهر مدى سرعة تحول الاستقرار إلى أزمة، ومدى فداحة التكلفة المترتبة على الاستجابة للأزمات فقط بعد وقوع الكارثة».

ودعت الحكومات والمجتمعات إلى التحرك الحاسم والفوري لحماية الصحة وبناء مستقبل أكثر عدلاً وسلاماً وأمناً للأجيال المقبلة.


«المحاسبة الاجتماعية»... فيلم يدقّ ناقوس الخطر

مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت في فيلم «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)
مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت في فيلم «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)
TT

«المحاسبة الاجتماعية»... فيلم يدقّ ناقوس الخطر

مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت في فيلم «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)
مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت في فيلم «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)

ليست الصورة الأكثر رسوخاً في الذاكرة لمارك زوكربيرغ، تلك التي يظهر فيها مرتدياً نظاراته الشهيرة المميَّزة، بل صورة مارك المتخيَّلة التي تُختتم بها أحداث «الشبكة الاجتماعية»، فيلم عام 2010 الذي تناول ظروف تأسيس «فيسبوك» المشحونة بالتوتر. عند تلك النقطة، يكون مارك قد حوَّل أصدقاء إلى أعداء، وغرباء إلى أصدقاء، وبات على وشك أن يصبح أصغر ملياردير عصامي في العالم. والآن، يجلس وحيداً أمام حاسوب محمول، ويرسل طلب «صداقة» إلى حبيبته السابقة التي لا تستجيب. فيواصل تحديث صفحته على «فيسبوك» مرة تلو أخرى، في لحظة تجسِّد على نحو مثالي حال الفتى الثري المسكين، وتوحي بكل ما خسره.

جيريمي سترونغ في دور مارك زوكربيرغ (imdb)

حظي «الشبكة الاجتماعية» (The Social Network) بإشادة واسعة، وفاز ببعض جوائز الأوسكار، من بينها جائزة لكاتبه آرون سوركين، الذي واصل منذ ذلك الحين العمل في السينما والتلفزيون والمسرح. وسارت الأمور على نحو جيد أيضاً بالنسبة إلى زوكربيرغ، الذي تحوَّلت شركته الناشئة، التي انطلقت من غرفة في سكن جامعي، إلى عملاق للتواصل الاجتماعي يُقدَّر عدد مستخدميه بنحو 3 مليارات.

وبين الدفاع عن تأثير «فيسبوك»، بما في ذلك تأثيره في الأطفال والانتخابات، وتقديم اعتذارات علنية باسم الشركة، تزوَّج زوكربيرغ، وأنجب أطفالاً. كما غيَّر اسم «فيسبوك» إلى «ميتا»، وتضاعفت ملياراته مرات كثيرة، إذ تُقدَّر ثروته الصافية بنحو 250 مليار دولار، بل زار البيت الأبيض للقاء الرئيس دونالد ترمب.

يعود سوركين إلى تناول زوكربيرغ في فيلمه الجديد «المحاسبة الاجتماعية» (The Social Reckoning)، الذي يحمل عنواناً مفعماً بالأمل، وهذه المرة بصفته كاتباً ومخرجاً معاً. لا ينصبُّ التركيز هنا على البدايات أو الصداقات أو حتى زوكربيرغ، وإنما على الكيفية التي أعادت بها منصات التواصل الاجتماعي، مثل «فيسبوك»، تشكيل أدمغتنا، معرِّضةً الأجساد والكيان السياسي الأميركي للخطر. ولا يزال مارك المتخيَّل، الذي يؤديه جيريمي سترونغ على نحو يبعث على القلق، يخيِّم على الأحداث، لكنه يظهر إلى حد كبير بوصفه تجسيداً رمزياً. أما الشخصيتان اللتان تضخّان الحياة في هذا الجزء الثاني، فهما فرانسيس هوغن (مايكي ماديسون)، الموظفة الحقيقية في «فيسبوك» التي تحوَّلت إلى كاشفة للمخالفات، وجيف هورويتز (جيريمي ألين وايت)، صحافي «وول ستريت جورنال» الذي كشفت سلسلة تحقيقاته المنشورة عام 2021 ما أفصحت عنه هوغن من أن الشركة اختارت «الربح على حساب السلامة»، وكانت على علم بالأضرار التي تتسبَّب فيها.

تدور أحداث الفيلم على مدى سنوات عدة، خلال عام 2021 والسنوات المحيطة به، وترصد تحوُّل فرانسيس من مؤمنة بـ«فيسبوك» إلى متشكِّكة فيه، ثم خارجة عن عقيدته. تبدأ صحوتها حين تشاهد مقطع فيديو مقلقاً، وتتواصل في مقرّ «فيسبوك» في مينلو بارك بولاية كاليفورنيا. هناك، وسط مساحات عمل مفتوحة وأفواه مطبقة بإحكام، تعمل ضمن فريق النزاهة المدنية في الشركة، وتدرك أن خللاً خطيراً يحدث. ويقودها ذلك إلى جيف، الذي لا يملك حساباً على «فيسبوك»، لكنه لا يتورَّع عن شرح الديمقراطية بنبرة ذكورية متعالية، ويتمتَّع بإصرار صحافي يُشبه تشبُّث كلب بعظمة، وقادر على تحويل معلومات أولية إلى أخبار تتصدَّر العناوين. وقد وضع «فيسبوك» نصب عينيه، ويخوض مواجهته معه بدعم قوي من إدارة التحرير، تؤدي بيتي غيلبين دور رئيسته، ثم، مع مرور الوقت، بمساعدة فرانسيس المتردِّدة.

مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت بدورَي فرانسيس هوغن وجيف هورويتز في «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)

ومن أذكى قرارات سوركين هنا الجمع بين وايت وماديسون، اللذين يتكامل حضورهما على الشاشة، وتجعلهما وسامتهما المميَّزة وغير التقليدية، وما يوحيان به من صدق عفوي، بطلين طبيعيين في مواجهة قوة أكبر منهما. يميل وايت إلى المبالغة في التعبير بعينيه، فيمنح نظراته حدَّة زائدة بسرعة، وقد تبدو التقطُّعات في صوته متدرَّباً عليها، سواء عن قصد أم لا. الشخصية ليست غنية بالتفاصيل، لكن وايت يضيف إليها ملمساً وظلالاً. أما قدرته على الظهور بصورة تُشبه على نحو لافت ابناً يجمع ملامح روبرت ريدفورد وداستن هوفمان في «كل رجال الرئيس» (1976)، فهي ميزة إضافية.

يُحسن سوركين التعامل مع فرانسيس أكثر؛ فهي نابغة مهووسة بالتقنية، حادّة الطباع، تتفوَّق قدراتها الذهنية على مهاراتها في التعامل مع الناس. وتؤدي الشخصية وظائف درامية متعددة، إذ تشكِّل مدخل القصة ومرآة المشاهد في آنٍ واحد. ولأن فرانسيس معزولة نسبياً في العمل، لا يبدو أن أحداً يحبها كثيراً، وتكاد حياتها الشخصية تكون معدومة، ويتعيَّن عليها أيضاً أن تنبض بالحياة من دون الكمّ الهائل من الحوارات التي تميِّز سوركين. تمنح ماديسون فرانسيس نظرة باحثة، ومتسائلة أحياناً، تزداد تركيزاً وقوة، وتتباين بوضوح مع تحفُّظ الشخصية الجسدي في البداية. وبعد العمل، حين تستقرّ فرانسيس في العتمة التي تغلِّف شقتها، تضمُّ جسدها إلى نفسه كما لو كانت تطوي خيمة. ترى وحدتها، لكنك ترى أيضاً استقلاليتها.

من كواليس تصوير «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)

بمجرد أن تتواصل فرانسيس وجيف، يتحوَّل الفيلم إلى ما يُشبه فيلم تشويق أكثر اعتماداً على الحوار، مع لقاءات سرية وتهديدات تنذر بالخطر، وحتى بعض التنكُّر. وخلال ذلك، يتلاعب سوركين بالتسلسل الزمني، متنقِّلاً بين السنوات واللحظات الحاسمة. ويطلّ مارك بين حين وآخر، مرتدياً أحياناً بدلة وربطة عنق، فيما يُعدّه مساعدوه، وهنا تظهر وونمي موساكو، للمثول أمام الكونغرس. وبغرّة قصيرة تنسدل على جبينه، يؤدي سترونغ الدور بنظرة جامدة تُحدق في البعيد، ووجه غالباً ما يكون خالياً من التعبير بالقدر نفسه، وصوت قريب جداً من صوت زوكربيرغ، إلى حد أنني ضحكت حين سمعته للمرة الأولى. إنه تقليد متقن تقنياً لكائن بشري لم يعد سوركين، بوضوح، يُكنّ له أي تعاطف.

في «المحاسبة الاجتماعية»، لا يكتفي سوركين باستهداف وسائل التواصل الاجتماعي، بل يدقّ أيضاً ناقوس الخطر بشأن الديمقراطية الأميركية. ولا شكَّ في صدق هذا التحذير، لكن سوركين يطلقه في عالم يظلّ في نهاية المطاف، رغم أشراره وتهديداته، الخوارزمية وغيرها، مألوفاً على نحو مطمئن، شأنه شأن أي عالم في مواقع التصوير الخارجية بهوليوود القديمة. ورغم كل ما يتناوله الفيلم من قضايا راهنة، فإنه يستحضر تلك الأفلام الكلاسيكية التي ترسَّخت في الحمض النووي الأميركي؛ الأفلام التي ينتصر فيها البسطاء، ويتحدَّث فيها شخص مثالي بشغف عن الديمقراطية من قاعة مجلس الشيوخ، من دون أن يتدفَّق إليها مثيرو الشغب.

* خدمة «نيويورك تايمز»