«الصوت اللاتيني» يفرض نفسه في حسابات الانتخابات الأميركية

من فكرة «الجدار» على حدود المكسيك... إلى العمالة المهاجرة

من كاليفورنيا... كبرى الولايات الأميركية من حيث عدد السكان (آب)
من كاليفورنيا... كبرى الولايات الأميركية من حيث عدد السكان (آب)
TT

«الصوت اللاتيني» يفرض نفسه في حسابات الانتخابات الأميركية

من كاليفورنيا... كبرى الولايات الأميركية من حيث عدد السكان (آب)
من كاليفورنيا... كبرى الولايات الأميركية من حيث عدد السكان (آب)

ثمّة لغز يدور منذ عقود حول «الصوت اللاتيني (الهسبانيكي)» في السياسة الأميركية. هذا اللغز يعجز الجميع عن تعريفه بدقة، لكن الكل يسلّم بعمق تأثيره وأهميته في الانتخابات، استناداً إلى وزنه الجغرافي المتنامي باطراد، الذي يشكّل عامل جذب أساسي يستدعي جهداً كبيراً من مصممي الحملات الانتخابية لتعبئته واستمالته. يعود هذا التوجه إلى الجالية اللاتينية لفترة غابرة في ولايات تكساس وفلوريدا وكاليفورنيا، حيث كانت اللغة الإسبانية متداولة حتى قبل وجود الولايات المتحدة.rnلكنه أصبح حاضراً بقوة على المستوى الوطني منذ مطالع هذا القرن، بعدما أصبح أبناء وأحفاد المهاجرين الأميركيين اللاتينيين، الذين تدفّقوا بأعداد غفيرة إلى الولايات المتحدة، والذين شهدوا النور وتلقوا تعليمهم فيها، مخوّلين الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات.

تفيد الإحصاءات الأخيرة بأن عدد الأميركيين اللاتينيين - الهسبانيكيين في الولايات المتحدة ينوف عن 68 مليوناً، منهم نحو 39 مليوناً على لوائح الاقتراع، وأن مليوناً ونصف المليون أميركي لاتيني يبلغون سن الرشد سنوياً في مختلف الولايات الأميركية التي أصبحت اللغة الإسبانية هي الأكثر تداولاً في البعض منها.

أهمية الصوت اللاتيني

مع ظهور دونالد ترمب على المسرح السياسي الأميركي قبل عشر سنوات، طرأ تغيير واسع على الميول السياسية للصوت اللاتيني الذي كان الحزب الديمقراطي يعتبر ولاءه له مضموناً منذ سنوات بل وأحياناً منذ عقود.

ثم، عندما بدأ ترمب مسيرته السياسية في عام 2016، موزّعاً الشتائم يمنة ويسرة ضد المكسيكيين، ذهبت غالبية أصوات الجالية المتحدّرة من أصول لاتينية لصالح المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون. ولكن على الرغم من ذلك، فاز ترمب بالرئاسة، وانطلقت منذ ذلك التاريخ حملته الشعواء ضد الهجرة، والإجهاض، والأفكار اليسارية و«التقدمية»، التي استقطبت نسبة ملحوظة من التأييد في الأوساط اللاتينية التي كانت خيبتها من سياسات الديمقراطيين تتعاظم.

وحقاً، في انتخابات عام 2024 الرئاسية نال ترمب 40 في المائة من أصوات الكتلة التصويتية اللاتينية، وهذا رقم قياسي بالنسبة لأي مرشح جمهوري في العقود الأخيرة. يومذاك أدرك ترمب أن مخاطبة الصوت اللاتيني يجب ألا تختلف عن مخاطبة الصوت الأميركي، أي لا بد أولاً من التركيز على الجوانب المطلبية، مثل غلاء المعيشة والتضخم وفرص العمل.

وزير الخارجية ماركو روبيو (آ ب)

الناخب اللاتيني... وسط المصاعب المعيشية

غير أنه بعد مرور سنتين على تلك الانتخابات، لا يزال التضخُّم على حاله، ويتجه غلاء المعيشة من سيئ إلى أسوأ، وكذلك أزمة السكن في المدن الكبرى التي تعجّ بالجاليات اللاتينية.

بالتالي، لا شك في أن التعبئة اللاتينية الواسعة لصالح المرشحين الديمقراطيين، في الانتخابات النصفية الأخيرة، هدفت إلى مواجهة النبرات العنصرية المكشوفة التي وسمت خطب ترمب والقادة الجمهوريين، التي تجاوزت لون البشرة، وذهب بعضها إلى حدّ تحقير مجرد الانتماء الثقافي والتكلّم باللغة الإسبانية. إلى جانب ذلك، كان المواطن الأميركي المتحدّر من أصول لاتينية، والعالم بأسره، يشاهد الاعتقالات الاعتباطية والمعاملة الوحشية وعمليات الطرد التي كان يتعرّض لها الجيران والأقرباء والعمال الذين تلاحقهم «القوات الخاصة بضبط الهجرة» في الشوارع، بسبب لون بشرتهم.

الوشاية نادراً ما كانت عن مهاجر غير شرعي، بل عن لاتيني من فنزويلا في فلوريدا، أو من السلفادور في أحياء لوس أنجليس، أو من مكسيكي في شيكاغو وهيوستن.

وهذا التحقير العنصري المكشوف ضد 20 في المائة من سكان الولايات المتحدة، ومَن يشكِّلون أحياناً 40 في المائة من سكان بعض الولايات الكبرى - التي كانت المنافسة للفوز بها على أشدها بين الديمقراطيين والجمهوريين - كان من الأسباب الرئيسة، إلى جانب المعاناة الاقتصادية، التي دفعت الصوت اللاتيني مجدداً إلى تأييد المرشحين الديمقراطيين. وهنا، تجدر الإشارة إلى أن الولايات الأميركية الثلاث الأكبر هي، بالترتيب: ولايات كاليفورنيا وتكساس وفلوريدا... وكلها ذات كثافة سكانية لاتينية!

أكبر ثلاث ولايات أميركية من حيث عدد السكان

«لاتينية» الكثافة...هي كاليفورنيا وتكساس وفلوريدا

الصوت المرجح في اختبار الأمس

جميع القراءات التحليلية لنتائج هذه الانتخابات النصفية تُظهِر أن الصوت اللاتيني كان هو المرجّح الأساسي، الذي أمال الكفة لصالح الديمقراطيين في معركة السيطرة على مجلس النواب. وتبيّن أيضاً أن هذا الصوت الذي كان يسجّل نسبة عالية من الامتناع في الانتخابات السابقة، أصبح اليوم لاعباً أساسياً في المشهد السياسي الأميركي، إذا حشد كامل طاقاته المتنامية بسرعة. وتقول ماريّا تيريزا كومار، رئيسة المنظمة التي تقوم بتشجيع الجاليات اللاتينية على المشاركة في الحياة السياسية الأميركية: «منذ سنوات ونحن نتوقع أن يأتي يوم يهبّ فيه الصوت اللاتيني، مثل التسونامي، على المشهد السياسي الأميركي... وبوسعنا القول اليوم إن طريق البيت الأبيض أصبحت، اعتباراً من الآن، مرهونة بهذا الصوت».

أيضاً، كانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد توقّعت أن يكون الصوت اللاتيني حاسماً في تحديد نتائج الانتخابات النصفية، وبخاصة لتجديد مقاعد مجلس النواب في ولايات كاليفورنيا وكولورادو وفلوريدا وبنسلفانيا وتكساس، بل ولمقاعد مجلس الشيوخ في بعض الولايات. وهذا ما حصل بالفعل يوم الثلاثاء الماضي، خاصة في ولاية تكساس التي يمكن اعتبارها العنوان الرئيس لهذا التحوّل التاريخي في بوصلة الصوت اللاتيني.

لقاء البيت الأبيض

جدير بالذكر أنه مطالع الشهر الماضي استقبل الرئيس دونالد ترمب وفداً من زعماء الجاليات اللاتينية في البيت الأبيض. وطلب الرئيس منهم في ذلك اللقاء حشد الصوت اللاتيني لتأييد مرشحي الحزب الجمهوري، «كما لو كان اسمه هو الموجود على قسائم الاقتراع».

لكن النتائج التي أفرزتها انتخابات الثلاثاء الماضي أكّدت التوقعات التي كانت تشير إلى تغيير جذري في مزاج الناخب اللاتيني الذي - بغضّ النظر عن تردّي الوضع المعيشي منذ أشهر - أخذ يستشعر في سياسة الإدارة الأميركية نوعاً من الاستفزاز العنصري الموجَّه تحديداً ضده. وذلك بدءاً بحملة الاعتقالات والطرد التي كانت تستهدف المهاجرين من بلدان أميركا اللاتينية، إلى العملية العسكرية التي انتهت باختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته ووضع اليد على ثروة البلاد النفطية، مروراً بالتصريحات العدائية المتكررة على لسان الرئيس الأميركي.

العمالة الموسمية المهاجرة

بل، ويضاف إلى ذلك، واقع أن طرد أعداد كبيرة من المهاجرين غير الشرعيين – ومعظم هؤلاء عمال موسميون من دول أميركا اللاتينية – ألحق أضراراً فادحة بالوضع الاقتصادي في قطاعات أساسية، مثل الزراعة والبناء. وعادة تكثر في مثل هذه القطاعات اليد العاملة المهاجرة المتحدرة من أصول لاتينية. وتفيد البيانات الأولى بأن نسبة الأصوات اللاتينية التي انتقلت من المعسكر الجمهوري إلى مرشحي الحزب الديمقراطي في هذه الانتخابات بلغت 15 في المائة.

قراءة في تصويت أبرز الولايات

في جملة القول، واستناداً إلى نتائج الولايات المحسوبة تقليدياً للجمهوريين وانتقلت الآن إلى الديمقراطيين، كان الصوت اللاتيني رفضاً واضحاً لسياسة دونالد ترمب، كما حصل في ولاية تكساس، التي يشكّل العنصر اللاتيني 40 في المائة من سكانها، والتي ينتمي إليها السيناتور الجمهوري النافذ تيد كروز.

في تكساس سجّل الديمقراطيون فوزاً مزدوجاً بالغ الأهمية، تمثل الأول بوصول أول سيدة أميركية لاتينية لمنصب حاكمية الولاية، هي جينا هينوهوسا التي كانت لأشهر خلت سيدة مغمورة، لكنها ستصبح أقوى امرأة في الولايات المتحدة اعتباراً من مطلع العام المقبل، عندما تتولى منصبها كحاكمة لثاني أكبر ولاية في البلاد.

أما الفوز «اللاتيني» الثاني الذي شهدته تكساس، فجاء من إحدى المعارك الأساسية لعضوية مجلس الشيوخ... إذ حقق الديمقراطي الشاب جيمس تالاريكو فوزاً ساحقاً على منافسه الجمهوري كين باكستون المعروف بولائه الشديد للرئيس ترمب.

وللعلم، كان تالاريكو بنى حملته الانتخابية على حزمة من الوعود الاقتصادية، مثل ضمان الوصول إلى تأمينات صحية في متناول الطبقة المتوسطة، وحلول لخفض تكلفة المعيشة، كما وعد بدعم مشروع لتعديل قانون الهجرة، وتسهيل تسوية أوضاع المهاجرين غير الشرعيين الذين يقيمون ويعملون منذ سنوات في الولايات المتحدة.

وكان لافتاً ما قام به آلاف الناخبين في مدينة هيوستن، كبرى مدن تكساس، يوم الثلاثاء الماضي عندما كانوا يتوجهون، بعد الإدلاء بأصواتهم في مراكز الاقتراع، إلى ضريح المهاجر المكسيكي لورنزو سالغادو آراوخو الذي قضى برصاص أحد أفراد القوات المكلفة بضبط المهاجرين غير الشرعيين وطردهم. وهناك عند الضريح كان هؤلاء يتركون عليه ورقة كُتب عليها: «لقد أدليتُ بصوتي».

السيناتور تيد كروز (آ ب)

كاليفورنيا أيضاً في قلب المشهد

في كاليفورنيا، كبرى الولايات الأميركية من حيث عدد السكان، وصل المرشح «اللاتيني» خابيير بيسيرّا إلى حاكمية الولاية. وتؤكّد التحليلات الأولى للنتائج النهائية أن أصوات اللاتينيين، الذين يُطلق عليهم في الولايات المتحدة «هسبانيكيون» Hispanos، كانت الكتلة الديموغرافية التي شهدت أكبر تحول في وجهة اقتراعها خلال هذه الانتخابات. وكانت نسبة الأصوات الإضافية التي أعطتها الكتلة اللاتينية للديمقراطيين 24 في المائة أكثر من تلك التي أعطتهم إياها في انتخابات عام 2024. كذلك بلغت نسبة الصوت اللاتيني الذي أيّد المرشحين الديمقراطيين لمجلس النواب هذه المرة 69 في المائة، مقابل 30 في المائة للجمهوريين، علماً بأن التحوّل الذي شهده الصوت اللاتيني قبل سنتين كان حاسماً في إعادة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض.

... ولا تنسوا فلوريدا «ثالث الكبار»

في سياق متصل، منذ بداية حملة الانتخابات النصفية، بدا واضحاً أن الكتلة اللاتينية هي التي استقطبت الجهد الأكبر من الحزبين الجمهوري والديمقراطي لاستمالتها، وذلك لكونها تسجّل عادة أعلى نسبة من الممتنعين عن التصويت، وكونها الأسرع نمواً بين الكتل الديموغرافية الأخرى.

والحقيقة، أن بعض المرشحين الجمهوريين استشعر مدى الاستياء السائد في الأوساط اللاتينية من سياسة الإدارة الجمهورية الحالية، وبخاصة في موضوع الهجرة، فعمدوا إلى النأي بأنفسهم عن هذه السياسة.

هذا ما فعلته ماريا إلفيرا سالازار، المرشحة لعضوية مجلس النواب عن الحزب الجمهوري في ولاية فلوريدا، عندما بادرت قبل أسابيع من موعد الانتخابات النصفية إلى انتقاد سياسة ترمب، وأعلنت دعمها لتسوية أوضاع المهاجرين غير الشرعيين الذين يعيشون منذ سنوات في فلوريدا، من غير موافقة الكونغرس على منحهم الإقامة الدائمة... وكان لهذا الموقف تأثير كبير في فوزها.

مع هذا، يركّز بعض المحللين على القول إن غالبية الناخبين اللاتينيين يفتقرون إلى هوية حزبية راسخة، وإن هذا ما دفعهم إلى منح الديمقراطيين تأييداً واسعاً في الانتخابات الأخيرة بالأمس، بعدما كان لهم دور أساسي قبل سنتين في فوز ترمب، وبالتالي عودته إلى البيت الأبيض. وهنا يشير هؤلاء إلى أن لهذه الظاهرة استثناءاتها، مثل مهاجري «الشتات الكوبي» الملتزم يميناً والمناصر دائماً للجمهوريين. ولعل من أبرز وجوه «الشتات الكوبي» المعروفة في ولاية فلوريدا وزير الخارجية الأميركي الحالي ماركو روبيو، العضو السابق عن فلوريدا في مجلس الشيوخ، وأحد أبرز وجوه اليمين اللاتيني.

ختاماً، في عام 2024 حصل دونالد ترمب على تأييد غير مسبوق من الجالية اللاتينية كاد يعادل الدعم الذي نالته كامالا هاريس، وتحقّق ذلك بفضل التعبئة القوية التي قامت بها الجالية اللاتينية في فلوريدا، بجانب أصوات الناقمين على الحزب الديمقراطي لأسباب متنوعة.ولكن، كما سبقت الإشارة، في الانتخابات النصفية الأخيرة انتقل القسم الأكبر من تلك المكاسب إلى المعسكر الديمقراطي بسبب الاستياء العميق من سياسة الإدارة الحالية. ولقد رصدت الاستطلاعات نسبة عالية جداً من الاستياء في الأوساط اللاتينية مقارنة بالمتوسط الوطني، بلغت 68 في المائة عشية الانتخابات. وتفيد البيانات بأن 60 في المائة من الناخبين اللاتينيين في الانتخابات النصفية اختاروا مرشحاً ديمقراطياً لمجلس النواب، أي تماماً عكس ما حصل في انتخابات عام 2024.


مقالات ذات صلة

«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

حصاد الأسبوع داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)

«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

حملت نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة مفاجآت غير سارة بالنسبة إلى الكرملين، وركّزت وسائل إعلام حكومية على أن «الهزيمة الساحقة» التي مُني

رائد جبر ( موسكو)
حصاد الأسبوع يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.

جون أوسوف... ليبرالي هادئ يستعد لمعركة تتجاوز ترمب

قد لا يكون السؤال المحيط بجون أوسوف هو كيف استطاع شاب ديمقراطي الاحتفاظ بمقعد في ولاية صوتت لدونالد ترمب وتعد من بين الولايات الجنوبية المحافظة تقليدياً؟

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع شابيرو (أ.ب)

نجوم الديمقراطيين... صعود جديد وموازين مختلفة نحو 2028

رأى تقرير في صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، أن الانتخابات النصفية لم تمنح الديمقراطيين غالبية جديدة فحسب، بل وسّعت أيضاً دائرة الشخصيات القادرة على التأثير في وجهة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع صورة من الحدود الأميركية - المكسيكية (أ.ب)

«الجار الجنوبي» المكسيكي عامل مؤثر... سواء بوجود «الجدار» أو غيابه

لا تكتمل صورة الصوت اللاتيني في الانتخابات الأميركية من دون «الجار الجنوبي»؛ أي المكسيك؛ إذ يُستدل من بعض الدراسات أن الأميركيين اللاتينيين الشبان

حصاد الأسبوع نتنياهو (غيتي)

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت

نظير مجلي (القدس)

«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
TT

«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)

حملت نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة مفاجآت غير سارة بالنسبة إلى الكرملين، وركّزت وسائل إعلام حكومية على أن «الهزيمة الساحقة» التي مُني بها الرئيس دونالد ترمب ستكون لها تداعيات واسعة على ملف العلاقات الروسية مع واشنطن، التي كانت بالكاد شهدت انفراجة واسعة في الأشهر الأخيرة الماضية، وشهدت إطلاق عملية تطبيع للتعاون الاقتصادي والتجاري تُوجت بصفقة الديزل التي أثارت الكثير من الجدل في الولايات المتحدة وخارجها. ومع أن الكرملين أعرب في أول تعليق رسمي عن الأمل بألّا تؤثر النتائج على مواقف الإدارة الأميركية تجاه ملف التسوية والعلاقات مع موسكو، فإن تعليقات متشائمة برزت على مستوى محللين وصفوا سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي النواب والشيوخ بأنها «السيناريو الأسوأ» بالنسبة إلى روسيا.

قال الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف معلقاً على الفوز الكبير للديمقراطيين في الانتخابات النصفية والذي وُصف بأنه بمثابة «موجة زرقاء» اكتسحت معاقل الجمهوريين، إن موسكو تأمل أن «يواصل ترمب جهوده في حفظ السلام بعد انتخابات الكونغرس الأميركي».

واعتبر الناطق أن الإدارة الأميركية حققت رزمة من الإنجازات على هذا الصعيد، كان أحدثها «نجاح جهود ميلانيا ترمب في حفظ السلام والعمل الإنساني»، في إشارة إلى الدور الذي لعبته السيدة الأولى في الولايات المتحدة لإنجاز «هدنة أوليشكي» الإنسانية.

وقال بيسكوف رداً على سؤال الصحافيين حول النتائج: «يواصل الرئيس ترمب ممارسة صلاحياته. ونأمل بصدق أن يواصل جهوده في حفظ السلام. هناك تطوراتٌ جارية، وستُعقد الجولة المقبلة من المباحثات الثلاثية قريباً». وعند سؤاله عما إذا كان الكونغرس الأميركي سيتدخل لعرقلة تحركات الرئيس ترمب، أجاب الناطق الروسي بأن «هذا شأنٌ أميركي داخلي، نحن نأمل أن الأمور ستسير على ما يرام».

في السياق ذاته، جاء تعليق السياسي غريغوري كاراسين، نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الاتحاد (الشيوخ)، الذي أكد أن الرئيس الأميركي «من غير المرجح أن يغيّر مساره السياسي بعد انتخابات الكونغرس». وأكد كاراسين قناعة بأن ترمب «سيواصل النهج نفسه الذي اتبعه حتى الآن في القضايا الخارجية والداخلية».

تخوّف روسي من تداعيات سلبية

في المقابل، رجّح خبراء روس تداعيات سلبية للغاية على العلاقة مع موسكو، وحيال الصراع الروسي - الأوكراني، بل توقع المحلّل البارز بافيل شوميلوف أن «تضعف قبضة ترمب على السلطة بعد انتخابات التجديد النصفي».

ومع إشارة شوميلوف إلى تداعيات فوز الديمقراطيين في مجلس النواب على ملف العقوبات المفروضة على روسيا في إطار عرقلة أي مساعٍ لتخفيف بعض القيود أو إلغائها، رأى المحلل الروسي أن «لدى ترمب فرصة واحدة لتخفيف حدة التأثيرات على سياساته تجاه روسيا وملف التسوية في أوكرانيا، من خلال تسريع خطواته في الأسابيع القليلة المقبلة قبل أن يؤدي الكونغرس الجديد اليمين الدستورية».

في غضون ذلك، أشارت يوليا دافيدوفا، الأستاذة المشاركة في قسم التحليل السياسي والعمليات الاجتماعية والنفسية بجامعة بليخانوف الروسية للاقتصاد، إلى أن خسارة حزب الرئيس مقاعد في انتخابات التجديد النصفي أمر شائع في الولايات المتحدة. وبحسب رأيها، يعود ذلك إلى «إرهاق» الناخبين بالضغوط الرئاسية وما يترتّب عليها من أصوات احتجاجية.

وفي منظور دافيدوفا، فإن فوز الديمقراطيين «يزيد من خطر الخلافات حول الميزانية وإغلاق الحكومة» الأميركية، وفي الوقت نفسه سيحول دون تطبيق مبادرات ضريبية جذرية ونمو غير منضبط في الإنفاق الحكومي. ووفقاً للخبيرة الروسية، فإن هذا الوضع السياسي سيزيد بلا شك من حدة النقاشات حول سقف الدين والضرائب والإنفاق الاجتماعي.

في الوقت نفسه، يعتقد المحلل ياروسلاف كاباكوف أن هذا يعني بالنسبة للولايات المتحدة مواجهة ترمب عقبات سياسية كثيرة، بينها التحقيقات، والصراع حول الميزانية، والتعريفات الجمركية، والسياسة الخارجية... في حين سيتقلّص هامش إطلاق مبادرات إدارية جديدة بشكل حاد.

والأهم بالنسبة إلى روسيا - وفق كاباكوف - وجود احتمال بأن يصيب «شلل» سلطة ترمب، بالإضافة إلى عدم القدرة على التنبؤ بمدى قدرة الإدارة على الحفاظ على نافذة لعقد اتفاقيات اقتصادية. ومع توقع الخبراء تراجعاً في سلطة ترمب، فإن السؤال الأبرز هو عن «مدى هذا التراجع».

يرجح في أوساط المحللين الروس

بعد فوز الديمقراطيين بانتخابات الكونغرس أن تكون اتصالات الولايات المتحدة

مع روسيا محدودة

«سيناريوهات» ثلاثة

كان خبراء روس قد وضعوا ثلاثة سيناريوهات محتملة عشية توجّه الناخبين الأميركيين إلى مراكز التصويت:

السيناريو الأول: «كونغرس منقسم» رأوا أنه السيناريو الأكثر ترجيحاً، ويستعيد الديمقراطيون بموجبه السيطرة على مجلس النواب، في حين يبقى مجلس الشيوخ تحت سيطرة الجمهوريين، أو ينتقل إلى الديمقراطيين بفارق ضئيل. بالنسبة لروسيا، كان هذا سوف يعني «انفراجة مؤقتة»، بسبب انشغال الكونغرس والبيت الأبيض بالصراعات الداخلية، ما قد يُعرقل مبادرات كل منهما، ويقلّل تركيز واشنطن على السياسة الخارجية. وفي الوقت نفسه، ستبقى العقوبات المفروضة على روسيا سارية - وهي مدعومة من الجمهوريين والديمقراطيين على حدٍّ سواء - ولكن حتى يناير (كانون الثاني) 2027، وهو موعد تولي الكونغرس الجديد مهامه.

ورأى هذا السيناريو أنه إذا بقي مجلس الشيوخ تحت سيطرة الجمهوريين فستكون أمام الرئيس فرصة قوية للتوصّل إلى اتفاقات واسعة مع روسيا بشأن قضايا مختلفة.

السيناريو الثاني - وهو الذي حصل بالفعل: سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي الشيوخ والنواب، وقد وصفه الخبراء بأنه سيكون «أسوأ سيناريو بالنسبة إلى روسيا»؛ إذ سيجري الديمقراطيون تحقيقات ضد ترمب، ويعرقلون تعييناته، ويُصعّدون من حدة الخطاب التشديدي للعقوبات. لكن هذا السيناريو استبعد نجاح الديمقراطيين في عزل ترمب، لكن بالنسبة لروسيا هذا يعني فرصاً أقل لعقد صفقات سريعة، ومخاطر أكبر لفرض ضغوط عقابية جديدة.

أما السيناريو الثالث، الذي كان يبدو مفضّلاً لدى الكرملين لكن نتائج الانتخابات بدّدته، فكان يتمثل في محافظة الجمهوريين على سيطرة مريحة في مجلس الشيوخ. ورأى خبراء روس أنه رغم كونه «السيناريو الأفضل بالنسبة لنا، فإنه لا يشكّل اختراقاً؛ إذ سيتمتّع ترمب بمزيد من الحرية، وستكون الصفقات مع روسيا ممكنة. لكن الأمر الأهم هو أن المشاعر المعادية لروسيا في الكونغرس لن تختفي، وسيتعيّن فرض أي اتفاق بالقوة».

الواقع أنه حتى قبل التصويت توقع العديد من الخبراء الروس أن خسارة السيطرة على الكونغرس ستُعقّد جهود ترمب في السياسة الخارجية، لا سيما من خلال التأثير على تطوير العلاقات مع روسيا والضغط على أوكرانيا. لكن في المقابل، رأى خبراء أن ترمب لن يُقدم على تراجع كبير في سياسته الخارجية، التي اعتمدت أصلاً على علاقاته الشخصية ورؤيته الخاصة، كما ذكر نائب مجلس «الدوما» وعالم السياسة ألكسندر أسافوف.

ترمب يواصل دوره المحوري خارجياً

أسافوف أعرب عن قناعة بأن ترمب «سيواصل اتخاذ قراراته بنفسه. ومع ذلك، لا أستبعد أن تتباطأ وتيرة إعادة بناء العلاقات بشكل ملحوظ؛ إذ سيتوجّب على الرئيس الأميركي حل المشاكل داخل الولايات المتحدة»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الرئيس الأميركي سيلجأ بنشاط إلى استخدام حق النقض (الفيتو) لمنع الكونغرس من عرقلة تحركاته، على الرغم من أن هذا الأداء سيضاعف المشكلات الداخلية في الولايات المتحدة.

عالمة السياسة أناستاسيا غافاروفا تشارك أسافوف هذا الرأي؛ فوفق تحليلها سيبقى أهم شيء في العلاقات مع روسيا دون تغيير، ألا وهو الاعتماد على العلاقات الشخصية والتقلّبات المعتادة. وأردفت: «أعتقد أن ترمب سيواصل في المستقبل القريب التمسك بنهجه السابق، وسيسعى لعقد صفقات، حتى في إطار ثلاثي مع الصين». وأوضحت عالمة السياسة الروسية أنه «بشكل عام، ونظراً لضعف صلاحياته السياسية الداخلية، من المرجح أن يحاول ترمب تحقيق نجاح تاريخي في مجال يُعتبر أكثر ارتباطاً بالسلطة التنفيذية، ألا وهو السياسة الخارجية».

وفي سياق متّصل، أضافت غافاروفا: «لن يتخلّى ترمب عن فكرة إحياء مشروع إمداد الغاز (نورد ستريم 2). وبشكل أعمّ عن جني الأرباح من تجارة المحروقات في أوروبا. وهناك أيضاً قضايا أمنية في القطب الشمالي والمحيط الهادئ... وكلها تتطلّب حواراً مع روسيا، وهو حوار لن يتخلى عنه، وإن لم يخلُ الأمر من ردود فعل عاطفية». وأردفت: «سيعرقل الكونغرس الاتفاقيات القائمة، وسيعرقل عملية التنفيذ. لكن في جوهر الأمر، فعل الكونغرس المؤيد لترمب الشيء نفسه فيما يتعلق بروسيا؛ لذا لن يتغير الكثير على أرض الواقع».

سياسة الرئيس ترمب الروسية أمام حسابات التأثير المحتمل لتغيّر ميزان القوى في الكونغرس (أ.ف.ب)

حول الحرب الإيرانية وحساباتها

في المقابل، رأى المحلل السياسي ألكسندر ليونوف أن الكونغرس سوف يشكل رادعاً إضافياً للرئيس ترمب إذا ما أشعل جولة جديدة من الحرب مع إيران. وبحسب المحلل، فإن استئناف الأعمال العدائية أمرٌ واردٌ كـ«عمل يائس من جانب الرئيس الأميركي»، لكن السؤال هو: هل سيُقدم على ذلك بعد التطوّرات المتعلقة بهذه النتائج؟

ومن ثم، أكّد ليونوف أنه «من حيث المبدأ، التصعيد مُمكن. لكن المشكلة تكمن في أن هذه الحرب نفسها، على سبيل المثال، تتطلّب تمويلاً إضافياً. وهل سيحصل ترمب على هذا التمويل في هذا الكونغرس؟ لنتذكّر ما قاله الجمهوريون: إذا استمر ترمب في التودّد إلى روسيا عبر ملف وقود الديزل وغيره، فلن يُصوّتوا لصالحه ببساطة».

عودة إلى المحلل ياروسلاف كاباكوف، الذي يرجّح أن يكون لفوز الديمقراطيين آثار سلبية على روسيا على المدى القصير وبشكل مباشر؛ فقد يتخذ الكونغرس موقفاً أكثر صرامة بشأن العقوبات وأوكرانيا؛ لذا لا يُعوّل على رفع سريع للقيود. ويضيف: «لكن لا توجد علاقة مباشرة بين فوز الديمقراطيين وتشديد العقوبات». وسيظل موقف ترمب واستعداده للتوصل إلى اتفاق بشأن أوكرانيا العاملَ الحاسم.

واستطراداً، بالنسبة للأصول الروسية - وفق كاباكوف - لا يكمن الخطر الرئيس، وفي الوقت نفسه «الفرصة الأهم»، في الانتخابات، بل في المفاوضات اللاحقة بين واشنطن وموسكو. فإذا سارع ترمب بالمفاوضات بعد الانتخابات، فقد يفوق أثر الانفراج الجيو-سياسي الإشارة السلبية الصادرة عن الكونغرس الجديد. وخلص المحلل الخبير إلى أنه في حال التوصل إلى موقف توافقي بين الحزبين لتشديد الضغط على روسيا، فستشهد السوق الروسية انخفاضاً جديداً.

ترجيح تراجع الاتصالات

في أي حال، فإن الرأي الغالب لدى أوساط المحللين الروس أنه بعد فوز الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس من المرجح أن تكون اتصالات الولايات المتحدة مع روسيا محدودة. ولكن في المقابل، ومع انتظار اتضاح الموقف الرسمي في أوكرانيا، بدا الارتياح واضحاً في تعليق بعض الخبراء. وبرغم التوقعات بأن هزيمة الجمهوريين في الكونغرس ستوفر «مهلةً مؤقتةً لأوكرانيا»، ترى بعض التعليقات أنها لن تُنقذها تماماً.

في هذه الأثناء، بدت الأوساط الروسية قلقة حيال أن «معظم الديمقراطيين البارزين يُدافعون باستمرار عن تقديم المساعدات لأوكرانيا، وبالتالي يُمكن للكونغرس البدء في تهيئة الظروف اللازمة لدعم أوكرانيا. مع ذلك، لا ينبغي اتخاذ خطوات سريعة على الفور؛ فحتى لو قرّر الديمقراطيون زيادة المساعدات لكييف، فإن تنفيذ هذه الإجراءات قد يستغرق شهوراً، إن لم يكن سنوات. وهذا في حين أن كييف بحاجة ماسّة إلى المساعدات الآن». وهذا ما لحظه الخبير مالك دوداكوف، الذي كتب: «بالطبع، سيحتفل الأوروبيون والأوكرانيون الآن بفوز الحزب الديمقراطي في الانتخابات، لكن من غير المؤكد على الإطلاق أن تُعاد جميع المساعدات بالكامل في أي وقت قريب».

وأخيراً، أيضاً في سياق التوقعات، رأى ألكسندر ليونوف، مدير مركز «بنتا للأبحاث السياسية»، أنه بعد فوز الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس سيكون كبح جماح رغبة ترمب في التقارب مع روسيا أسهل بكثير.

وتابع: «يمكننا الآن مناقشة ما إذا كانت المساعدات لأوكرانيا ستُستأنف، ومقدارها... إلا أن النتيجة الرئيسة التي يمكن تأكيدها بوضوح هي أن التقارب مع روسيا لن يكون ممكناً بعد الآن. من الواضح أن فرص بوتين، على سبيل المثال، في مناقشة مشاريع اقتصادية مشتركة مع ترمب عبر (كيريل) ديميترييف ستتضاءل، على ما أعتقد. لذلك، من المرجح أن يتم تقليص هذا النهج».وبحسب ليونوف، قد يبدأ الكونغرس بالضغط على روسيا بشأن المبادرات التشريعية في أعقاب الهجمات الروسية المطوّلة على قطاع الطاقة الأوكراني ومقتل المدنيين.


جون أوسوف... ليبرالي هادئ يستعد لمعركة تتجاوز ترمب

يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
TT

جون أوسوف... ليبرالي هادئ يستعد لمعركة تتجاوز ترمب

يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.

قد لا يكون السؤال المحيط بجون أوسوف هو كيف استطاع شاب ديمقراطي الاحتفاظ بمقعد في ولاية صوتت لدونالد ترمب وتعد من بين الولايات الجنوبية المحافظة تقليدياً؟ بل ماذا يستطيع أن يفعل بانتصاره بعدما تجاوز اختبار البقاء؟ فالسيناتور عن جورجيا، البالغ 39 سنة، خرج من الانتخابات النصفية وقد عزز موقعه بين الوجوه التي يراقبها حزب يبحث عن قيادة، وعن صيغة تجمع ناخبين توحدهم الاعتراضات على الرئيس، لكنهم لا يتفقون بالضرورة على البديل. وفي ملامحه الهادئة وخطابه الحازم، يجد مؤيدوه وعداً بتجديد سياسي لا يكتفي بتغيير الأعمار. غير أن الطريق من أتلانتا إلى الزعامة الوطنية ليس مفتوحاً تلقائياً. فقد نفى أوسوف رغبته في خوض انتخابات الرئاسة عام 2028، وتعهد خلال الحملة بإكمال ولايته في مجلس الشيوخ. ومع ذلك، فإن فوزه على الجمهوري مايك كولينز يعيد طرح السؤال الذي لا يستطيع نفي الطموح إلغاءه: هل يملك هذا السياسي القدرة على تحويل ائتلاف محلي ناجح إلى مشروع يجمع حزباً منقسماً، ويمنحه سبباً للحكم يتجاوز معارضة ترمب؟

ولد جوناثان (جون) أوسوف في مدينة أتلانتا، عاصمة ولاية جورجيا وكبرى مدنها، في فبراير (شباط) 1987، وتخرّج في كلية الخدمة الخارجية بجامعة جورجتاون في العاصمة واشنطن، قبل حصوله على درجة الماجستير من كلية لندن للاقتصاد المرموقة في العاصمة البريطانية. وفي خلفيته العائلية، يتحدّر أوسوف من عائلة يهودية الأب، وهو متزوّج من الطبيبة أليشا كرامر، ولهما ابنتان.

في بدايات مسيرته، التحق أوسوف متدّرباً بمكتب جون لويس، أحد أبرز رموز حركة الحقوق المدنية، ثم عمل مساعداً للنائب هانك جونسون في ملفات الدفاع والسياسة الخارجية. وبحسب سيرته الشخصية، لم يصل إلى السياسة من خارج مؤسساتها، لكنه لم يمضِ حياته المهنية كلها داخلها.

صحافي استقصائي

أوسوف عمل في الصحافة الاستقصائية وإنتاج الأفلام الوثائقية، وأدار شركة «إنسايت تي دبليو آي». وتُقدمّ حملته هذه التجربة بعدِّها أساس اهتمامه بانتهاكات الحقوق وإساءة استخدام السلطة. وفي هذا المسار ما يفسّر، بالفعل، جانباً من شخصيته العامة، بوصفه سياسياً يهتم بكيفية رواية القضية، وباختيار التفاصيل التي تجعل فساداً مؤسسياً أو تقصيراً إدارياً ظاهرة مفهومة لجمهور لا يتابع جلسات اللجان.

اختباره الانتخابي الكبير الأول جاء عام 2017، حين ترشّح لمجلس النواب في إحدى دوائر ولايته جورجيا، وسرعان ما تحوّلت تلك الانتخابات الخاصة إلى مواجهة وطنية مبكّرة مع ترمب في ولايته الأولى. وبحسب صحيفة الـ«أتلانتا جورنال كونستيتيوشن» المرموقة، كسب أوسوف اهتماماً وجمع أموالاً... غير أنه خسر أمام الجمهورية كارين هاندل. تلك الخسارة كانت تنبيهاً مهماً إلى أن الحماسة الوطنية والظهور الإعلامي لا يكفيان للفوز، بل لا بد للمرشح الذي يطمح لأن يغدو رمزاً لحزبه من أن ينجح في إقناع ناخبين لا يريدون التصويت لرمز حزبي.

تجربة ناجحة حملته إلى مجلس الشيوخ

وحقاً، عاد أوسوف ليجرّب حظه، هذه المرة، في انتخابات مجلس الشيوخ. وهذه المرة هزم منافسه الجمهورية ديفيد بيرديو في جولة الإعادة يوم 5 يناير (كانون الثاني) 2021، بالتزامن مع فوز زميله القس الديمقراطي رافائيل وارنوك.

بهذا الفوز أصبح أوسوف أول سيناتور يهودي يمثل جورجيا، كما أصبح وارنوك أول سيناتور أسود لها. وبحسب وكالة «أسوشييتد برس» جاء هذان الانتصاران التاريخيان قبل يوم واحد من اقتحام الكابيتول، فارتبط صعودهما بلحظة كشفت عمق الصراع على الديمقراطية الأميركية.

إما إعادة انتخابه، بالأمس، فتمنحه الآن حجة أقوى... مفادها بأن نجاحه الأول لم يكن واقعة يتيمة.

هدوء لا يستبعد الهجوم

المفارقة في السيناتور أوسوف أن صورته الشابة، وقوامه النحيل، وملامحه الهادئة قد توحي بأنه سياسي يتجنب الاشتباكات، في حين أن جاذبيته لدى جمهور ديمقراطي تقوم على قدرته على خوضها.

إنه لا يعرض الاعتدال بوصفه خفضاً دائماً للصوت أو الإحجام عن تسمية الخصم. بل يجمع أداءً منضبطاً وانتقادات حادة، ما يمنح أنصاره إحساساً بأن الدفاع عن المؤسّسات لا يقتضي الظهور بمظهر العاجز أمام من يهاجمها.

وخلال حملته، استهدف ما سماه «تبعية» السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز (التي خسرت سباقها لمجلس الشيوخ عن ولاية ماين) لترمب، وواجه الرئيس بانتقادات تتعلق بالفساد وسوء الإدارة.

ووفق «أسوشييتد برس»، كانت تجمّعات أوسوف تُعَدّ بعناية، بينما يحوّل مساعدوه مقاطع خطبه سريعاً إلى مواد تنتشر على المنصّات. وهنا كانت تلتقي خبرته بالصورة مع حاجة الحزب إلى ناطق بليغ يستطيع الوصول إلى جمهور ما عادت البيانات الرسمية والمؤتمرات الصحافية كافية لاستمالته.

لكن مهارة التواصل ليست برنامجاً، في حين أن قيمة أوسوف السياسية تتوقّف على استخدام هذا الانتشار لبناء ثقة تستمر بعد انتهاء المواجهة. إذ سبق للديمقراطيين أن عرفوا مرشحين جذّابين ومقاطع رائجة، لكنهم لم ينجحوا في معالجة الشك في قدرتهم على تحسين الحياة اليومية. وبالتالي، سيكون اختباره الأصعب أن يحافظ على وضوح خطابه حين يصبح مُطالَباً بتفسير تسويات تشريعية معقّدة، لا بمهاجمة خصم انتخابي فقط.

الاقتصاد عبر الفساد

يحاول جون أوسوف، في صلب عرضه السياسي، وصل سؤالين كثيراً ما يفصل بينهما الخطاب الحزبي: لماذا ترتفع كلفة الحياة، ولمن تعمل السلطة؟

إنه يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة. وفي نصِ نشره عن الفساد، ربط بين اختلال السياسة وقدرة المؤسسات المالية على شراء المنازل، منتقداً اعتماد النظام السياسي على أموال الشركات والأثرياء عبر الحزبين.

غير أن خطابه هذا امتد تشريعياً، حين شارك في جهود لحظر تداول أعضاء الكونغرس الأسهم. فقد طرح مع السيناتور مارك كيلي مشروعاً لحظر «لجان العمل السياسي» التابعة للشركات الربحية، لكن لم يجر إقراره بعد. أما على صعيد الرقابة، فقد أسهم في إقرار قانون لتعزيز الإشراف المستقل على السجون الفيدرالية، بما يتيح له الاستناد إلى حصيلة عملية إلى جانب الوعود.

وتشمل مواقفه الدفاع عن قانون «الرعاية الصحية الميسَّرة»، والسعي إلى استعادة الإعانات المعزّزة لأقساط التأمين، ومعارضة التغييرات الجمهورية في التأمين الصحي «ميديكيد». وبحسب الـ«أتلانتا جورنال كونستيتيوشن» تناول أيضاً قضية شراء الشركات الكبرى المساكن، واستخدم أدوات التحقيق في مجلس الشيوخ لتوثيق أثر قيود الإجهاض في الرعاية الطبية. وهذه الملفات تمنح عباراته عن السلطة والمال ترجمة ملموسة: فاتورة تأمين، ومنزل يصعب شراؤه، وعلاج تتدخل فيه السياسة.

تنسجم هذه المقاربة مع تقرير في الـ«وول ستريت جورنال» عن توحّد الديمقراطيين حول القدرة على تحمل تكاليف المعيشة. وبحسب التقرير، اعتبر 89 في المائة من الناخبين كلفة الحياة عاملاً حاسماً أو مهماً في تصويتهم. ويضيف أن الاتفاق على المشكلة لا يحسُم العلاج، إذ يستطيع الوَسَطي والتقدمي الشكوى من الفاتورة نفسها، ثم الاختلاف جذرياً حول الضرائب والتأمين ودور الحكومة. وهنا يبدأ العمل الذي أخّره الانتصار ولم ينجزه.

ائتلاف بلا قطيعة

في الحقيقة، لا يختصر جون أوسوف نفسه في جناح آيديولوجي واحد، كونه يحتاج إلى تعبئة القاعدة الديمقراطية، وإلى طمأنة مستقلين وناخبين قابلين للانتقال بين الحزبين. وفي جورجيا، يمر بناء غالبية ديمقراطية عبر ربط قوة الناخبين السود بقطاعات من الضواحي والشباب والأقليات، مع تجنّب منح المتردّدين انطباعاً بأن التصويت للحزب يتطلب تبنّي جميع مواقف أكثر تياراته صخباً. وفعلاً، وفق مصادر إعلامية حصل أوسوف على تأييد حتى بعض المسؤولين الجمهوريين المحليين الذين أشادوا بعمله في الإغاثة والبنية التحتية والتمويل الفيدرالي. وتضيف المصادر أن هذه نقطة مهمة في فهم أسلوبه، إذ يمكنه مهاجمة ترمب وطنياً، والعمل مع جمهوريين محلياً، وإقناع بعضهم بأن العلاقة معه تُقاس أيضاً بما ينجزه لدوائرهم. فالاستقطاب الوطني لا يلغي تماماً مساحة المصالح المشتركة.

مع ذلك، يصعب اعتبار أوسوف نقيضاً جذرياً للتقدميين، فمقاومة نفوذ الشركات، والرقابة على السلطة، وحماية الحقوق، مواضيع يتقاطع فيها معهم. في حين يتعلّق الاختلاف بترتيب الأولويات وصياغة الرسالة وحدود الالتزام ببرامجهم. وهو لا يجعل الانتماء إلى اليسار عنوان مشروعه، ولا يثبت استقلاله عنه بتبنّي خطاب خصومه، بل يحاول إبقاء مساحة تسمح لمجموعات مختلفة بأن تجد سبباً لتأييده. أيضاً، لا يجوز افتراض أن نتيجة الانتخابات تكشف وحدها التركيب الدقيق لذلك الائتلاف. فمعرفة حجم اختراق أوسوف بين الجمهوريين، أو أثر مشاركة الشباب والناخبين السود، تحتاج إلى بيانات تفصيلية. ثم إن فوزه جاء في موجة وطنية مواتية وأمام منافس واجه مشاكل سياسية. وبالتالي، فالنجاح يثبت قدرته على استثمار الفرصة، لكنه لا يثبت بعد أن نموذجه قابل للنقل إلى كل ولاية.

إسرائيل وحدود التوازن

يشكل ملف إسرائيل اختباراً كاشفاً لموقعه داخل الحزب. فأوسوف يجمع تأييد أمن إسرائيل وانتقاد سياسات حكومتها، وصوّت لتقييد بعض مبيعات السلاح، من دون تبني وقف شامل للدعم العسكري. وفي بيان رسمي بشأن التصويت الذي جرى عام 2025، رفض أوسوف صمت مجلس الشيوخ على حرمان المدنيين في غزة وتجويع الأطفال، مع تأكيد أهمية ردع الهجمات على الإسرائيليين وانتقاد «حماس» واحتجازها الرهائن.

غير أن هذه الموازنة لم تكن مريحة انتخابياً له. إذ أثارت مواقفه من السلاح انتقادات في أوساط يهودية مؤيدة لإسرائيل، لكنها لم تجعله تلقائياً ممثلاً لمواقف الجناح الأكثر يسارية. والأدق أنها تعكس محاولة للفصل بين حماية الإسرائيليين ومنح حكومة بنيامين نتنياهو «موافقة مفتوحة» على طريقة إدارة الحرب. وهنا تصبح هويته اليهودية جزءاً من سياق مواقفه، لا تفسيراً كافياً لها.

هذه القضية تبيّن حجم المهمة أمام أي قائد ديمقراطي مقبل. فجمع الناخبين حول الأسعار أسهل من توحيدهم حول حرب وهوية وطنية وحدود استخدام القوة. كما يستطيع أوسوف أن يقدّم أسلوباً لإدارة التباين، لكن احتواءه داخل ائتلاف انتخابي لا يعني تسويته سياسياً. وبالتالي، إذا اتسع دوره، فسيواجه مطالب متعارضة للحصول على إجابات أكثر حسماً.

اختبار ما بعد الفوز

عموماً، تكمن جاذبية أوسوف في جمع عناصر يحتاج إليها الديمقراطيون: سن أصغر، وخبرة تشريعية متراكمة، وقدرة على التواصل، وسجل انتصارات في ولاية تنافسية. لكنه في المقابل، لم يتولَّ منصباً تنفيذياً، ولم يختبر بعد إدارة تنافس وطني داخل حزبه. لكن الأهم أن الفوز الكبير الأخير لا يمنح الحزب الديمقراطي تفويضاً مفتوحاً.


نجوم الديمقراطيين... صعود جديد وموازين مختلفة نحو 2028

شابيرو (أ.ب)
شابيرو (أ.ب)
TT

نجوم الديمقراطيين... صعود جديد وموازين مختلفة نحو 2028

شابيرو (أ.ب)
شابيرو (أ.ب)

رأى تقرير في صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، أن الانتخابات النصفية لم تمنح الديمقراطيين غالبية جديدة فحسب، بل وسّعت أيضاً دائرة الشخصيات القادرة على التأثير في وجهة الحزب. لكن التمييز يظل ضرورياً بين نجم انتخابي صاعد، وصاحب مشروع وطني، ومرشح رئاسي محتمل. فالانتصار قد يفتح الباب، لكنه لا يمنح الفائز تلقائياً تنظيماً وطنياً أو برنامجاً جاهزاً للرئاسة.

جيمس تالاريكو، الذي اخترق تكساس، مثّل فوزه بمقعد في مجلس الشيوخ إحدى أبرز المفاجآت. فالمشرّع والمعلم السابق، البالغ 37 سنة، يجمع خطاباً اقتصادياً شعبوياً ولغة دينية يستمدها من دراسته اللاهوتية. وتكمن أهميته في مخاطبة جمهور محافظ ثقافياً من داخل مفرداته الأخلاقية، مع تحدّي نفوذ الأثرياء. وهو يطرح سؤالاً يتجاوز مستقبله الشخصي: هل يستطيع الديمقراطيون استعادة لغة الإيمان من دون تبني سياسات اليمين؟

أما عبد الرحمن السيد، أول مسلم يدخل مجلس الشيوخ، وذلك عن ميشيغان، فقد منح فوزه الجناح التقدمي حجّة ضد القول إن الفوز في الولايات المتأرجحة يتطلّب دائماً الابتعاد عن اليسار. لقد خاض السيد حملة تقدمية صريحة، بدعم من ألكساندريا أوكاسيو كورتيز. لكن قدرته على تحويل هذا الانتصار نفوذاً وطنياً ستتوقف على أدائه التشريعي وتوسيع تحالفاته، لا على رمزية الاختراق وحدها.

هينوهوسا (أ.ب)

روب ساند وآدم هاميلتون، لقد قدم فوز الأول بحاكمية آيوا والآخر بمقعد كانزاس في مجلس الشيوخ نموذجين مختلفين في الاستقلالية عن العلامة الحزبية. ركز ساند على المساءلة وتحسين الحكم، في حين قدّم هاميلتون، القس الذي كان جمهورياً في بداية العام، نفسه جسراً إلى المعتدلين. وهما يمنحان الوسطيين حجة موازية لحجة التقدميين: يمكن توسيع الخريطة أيضاً بمرشحين يتركون مسافة بينهم وبين الحزب الوطني.

جينا هينوهوسا في تكساس، وكيشا لانس بوتومز في جورجيا، وآمي أكتون في أوهايو، الحاكمات الجديدات، يفتح فوزهنّ مسارات جديدة للقيادة ورصيداً يحتاج إلى إنجاز. وتكتسب بوتومز مكانة تاريخية كأول امرأة سوداء تُنتخب حاكمة ولاية. لكن الانتقال إلى السلطة التنفيذية يعني أن اختبار الخدمات والموازنات سيبدأ سريعاً، وقد يعيد ترتيب الشعبية التي صنعتها الحملات.

ومع ذلك، حافظت بعض الأسماء الديمقراطية الراسخة على حضورها. فقد تعزّز موقع جوش شابيرو بانتصاره في بنسلفانيا، واحتفظ حاكم ماريلاند ويس مور وحاكم إلينوي جيه بي بريتزكر برصيد تنفيذي بعد إعادة انتخابهما. ويظل غافين نيوسوم وآندي بشير ومارك كيلي ضمن الأسماء المطروحة وطنياً، إلى جانب أوكاسيو كورتيز في النقاش حول قيادة التقدميين، بحسب «أسوشييتد برس».