أهالي غزة بين ثالوث الجوع والفقر والمرض... والعالم يحصي «العقود الضائعة»

قطاعات بكاملها دُمِّرت... والواقع المعيش «صدمة مستمرة»

طفل يجمع الخردة من مكبّ جنوب غزة (أ.ف.ب)
طفل يجمع الخردة من مكبّ جنوب غزة (أ.ف.ب)
TT

أهالي غزة بين ثالوث الجوع والفقر والمرض... والعالم يحصي «العقود الضائعة»

طفل يجمع الخردة من مكبّ جنوب غزة (أ.ف.ب)
طفل يجمع الخردة من مكبّ جنوب غزة (أ.ف.ب)

بين مجاعة وشيكة، وفقر مدقع، وأمراض لا تذر كبيراً ولا صغيراً، يقع سكان قطاع غزة محاصرين بين ثالوث شر لا يرحم، وقوات عسكرية لا تملك أي إنسانية.

وبعد نحو 14 شهراً من المأساة، يرى شهود عيان أن مَن مات في القطاع استراح، أما من عاش، فهو يحيا تجربة الاقتراب من الموت كل لحظة؛ سواء من القصف، أو من الجوع والمرض والفقر. تحدثت «الشرق الأوسط» إلى كثير من أهالي القطاع المحاصر والنازحين والمسؤولين الأمميين للوقوف على واقعهم اليوم.

يتذكر محمد، وهو اسم مستعار طلب محدِّثنا استخدامه، كأغلب النازحين الذين فضلوا عدم تعريفهم خشية تعرضهم لمشكلات، أيامه قبل الخروج هرباً من القطاع في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، فيقول: «كنا نسمع في أجواء الحي القصف ليلاً، وصفير القذائف المتوالية بينما تسقط قبل انفجارها، لنجلس طوال الليل نحاول أن نعرف أين سقطت ومن مات... ثم نصحو لنخرج جميعاً إلى الشوارع من أجل معرفة الحقيقة، وعزاء أسر الضحايا، وتهنئة من لا يزال حياً».

وبدوره يروي إياد، لـ«الشرق الأوسط»، معاناة عائلته في غزة بعدما اضطر لتركهم خلفه، فيقول باكياً: «تحدث معي إخوتي وقالوا لي، لديك فرصة للخروج من غزة إلى مصر، اذهب ولا تقلق علينا ولا على أمك وأخواتك البنات، فالبقاء هنا لن يعني إلا أن نموت جميعاً. على الأقل يمكنك من هناك إرسال بعض المال لإعانتنا، أو حتى تقدر أن تسحبنا خلفك إلى مصر... وعلى الأسوأ، إذا متنا نجد أحداً يدفننا».

الهروب إلى الأمام

الدكتور محمد أبو دوابة، محاضر أكاديمي في الجامعات الفلسطينية وباحث في المجال النفسي والاجتماعي، تحدث إلى «الشرق الأوسط» عن وجهة نظره في ما يعانيه سكان غزة كأكاديمي عاصر جزءاً كبيراً من الأحداث على الأرض، وقال: «العوامل في قطاع غزة متداخلة، ولا يمكن الفصل بين الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، والحلول المتاحة أصبحت لا تكفي لمشكلات الناس. وفي علم الاجتماع، عندما تكون هناك مشكلة وأنت في وسطها وتتحرك معها، فتراها من منظور... لكن إذا خرجت خارج الصندوق، تجد حالك تراها وأنت ثابت بشكل مختلف تماماً، وتشعر بالمعاناة التي يعانيها أهل غزة».

ظاهرة أخرى غريبة رصدها أبو دوابة وقال إنه يحاول دراستها، فقد لاحظ أن أهالي غزة ممن لديهم أولاد أو بنات صاروا يُقبلون على تزويج أبنائهم بكثافة، لا من أجل الفرح –«وهو إحساس قُتل عند الجميع»- حسب تعبيره؛ بل كنوع من أنواع تخفيف المسؤولية. فأهل البنت يريدون أن تدخل تحت غطاء الحماية الاجتماعية لزوجها، وأهل الولد يريدون أن يستقل عنهم.

ويتابع أبو دوابة: «لم يعد الزواج يمارَس بوصفه امتداداً ونواة للمجتمع لبناء الأسر، لكن هنا صار الوضع كله هروباً من الظروف الاقتصادية وتخفيف الأعباء على الأسر، فالوضع الاقتصادي ضرب نسيج المجتمع في مقتل. وفي العالم كله كلمة زواج تعني الفرح والسعادة والمستقبل والخلفة، فيما أهل غزة لا تمكنهم إقامة أفراح، ففي كل عائلة أكثر من شهيد وحالات ممتدة من الحداد، والفقر يحاصرهم من كل جانب».

أبرز القطاعات المتضررة في غزة (الشرق الأوسط)

ولادة تحت القصف

تجربة أخرى مريرة ترويها عزة، التي تقول إنها كانت في شهور الحمل الأخيرة وكان من المقرر أن تسافر مع زوجها قبل اشتعال الأزمة، لكن كل شيء تغير بعد بدئها.

تروي عزة: «تجربة آخر شهرين في الحمل كانت صعبة جداً في الحرب بسبب عدم توفر الغذاء الصحي للحامل وعدم وجود غاز الطهي، وأغلب الوقت شغالين على نار الحطب، وطبعا دخان كثير وكنت خايفة جداً على الجنين من دخان النار... والأكل اللي كان متوفر إما مكرونة أو عدس، ولو عاوزين حاجه دافية في البرد نشرب شاي من دون سكر».

وتواصل عزة شهادتها لـ«الشرق الأوسط»، فتقول: «وقت الولادة كان الاتصال مقطوعاً عن غزه كلها، ما فينا نكلّم الإسعاف لو صار وجع ولادة، وحتى سيارات الإسعاف كانت تُستهدف كثيراً... ولا فينا نطلع بالسيارة لأنه لا يوجد بنزين. وأي شخص عنده سيارة ومتوفر فيها بنزين كان يخاف يطلع ويخاطر بحياته لأنه بيتم قصف السيارات المدنية. وقتها بيتي كان بعيداً عن المستشفى وكان أفضل حل أروح بيت أهلي القريب نوعاً ما للمستشفى».

لكن لسوء الحظ تم إبلاغ المربع الذي يسكن فيه أهل عزة بالإخلاء، لأن الجيش الإسرائيلي سيتدخل برياً، فنزحت هي وأهلها مجدداً إلى بيتها. ومن شدة الرعب، لم تداهمها آلام الولادة، فذهبت إلى المستشفى للكشف، ليكتشفوا أن حالة الجنين ليست مطمئنة، فحجزوها 3 أيام لحين الولادة.

تقول عزة: «خلال هذه الأيام الثلاثة لم يكن هناك من غذاء سوى الحلاوة التي تدخل من خلال المساعدات. وضُرب المستشفى بقذيفة دبابة، لكنّ الله سلَّم. وعُدتُ إلى البيت لأجد أمراً آخر بالإخلاء، لم يكن أمامنا من خيار سوى الذهاب إلى المخيمات بابنتي حديثة الولادة... حيث البرد القارس، والأمطار تبلل كل شيء داخل الخيمة. ولا طعام إلا وجبة واحدة مكونة من نصف رغيف خبز، ومياه الشرب قليلة ولا يحبذ الشرب بعد الساعة السادسة مساءً لأنه غير مسموح بمغادرة الخيمة للحمامات مساءً... كل هذا أدى في النهاية لعدم تمكني من إرضاع طفلتي بشكل طبيعي، واضطررت لاستخدام الحليب الصناعي، الذي كنت أشك في صلاحيته بالأساس لكونه يباع في الشارع؛ لكن لم يكن أمامي أي خيارات».

أما بالنسبة للملابس، فتقول عزة إن سكان القطاع يتعاونون في توفير ملابس الأطفال المستعملة بعضهم لبعض، فيما كانت تضطر لإبقاء على حفاظة ابنتها لأكثر من 10 ساعات كونها غير متوافرة. وتضيف: «أساساً موضوع الصحة آخر ما يمكن أن تفكر فيه في المخيمات... الاستحمام متاح مرة كل أسبوعين، وغسيل الملابس باليد على شاطئ البحر، وطبعاً شيء مثل الفوط الصحية النسائية تَرَفٌ غير موجود من الأساس».

نساء بطلات و«قلة حيلة»

وضع النساء -بصورة خاصة- المأساوي، دفع «الشرق الأوسط» إلى التوجه إلى الدكتور معز دريد، المدير الإقليمي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، الذي أوضح وجود أكثر من 155 ألف امرأة حامل أو مرضع داخل قطاع غزة حالياً، أغلبهن لا يجدن رعاية كافية بما يؤدي إلى تفاقم خطورة الأوضاع الصحية، وبينما تحاول الهيئات الأممية بكل السبل إيجاد وسائل لدعمهن ودعم غيرهن، إلا أنها تقف «قليلة الحيلة» في ظل الحصار ومنع دخول المساعدات، خصوصاً بعد حظر «أونروا» من ممارسة دورها، والتي كانت تعد العمود الفقري الأساسي للمؤسسات الأممية كافة داخل القطاع، ودورها بلا بديل ولا يعوَّض.

سيدة فلسطينية تُطعم طفلها وسط الأنقاض في منطقة نهر البارد جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وقال دريد: «الوضع كارثي، وعدد القتلى في غزة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 يناهز حالياً 45 ألف شخص، وهذا يعادل 6 أضعاف عدد القتلى خلال مجمل الأعوام الـ15 التي سبقت الأحداث الحالية. كما أن التركيبة الديمغرافية لهؤلاء الضحايا شهدت تغيراً فارقاً، إذ إن 70 في المائة منهم من النساء والأطفال، بعكس كل الأحداث والأعوام الماضية، مما يؤكد زيادة الاستهداف الأعمى للسكان دون التفرقة بين المدنيين وغيرهم... وهذا المعدل يساوي قتل ما يناهز 3 من السيدات والأطفال في كل ساعة يومياً منذ بداية الحرب!».

وأكد دريد أن بعض الأسر نزحت أكثر من 10 مرات من أجل الهرب من الضربات، ولا يوجد مكان آمن في غزة، والخدمات غير متوفرة، والأوضاع في غاية السوء.

وحول المساعدات التي تقدمها هيئة الأمم المتحدة للمرأة في غزة، أوضح دريد أنها قدمت مساعدات غذائية ونقدية لنحو 75 ألف امرأة وأسرهن، «من بينهن 14 ألف امرأة مسؤولات بالكامل عن أسرهن نظراً لغياب أي عائل لأسباب الوفاة أو الاعتقال أو خلافه، إضافة إلى برامج الدعم النفسي والاجتماعي. كما تتعاون الهيئة مع منظمات فلسطينية في غزة تقودها النساء، واللاتي نثمن ونقدر دورهن وصمودهن في ظل الأوضاع والصعاب الحالية».

وأفاد دريد بأن المساعدات التي تصل إلى مستحقيها شحيحة جداً، ليس بسبب قلة التمويل أو تقاعس مقدمي الدعم، ولكن بسبب العوائق التي تفرضها قوى الاحتلال، وغياب القدرة على تأمين هذه المساعدات القليلة التي تعبر إلى داخل القطاع، وهو أيضاً ما يقع تحت مسؤولية قوة الاحتلال وفقاً للقانون الدولي.

وبعد نحو 14 شهراً من الحرب، يؤكد دريد أنه مع مستويات الفقر والبطالة والدمار الهائلة في غزة، ومع فقدان العائل الأساسي لنحو 8 آلاف من الأسر، تشير التحليلات إلى أن النساء فقدن روافد الدخل ومصادر الرزق بشكل فائق... ومع توحش التضخم، أصبحت حالة هؤلاء النساء مأساوية.

تجريف وجوع

وفي ظل الأوضاع المأساوية التي يعيشها أهالي القطاع، حاولت بعض القرى أن تلجأ إلى زراعة احتياجاتها الغذائية، بل نجح أهالي جباليا وبيت لاهيا، على سبيل المثال، في تحقيق ما يشبه الاكتفاء الذاتي زراعياً... لكنَّ القوات الإسرائيلية اجتاحت الأراضي ودمرت البنية التحتية عمداً، بما يشمل الأراضي وقنوات الري وحتى مزارع الإنتاج الحيواني والسمكي، وذلك تحت ستار البحث عن الأسلحة والأنفاق، حسب شهادات شهود عيان وخبراء تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، إلى جانب فرض قيود على دخول البذور والأسمدة إلى القطاع.

رجل يختبئ خلف عمود فيما ينتشر الدخان والغبار نتيجة انفجار خلال غارة إسرائيلية استهدفت مدرسة في غزة (أ.ف.ب)

وعلى هامش إحدى الفاعليات الخاصة التي حضرتها «الشرق الأوسط» في القاهرة، قال عبد الحكيم الواعر، مساعد المدير العام والممثل الإقليمي لمنظمة الأغذية والزراعة في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، إن «التحدي الأكبر للمنطقة العربية بشكل عام فيما يخص الأمن الغذائي هو الحروب والنزاعات، وخلال النزاعات المطولة والممتدة مثل الوضع في غزة، يوجد أثر كبير على قطاع الزراعة والغذاء».

وأضاف الواعر أن «ذلك يعود إلى عدة عوامل، أولها هجران الناس والمزارعين أراضيهم، مما يتسبب في خلل المنظومة الزراعية، خصوصاً أنهم في حالة نزوح دائم من منطقة إلى أخرى. وذلك بالإضافة إلى الدمار المباشر لهذه الأراضي، فقد جرى تدمير نحو 70 في المائة من الأراضي الزراعية في غزة، سواء بالضرب المباشر خلال العمليات العسكرية أو عبر التجريف، وتأثراً بحركة الآليات الثقيلة... كما نضبت الثروة السمكية تقريباً داخل القطاع منذ 7 أكتوبر 2023، والثروة الداجنة انتهت بالكامل لأنه لا توجد إمدادات، وبقي جزء قليل جداً من الثروة الحيوانية، الذي نحاول كمؤسسات دولية دعمه بالمدخلات الضرورية مثل العلف والتحصينات والمغذيات. وبالإضافة إلى ذلك لا توجد مصادر مياه أو غذاء آمنة ونظيفة ولا كافية، والمساعدات الغذائية شبه متوقفة».

وأكد الواعر أن «كل سكان» غزة أصبحوا للمرة الأولى يقعون تحت خطر التهديد بالجوع، حيث إنهم إمَّا يقعون في الفئة الخامسة (المجاعة) أو الرابعة (الكارثة)، وهي الفئة التي لا يتحصل فيها الإنسان على وجبة واحدة يومياً بصفة منتظمة.

مكان غير صالح للحياة

ولأن المصائب لا تأتي فرادى، فلم يكفِ سكان قطاع غزة كل ما يمرون به، ليُنكَبوا بوقف إسرائيل دخول المساعدات الشحيحة بالأساس.

وحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فإن وصول المساعدات الإنسانية إلى القطاع يواجه عراقيل كثيرة، ومن أصل 423 حركة مساعدات إنسانية تم التنسيق لها مع السلطات الإسرائيلية في الفترة من الأول إلى 20 أكتوبر الماضي، تم تسهيل 151 حركة فقط، ورُفضت 189، وعطلت البقية. وفيما يتعلق بحركة وصول المساعدات إلى شمال القطاع، قال المكتب الأممي إنه تم تسهيل 4 حركات فقط من أصل 66 حركة مخططاً لها في ذات الفترة.

التأثير الاقتصادي والشرائح التي شملها هامش الفقر (الشرق الأوسط)

من جانبه، أكد عدنان أبو حسنة، المتحدث باسم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، أن هناك تراجعاً بالغاً في مستويات الأمن الغذائي في قطاع غزة، وأن الوضع في الجنوب «على أبواب مجاعة حقيقية»، فيما دخل الشمال مجاعة فعلية، ودخلت المنظومة الصحية بشكل عام مرحلة الانهيار. وأشار إلى تكرار رفض طلبات دخول المساعدات الغذائية والطبية إلى القطاع من جانب الحكومة الإسرائيلية. وضرب مثالاً بأن الأسبوع الأول من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) شهد مرور 37 شاحنة يومياً فقط، من بينها شاحنات مياه وأدوية وخيام، وذلك لخدمة 2.3 مليون ساكن للقطاع.

ولفت المسؤول الأممي، خلال «مائدة مستديرة» حضرتها «الشرق الأوسط» بمكتب الأمم المتحدة في القاهرة، إلى نقطة أخرى مهمة تؤكد معاناة سكان القطاع، إذ إن مئات الآلاف من السكان صاروا مصابين باضطرابات نفسية وعقلية نتيجة ما يمرون به من مأساة، حيث قدمت «أونروا» أكثر من 800 ألف استشارة نفسية في غزة خلال الفترة الماضية. كما حذر من أن المياه في غزة غير صالحة للشرب على الإطلاق، وكل المياه ملوثة ولا يمكن تنقيتها بعد تدمير منظومة الصرف الصحي تماماً.

حصار من كل الجوانب

وتشير أحدث تقارير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (إسكوا)، والصادرة في شهر نوفمبر إلى أن مستوى الفقر في دولة فلسطين بشكل عام قفز إلى 74.3 في المائة في عام 2024، مؤثراً على أكثر من 4.1 مليون شخص، من بينهم 2.61 مليون يدخلون تحت هذا الخط للمرة الأولى. فيما تشير التقديرات إلى قفزة متوقعة لما يُعرف باسم «مؤشر الفقر متعدد الأبعاد» -الذي يقيس الفقر وفقاً لعدد من الأبعاد مثل مستوى المعيشة والوصول إلى الخدمات وغيرها- من 10.2 في المائة (وفقاً لقياسات عام 2017) إلى 30.1 في المائة في عام 2024... وكل ذلك بالتزامن مع انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 35.1 في المائة مقارنةً بسيناريو عدم وجود حرب، وارتفاع البطالة إلى 49.9 في المائة (التقديرات الحالية من أغلب المسؤولين -وفي ظل غياب أرقام دقيقة- تشير إلى مستويات بطالة تفوق 85 في المائة من السكان).

فلسطينيون يجلسون وسط الأنقاض في موقع غارة إسرائيلية على منزل بالنصيرات وسط قطاع غزة (رويترز)

مؤشر خطير آخر تشير إليه البيانات، مع تدهور مؤشر التنمية البشرية في فلسطين إلى مستوى 0.643 نقطة فقط، وهو أدنى مستوى له على الإطلاق منذ بداية تسجيل البيانات في عام 2004، فيما هوى المؤشر في قطاع غزة تحديداً إلى 0.408 نقطة، ماحياً كل ما اكتسبه على مدار أكثر من 20 عاماً.

كما تشير «إسكوا» إلى أن عدد الإصابات في غزة تخطى 102 ألف شخص، فيما تخطى عدد القتلى 43 ألف شخص، من بينهم أكثر من 17 ألف طفل وأكثر من 7 آلاف امرأة.

تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) تشير أيضاً إلى أن هناك نحو 1.9 مليون نازح داخلياً في قطاع غزة بما يمثل 90 في المائة من مجمل السكان البالغ عددهم نحو 2.1 مليون نسمة، خصوصاً أن نحو 87 في المائة من الوحدات السكنية في القطاع إما دُمِّرت وإما تضررت بشدة. وأن من بين هؤلاء السكان أكثر من 345 ألف في حالة مجاعة شديدة (المرحلة الخامسة)؛ و876 ألفاً في حالة خطرة (المرحلة الرابعة)، فيما يواجه 91 في المائة من السكان ظروفاً غذائية غاية في السوء تضعهم في المرحلة الثالثة على مقياس الأزمة الغذائية.

دمار البشر والحجر

وتوضح تقديرات تقارير «أوتشا» أن نحو 68 في المائة من الأراضي الزراعية في القطاع قد تم تدميرها، وكذلك 52 في المائة من الآبار الزراعية، و44 في المائة من المشاتل أو الصوب الزراعية، و70 في المائة من أسطول الصيد. وتابعت أن 95 في المائة من الماشية أيضاً ماتت، نتيجة إمّا القصف وإمّا عدم الرعاية وإمّا الاستهلاك من دون قدرة على الإحلال.

وتشير بيانات دولية أخرى إلى أن نحو 80 في المائة من المرافق التجارية في قطاع غزة، و68 في المائة من شبكة الطرق فيها دُمِّرت، وفقاً للحسابات والتقديرات حتى صيف العام الجاري. كما أن أكثر من 650 ألف طالب لا يحصلون على تعليم مستدام، خصوصاً مع احتياج أكثر من 87 في المائة من المباني في مدارس قطاع غزة لإعادة بناء.

أطفال فلسطينيون يجري إجلاؤهم من موقع تعرَّض لقصف إسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ب)

وفي أبريل (نيسان) الماضي، أصدر البنك الدولي تقريراً بالاشتراك مع الأمم المتحدة، يقدِّر تكلفة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية في غزة في ثلاثة أشهر (من بداية الحرب حتى يناير «كانون الثاني» الماضي فقط) بنحو 18.5 مليار دولار، أي ما يعادل 97 في المائة من إجمالي الناتج المحلي للضفة الغربية وقطاع غزة معاً عام 2022.

كما أشار التقرير إلى انقطاع التيار الكهربائي بشكل شبه كامل منذ الأسبوع الأول للصراع. ومع تدمير أو تعطيل 92 في المائة من الطرق الرئيسية، وتدهور البنية التحتية للاتصالات، أصبح إيصال المساعدات الإنسانية الأساسية إلى السكان صعباً للغاية.

ويؤكد التقرير أن «الدمار خَلَّفَ كمية هائلة من الحطام والأنقاض تقدر بنحو 26 مليون طن قد تستغرق سنوات لإزالتها والتخلص منها»، أما على المستوى الإنساني، فقال: «تعرضت النساء والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة للقدر الأكبر من الآثار التراكمية الكارثية على صحتهم البدنية والنفسية والعقلية، مع توقع أن يواجه الأطفال الأصغر سناً عواقبَ سوف تؤثر على نموهم وتطورهم طوال حياتهم».

وأفاد التقرير بأنه مع تضرر أو تدمير 84 في المائة من المستشفيات والمنشآت الصحية، ونقص الكهرباء والمياه لتشغيل المتبقي منها، لا يحصل السكان إلا على الحد الأدنى من الرعاية الصحية أو الأدوية أو العلاجات المنقذة للحياة. وتعرَّض نظام المياه والصرف الصحي تقريباً للانهيار، وأصبح لا يوفر سوى أقل من 5 في المائة من خدماته السابقة، مما دفع السكان إلى الاعتماد على حصص مياه قليلة للغاية للبقاء على قيد الحياة. وبالنسبة إلى نظام التعليم فقد انهار، حيث أصبح 100 في المائة من الأطفال خارج المدارس النظامية.

وفيما يخص الحالة الصحية والغذائية في القطاع، أشارت التقارير الأممية إلى أن 96 في المائة من الأطفال في عمر 6 إلى 23 شهراً، والنساء، لا يحصلون على احتياجاتهم الأساسية من العناصر الغذائية الكافية نتيجة النقص الحاد في التنوع الغذائي. مقدرةً أن نحو 50 ألف طفل من أبناء القطاع يحتاجون إلى علاج لسوء التغذية خلال العام الجاري.

وفيما يخص وضع القطاع الطبي، تشير الإحصاءات إلى أن 19 مستشفى (من بين مجموع 36 مستشفى) خرجت عن العمل، فيما تعمل الـ17 مستشفى الباقية بصورة جزئية؛ إما نتيجة تضرر بنيتها التحتية، وإما نتيجة الافتقار إلى المعدات والأدوات الأساسية وإما نتيجة نقص في طواقم العمل الطبية... ونتيجة لذلك، فإن نحو 14 ألف مريض في حالات متباينة يحتاجون للإخلاء الطبي خارج القطاع من أجل إنقاذ حياتهم.

آلام مضاعَفة

الأوضاع الصحية السيئة التي يشير إليها الجميع داخل قطاع غزة، وسط بنية تحتية تعاني من دمار هائل، جعلت «الشرق الأوسط» تسأل منظمة «أطباء بلا حدود» حول الوضع هناك، وهل تمارس المنظمة عملها بشكل طبيعي؟

الدكتور أحمد أبو وردة، مدير الأنشطة الطبية في مستشفى ناصر بخان يونس، أجاب قائلاً: «بالطبع لا، نحاول في (أطباء بلا حدود) بذل كل ما بوسعنا لتقديم أفضل خدمة طبية ممكنة للمرضى والمصابين بالوضع الحالي؛ لكن الكل يعلم صعوبة دخول المستلزمات والمعدات الطبية والأدوية منذ إغلاق معبر رفح».

ويشير أبو وردة إلى أنه لا يوجد حالياً سوى نحو 1000 موظف في كل أفرع المنظمة في قطاع غزة، مؤكداً أن «الحاجة كبيرة جداً وهناك فجوات في بعض التخصصات حتى اليوم».

ومع استهداف المستشفيات، فإن عدد الأسرّة المتاحة للمرضى صارت محدودة للغاية، ويتم التعامل مع الحالات حسب الأولوية الصحية، حسب أبو وردة، الذي يوضح أن أعداد الحالات من ذوي الأمراض المزمنة، خصوصاً داخل المخيمات صارت «مهولة»، حيث إن «معظم سكان القطاع متكدسون في منطقة صغيرة للغاية بظروف بيئية وصحية سيئة للغاية، ويتردد يومياً على عيادات الرعاية الأولية آلاف المرضى من ضمنهم الأمراض المزمنة، وفي ظل الوضع الحالي الكثير من أدويتهم غير متوفرة».

تجويع ممنهَج وفساد

شاهِد آخر من داخل القطاع، طلب تعريفه باسم وسام، قال: «بدأت الحرب في أكتوبر، وكانت بالتوازي معها هناك حرب اقتصادية تمثلت في جميع مناحي الحياة لأول مرة في تاريخ المعارك العسكرية ضد الفلسطينيين... من قطع جميع أواصر الحياة والضرب العنيف على كل أوتار الاقتصاد؛ يعني آلة القتل الإسرائيلية تطول الناس من ناحية، ومن الأخرى تقطع الكهرباء ليتم دفع الصناعة بالكامل إلى الشلل وتوقف التجارة بالكامل بعد إغلاق المعابر ليصبح هناك نقص حاد في الموارد السلعية».

وسام، الذي يعمل بأحد المراكز الحكومية ذات الصلة بالتجارة، أكد لـ«الشرق الأوسط» أن الوضع صار خطيراً بالفعل حالياً، لأن المخزون السلعي الاستراتيجي انخفض بشكل حاد، ليصبح لا يكاد يكفي 72 ساعة إثر الإغلاق الكامل للمعابر وقطع الإمدادات. ويتابع وسام: «فيما يخص الغاز مثلاً، فقد أصبح يدخل القطاع بشكل متقطع. والاعتماد حالياً على ما يدخل بشكل مباشر لأن الخزانات أصبحت بلا قيمة، فما يدخل ينفد في ذات اللحظة».

أطفال يحملون أواني معدنية ويتزاحمون للحصول على الطعام من مطبخ يتبع الأعمال الخيرية في خان يونس بقطاع غزة (إ.ب.أ)

أيضاً هناك أزمة أخرى، فالمواد السلعية التي تمر ليست منتظمة ولا منسَّقة، وعن ذلك يقول: «ما بيعطوك كامل المواد من احتياجاتك مرة واحدة... اليوم ممكن يمر منظفات وشغلات ثانوية ويقطعوا عنك اللحم والأرز والمواد الأساسية، عشنا آخر 10 أيام على هذه الشاكلة. بتلاقي أيام تانية نزلّك لحم ودجاج لكن بشكل أقل من الكميات المطلوبة، وبيصير سعرها عالي طبعاً. وهذا شكل مقنن لقطع المصادر الغذائية الأساسية وتوصيل الناس إلى مراحل كبيرة من سوء التغذية، وبتلاقي الناس كلها هزيلة وتعبانة لأنهم ما بيحصلوا على وجبة كاملة... لازم يكون في نقص في شيء».

فساد داخلي؟

لم يكن وسام وحده الذي يشير إلى الفساد، ورغم أن الكل يُدين الطرف الإسرائيلي سواء في المجازر أم الحصار والتجويع لسكان قطاع غزة، إضافةً إلى مسؤولية دولة الاحتلال عن توصيل المساعدات وفقاً للقانون الدولي، فإن كثيراً من قاطني القطاع والهاربين منه يُدينون الإدارة المحلية في قطاع غزة بأنها جزء من الأزمة، سواء بالضلوع في استغلال الوضع، أو السكوت عن الفساد.

وأشار عدد كبير ممن تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» إلى أن الإدارة المحلية تسيطر على توزيع المساعدات الأممية، لكنَّ الفساد يتسلل إلى جانب من هذه المنظومة حيث تكثر السرقات للمستودعات، إضافةً إلى فرض ضرائب باهظة و«إتاوات» على مرور أي بضائع داخل القطاع... وكل ذلك أدى إلى حالة شح شديدة بالأسواق، وتضخم متوحش كسر ظهور سكان قطاع غزة.

ويرى خبير اقتصادي من داخل القطاع، طلب تعريفه باسم الدكتور وليد، أن «حماس» تسيطر على السيولة النقدية داخل القطاع، حيث أشارت تقديرات إسرائيلية إلى أن حجم الأموال التي جمعتها «حماس» خلال عام من الحرب تتجاوز 750 مليون دولار، من بيع المساعدات عدا عن الضرائب التي جمعتها، بالإضافة إلى السيولة النقدية التي قامت ببيعها. علماً أن الحركة سيطرت على خزانة بنك فلسطين المحدود التي كانت تحتوي على ما يقرب من 140 مليون دولار في بداية الحرب، حسب مصادر محلية ودولية.

آفاق مالية غائمة

وفيما يخص القطاع المالي في غزة إثر كل هذه التحديات العنيفة، تبلغ قيمة محفظة البنوك في غزة نحو مليار دولار، وتبلغ قيمة قطاع التمويل الأصغر في المنطقة نحو 54 مليون دولار، حسب تقارير الأمم المتحدة.

ونفّذت سلطة النقد الفلسطينية وقفاً مؤقتاً للقروض حتى سبتمبر (أيلول) 2024، على الرغم من أن التأثير على كفاية رأس المال والسيولة كان كبيراً. وتقدَّر الخسائر المباشرة التي تكبَّدتها مرافق القطاع المالي في غزة بأكثر من 14 مليون دولار، بالإضافة إلى التأثير الإجمالي للظروف الاقتصادية المتدهورة على المحفظة المصرفية.

فلسطينيون يلتقطون رزم مساعدات أُلقيت من الجو على شمال غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

وهناك أيضاً مخاوف بشأن استعادة السيولة النقدية المتاحة في غزة قبل الحرب. وتؤكد التقارير أنه «لمعالجة نقص السيولة، قدمت سلطة النقد الفلسطينية بعض المساعدات، لكن مشكلات السيولة والوصول إلى الخدمات المالية لا تزال قائمة. ويظل انكشاف النظام المصرفي على القطاع العام مرتفعاً، حيث تجاوز مستوى 2.5 مليار دولار في يوليو (تموز) 2024. وتشير النسبة المتزايدة من الشيكات المرتجعة -التي تصل إلى 9 في المائة من قيمة جميع الشيكات في الربع الأول من عام 2024، حتى 25 في المائة في بعض الحالات- إلى ملف مخاطر مالية كلية متنامٍ».

وفي تقرير للبنك الدولي، صدر في مايو (أيار)، أكد أن وضع المالية العامة للسلطة الفلسطينية قد تدهور بشدة في الأشهر الأخيرة قبل صدوره، مما يزيد بشكل كبير من مخاطر انهيار المالية العامة. وأشار إلى «نضوب تدفقات الإيرادات إلى حدٍّ كبير بسبب الانخفاض الحاد في تحويلات إيرادات المقَاصَّة المستحقة الدفع للسلطة الفلسطينية والانخفاض الهائل في النشاط الاقتصادي. وتؤدي الفجوة الآخذة في الاتساع بسرعة بين حجم الإيرادات والمصروفات لتمويل الحد الأدنى من الإنفاق العام إلى أزمة في المالية العامة».

وأوضح التقرير أنه في نهاية عام 2023، وصلت الفجوة التمويلية إلى 682 مليون دولار، وأنه من المتوقع أن تتضاعف هذه الفجوة خلال الأشهر المقبلة لتصل إلى 1.2 مليار دولار. وأفاد بأن زيادة المساعدات الخارجية وتراكم المتأخرات المستحقة للموظفين العموميين والموردين هي خيارات التمويل الوحيدة المتاحة للسلطة الفلسطينية.

وفقد الاقتصاد الفلسطيني ما يقرب من نصف مليون وظيفة منذ أكتوبر 2023. يشمل ذلك فقدان ما يُقدَّر بنحو 200 ألف وظيفة في قطاع غزة، و144 ألف وظيفة في الضفة الغربية، و148 ألفاً من العمال المتنقلين عبر الحدود من الضفة الغربية إلى سوق العمل الإسرائيلية. وختم التقرير بعبارة: «ومع ضبابية المشهد وعدم اليقين بشأن آفاق عام 2024، من المتوقع حدوث انكماش اقتصادي آخر يتراوح بين 6.5 و9.6 في المائة».

7 عقود ضائعة

وفي تقديرات أخرى لـ«إسكوا»، فإنه في حال دخول الاقتصاد الفلسطيني إلى السيناريو الأسوأ مع عدم التعافي المبكر من آثار الحرب، واستمرار التضييق الإسرائيلي على السكان وبقاء مستوى المساعدات على وضعها الحالي، فإنه من المتوقع تهاوي الناتج المحلي الإجمالي بنحو 20.1 في المائة في 2025، وصولاً إلى 34 في المائة في 2034، مقارنةً بأوضاع ما قبل الحرب.

في تقرير آخر صادم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، صدر في أكتوبر الماضي بمناسبة مرور عام على حرب غزة، أكد أن «آثار الحرب أدت إلى تراجع التنمية في غزة بما يناهز 69 عاماً»، وأنه «دون رفع القيود الاقتصادية، وتمكين جهود التعافي، والاستثمار في التنمية، لن يقدر الاقتصاد الفلسطيني على استعادة مستويات ما قبل الحرب والتقدم للأمام بالاعتماد على تدفق المساعدات الإنسانية وحدها».

مقتل أكثر من 10 أشخاص إثر قصف إسرائيلي على منزل في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويشير التقييم إلى أن خطة شاملة للتعافي وإعادة الإعمار، تجمع بين المساعدات الإنسانية والاستثمارات الاستراتيجية في التعافي وإعادة الإعمار، إلى جانب رفع القيود الاقتصادية وتعزيز الظروف المواتية لجهود التعافي، من شأنها أن تساعد في إعادة الاقتصاد الفلسطيني إلى المسار الصحيح ليستعيد توافقه مع خطط التنمية الفلسطينية بحلول عام 2034 -ولكنَّ هذا السيناريو لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كانت جهود التعافي غير مقيدة.

وقال أخيم شتاينر، مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: «تؤكد التوقعات الواردة في هذا التقييم الجديد أنه في قلب المعاناة الإنسانية والخسائر الفادحة في الأرواح، تَلوح في الأفق إرهاصات أزمة إنمائية خطيرة تُعرِّض مستقبل الأجيال الفلسطينية القادمة للخطر». وأضاف: «يشير التقييم إلى أنه حتى لو تم تقديم المساعدات الإنسانية كل عام، فإن الاقتصاد قد لا يستعيد مستوى ما قبل الأزمة لمدة عقد أو أكثر. ويحتاج الشعب الفلسطيني إلى استراتيجية قوية للإنعاش المبكر يتم تنفيذها حالما تسمح الظروف على الأرض، كجزء لا يتجزأ من مرحلة المساعدة الإنسانية، من أجل إرساء الأسس للتعافي المستدام».

معركة الصبر والصمود

وحول الوضع النفسي حالياً لسكان غزة، يقول الدكتور محمد أبو دوابة: «المعروف عن الشعب الفلسطيني قدرته على الصمود، لا أتحدث عن المقاومة العسكرية، بل على مقاومة الظروف الصعبة... فهل ما وصلنا إليه يعد حالة يأس؟ في رأيي -وبعد عام كامل من الأزمة وظروف يمكن أن تضرب هذه الروح في مقتل- إننا بشر نُبدع في (آليات الصبر واستراتيجيات الصمود)».

وحول تجربته الشخصية، يقول أبو دوابة: «في بداية الأزمة، عملت متطوعاً في مستشفى الأقصى متخصصاً نفسياً... لكن كم كانت المهمة صعبة جداً، مثلاً ماذا يمكن أن نقول لشخص كل عائلته استُشهدت؟ وكان لي منذ سنوات ورقة بحثية في مؤتمر حول الصحة النفسية، أتكلم فيها عن (اضطرابات ما بعد الصدمة)، وأن ما يحدث في غزة هو صدمة مستمرة (Ongoing trauma) وليست صدمة عبرت بالفعل... ولكن هذه المرة فإن طول أمد هذه الصدمة المستمرة يجعلنا نشعر أن الناس بدأوا يصرخون بأنهم بشر وليسوا صامدين أو ناجين، فالناجي من الموت في غزة شخص يموت من الصدمة أكثر من 100 مرة في اليوم».


مقالات ذات صلة

فرنسا تقترح مناورة لـ«الناتو» في غرينلاند حفاظاً على أمن القطب الشمالي

أوروبا صورة نشرها ترمب على موقع «تروث سوشيال» تشير إلى أن غرينلاند أرض أميركية منذ عام 2026 (حساب الرئيس الأميركي) play-circle

فرنسا تقترح مناورة لـ«الناتو» في غرينلاند حفاظاً على أمن القطب الشمالي

فرنسا تدعو إلى إجراء مناورة لـ«الناتو» في غرينلاند، والدنمارك تريد من التكتل «الأطلسي» الوجود بشكل دائم في الجزيرة مثلما عزز وجوده في بحر البلطيق.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس دونالد ترمب يحمل سيفاً بعد استخدامه لتقطيع كعكة في حفل في واشنطن (أ.ب) play-circle

الاتحاد الأوروبي بمواجهة حائط مسدود في غرينلاند وترمب يمعن في الاستفزاز

الاتحاد الأوروبي بمواجهة حائط مسدود في غرينلاند وترمب يمعن في الاستفزاز وثلاث قمم منتظرة الأربعاء والخميس والأوروبيون يعملون على حسم خياراتهم للرد على ترمب

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا تُظهر هذه الصورة التي التقطتها القوات المسلحة الدنماركية يوم 18 يناير 2025 جنوداً دنماركيين خلال تدريب على الرماية بموقع غير محدد في غرينلاند (أ.ف.ب) play-circle

روسيا سعيدة بالانقسام بين ترمب وأوروبا بشأن غرينلاند رغم مخاوفها الخاصة

روسيا سعيدة بالانقسام بين ترمب وأوروبا بشأن غرينلاند رغم مخاوفها الخاصة... ترى أن سلوكه يبشر بنظام عالمي جديد بلا قواعد، وهو أمر قد يفيدها.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا آلاف النرويجيين تسلموا رسائل من القوات المسلحة تبلغهم بإمكانية مصادرة أملاكهم في حال نشوب حرب (رويترز)

النرويج: رسائل للمواطنين بإمكانية مصادرة أملاكهم في حال نشوب حرب

بدأ آلاف النرويجيين، الاثنين، بتسلم رسائل من القوات المسلحة تبلغهم بإمكانية مصادرة منازلهم ومركباتهم وقواربهم وآلياتهم في حال نشوب حرب.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
الاقتصاد تمتلك «غازبروم» الروسية حصة 11.3 % في شركة «نيس☼ الصربية (إكس)

«غازبروم» الروسية لبيع حصتها في شركة التكرير الصربية «نيس» لـ«مول» المجرية

أعلنت شركة «غازبروم نفط» الروسية، أنها توصلت إلى اتفاق لبيع حصتها في شركة تكرير النفط الصربية «نيس» لشركة «مول» المجرية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

«مخرَج طوارئ» محتمل للفصائل العراقية... لا يتسع للجميع

عراقي يحمل علم إيران يمرّ أمام قوات الأمن أمام السفارة الإيرانية في بغداد خلال مظاهرة لإظهار التضامن ضد التهديدات الأميركية (د.ب.أ)
عراقي يحمل علم إيران يمرّ أمام قوات الأمن أمام السفارة الإيرانية في بغداد خلال مظاهرة لإظهار التضامن ضد التهديدات الأميركية (د.ب.أ)
TT

«مخرَج طوارئ» محتمل للفصائل العراقية... لا يتسع للجميع

عراقي يحمل علم إيران يمرّ أمام قوات الأمن أمام السفارة الإيرانية في بغداد خلال مظاهرة لإظهار التضامن ضد التهديدات الأميركية (د.ب.أ)
عراقي يحمل علم إيران يمرّ أمام قوات الأمن أمام السفارة الإيرانية في بغداد خلال مظاهرة لإظهار التضامن ضد التهديدات الأميركية (د.ب.أ)

منذ بدء الاحتجاجات في إيران، كانت نخب حزبية في العراق تتهامس عما إذا كانت «الثورة الإسلامية» في طهران على حافة سقوط سريع. غير أن السؤال الذي يُسمع بحذر في بغداد كان عن نظام إيراني يبقى على قيد الحياة ضعيفاً ومجرداً من أدواته، لسنوات طويلة.

يبدو هذا السؤال حاضراً في كواليس تحالف «الإطار التنسيقي»، الأكثر التصاقاً بالمعادلة الإقليمية، إذ يتصرف اليوم كما لو يعيد تموضعه بين مراكز قوى جديدة، لكن ليس قبل أن يدفع الثمن.

تقول شخصيات من أحزاب شيعية وفصائل وباحثون، تحدثت معهم «الشرق الأوسط»، إن القلق من تداعيات الأحداث في إيران حاضر في بغداد، لكن الحديث عنها يبقى صامتاً لاعتبارات «عقائدية»، إلى جانب «العجز المزمن عن إنتاج سياسات وطنية مستقلة».

منذ أشهر، تتراكم لحظات ضاغطة على القوى الشيعية. تدفع واشنطن لتفكيك الميليشيات وفك ارتباطها العملياتي والاقتصادي مع إيران. ترزح طهران تحت عقوبات واحتجاجات امتدت شرارتها إلى «البازار». ويحاول «الإطار التنسيقي» في بغداد هندسة معادلة حكم يمكنها الصمود بين كل هذه الضغوط.

يُعتقد على نطاق واسع أن ازدحام ممثلي الفصائل المسلحة في البرلمان، بأكثر من نحو 80 مقعداً، واحد من تكتيكات عديدة للتكيف مع الضغوط الأميركية، سواء انهار النظام في إيران، أو بقي ضعيفاً لسنوات مقبلة.

لذا، تُظهر فعاليات شيعية ميلاً اضطرارياً للانتقال من عصر الميليشيات إلى الدولة، لكن لن يتم ذلك قبل إنتاج قوة «مركزية» داخل مؤسسات الدولة نفسها، لتجنب الصدام مع الأميركيين والتكيف مع احتمالية غياب أو استمرار ضعف المظلة الإيرانية.

يتبين مع مرور الوقت أن تجنب الصدام مع الأميركيين لا يتطلب التخلي عن النفوذ الإيراني فقط، بل إنتاج نفوذ محلي تحت مظلة تفرزها صفقة وطنية.

صبي عراقي يحمل صورة خامنئي خلال مظاهرة في بغداد لدعم النظام الإيراني (رويترز)

«حالة تشبه صدام حسين»

ليس من تقاليد الأحزاب الشيعية منذ عام 2003 أن تطرح مستقبل النظام الإيراني للنقاش العام. ثمة شعور سائد بأن «البحث في مصير نظام يقوده المرشد علي خامنئي أمر معيب عقائدياً بالنسبة للذين يدينون له بالولاء المطلق»، وفق قيادي بارز في «الإطار التنسيقي».

كما أن كثيرين يفندون من الأساس احتمالية انهيار النظام. لكن بالنسبة لهشام داود، وهو باحث في «المركز الوطني الفرنسي»، فمن الصعب تجاهل أثر العقوبات القصوى على المجتمع الإيراني. يقول لـ«الشرق الأوسط» إن العقوبات «لا تُسقط الأنظمة بقدر ما تُعيد تشكيل المجتمعات، ناقلة إياها من ثقافة العيش إلى البقاء على قيد الحياة».

يلقي سياسيون هذه الأيام تشبيهاً في مجالس خاصة يثير القلق لدى الجماعات الشيعية، إذ «يقترب نظام طهران من حالة صدام حسين بعد غزو الكويت مروراً بالحصار الاقتصادي؛ قاعدة اجتماعية مسحوقة وقيادة تتجرد مع الوقت من أدواتها التقليدية».

كذلك، لا يرى عقيل عباس، وهو باحث في الشؤون الأميركية، أن «النظام في إيران سيسقط، لكنه على يقين بأن سلوكه سيتغير»؛ على هذا الأساس قد تتجه القوى الشيعية إلى التكيف لعبور العاصفة.

لا يبدو هذا المسار كافياً في نظر الأميركيين الذين لا يبحثون عن الكنز، بل عن المفتاح. وقبل أن يصل إلى العراق، كتب مارك سافايا، مبعوث الرئيس الأميركي، أن «الميليشيات ليست سوى عرض لمرض أعمق في البلاد». منذ أشهر يرسم الرجل بين أوساط شيعية في بغداد صورة «الفزاعة في الحقل لطرد الطيور»، ضمن نطاق ضغط أوسع تمارسه الإدارة الأميركية.

وتظهر جماعات مثل «عصائب أهل الحق» مرونة لافتة مقارنة بتاريخها. فالفصيل الذي ترعرع على قتال الأميركيين يكبر الآن بوصفه واحداً من أهم أقطاب الحكومة والبرلمان، ويخطط للاستحواذ عليهما في الدورة التشريعية المقبلة، كما يقول مقربون من زعيمه قيس الخزعلي.

ورحّب الرجل، خلال حملته الانتخابية قبل شهور، بالاستثمارات الأميركية. مع ذلك تصر واشنطن على إزالة ممثله في البرلمان من منصب نائب الرئيس، وفق ما تسرب من لقاءات أجراها القائم بالأعمال جوشوا هاريس مع مسؤولين في «الإطار التنسيقي».

السلوك الأميركي مع الفصائل الشيعية في بغداد، يشرحه دبلوماسي غربي كان يعمل في بعثة دبلوماسية بين بغداد ودمشق، خلال فترة اجتياح تنظيم «داعش»، قائلاً: «من الواضح الآن، وبعد أشهر من (دبلوماسية القوة) مقابل عدم الاستهداف العسكري، أن الأميركيين لا يبحثون عن هدنة، بل عن ضربة قاضية، ومن ثم صفقة ممكنة بشروطهم». ويضيف: «على الأغلب. سافايا لديه دور محدد في توضيح هذه الشروط والتأكد من تنفيذها».

«كتائب حزب الله» من أكثر الجماعات الشيعية في العراق ولاء لنظام المرشد علي خامنئي (إكس)

«أكثر من السلاح»

رفض متحدثون باسم فصائل مسلحة التعليق على أسئلة بخصوص خططهم للتعامل مع الضغوط الأميركية، إلا أن قيادياً في فصيل مسلح طلب التحفظ على هويته قال إنهم وصلوا مع واشنطن إلى «مواجهة من دون أقنعة. بلا وسطاء ومناورات».

مع ذلك، يفترض الباحث عقيل عباس أن القوى الشيعية ستتجه «لتحويل الميليشيات الحالية إلى قوات محلية بأسماء جديدة يقتصر دورها على حماية النظام داخل العراق، من دون أدوار إقليمية، أو استفزاز الولايات المتحدة وإسرائيل».

نظرياً، قد تكون هذه نهاية سعيدة للأميركيين. لكن القيادي في الفصيل المسلح، الذي ينشط في منصة «إكس» هذه الأيام لمهاجمة المحتجين في إيران واتهامهم بالعمالة لإسرائيل، يقول إن «الفصائل والأميركيين على عتبة مواجهة على جوهر النفوذ والمال. إنهم يريدون ما هو أكثر من السلاح؛ أصل المقاومة. كنا نحاول أن نحصر الأزمة في السلاح. لكنهم باتوا يضغطون على وجودنا واقتصادنا وارتباطنا العقائدي. كيف نتصرف؟ ما الذي بقي من هامش المناورات سوى الدفاع عن كرامتنا؟».

يضيف القيادي: «مثل هذه الأسئلة تُطرح في بغداد أسرع مما تُجاب في طهران، وعلينا الاعتياد على هذا الحال».

عراقيون يحملون علم إيران وشعار «كتائب حزب الله» وصورة خامنئي خلال مظاهرة في بغداد (أ.ف.ب)

إيران «التي لا تُقهر»

يصنف هشام داود، ردود الفعل الشيعية في بغداد على الحدث الإيراني إلى 3 مجموعات. تضمّ الأولى القوى الولائية ذات الارتباط العقائدي المباشر بإيران، التي لا ترى في الدولة العراقية إطاراً نهائياً للانتماء السياسي، بل ساحة عمل ضمن مشروع عابر للحدود.

من وجهة نظر داود، تبقى هذه القوى «مستعدة لتحمّل كلف عالية، حتى لو طالت الدولة العراقية نفسها، طالما أن ذلك يخدم ما تعتبره التزاماً شرعياً تجاه طهران».

بالفعل، تثق الفصائل في إيران «الصامدة التي لا تُقهر» لأسباب توصف غالباً بـ«الإلهية»، بيد أن «الثقة المطلقة» حاضرة حتى في المستويات الاستراتيجية. يقول القيادي في الفصيل المسلح، وكان نشطاً في سوريا قبل انهيار نظام بشار الأسد، إن «بعض المعارك تُدار بمنطق يتجاوز حساباتنا المحلية، وإن القرار النهائي لا يكون دائماً بيد من يدفع الثمن على الأرض». يضيف: «لا معنى لهامش الثورة الإسلامية من دون مركزها في إيران».

أمّا المجموعة الثانية، فهي القوى التي أدارت الحكم منذ 2003، وتعيش حالة أكثر تعقيداً. يقول داود إنها «ليست ولائية بالمعنى العقائدي والتنظيمي الصريح، لكنها لم تنفكّ عن التأثر العميق بالدور الإيراني، لأسباب تاريخية ومذهبية، وأيضاً بدافع الخشية من قدرة هذا النفوذ على إعادة تشكيل اصطفافات شيعية داخلية».

تسعى هذه القوى اليوم إلى الظهور بوصفها صاحبة شرعية داخلية وطنية، لكنها في الممارسة لا تزال تُحيل لحظات الحسم إلى طهران، كما ينتظر المرشحون إشاراتها لشغل المناصب العليا.

ويعتقد كثيرون أن سلوك هذه المجموعة تجلّى بوضوح فيما قيل إنه «تنازل» من محمد شياع السوداني لنوري المالكي عن منصب رئيس الحكومة. «في الحقيقة كانت محاولة لإنشاء تحالف ينتج مركز قوة قديماً جديداً يستعيد مركزية المالكي في ولايته الأولى والوزن»، يقول القيادي الشيعي البارز في «الإطار التنسيقي». ويضيف: «نحن أمام حقبة قد تطول دون أن نستعيد إيران التي نعرفها، تحشر أنفها في كل شيء».

ودفعت المجموعات الولائية جمهورها للتظاهر في مدن الوسط والجنوب حاملين صور خامنئي وأعلاماً إيرانية لإظهار التأييد والاستعداد للدفاع عن نظام «ولاية الفقيه»، لكن تحالف «الإطار التنسيقي» أصدر بياناً واحداً يوم 15 يناير (كانون الثاني) شجع الأطراف الإقليمية على الحلول الدبلوماسية، محذراً من «التحديات الاقتصادية القائمة، وانخفاض أسعار النفط».

يومها كان هذا التحالف غارقاً في حسابات تقليدية لتقاسم النفوذ، لكن عليهم توزيع المخاطر أيضاً على الرؤوس المشاركة في السلطة.

ينهمك «الإطار التنسيقي» في هندسة معادلة جديدة لتشكيل الحكومة الجديدة في العراق (واع)

وتتمثل المجموعة الثالثة في الأغلبية الشعبية ضعيفة التمثيل التي ترى في استمرار النموذج الإيراني، كما يُعاد إنتاجه في العراق، أحد أسباب الجمود السياسي، والأزمة الاقتصادية، وانسداد الأفق الاجتماعي، وعزل العراق عن محيطه والعالم.

وقد يكون التيار الصدري أحد ممثلي هذه الأغلبية. يقول الباحث هشام داود إنها «تُختزل سياسياً، بخلاف واقعها، في صورة الامتداد الإيراني، وهو اختزال يفرض عليها تكلفة رمزية وسياسية مضاعفة».

وتبدو غالبية القوى الشيعية العراقية، باستثناء بعض الأطراف العقائدية، «مستعدة لعقد صفقات مع الإدارة الأميركية، شريطة ضمان مصالحها داخل الدولة العراقية، على نحو يشبه النموذج الذي تحاول واشنطن اختباره في سوريا»، وفق الباحث داود.

في مسار آخر، بات يُنظر إلى أن محاولات إنتاج مظلة قوية تشغل الفراغ بدأت مبكراً مع الحضور اللافت لمجلس القضاء الأعلى. منذ عشية الانتخابات التشريعية في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، كان القاضي فائق زيدان «ينصح» بالتزام التوقيتات الدستورية لتشكيل الرئاسات العراقية الثلاث. وبعد نحو شهرين بات يحدد بالاسم الفصائل التي يجب عليها «حصر السلاح». لذا، تسرب إلى النخب العراقية أنهم أمام ملامح «مظلة حاكمة بديلة تسد الفراغ بقوة القانون»، على حد تعبير القيادي في «الإطار التنسيقي».

وزير الخارجية العراقي ونظيره الإيراني عباس عراقجي في طهران يوم 18 يناير 2026 (أ.ف.ب)

«مخرج طوارئ»

يرى الدبلوماسي الغربي أنها «المرة الأولى منذ سنوات، التي قد تضطر هذه الجماعات إلى التفكير مرتين قبل الذهاب بعيداً في خيارات تبدو غير واقعية، ليس لواشنطن فقط، بل حتى لطهران نفسها».

ويقول الدبلوماسي: «لا أستطيع تخيّل كيف ينظرون الآن إلى الطريقة التي خرجت بها قوات (قسد) من اللعبة، وهي التي كانت حليفاً موثوقاً. فكيف سيكون مصير مَن يراهن على العداء المطلق والمفتوح».

وبقدر ما ترسم هذه التلميحات صورة خانقة وضاغطة بقوة على الجماعات الشيعية، فإنها تفتح مخرَج طوارئ من اللعبة القديمة نحو تحالفات جديدة.

ويتحدث مستشار حكومي سابق لـ«الشرق الأوسط» عن «مخرَج طوارئ يمكن استخدامه بدل اتخاذ خيارات سبق اختبارها دون نتائج، يتمثل في البحث عن تحالفات جديدة خلال الفترة التي تبقى فيها إيران مظلة عقائدية لكن من دون مخالب».

ويقول المستشار، الذي طلب عدم ذكر اسمه، إن «الضغوط التي تحاصر القوى الفصائلية في بغداد لا تترك رفاهية الاختيار، ووفق التحالفات الجديدة التي تعيد تشكيل المنطقة فإن القوى الشيعية بحاجة أولاً إلى بناء شراكات محلية مستدامة، ومنها بناء توازنات مع مراكز القوى الجديدة في المحيطين الإقليمي والعربي». ويضيف: «لكن هذا لن يحدث قبل إدراك المتغير الأهم في المنطقة الذي أنهى تماماً معادلة الميليشيات دول الظل داخل الدولة».

لكن مخرَج الطوارئ قد لا يتسع لجميع اللاعبين الشيعة «داخل دولة متشظية» كما يصفها الباحث هشام داود، الذي يقول إن السؤال المركزي يبقى مفتوحاً: هل تميل الولايات المتحدة إلى ضمان تعددية فصائلية - سياسية شيعية، أم أنها ستفضّل دعم سلطة مركزية ذات قبضة تسلطية، كما يروّج له بعض الفاعلين في بغداد اليوم؟


«مراجل السياسة» تشعل التنافس على غاز المتوسط

مؤشر قياس ضغط الغاز بإحدى المحطات الأوروبية التي زاد عليها الطلب نتيجة برودة الطقس (رويترز)
مؤشر قياس ضغط الغاز بإحدى المحطات الأوروبية التي زاد عليها الطلب نتيجة برودة الطقس (رويترز)
TT

«مراجل السياسة» تشعل التنافس على غاز المتوسط

مؤشر قياس ضغط الغاز بإحدى المحطات الأوروبية التي زاد عليها الطلب نتيجة برودة الطقس (رويترز)
مؤشر قياس ضغط الغاز بإحدى المحطات الأوروبية التي زاد عليها الطلب نتيجة برودة الطقس (رويترز)

اختلطت خرائط الطاقة بحدود السياسة في حوض شرق البحر المتوسط، فتحوّل الغاز من مجرد ثروة طبيعية، إلى وقود لصراع مفتوح تتقاطع فيه المصالح الإقليمية والدولية.

فأمام ازدياد الاستكشفات النفطية في هذه المنطقة الاستراتيجية، ارتفع منسوب التوتر، وتمثَّل ذلك في شكاوى متبادلة إلى الأمم المتحدة بين ليبيا واليونان ومصر وقبرص، بجانب تحركات دبلوماسية لا تخلو من رسائل مبطَّنة، ليتشكَّل مشهد مضطرب يشي بأن معركة الغاز أبعد ما تكون عن الحسم.

وفي قلب هذه التشابكات المعقَّدة، تبرز السياسة بوصفها المحرِّك الأساسي للصراع. فتركيا، الساعية إلى كسر عزلتها في المتوسط، ترى في علاقتها مع ليبيا بوابة استراتيجية لحصد مكاسب جيوسياسية وفي مجال الطاقة، فيما تتحصَّن بقية الأطراف بتحالفات متشابكة واتفاقيات متنافسة، تمتد من أثينا حتى تل أبيب.

وعليه، بات «حوض المتوسط» أشبه بـ«مراجل» تغلي على نار السياسة، كاشفاً عن نزاع مستقبلي تتصاعد مؤشراته وتتوالى نذره؛ فبينما يبرز التنافس على مكامن الغاز كعنوان ظاهري، يظل الجوهر هو إعادة صياغة موازين القوى الإقليمية. هذا ما يستشفه خبراء دوليون وعرب في قراءتهم للمشهد عبر «الشرق الأوسط»، محذرين من تحول المنطقة إلى بؤرة صراع جيوسياسي طويل الأمد».

بدايات الصراع

بدأ الصراع الفعلي على غاز شرق المتوسط في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، مع توالي الاكتشافات الضخمة التي حوَّلت المنطقة من مجرد ممرات ملاحية إلى خزان عالمي للطاقة، وتصاعدت حدتها مع اكتشافات حقول غاز كبيرة بين عامي 2009 و2010 قبالة سواحل فلسطين (تمار ثم ليفياثان).

تلا ذلك اكتشاف قبرص لحقل «أفروديت» عام 2011 وهو ما فجَّر التوتر مع تركيا التي اعترضت على قيام «جمهورية قبرص» بالتنقيب دون اتفاق مع «جمهورية شمال قبرص التركية»، وكان ذلك نقطة التحول التي لفتت أنظار الإقليم والعالم إلى ثروات شرق المتوسط.

السفينة «LNG Endeavour» تحمل شحنة غاز من «مجمع إدكو» المصري في طريقها إلى كندا (وزارة البترول المصرية)

ومع تسارع الاكتشافات التي كان أبرزها أيضاً حقل «ظهر» قبالة السواحل المصرية، تعززت أهمية المنطقة طاقوياً، ليتصاعد الصراع أكثر ما بين عامي 2019 و2020 بعدما وقَّعت تركيا مع سلطات طرابلس الليبية مذكرة تفاهم تمنح أنقرة نطاقاً بحرياً ممتداً، وهو ما اعتبرته اليونان ومصر و«جمهورية قبرص» حينها «انتهاكاً للقانون الدولي وتعدياً على حقوقها السيادية»، عقب ذلك تحول الصراع من مجرد خلافات فنية إلى استقطاب سياسي وعسكري.

وعاد الصراع ساخناً إلى الواجهة عندما أعلنت اليونان في 12 يونيو (حزيران) 2025، عن دعوة دولية إلى تقديم عروض لمنح تصاريح للتنقيب عن الهيدروكربونات واستغلالها في مناطق بحرية جنوب جزيرة كريت مما أثار حفيظة حكومتي غرب ليبيا وشرقها وعدَّتا ذلك «انتهاكاً صريحاً للحقوق السيادية الليبية».

خرائط الأمر الواقع

تتسارع راهناً، أطراف الأزمة ممَثلة في دول: ليبيا واليونان وتركيا ومصر و«جمهورية قبرص» فيما يمكن تعريفه بـ«سباق مصالح» عبر لقاءات رفيعة وزيارات مكوكية كانت القاهرة وأثينا ثم القدس أهم محطاتها، بقصد غلّ يد «الطرف الآخر» وقطع الطريق عليه. وتركيا من جانبها ترفض تطبيق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار بصيغتها التي تعتمدها اليونان وقبرص ومصر، وتعارض منح الجزر مثل (كاستيلوريزو اليونانية) مناطق اقتصادية خالصة، وترى أن ذلك يغصب حقوقها وحقوق «جمهورية شمال قبرص التركية» في الجرف القاري التركي بشرق المتوسط.

وبدا أن التحركات الحالية لتركيا واليونان آخذة في التصعيد، إذ سارعت كل منهما- على نحو مستقل- إلى تحديث «خريطة تخطيط الحيز البحري» بغرض «فرض أمر واقع» في أجواء لم تخلُ من اتهامات متبادلة، يشبهها بعض المحللين «ببرميل بارود يوشك على الانفجار».

وتقول اليونان إن تركيا تحاول السيطرة على «أرض يونانية» في خطوة «تفتقر إلى أساس قانوني»، بينما ترى أنقرة أن «مساعي اليونان لفرض خريطتها دون الترسيم مع جيرانها خطوات أحادية الجانب مخالفة للقانون الدولي ومحكوم عليها بالفشل».

خلف هذا النزاع المتصاعد، تبرز قوى دولية في مقدمتها الاتحاد الأوروبي، الذي يسعى لحماية أجنداته غير المباشرة وتوجيه التطورات بما يخدم مصالح شركائه الإقليميين. وفي هذا الصدد، يؤكد الخبير الدولي في اقتصاديات الطاقة ممدوح سلامة، أن اليونان، مسنودةً بدعم أوروبي صريح، «لن تتهاون تجاه أي محاولات تركية أو ليبية لاختراق منطقتها الاقتصادية الخالصة بغرض التنقيب عن الهيدروكربونات».

والمنطقة الاقتصادية الخالصة، هي منطقة بحرية نصت عليها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982، وتمنح الدولة الساحلية حقوقاً سيادية محددة على موارد هذه المنطقة، تمتد إلى 200 ميل بحري كحد أقصى من خط الأساس (شاطئ الدولة).

ويذهب سلامة- وهو أستاذ زائر في اقتصاديات الطاقة بكلية «إي إس سي بي» لإدارة الأعمال في لندن- في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «إذا أصرت تركيا على انتهاك المياه اليونانية؛ فقد يؤدي ذلك إلى تصعيد عسكري خطير في البحر المتوسط».

وجزيرة قبرص المتوسطية مقسمة شطرين منذ عام 1974: الأول هو «جمهورية شمال قبرص» التي لا تعترف بها سوى أنقرة، والآخر هو «جمهورية قبرص» المعترف بها دولياً والعضو في الاتحاد الأوروبي. وجاء تقسيم الجزيرة بعدما استولت القوات التركية على الجزء الشمالي من الجزيرة، رداً على ما تقول أنقرة إنها محاولة القبارصة اليونانيين «الانقلاب على الحكومة وإلحاق الجزيرة باليونان».

حفتر والاستخبارات التركية

خلف كواليس الصراع تسابق أنقرة الزمن لكسب ودّ المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي بغرض دفع مجلس النواب الذي يترأسه عقيلة صالح بالتصديق على مذكرة ترسيم الحدود البحرية التي سبق ووقعتها مع سلطات طرابلس عام 2019. من أجل ذلك، أجرى رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن زيارة إلى بنغازي عبر الفرقاطة «TCG قنالي أدا» في نهاية أغسطس (آب) 2025، وهو ما أشارت إليه صحيفة «إيكاثمريني» اليونانية.

في مقابل ذلك، وخلال زيارة بالقاسم حفتر «مدير صندوق إعادة إعمار ليبيا» إلى أثينا بدايات سبتمبر (أيلول) 2025، نقل إليه وزير الخارجية اليوناني جورج غيرابتريتيس، رفض بلاده والاتحاد الأوروبي مذكرة التفاهم الموقّعة مع تركيا، والتي وصفها بـ«الباطلة وغير القانونية»، بحسب بيان للمتحدث باسم وزارة الخارجية اليوناية لانا زوخيو.

وتهدأ أزمة الطاقة في «المتوسط» لبعض الوقت، لتعود وتطفو على السطح مجدداً بمزيد من التوتر.

عامل يدير صماماً بمنشأة تخزين غاز في روسيا التي تأثرت بشكل ملحوظ بتراجع صادراته لأوروبا (رويترز)

ويرى ريكاردو فابياني مدير مشروع شمال أفريقيا في «مجموعة الأزمات الدولية» أن «قضية موارد الغاز في شرق البحر المتوسط تظل قائمة ومشتعلة، بالنظر إلى أن اهتمام معظم الدول الإقليمية منصب راهناً على قضايا أخرى مثل الأوضاع في قطاع غزة.

ويعتقد فابياني، خبير الاقتصاد الكلي المختص بشمال أفريقيا في اتصال مع «الشرق الأوسط» أن مشكلة الحدود البحرية «ستبقى دون حل؛ رغم تحسن العلاقات بين مصر وتركيا» لافتاً إلى أن المنطقة لا تزال منقسمة بين تركيا وليبيا من جهة، وبقية الدول الأخرى من جهة ثانية».

وعلى عكس موقف تركيا التي تريد دفع البرلمان الليبي إلى الموافقة على مذكرة ترسيم الحدود الموقعة 2019 تطالب اليونان بعكس ذلك، وهو ما ألقى بظلاله على العلاقات الدبلوماسية بين سلطات أثينا وبنغازي، ودفع الأخيرة ممثلة في وزارة الخارجية بحكومة أسامة حماد إلى استدعاء القنصل اليوناني، أثاناسيوس أناستوبولوس ونائبته.

وكان رئيس البرلمان اليوناني، نيكيتاس كاكلامانيس، قد دعا رئيس مجلس النواب الليبي، خلال محادثاتهما في أثينا، في بدايات ديسمبر (كانون الأول) إلى عدم التصديق على مذكرة التفاهم التركية-الليبية، وطالب بإلغائها. وقد أثارت هذه التصريحات غضب سلطات شرق ليبيا.

وتتيح مذكرة التفاهم- والتي أعادت حكومة «الوحدة» برئاسة عبد الحميد الدبيبة التأكيد على الالتزام بها عام 2021، مع اتفاقات إضافية تتعلق بالطاقة- ترسيم مناطق اقتصادية خالصة متصلة بين البلدين في «شرق المتوسط».

ويعني هذا من وجهة نظر اليونان إلغاء حقوقها البحرية لعديد الجزر التابعة لها مثل رودس، وكاستيلوريزو وكارباثوس وكريت، ولهذا عارضت مذكرة التفاهم بشدة، واعتبرتها «انتهاكاً صارخاً لقانون البحار» الذي يمنح الجزر «حقوقاً بحرية كاملة»، كما رأت أنها تمنح في المقابل تركيا نفوذاً «غير مشروع» في منطقة غنية بالغاز والطاقة.

وسبق ووقعت بعض دول المتوسط، اتفاقيات ترسيم للحدود من بينها: قبرص ولبنان عام 2007- قبرص وإسرائيل عام 2010- مصر وقبرص عام 2013، والأخيرة اعترضت عليها أنقرة في حينها. علماً بأن قانونيين ينظرون إليها على أنها متوافقة مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1982.

سفينة عسكرية إسرائيلية تبحر بجوار منصة إنتاج حقل ليفياثان للغاز الطبيعي في البحر الأبيض المتوسط (أرشيفية - رويترز)

شكاوى في الأمم المتحدة

أظهرت مذكرات رفعتها ليبيا ومصر واليونان وقبرص إلى الأمم المتحدة جانباً من الصراع المكتوم بشأن مكامن حوض شرق المتوسط، وتمحور الخلاف حول سؤال قانوني-سياسي: من يملك حق التنقيب والاستغلال؟

واحتجت طرابلس دبلوماسياً في مذكرتها على مطالب أثينا بالحدود البحرية جنوب وغرب جزيرة كريت. وأعلنت فيها بشكل رسمي حدود الجرف القاري الليبي، مدعومة بخرائط وإحداثيات تفصيلية، وذلك لتثبيت شرعية مذكرة التفاهم الموقعة مع تركيا بشأن ترسيم الحدود البحرية. كما اتهمت أثينا «بخلق أوضاع فعلية تضر بالحقوق السيادية لليبيا»، ورأت أن عملية الترخيص اليونانية «إجراء غير قانوني وأحادي الجانب دون أساس قانوني أو اتفاق ثنائي».

كما رفضت طرابلس اتفاق ترسيم الحدود البحرية الموقع بين مصر واليونان عام 2020، واعتبرته «باطلاً وغير متسق مع قواعد القانون الدولي وقانون البحار».

ورأت طرابلس أن اليونان ومصر «لا تملكان أي حقوق قانونية في المناطق البحرية التي تشملها مذكرة التفاهم الليبية- التركية، مؤكدة أن هذه المناطق تقع ضمن نطاق السيادة الليبية الكاملة».

ورداً على ذلك، رأت اليونان في مذكرتها إلى الأمم المتحدة أن «المطالب الليبية لا تستند على أساس من الصحة أو القانون، وتتجاهل حقيقة أن أثينا تتمتع بحقوق سيادية بحكم الأمر الواقع على الجرف القاري وموارده في هذه المناطق»، كما قالت اليونان إن «خط الحدود الذي اقترحته ليبيا ليس له أساس قانوني، ورُسم في انتهاك كامل لقانون البحار الدولي».

وترى اليونان- مستندة إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار- بأن من حقها إقامة منطقة اقتصادية خالصة تمتد على مسافة 200 ميل بحري حول كل واحدة من جزرها المتعددة بالبحر المتوسط.

ويعتبر الخبير الاقتصادي الليبي محمد الشحاتي، الصراع بالمتوسط «قضية معقدة جداً؛ نظرا لتداخل الاحتياطات مع قضايا ترسيم الحدود السياسية والبحرية»، لكنه يشير إلى أن «احتمالية تزايد النزاع في قادم الأيام واردة جداً».

ويلفت الشحاتي إلى أن بلاده «تمتلك ميزةً استراتيجية تتمثل في عدم الاستعجال لاستغلال المناطق المتنازع عليها، نظراً لتوفر موارد بديلة؛ مما يمنحها القدرة على المناورة التكتيكية وتأجيل المواجهة، ريثما تتوصل الأطراف الأخرى لا سيما في (المثلث التركي المصري اليوناني) إلى تسوية لخلافاتها».

وفي المذكرة التي تقدمت بها بعثة ليبيا لدى الأمم المتحدة في 20 يوليو (تموز) 2025، وكُشف عنها في الشهر الذي يليه، قالت إن «المنطقة التي أعلنت عنها اليونان للتنقيب، تقع ضمن مناطق بحرية لا تزال خاضعة لنزاع لم يُحل بين البلدين».

جانب من المنتدى الدولي الـ14 للغاز في سانت بطرسبرغ... 8 أكتوبر 2025 (إ.ب.أ)

مكامن الغاز

دفعت الأزمات المبكرة في «حوض شرق المتوسط» سبع دول إلى إنشاء «منتدى غاز شرق المتوسط» بوصفه «فرصة للدول المتوسطية لتحقيق تعاون أكبر يعود بالنفع عليها»، خصوصاً مع ظل وجود احتياطات كبيرة من الغاز، تقدر بنحو 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، وفقاً للهيئة العامة المصرية للاستعلامات في أكتوبر (تشرين الأول) 2021.

غير أن أسامة مبارز الأمين العام للمنتدى قدر هذه الاحتياطات بنحو 300 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، وفقاً للدراسات، وذلك خلال تصريحات إعلامية في فبراير (شباط) 2025.

ووقَّعت مصر والأردن واليونان وجمهورية قبرص وفلسطين وإسرائيل وإيطاليا، على تأسيس «منتدى غاز شرق المتوسط» في سبتمبر (أيلول) 2020 كمنظمة إقليمية مقرها القاهرة، على أن تكون العضوية مفتوحة لمن يرغب في الانضمام إليها.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أصدر قراراً في ديسمبر 2022 بتحديد الحدود البحرية الغربية للبلاد بالبحر المتوسط. ونشرت الجريدة الرسمية القرار، الذي تضمن قوائم الإحداثيات الخاصة بالحدود، إضافة إلى إخطار الأمين العام للأمم المتحدة بالقرار والإحداثيات المحددة.

أبعاد النفوذ والسيادة

الصراع الدائر حول مكان شرق المتوسط انتقل من خانة الخلاف على الغاز إلى صدام وشيك حول «السيادة البحرية»، وفق ما ترصده دراسات المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، فتركيا تتبنى مشروعها المعروف بـ«الوطن الأزرق»، وهي رؤية جيوسياسية تعتبر أن الجزر اليونانية القريبة من الساحل التركي «لا تملك جرفاً قارياً». والهدف وفقاً للتحليلات كسر الحصار الجغرافي المفروض عليها ومنع تحوّل البحر المتوسط إلى «بحيرة يونانية».

ويستند الموقف اليوناني- الأوروبي، إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ويرى الاتحاد الأوروبي أن «أي مساس بحقوق اليونان وجمهورية قبرص هو مساس بالأمن القومي الأوروبي»، مما جعل الغاز «محركاً» لترسيم الحدود.

أما دور إسرائيل، فيشير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إلى أنها تدير ملف الغاز وفق استراتيجية «دبلوماسية الأنابيب»، ويرى أن الغاز الإسرائيلي المصدر إلى مصر والأردن ليس صفقة تجارية فحسب، بل هو وسيلة لخلق «اعتماد متبادل» يقلل من احتمالات الصدام العسكري ويجعل الاستقرار السياسي مصلحة اقتصادية مشتركة. ووفق شركة «نيوميد إنرجي» الإسرائيلية، تبلغ قيمتها 35 مليار دولار.

منصة غاز في حقل «ظهر» المصري (وزارة البترول المصرية)

وتحلل تقارير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الدور الأميركي كـ«ضامن للمسارات البديلة»، بمعنى أن واشنطن ترى في «غاز المتوسط» فرصة استراتيجية لتقليل ارتهان أوروبا للغاز الروسي.

ويتحدث طارق المجريسي، الزميل الأول في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، عن «سعي النخب الليبية كافة لاسترضاء واشنطن بشتى الوسائل»، معتبراً أن «الطاقة تظل الورقة الرابحة في هذا المسعى». وكشف عن وساطة أجراها مسعد بولس، مستشار ترمب للشؤون العربية والشرق أوسطية خلال زيارة حديثة «لتسهيل صفقات مع شركتي (هيل إنترناشيونال) و(إكسون موبيل) بهدف استكشاف وتطوير الحقول البحرية».

ويقرأ جيمي إنغرام، المحرر الإداري في مجلة (MEES) المشهد المحيط بغاز شرق المتوسط على اعتبار أن الموارد الطبيعية والحدود المتنازع عليها «تشكّل دائماً مزيجاً قابلاً للاشتعال»، ومع ذلك يرى أن الخلاف القائم «من غير المرجّح أن يتفاقم بشكل كبير في الوقت القريب».

(MEES) تعدُّ واحدة من أقدم النشرات التحليلية المتخصصة في شؤون الطاقة والاقتصاد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومقرها في نيقوسيا بقبرص. ويقول إنغرام لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه القضية في جوهرها مسألة تم استغلالها ضمن سياق قضايا جيوسياسية أوسع»؛ ويدلل على ذلك بأن «تركيا ترى في دعمها لمطالب ليبيا فوائد اقتصادية وسياسية، وهي في موقع جيّد لتقديم هذا الدعم نظراً لاستيائها من الحدود البحرية الأخرى في المنطقة».

وفي ظل التباين في التقديرات حول احتمالات نشوب مواجهة، يربط مراقبون دوليون هذا السيناريو بمدى التوافق بين الأطراف الفاعلة في الأزمة. وفي هذا الإطار، يعزو فابياني، خبير الاقتصاد الكلي المتخصص في شؤون شمال أفريقيا، حالة الهدوء الحذر إلى انشغال هذه الأطراف بملفات أخرى، لافتاً إلى أن القاهرة وأنقرة «تميلان حالياً إلى ترجيح كفة التعاون في القضايا ذات الاهتمام المشترك».

ويضيف فابياني أن التوترات مع اليونان «لا تزال قائمة مع غياب أي أفق للحل حالياً، مما يرجح استمرار التصعيد الدبلوماسي. كما استبعد التوصل إلى تسوية قريبة بشأن ترسيم الحدود البحرية، نظراً لغياب الضغوط الجدية التي تدفع الأطراف نحو إيجاد حل».

واليونان التي تحظى بدعم من مالطا، تتمسك بـ«حقها في التنقيب»، وقال وزير خارجيتها جورج غيرابتريتيس إن «بلده يعتزم وضع خريطة طريق خاصة بترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة في شرق البحر المتوسط مع ليبيا بحلول نهاية العام الحالي»، لكن ذلك لم يحدث حتى الآن.

جانب من حقل «ظهر» للغاز في شرق المتوسط (الرئاسة المصرية)

وكان موقع «توفيما» اليوناني قد أفاد في 22 سبتمبر (أيلول) 2025، بأن مالطا انضمت إلى الموقف اليوناني في الأزمة؛ إذ وجهت مذكرتي احتجاج رسميتين تدعوان حكومة طرابلس إلى الانخراط في الحوار».

وضمَّنت مالطا إحدى هاتين المذكرتين «رفضها القاطع للخريطة والإحداثيات التي أرفقتها حكومة طرابلس في مذكرتها المقدمة إلى الأمم المتحدة، بداعي أنها تتداخل مع الجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة لمالطا».

كما رأت مالطا أن طرابلس «أقدمت من جانب واحد على تحريك الخط الأوسط شمالاً على حساب مالطا، وطبقت الخط الأوسط على السواحل القارية متجاهلة الجزر مما شوّه ترسيم الحدود».

«شيفرون» الأميركية على الخط

دافع الجيولوجي النفطي وخبير اقتصاديات الطاقة الدكتور كونستانتينوس نيكولاو، عن موقف بلده اليونان في رفضها للمذكرة المقدمة من حكومة طرابلس إلى الأمم المتحدة، وعدّها «غير مقبولة»، ودلل على ذلك بالمادة «121» من القانون الدولي للبحار، التي تمنح الجزر كامل الحقوق في الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة.

واعتبر نيكولاو في حديث إلى «الشرق الأوسط» أن فوز شركة «شيفرون» الأميركية للطاقة بمناقصة استكشاف وإنتاج الهيدروكربونات، «يشكل تحدياً كاملاً لمذكرة تركيا- ليبيا لدعم مبدأ (الوطن الأزرق) لتركيا».

ترمب يتحدث خلال اجتماع مع مسؤولين تنفيذيين بقطاع النفط والغاز في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)

وأعلنت اليونان رسميا في 25 أكتوبر 2025 منح أربع قطع بحرية لتحالف دولي، تقوده «شيفرون» بغرض الاستكشاف والتنقيب عن موارد جديدة للنفط والغاز الطبيعي في شرق المتوسط، وهي المنطقة المتنازع عليها مع ليبيا.

وأوضحت اليونانية أنه بعد إجراء التقييمات والمفاوضات مع «شيفرون»، وقع الاختيار على تحالف «شيفرون - اليونان القابضة»، وهو مشروع مشترك.

وتشمل الكتل البحرية في العرض الذي قدمته «شيفرون» الكتل المسماة جنوب بيلوبونيز، و«إيه 2»، وجنوب كريت الأول، وجنوب كريت الثاني. وتعمل أثينا و«شيفرون» الآن على وضع اللمسات النهائية على اتفاقية الامتياز.

ومن منظور يوناني، يعتقد نيكولاو أن استراتيجية «الوطن الأزرق اخترعتها أنقرة للمطالبة والاستحواذ على الجزء الشرقي من بحر إيجة باتجاه اليونان؛ بما في ذلك العديد من الجزر اليونانية». لكنَّ محليين أتراكاً يرفضون هذه النظرة من منطلق أن بلادهم «تدافع عن مصالحها الاستراتيجية».

نيكولاو يرى أن ذلك «تم على النقيض من القانون الدولي للبحار 1982، الذي ينص في المادة 121 على «حق الجزر اليونانية في امتلاك المنطقة الاقتصادية الخالصة».

ويعدُّ «شرق المتوسط» مركزاً رئيسياً للاستكشاف في السنوات الماضية، ففي منتصف يناير (كانون الثاني) 2025 أعلنت شركة «إكسون موبيل» عن اكتشاف مكامن غاز طبيعي قبالة سواحل مصر، بعد نجاحها في حفر بئر استكشافية في البحر الأبيض المتوسط.

تحالفات عسكرية

متغيرات دولية عدة وتربيطات تتم في الكواليس الدولية للسيطرة على مكامن غاز «شرق المتوسط»، شيء من هذا يتم بين تركيا والصين، ففي 23 سبتمبر (أيلول) 2025 وصفت صحيفة «غريك سيتي تايمز» اليونانية ما يجرى بشأن هذا الملف بأنه «إعصار جيوسياسي» يقترب من منطقة شرق المتوسط، ويهدد سلاسل الإمداد الرئيسية للطاقة في المنطقة.

وتحدثت الصحيفة عن «بداية حرب باردة جديدة في المنطقة»، بالنظر إلى التطورات الجارية في شرق البحر المتوسط وفي ليبيا، وأشارت إلى «تشكّل تحالف تركي– صيني في شرق البحر المتوسط، يعمل على ضم ليبيا»، وقالت إن هذا التحرك «ستكون له تداعيات أوسع نطاقاً على طموحات دول في المنطقة مثل اليونان وحلفائها، ومن بينها إسرائيل».

صهاريج غاز البترول المسال في منشأة مملوكة لشركة «إركوتسك» للنفط في روسيا (رويترز)

وفي نهاية ديسمبر 2025 شهدت مدينة القدس قمة ثلاثية، وأعلنت إسرائيل واليونان وجمهورية قبرص اتفاقها على تعميق التعاون الأمني والدفاعي، في خطوة عدها متابعون تتجاوز التنسيق السياسي إلى بناء مظلة أمنية أكثر تماسكاً في شرق المتوسط.

وفي نهاية ديسمبر 2025 أعلن الجيش الإسرائيلي، توقيع برنامج تعاون عسكري ثلاثي مع اليونان وجمهورية قبرص لعام 2026.

وعدَّ رئيس وزراء «جمهورية شمال قبرص التركية»، أونال أوستال، هذا الاتفاق «محاولة إسرائيلية لنقل الاضطراب إلى شرق المتوسط». واعتبر في بيان صادر عن مكتب رئاسة الوزراء، أن «المحاولات الجارية لإخراج المنطقة من كونها (ساحة سلام) وتحويلها إلى (مسرح للصراع) لا تهدد جزيرة قبرص فحسب؛ بل تهدد حوض البحر الأبيض المتوسط ​​بأكمله، وأن «قبول الثنائي اليوناني القبرصي بأن يكونا مجرد بيادق في هذه المؤامرة الخطيرة خطأ تاريخي».

ما يجري راهناً في كواليس الأزمة دفع المجريسي المحلل السياسي الليبي إلى طرح تساؤل جوهري حول طبيعة حقول الغاز في البحر المتوسط: هل هي «مناجم ذهب» للازدهار الاقتصادي أم «براكين تغلي» تهدد بانفجار الصراع؟

كما تساءل الدبلوماسي المصري، بلال المصري عبر دراسة نشرها المركز الديمقراطي العربي في أغسطس 2025: هل الحدود البحرية في شرق المتوسط ستكون سبباً رئيسياً لمواجهة مسلحة محتملة؟

وفي تحليل تشريحي للأزمة الراهنة، يرى المجريسي أن الصراع يتجاوز مجرد تسويق الغاز؛ إذ لطالما اعتبرت أنقرة ليبيا حجر زاوية في عقيدتها الاستراتيجية المعروفة بـ«الوطن الأزرق». ويهدف هذا المشروع إلى بسط السيادة التركية على مناطق شاسعة في حوض المتوسط، سعياً لتحقيق حزمة من المكاسب المالية والجيوسياسية والأمنية المتكاملة.

منصة غاز في حقل «ظهر» المصري (وزارة البترول المصرية)

التحكيم الدولي... أم الحرب؟

يعتقد إنغرام، المحرر الإداري في مجلة MEES أنه في نهاية المطاف بعد هذه الصراعات، «يظل أفضل سبيل هو توقّيع الأطراف كافة على اتفاق للتحكيم الدولي، بحيث تُحدَّد الحدود البحرية وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار». لكن إنغرام، يرى أن هذا الطرح «غير واقعي؛ فكثير من مطالب تركيا المتعلقة بحدودها البحرية مع اليونان وقبرص سيُرجَّح رفضها».

وأمام تعقّد الأزمة، وتمسّك كل دولة بما تعتبره «حقها المشروع»، يشير فابياني خبير الاقتصاد الكلي المختص بشمال أفريقيا، إلى أن «الحل يجب أن يبدأ من (منتدى غاز شرق المتوسط) بشكل أكثر شمولية، على أن يشمل أصحاب المصلحة كافة؛ مع إشراك تركيا بشكل فعَّال لتعزيز التعاون الإقليمي من أجل الاستثمارات الضرورية».

وضمن هذا الإطار، يرى فابياني أنه يمكن للأطراف المتنازعة «التوصل إلى تسويات بشأن حدودهم البحرية، وهو أمر لن يكون سهلاً، لكنه ممكن مع تقديم تنازلات متبادلة أيضاً في قضايا إقليمية أخرى».

عامل يفحص صمامات التحكم في مركز الغاز الطبيعي التابع لشركة النفط والأنابيب التركية غرب أنقرة (Hv)

وفي مقابل تشابك الاتهامات، يطرح الخبير الدولي ممدوح سلامة سيناريو بديلاً للحل، يستند إلى وفرة الموارد النفطية الليبية في المناطق البرية والبحرية غير المتنازع عليها، ما يغني طرابلس عن الانخراط في صراع مع اليونان مدفوعاً بالأجندة التركية، خاصة في ظل التبعات الاقتصادية القاسية للحرب الأهلية المستمرة منذ 2014. ويحذر سلامة من أن الصدام مع أثينا حول ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة قد يؤدي إلى عزوف الاستثمارات الأجنبية، التي تعد حجر الزاوية لتطوير احتياطاتها من الهيدروكربونات».

وينتهي سلامة إلى أن «الحل الوحيد هو التوصل إلى اتفاق لترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة من خلال تفاوض تشارك فيه تركيا واليونان وليبيا معاً».

وعقب تصاعد دخان الأزمة أممياً، تطرق الرئيس المصري إلى الحدود البحرية، وذلك خلال استقباله حفتر بالقاهرة في 8 ديسمبر 2025. وأشار المتحدث باسم الرئاسة المصرية إلى «توافق الجانبين في ملف ترسيم الحدود البحرية، وأهمية استمرار التعاون المشترك بما يحقق مصلحة البلدين دون إحداث أي أضرار؛ وفقاً لقواعد القانون الدولي».

وكانت مصر ضمَّنت مذكرتها إلى الأمم المتحدة رفضها للحدود المعلنة للقارة البحرية الليبية، معتبرة أن مواقف ليبيا «لا تتوافق مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وتنتهك أحكام القانون الدولي»، وهو ما وصفه الجيولوجي النفطي اليوناني نيكولاو، بـ«السياسة الصحيحة». معتقداً أن «أي طريق آخر قد يؤدي إلى قانون الغاب... والبديل هو استخدام القوة».

وبسؤاله عن احتمالية اتجاه الأوضاع نحو اللجوء للقوة، نظراً لأن كل طرف يصر على ما يعتبره «حقه التاريخي»، قال نيكولاو إن بوادر الأزمة المستقبلية «باتت تلوح في الأفق»، في ظل ما وصفه بـ«اللامبالاة» من جانب الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، و«عزوفهم عن التدخل لفرض تسوية تمنع الانفجار».

ويختتم قراءته للمشهد المأزوم بالتأكيد على أن «جمهورية قبرص، بمقدراتها المحدودة، لا تمتلك القدرة على مجابهة تركيا؛ مما يجعل اللجوء إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي المخرج السلمي الوحيد المتاح».

وفي ظل تداخل الملفات وتعارض المصالح الإقليمية والدولية، يستشرف اللواء سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي المصري، نُذر خطر وشيك، لافتاً إلى أن بلاده تواجه تحديات جسيمة تهدد أمنها القومي على المحاور الاستراتيجية كافة.

وخلص فرج إلى أن «النزاع المسلح القادم في المنطقة سيتمحور حول غاز المتوسط... الحروب التقليدية لم تعد هي العامل الحاسم، بل أصبحت الحروب التجارية والاقتصادية هي الفيصل في حسم الصراعات الدولية».


مسيحيو سوريا... حراسة ذاتية وأعياد صاخبة لكسر «الخوف الطبيعي»

TT

مسيحيو سوريا... حراسة ذاتية وأعياد صاخبة لكسر «الخوف الطبيعي»

رجال أمن سوريون يحرسون موكب الكشافة المسيحية في دمشق القديمة (أ.ف.ب)
رجال أمن سوريون يحرسون موكب الكشافة المسيحية في دمشق القديمة (أ.ف.ب)

إنها صبيحة يوم جمعة وكنيسة مار إلياس في حي الدويلعة الدمشقي تدق أجراسها إيذاناً ببدء القداس الأسبوعي. هنا ترفع صلوات وترانيم يومية، بينما يقام قداس الأحد أيام الجمعة أيضاً ليتزامن مع العطلة الأسبوعية في البلاد، ويناسب «الموظفين ومن يرتبطون بدوام عمل أو دراسة»، والأمر على هذا المنوال منذ أيام النظام السابق.

هي الكنيسة نفسها التي تعرَّضت قبل 6 أشهر لتفجير انتحاري أودى بحياة 25 شخصاً، ولا تزال صورهم مرفوعة في الساحة العامة للمنطقة على شكل لافتة كبيرة وأخرى كزينة على شكل شجرة ميلاد، في حين القداديس والمناسبات الدينية ولقاءات الفرق الكشفية تجري كلها في قاعة سفلية يُفترَض أنها مؤقتة.

على بعد أيام قليلة من عيد الميلاد لدى الطوائف المسيحية الغربية، كان المبنى الرئيسي للكنيسة لا يزال قيد الترميم. وكان أهالي الحي، والعائلات المكلومة تحديداً، يأملون في أن تنتهي الأعمال بوتيرة أسرع علّهم ينجحون في إحياء صلاة العيد في كنيستهم. لكن ذلك لم يحدث.

كنيسة مار إلياس في الدويلعة قيد الترميم بعد التفجير الانتحاري الذي وقع فيها في 22 يونيو الماضي (الشرق الأوسط)

كثر الحديث والترويج لتبرعات من رجال أعمال مسلمين أطلقت عملية الترميم من دون إمكانية التثبت من ذلك، حتى من الكنيسة نفسها.

في النهار كان فتيان وفتيات الكشافة كما القساوسة والشبان الأكبر سناً يتراكضون في الأحياء وبين الأزقة للمشاركة والإشراف على سير الأعمال، من نصب منصة وتنظيف أرصفة وتأمين مقاعد كافية لحدث استثنائي. إضاءة شجرة الميلاد الكبيرة واحتفالية اجتماعية دينية تعلن بدء موسم الأعياد. لكن ذلك أيضاً، لم يحدث.

فما إن بدأ الناس في التوافد إلى المكان مع ساعات المساء الأولى، حتى سرت شائعة بأن «داعشياً» يتجوّل بين الجموع. أثار الأمر بلبلة واستنفاراً أمنياً وتدافعاً كبيراً نتج منه حالتا إغماء لسيدتين ومزيد من الفوضى مع وصول المسعفين، انتهت كلها بإلغاء الفعالية وتأجيلها لوقت آخر بلا كثير جمهرة وصخب.

تضاربت الروايات عمّا حدث تماماً في تلك اللحظة، وبدا أن أحداً من أهل المنطقة لا يريد الخوض في التفاصيل. فحتى أحد أهالي الضحايا الذي كان وافق موافقة مبدئية على التحدث إلينا، عاد واعتذر تفادياً لـ«تقليب المواجع».

شاع الخبر واختفى سريعاً كأنه لم يحدث.

شجرة الدويلعة مزينة بصور وأسماء ضحايا التفجير الانتحاري الذي وقع في كنيسة مار إلياس في يونيو الماضي (أ.ب)

«مخاوف طبيعية»

نفى صاحب صيدلية في الدويلعة أن يكون الحادث متعلقاً بأي عمل إرهابي وإنما رد المسألة برمتها إلى «مخاوف طبيعية». قال الرجل مفضلاً عدم ذكر اسمه إن «كل ما في الأمر أن شاباً على موتوسيكل يحمل علم (لا إله إلا الله) الأبيض، وهو شائع جداً هذه الأيام، مرّ للفرجة بينما الناس يتوافدون إلى الحفل». وتابع قوله: «يبدو أن أحد شباب الحراسة المحلية لحق به فهرب مسرعاً؛ ما أثار الذعر والفوضى والتدافع». وقلل الرجل من تلك البلبلة كونها «أمراً طبيعياً في هذه الظروف».

وإذ تبدو الإحالة إلى الطبيعة محط كلام شائع بين الناس هنا لتفسير أحوالهم، فإنها تبقى كالسهل الممتنع حيال أي محاولة للاستفاضة أو الشرح. إنها تبديد للسؤال قبل الخوض في البحث عن إجابة.

وأما الخوف «الطبيعي» بدوره، فقد أرجعه الصيدلاني إلى صدمة لم تكمل عامها الأول بعد، ولا تزال تحفر في النفوس و«أفقدت الناس الشعور بالأمان»، بعدما وقع ما لم يخطر ببال. عن لحظة تفجير الكنيسة في يونيو (حزيران) 2024، قال: «كان جاري هنا في الصيدلية وسمعنا الصوت. تهافت الناس وبدأوا يصرخون: انتحاري في الكنيسة. انتحاري في الكنيسة. لم نصدّق وأكملنا حديثنا معتقدين أنه مجرد كذب وتهويل».

رجال إنقاذ وأشخاص يتفقدون الدمار في موقع هجوم انتحاري في كنيسة مار إلياس بمنطقة الدويلعة بدمشق (أ.ف.ب)

وأضاف بعد برهة صمت كمن يعاتب نفسه: «كيف نصدق؟ بعمري هيك شيء ما صار!».

وعندما هرعت سيارات الإسعاف وهبّ الجميع للمساعدة وجاء رجل بابنته إلى الصيدلية لتطبيب جرحها والدماء تسيل من جبينها، حدثت فجأة لحظة يقظة.

إنه انتحاري فجَّر نفسه بين المصلين. لقد حدث ذلك بالفعل.

وحي الدويلعة الذي شاع ذكره بعد تلك الحادثة يقع في جنوب شرقي دمشق. وهو مختلط سكانياً بين مسلمين سنة وغالبية مسيحية متنوعة مذهبياً تتقاسم كنائسها المختلفة الشوارع الرئيسية للمنطقة التي تشبه قرية صغيرة، في حين الأبنية في الأحياء الداخلية أقرب إلى العشوائيات.

وقد شهدت منطقة الدويلعة دفقاً سكانياً كبيراً جعلها مكتظة بشكل أكبر بعد توافد مهجَّرين من المناطق السورية الأخرى التي شهدت أعمالاً عسكرية وحربية، بينما بقيت هي بمنأى عن أي «حوادث أمنية»، وذلك على عكس أحياء تكاد تكون ملاصقة لها مثل جوبر والتضامن المدمَّرين تدميراً كاملاً.

حراسة أهلية وأمن ذاتي

واليوم، تحمي الدويلعة نفسها بنظام «حراسة أهلية»، يتناوب من خلاله شبان من أبناء المنطقة على حفظ الأمن ومراقبة دخول وخروج «الغرباء». وقد شاع هذا النمط في أكثر من منطقة أو مدينة، ومنها جرمانا المختلطة طائفياً بين مسلمين ومسيحيين وأقليات أخرى وغالبية درزية طاغية، ويفصلها عن الدويلعة الجسر المتحلق الجنوبي.

مسؤول «قطاع أمني» في الدويلعة، شرح لنا تقسيمات العمل الميداني و«التدرج في التشدد الأمني»، فقال: «مباشرة بعد لحظة السقوط استنفرنا كشباب حي لحفظ الممتلكات من السرقة والنهب. توزعنا في الشوارع وتحت منازلنا بطريقة عفوية في البداية، ثم أخذنا نوزّع الورديات والأدوار بيننا. ولم يأت أحد نحونا. أعتقد أننا كنا منسيين أصلاً... واستمرت بنا الحال هكذا حتى تفجير (كنيسة) مار إلياس».

وكما شكَّل العمل الإرهابي لحظة يقظة لصاحب صيدلية، فقد كان صفعة أيقظت أحياء كاملة من «المنسيين» وكأن مقولة «الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا» وجدت ترجمتها الحرفية هنا.

طفل يغفو في قداس ليلة عيد الميلاد في كنيسة مار يعقوب النصيبي في القامشلي (رويترز)

ويوضح الشاب كيف تغير الوضع كلياً، فقال: «تطوعنا بشكل أكبر لحماية الكنائس أولاً فتم تطويقها، بالإضافة إلى توزيع مجموعات أكثر بين البيوت وعند مداخل الأحياء الصغيرة وبدأنا بنحو 80 أو 90 شاباً».

وبالفعل، لدى زيارة الدويلعة كانت كنيسة مار إلياس مغلقة للعامة ويمكن الدخول إليها عبر باب خلفي ضيق يعرفه مرتادوها ومن يعرِّفون عن نفسهم عبر شخص ثقة. وكان هذا حال غالبية دور العبادة المسيحية التي مررنا بها، كما بدا الشبان المتجمعون عند النواصي أكثر من مجرد «متسكعين» في يوم جمعة مشمس.

وحسب الشاب الذي يزاوج بين وظيفة حكومية نهاراً ومهمة الحراسة مساءً، فإن هؤلاء «الأمنيين» كلهم متطوعون بالكامل، يسهرون على أهلهم وأرزاقهم من دون مقابل مادي وكل بحسب قدرته وظروفه، «يشاركهم أحياناً بعض أصدقائهم أو جيرانهم المسلمون».

تعاون مع المخفر

وأما عن رجال الأمن الفعليين، التابعين للحكومة السورية، فهؤلاء يبقون في المخفر وفي فرع الأمن الجنائي عند مدخل المنطقة، لا يتجولون في الشارع إلا بطلب مباشر من «مجموعات الأحياء». فإذا وقع حادث أو مشادة تتطلب تدخلهم، يتم استدعاؤهم؛ لكون المتطوعين غير مسلحين إلا ببعض القطع الفردية «وهي قليلة جداً ومرخصة ويحملها أصحابها بمعرفة المخفر».

ويوضح محدثي أن أحداً من حملة السلاح الفردي لا يستخدمه في مناوبات الحراسة المشتركة لئلا يتحمل مسؤولية فردية عن أي حادث عام فتنزلق الأمور إلى تصعيد غير مضبوط «خصوصاً أن شباب الأمن لا يتأخرون في الاستجابة عندما نطلبهم».

ويتابع: «الوضع مربك جداً. فما عدنا نعلم كيف نميز الخطر الحقيقي... وفي الحادثة الأخيرة وصل الأمن وساعدنا منذ اللحظة الأولى، لكن حالة هلع عامة أصابت الناس. ماذا نفعل مع الخوف؟ مشكلتنا ليست أبداً مع الدولة، فنحن نريد دولة، ولا مع رجال الأمن، فقد وقفوا معنا. مشكلتنا في غياب الأمن».

مسلح درزي (يسار) يتحدث مع قوات الأمن السورية التي توصلت إلى اتفاق للانتشار حول جرمانا جنوب دمشق (أ.ب)

«تفاهمات» جرمانا

ذلك الكلام بحرفيته تسمعه في جرمانا التي نالت حصتها من «صفعة اليقظة» مع مشاكل المناطق الدرزية بدءاً بمواجهات صحنايا نهاية أبريل (نيسان) الماضي، ثم أحداث السويداء، لكن سريعاً ما نأت جرمانا بنفسها عبر «تفاهمات محلية»، أبرزها مشاركة الشباب الدروز في دوريات الأمن العام ونقاط الحراسة والعمل معهم بواقع شاب أو اثنين لكل مجموعة أمنية من خمسة عناصر.

وإذ لا يرتدي شبان الحراسة الأهلية في جرمانا اللباس العسكري، غير أنهم يلتزمون بشيء من الملمح العسكري كالبنطال والقميص الأسودين تحت سترة كاكية أو كحلية، ويشكّلون بذلك «مفاتيح» الأحياء ووجهاً مألوفاً للأهالي ورجال الأمن معاً فيضبطون إيقاع الطرفين معاً.

وبخلاف الدويلعة، تعدُّ جرمانا تقليدياً مدينة للطبقة المتوسطة وأصحاب المهن الحرة في دمشق وهي شهدت بدورها توسعاً كبيراً في العقد الأخير، جعلها أكثر اكتظاظاً وزحمة وعشوائية. لكن الركيزة فيها حسب أحد شبانها، وهو رجل دين درزي، أن «التعايش الأهلي هنا فطري وسابق على الأوضاع الحالية»، لافتاً إلى أن دروز جرمانا هم «سكان أصليون يقيمون فيها منذ ما يقارب ألف عام، ولا يتحدرون من حلب وشمال البلاد».

وبالتالي، فإن «الإشكالات الأمنية» التي برزت في العام الماضي، هي مرة أخرى «أمور طبيعية»، ألفها دروز جرمانا عبر العصور وباختلاف أنظمة الحكم في دمشق. وهنا، في هذه البقعة من الفسيفساء السورية، يشكل الترابط السني - الدرزي التاريخي، صمغ الروابط الاجتماعية وركيزة الأمن السياسي. لذا؛ حين فاوض أبناء جرمانا على إبقاء سلاحهم، وهم بعكس أبناء الدويلعة، مسلحون ولا يخفون ذلك، فقد نجحوا في التوصل إلى «حلول وسطية مُرضية للجميع» بالمشاركة الفاعلة في حفظ أمن منطقتهم والبقاء ضمن حدودها.

زينة ميلاد ورأس السنة في أحد أحياء حلب وبدا رجلا أمن يحرسان المكان (الشرق الأوسط)

وعن ذلك الخيط الرفيع الذي يفصل بين مطلب السكان بـ«ضبط الأمن» من جهة، وندائهم الصامت بـ«الحفاظ على خصوصية المنطقة» من جهة ثانية في معادلة صعبة تشوبها جيرة قابلة للاشتعال في أي لحظة، قال الشاب الأمني ابن الدويلعة: «في الواقع عرضوا علينا الانتساب للشرطة عوضاً عن العمل التطوعي هذا، لكن الأهالي رفضوا لأن ذلك يعني خروج الشباب من الحي لتأدية خدمتهم، حيث يتم توزيعهم في المناطق السورية كافة، كذلك يفترض بهم الالتزام بقرارات القيادة وهم يفضلون البقاء في الدويلعة».

صور نمطية

وإذا كانت جرمانا تعيش بشيء من الرخاء الاقتصادي، فإن الدويلعة، وباختلاف الانتماءات الطائفية والمناطقية فيها، يبقى القاسم المشترك الأبرز بين سكانها هو الحالة الاقتصادية المتردية التي تشابه الفقر إن لم تكن الفقر بعينه. يقول شاب من أبناء الحي تهجَّر مع والدته «في مطلع الأحداث» (الثورة ضد نظام بشار الأسد) من درعا ولم يكن يتجاوز العاشرة من عمره: «هناك نظرة للمسيحيين بأنهم بالضرورة مرفَّهون وأغنياء وهم لا يعرفون كيف يعيش الناس هنا. يعتقدون أننا جميعاً من القصَّاع وباب توما».

شجرة ميلاد وزينة في أحد فنادق باب توما في دمشق (الشرق الأوسط)

وعمَّا إذا كان يعرف هاتين المنطقتين الشهيرتين معرفة جيدة أو له أقارب فيهما مثلاً، قال إنه يذهب أحياناً مع أصدقائه للفرجة، ولكنه يعود قبل هبوط الليل.

وهناك في القصَّاع وباب توما، حيث البيوت الدمشقية التقليدية التي تحولت فنادق ومطاعم فاخرة، بدت زينة الميلاد هذا العام استثنائية بكل المقاييس، وطغت على المشهد العام للعاصمة السورية؛ إذ امتدت إلى شوارع وأحياء خارج حدود المناطق ذات الطابع المسيحي حصراً.

بدت أحياء دمشق الراقية كلها مزدانة بشجرات العيد والزينة الحديثة كما عمدت الفنادق والأسواق التي امتنعت عن إبداء أي مظاهر احتفالية العام الماضي، إلى استعراض كل ما لديها من إضاءة وتصاميم ميلادية متنوعة. في أكثر من فندق حمل حرفيون وفنانون محليون بضائعهم ومصنوعاتهم اليدوية للمشاركة في «معارض الميلاد»، حيث عزفت فرق شبابية موسيقى غربية من وحي المناسبة.

عائلة سورية تلتقط صورة تذكارية أمام شجرة الميلاد في دمشق (أ.ف.ب)

ولا يخفى أن شجرات الزينة في الأماكن العامة والفعاليات ومداخل الحارات محمية بعناصر من الأمن العام أو سيارات شرطة، أو بحراسات أهلية تعمل بالتنسيق كما هي الحال في الدويلعة. كذلك، فإن الضوء الأخضر الحكومي، غير المعلن ولا المكتوب، بضرورة أن يحتفل المسيحيون بأكثر صخب ممكن، لا يخفى بدوره. فالجهد الكبير المبذول في «طمأنة» القلقين، يتجاوز دمشق وأحياءها إلى حلب وما بينهما من بلدات مسيحية بدأت تشهد عودة أهلها تدريجياً ومعهم طقوسهم الميلادية وصورهم وفيديوهاتهم التي انتشرت على «السوشيال ميديا».

أقليات ضمن أقليات

قد يوحي ذلك المشهد العام لبرهة بأن للمسيحيين في سوريا حصةً أكبر من حجمهم الديمغرافي في قطاعات السياسة أو الاقتصاد أو الثقافة أو أي حيز عام، وهم كانوا حتى مطلع 2011 يقاربون 10 في المائة من السكان، حسب المعلن رسمياً. لكنهم عملياً وبمختلف مذاهبهم ومشاربهم (وهم يقاربون 11 طائفة) ممثلون بوزارة واحدة للشؤون الاجتماعية تحتل فيها الوزيرة هند قبوات مقعد المرأة ومقعد الطائفة معاً، مثلما منح الدروز وزيراً للزراعة هو ابن السويداء أمجد بدر.

شجرة ميلاد وبابا نويل في بلدة القنيّة في إدلب (أ.ف.ب)

وفي وقت تتسابق فيه مكونات المجتمع السوري من «الأقليات الأكبر» على نفض خطاب «الأمة العربية الواحدة، ذات الرسالة الخالدة» الذي كان يرفعه حزب «البعث» شعاراً، وحجز مواقع في التركيبة الجديدة تعكس واقعهم على الأرض، يبدو الإحجام والترفع عن المطالبة بحصة وازنة من الدولة ومؤسساتها هو مآل «الأقليات الأصغر». فحتى وظيفة الشرطي في حي فقير كالدويلعة لا تبدو مغرية كفاية، وكأن جُلّ المطالب يتحقق في شجرة عيد وبعض الزينة الموسمية ومشاركة ضمن حدود الحارة، وهم إذ ذاك يرسخون كونهم استثناءً نادراً و«أقلية نموذجية».