الجمهوريون يضيّقون الخناق على وزير الحرب بيت هيغسيث

وسط اتهامات بالتعتيم وإصدار أوامر قد ترقى إلى «جريمة حرب»

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال اجتماع للإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترمب في البيت الأبيض (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال اجتماع للإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترمب في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

الجمهوريون يضيّقون الخناق على وزير الحرب بيت هيغسيث

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال اجتماع للإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترمب في البيت الأبيض (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال اجتماع للإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترمب في البيت الأبيض (أ.ب)

تتصاعد حدة التوتر داخل المعسكر الجمهوري تجاه وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، مع اتساع دوائر الشك في قدرته على قيادة البنتاغون. جاء ذلك بعد سلسلة من الفضائح والقرارات المثيرة للجدل، كان آخرها التحقيقات المتواصلة في الضربة البحرية التي أودت بحياة 11 شخصاً يُشتبه في تورطهم في عمليات تهريب مخدرات، وتقرير المفتش العام في البنتاغون الذي خلص إلى أن مشاركة هيغسيث لمعلومات عبر تطبيق «سيغنال» عرضت حياة الجنود للخطر.

وبينما كان الجمهوريون طوال الأشهر الماضية يتجنبون توجيه انتقادات علنية للوزير المقرّب من الرئيس دونالد ترمب، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى تآكل واضح في الثقة، قد يمهّد لمرحلة من الصدام المفتوح داخل الحزب.

طائرة «سي - 2 إيه غرايهوند» تابعة للبحرية الأميركية تقترب من مطار لويس مونوز مارين في بورتوريكو ضمن مهامها لمكافحة تهريب المخدرات بالكاريبي (أ.ف.ب)

توتر داخل الغرف المغلقة

مصادر برلمانية تحدثت لوسائل إعلام أميركية أكدت أن التململ الجمهوري بدأ يظهر إلى العلن بعد اجتماع سري عقد الشهر الماضي في الكونغرس، خُصص لبحث الضربة المثيرة للجدل التي استهدفت قارباً مدنياً يشتبه في تورطه بعمليات تهريب، وأسفرت عن مقتل جميع ركابه بعد تنفيذ ضربة ثانية ضد ناجيين كانا يتشبثان بالحطام. الاجتماع شهد، بحسب المصادر، حالة من الإحباط بين النواب الجمهوريين عندما لم يرسل البنتاغون أي مستشار قانوني، رغم حساسية الملف والأسئلة المتعلقة بمدى قانونية العملية.

النائب الجمهوري مايك روجرز، رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، عبّر داخل الاجتماع عن انزعاجه من «السرية غير المبررة»، قائلاً إن الكونغرس حصل على معلومات أكثر وضوحاً خلال إدارة بايدن. وهي مقارنة لافتة في أوساط يمينية ما زالت تتبنى موقفاً دفاعياً عن إدارة ترمب.

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدث بعد اجتماع للإدارة الأميركية في البيت الأبيض (إ.ب.أ)

الضربة البحرية، التي باتت محور تحقيقين منفصلين في مجلسي النواب والشيوخ، فتحت الباب أمام أسئلة غير مسبوقة حول مدى تورط هيغسيث شخصياً في إصدار أوامر قد ترقى، وفق خبراء قانون الحرب، إلى «جريمة حرب». فوفقاً لتقارير صحافية، أصدر وزير الحرب أمراً مباشراً قبل بدء العملية بوجوب القضاء على كامل طاقم القارب، بينما تولى قائد العمليات، الأدميرال فرانك برادلي، تنفيذ التعليمات، بما فيها توجيه ضربة ثانية للناجين.

هذه التفاصيل دفعت السيناتور الجمهوري روجر ويكر، رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، إلى وصف الاتهامات بأنها «شديدة الخطورة»، معلناً أن اللجنة طلبت تسجيلات صوتية ومرئية ووثائق توضح التسلسل القيادي خلال العملية. وحتى الآن، تقول شخصيات برلمانية إن البنتاغون لم يلتزم بتسليم المواد المطلوبة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع مجلس الوزراء في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن في 2 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

في هذا السياق، يرى مراقبون أن ذروة الأزمة قد تتبلور خلال الجلسات المغلقة المقررة هذا الأسبوع، حيث يمثل الأدميرال برادلي بدءاً من اليوم، إلى جانب رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، أمام كبار قادة اللجان العسكرية والاستخباراتية في الكونغرس. وستكون الأسئلة الأبرز: من صاحب القرار النهائي؟ وهل تصرّف برادلي بمفرده أو بتوجيه مباشر من وزير الحرب؟

صورة مُركّبة للرئيسين الأميركي ترمب والفنزويلي مادورو (أ.ف.ب)

«سيغنال غيت» تلاحق هيغسيث

الأزمة الجديدة تأتي فيما لم يكد هيغسيث يتجاوز آثار «فضيحة سيغنال»، التي خلص تقرير حديث للمفتش العام في البنتاغون إلى أنها تضمنت انتهاكات واضحة لبروتوكولات الأمن المعلوماتي. فقد شارك وزير الحرب، عبر مجموعة دردشة على تطبيق «سيغنال» غير المؤمّن، تفاصيل حساسة عن خطط عملياتية في اليمن قبيل شن ضربات جوية ضد الحوثيين. ورغم أن هيغسيث دافع عن نفسه بتأكيده أنه «لم يشارك معلومات سرية»، فإن التقرير أشار إلى أن بعض ما نُشر كان مأخوذاً من رسائل سرية على مستوى «سري/ ليس للاطلاع العام».

كذلك، حذّر التقرير من أن هذه الممارسات شكّلت خطراً على حياة طيارين أميركيين كانوا يستعدون لتنفيذ الهجمات، وهو ما أكده السيناتور الديمقراطي مارك وارنر الذي قال إن الوزير «عرّض سلامة القوات الأميركية للخطر بشكل غير مقبول».

السيناتور الديمقراطي مارك كيلي الذي يواجه اتهمات من الرئيس ترمب ووزير الحرب هيغسيث على خلفية الحشد العسكري في الكاريبي (أ.ب)

تآكل الثقة داخل الحزب الجمهوري

ورغم أن بعض الجمهوريين ما زالوا يدافعون عن هيغسيث، فإن أصواتاً بارزة بدأت تعبر عن مواقف أكثر صراحة. السيناتور الجمهوري توم تيليس قال إن المشاهد الموثقة للضربة البحرية «تمثل انتهاكاً أخلاقياً وقانونياً»، مؤكداً أنه إذا صحت الروايات المتداولة «فيجب أن يغادر المسؤول عن ذلك واشنطن فوراً».

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث في مبنى الكابيتول بواشنطن (رويترز)

أما زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثيون، فقد رفض مرتين خلال الأسبوع الماضي تأكيد ثقته بوزير الحرب، في مؤشر إضافي على اهتزاز موقع هيغسيث حتى بين الحلفاء المقربين من البيت الأبيض.

لكن مصدر الأزمة لا يقتصر على الضربات المثيرة للجدل أو فضيحة «سيغنال»، بل يتجاوزهما إلى أسلوب وزير الحرب نفسه في إدارة المؤسسة العسكرية. إذ واجه انتقادات داخلية بسبب عملية «تطهير» قادها ضد عدد من كبار الضباط، وبسبب فتحه تحقيقاً غير مسبوق بحق السيناتور الديمقراطي مارك كيلي. كما أثار غضب المشرعين عندما سحب، دون إبلاغ الكونغرس، لواءً عسكرياً من رومانيا كان يشكّل جزءاً من مظلة الردع أمام روسيا.

وفي الأيام الأخيرة، حاول هيغسيث تنحية مسؤوليته عن الضربة البحرية، مشيراً إلى أن الأدميرال برادلي اتخذ «القرار الصحيح» بتنفيذ الضربة الثانية. وقال، خلال ظهور إلى جانب الرئيس ترمب في البيت الأبيض، إنه لم يشاهد البث المباشر لأحداث الضربة الثانية، وإنه لم يرَ ناجين بسبب «الدخان وضباب الحرب».

إلا أن هذه الرواية لم تقنع كثيرين في الكونغرس، حيث يقول أعضاء جمهوريون إن مستوى السرية والتكتّم من جانب البنتاغون لم يعد مقبولاً، وإن تعامل هيغسيث مع المؤسسة التشريعية «يقوّض الثقة» في قراراته.

مدمرة أميركية حاملة للصواريخ ترسو في بورتو ريكو (أ.ف.ب)

محللون يرون أن ما يجري مع هيغسيث يعكس لحظة استثنائية داخل المؤسسة العسكرية الأميركية: وزير دفاع مدعوم من البيت الأبيض، لكنه يواجه تمرداً رقابياً من حزبه نفسه. ورغم أن اللجان العسكرية لم تلمّح حتى الآن إلى إمكانية مطالبة الرئيس بإقالته، فإن السياق الحالي، مع استمرار التحقيقات وتكاثر الاتهامات، قد يحدّ من قدرة هيغسيث على إدارة البنتاغون بفاعلية. وفي ظل استمرار التسريبات وتقارير التحقيقات، واستمرار الضغوط من داخل الحزب وخارجه، تبدو الأيام المقبلة حاسمة في تحديد مستقبل وزير الحرب الذي دخل منصبه قبل عشرة أشهر فقط وسط مناخ من الجدل، ويبدو اليوم في قلب عاصفة تهدد موقعه.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي يبدّل قيادة الجيش الأوكراني... ورهان على التحديث في مواجهة روسيا

أوروبا من اليمين القائد الأعلى المعيّن حديثاً للقوات المسلحة الأوكرانية اللواء ميخايلو دراباتي والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والقائد الأعلى للقوات المسلحة المُقال حديثاً الجنرال أولكسندر سيرسكي ووزير الدفاع بالوكالة يفغيني خامارا يقفون لالتقاط صورة بعد اجتماع وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا في كييف 22 يوليو 2026 (رويترز)

زيلينسكي يبدّل قيادة الجيش الأوكراني... ورهان على التحديث في مواجهة روسيا

أقال زيلينسكي قائد الجيش الأوكراني وعيّن قيادة جديدة في خطوة تهدف إلى احتواء أزمة داخلية ودفع تحديث المؤسسة العسكرية مع استمرار الحرب مع روسيا.

شادي عبد الساتر (بيروت)
رياضة عالمية متحدث باسم داونينغ ستريت قال إنه قد لا تكون كأس العالم لنا لكن جزر فوكلاند بالتأكيد لنا (أ.ب)

داونينغ ستريت: قد لا تكون «كأس العالم» لنا... لكن «جزر فوكلاند» قطعاً لنا

دعا وزير الأعمال البريطاني بيتر كايل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لفتح تحقيق بعدما رفع لاعبو الأرجنتين لافتة كُتب عليها «جزر مالفيناس (فوكلاند) أرجنتينية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب برفقة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال حضورهم اجتماع دول «مجموعة السبع» في إيفيان شرق فرنسا (أ.ف.ب)

ألمانيا: مخاوف من تورط الجيش الألماني بحرب قريباً... وقلق من بطء تعزيز قدراته

يزداد القلق لدى الألمان من احتمال تورط بلادهم في حرب خلال السنوات الخمس المقبلة وسط مخاوف من أن خطط الحكومة بزيادة عديد الجيش الألماني قد لا تكون ناجحة

راغدة بهنام (برلين)
الاقتصاد محطة وقود «بتروناس» وفي الخلفية برجا بتروناس التوأم في كوالالمبور بماليزيا (رويترز)

ماليزيا: ارتفاع أسعار الطاقة يزيد الإنفاق على الدعم

قالت ماليزيا ، إن ارتفاع أسعار الطاقة العالمية يعزز إيراداتها النفطية بما يكفي لتغطية جزء من تكاليف دعم الوقود المتزايدة، مما يخفف الضغط على المالية العامة.

«الشرق الأوسط» (كوالالمبور)
أوروبا الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والأوكراني فولوديمير زيلينسكي في جادة الشانزليزيه (أ.ف.ب)

أوروبا تسعى لحماية نفسها صاروخياً وصفقة دفاعية كبرى فرنسية - أوكرانية

أوروبا تسعى لحماية نفسها صاروخياً وصفقة دفاعية كبرى فرنسية - أوكرانية وهدية ماكرون للفرنسيين في آخر سنة من ولايته: عرض عسكري استثنائي.

ميشال أبونجم (باريس)