الجمهوريون يضيّقون الخناق على وزير الحرب بيت هيغسيث

وسط اتهامات بالتعتيم وإصدار أوامر قد ترقى إلى «جريمة حرب»

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال اجتماع للإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترمب في البيت الأبيض (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال اجتماع للإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترمب في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

الجمهوريون يضيّقون الخناق على وزير الحرب بيت هيغسيث

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال اجتماع للإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترمب في البيت الأبيض (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال اجتماع للإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترمب في البيت الأبيض (أ.ب)

تتصاعد حدة التوتر داخل المعسكر الجمهوري تجاه وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، مع اتساع دوائر الشك في قدرته على قيادة البنتاغون. جاء ذلك بعد سلسلة من الفضائح والقرارات المثيرة للجدل، كان آخرها التحقيقات المتواصلة في الضربة البحرية التي أودت بحياة 11 شخصاً يُشتبه في تورطهم في عمليات تهريب مخدرات، وتقرير المفتش العام في البنتاغون الذي خلص إلى أن مشاركة هيغسيث لمعلومات عبر تطبيق «سيغنال» عرضت حياة الجنود للخطر.

وبينما كان الجمهوريون طوال الأشهر الماضية يتجنبون توجيه انتقادات علنية للوزير المقرّب من الرئيس دونالد ترمب، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى تآكل واضح في الثقة، قد يمهّد لمرحلة من الصدام المفتوح داخل الحزب.

طائرة «سي - 2 إيه غرايهوند» تابعة للبحرية الأميركية تقترب من مطار لويس مونوز مارين في بورتوريكو ضمن مهامها لمكافحة تهريب المخدرات بالكاريبي (أ.ف.ب)

توتر داخل الغرف المغلقة

مصادر برلمانية تحدثت لوسائل إعلام أميركية أكدت أن التململ الجمهوري بدأ يظهر إلى العلن بعد اجتماع سري عقد الشهر الماضي في الكونغرس، خُصص لبحث الضربة المثيرة للجدل التي استهدفت قارباً مدنياً يشتبه في تورطه بعمليات تهريب، وأسفرت عن مقتل جميع ركابه بعد تنفيذ ضربة ثانية ضد ناجيين كانا يتشبثان بالحطام. الاجتماع شهد، بحسب المصادر، حالة من الإحباط بين النواب الجمهوريين عندما لم يرسل البنتاغون أي مستشار قانوني، رغم حساسية الملف والأسئلة المتعلقة بمدى قانونية العملية.

النائب الجمهوري مايك روجرز، رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، عبّر داخل الاجتماع عن انزعاجه من «السرية غير المبررة»، قائلاً إن الكونغرس حصل على معلومات أكثر وضوحاً خلال إدارة بايدن. وهي مقارنة لافتة في أوساط يمينية ما زالت تتبنى موقفاً دفاعياً عن إدارة ترمب.

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدث بعد اجتماع للإدارة الأميركية في البيت الأبيض (إ.ب.أ)

الضربة البحرية، التي باتت محور تحقيقين منفصلين في مجلسي النواب والشيوخ، فتحت الباب أمام أسئلة غير مسبوقة حول مدى تورط هيغسيث شخصياً في إصدار أوامر قد ترقى، وفق خبراء قانون الحرب، إلى «جريمة حرب». فوفقاً لتقارير صحافية، أصدر وزير الحرب أمراً مباشراً قبل بدء العملية بوجوب القضاء على كامل طاقم القارب، بينما تولى قائد العمليات، الأدميرال فرانك برادلي، تنفيذ التعليمات، بما فيها توجيه ضربة ثانية للناجين.

هذه التفاصيل دفعت السيناتور الجمهوري روجر ويكر، رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، إلى وصف الاتهامات بأنها «شديدة الخطورة»، معلناً أن اللجنة طلبت تسجيلات صوتية ومرئية ووثائق توضح التسلسل القيادي خلال العملية. وحتى الآن، تقول شخصيات برلمانية إن البنتاغون لم يلتزم بتسليم المواد المطلوبة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع مجلس الوزراء في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن في 2 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

في هذا السياق، يرى مراقبون أن ذروة الأزمة قد تتبلور خلال الجلسات المغلقة المقررة هذا الأسبوع، حيث يمثل الأدميرال برادلي بدءاً من اليوم، إلى جانب رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، أمام كبار قادة اللجان العسكرية والاستخباراتية في الكونغرس. وستكون الأسئلة الأبرز: من صاحب القرار النهائي؟ وهل تصرّف برادلي بمفرده أو بتوجيه مباشر من وزير الحرب؟

صورة مُركّبة للرئيسين الأميركي ترمب والفنزويلي مادورو (أ.ف.ب)

«سيغنال غيت» تلاحق هيغسيث

الأزمة الجديدة تأتي فيما لم يكد هيغسيث يتجاوز آثار «فضيحة سيغنال»، التي خلص تقرير حديث للمفتش العام في البنتاغون إلى أنها تضمنت انتهاكات واضحة لبروتوكولات الأمن المعلوماتي. فقد شارك وزير الحرب، عبر مجموعة دردشة على تطبيق «سيغنال» غير المؤمّن، تفاصيل حساسة عن خطط عملياتية في اليمن قبيل شن ضربات جوية ضد الحوثيين. ورغم أن هيغسيث دافع عن نفسه بتأكيده أنه «لم يشارك معلومات سرية»، فإن التقرير أشار إلى أن بعض ما نُشر كان مأخوذاً من رسائل سرية على مستوى «سري/ ليس للاطلاع العام».

كذلك، حذّر التقرير من أن هذه الممارسات شكّلت خطراً على حياة طيارين أميركيين كانوا يستعدون لتنفيذ الهجمات، وهو ما أكده السيناتور الديمقراطي مارك وارنر الذي قال إن الوزير «عرّض سلامة القوات الأميركية للخطر بشكل غير مقبول».

السيناتور الديمقراطي مارك كيلي الذي يواجه اتهمات من الرئيس ترمب ووزير الحرب هيغسيث على خلفية الحشد العسكري في الكاريبي (أ.ب)

تآكل الثقة داخل الحزب الجمهوري

ورغم أن بعض الجمهوريين ما زالوا يدافعون عن هيغسيث، فإن أصواتاً بارزة بدأت تعبر عن مواقف أكثر صراحة. السيناتور الجمهوري توم تيليس قال إن المشاهد الموثقة للضربة البحرية «تمثل انتهاكاً أخلاقياً وقانونياً»، مؤكداً أنه إذا صحت الروايات المتداولة «فيجب أن يغادر المسؤول عن ذلك واشنطن فوراً».

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث في مبنى الكابيتول بواشنطن (رويترز)

أما زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثيون، فقد رفض مرتين خلال الأسبوع الماضي تأكيد ثقته بوزير الحرب، في مؤشر إضافي على اهتزاز موقع هيغسيث حتى بين الحلفاء المقربين من البيت الأبيض.

لكن مصدر الأزمة لا يقتصر على الضربات المثيرة للجدل أو فضيحة «سيغنال»، بل يتجاوزهما إلى أسلوب وزير الحرب نفسه في إدارة المؤسسة العسكرية. إذ واجه انتقادات داخلية بسبب عملية «تطهير» قادها ضد عدد من كبار الضباط، وبسبب فتحه تحقيقاً غير مسبوق بحق السيناتور الديمقراطي مارك كيلي. كما أثار غضب المشرعين عندما سحب، دون إبلاغ الكونغرس، لواءً عسكرياً من رومانيا كان يشكّل جزءاً من مظلة الردع أمام روسيا.

وفي الأيام الأخيرة، حاول هيغسيث تنحية مسؤوليته عن الضربة البحرية، مشيراً إلى أن الأدميرال برادلي اتخذ «القرار الصحيح» بتنفيذ الضربة الثانية. وقال، خلال ظهور إلى جانب الرئيس ترمب في البيت الأبيض، إنه لم يشاهد البث المباشر لأحداث الضربة الثانية، وإنه لم يرَ ناجين بسبب «الدخان وضباب الحرب».

إلا أن هذه الرواية لم تقنع كثيرين في الكونغرس، حيث يقول أعضاء جمهوريون إن مستوى السرية والتكتّم من جانب البنتاغون لم يعد مقبولاً، وإن تعامل هيغسيث مع المؤسسة التشريعية «يقوّض الثقة» في قراراته.

مدمرة أميركية حاملة للصواريخ ترسو في بورتو ريكو (أ.ف.ب)

محللون يرون أن ما يجري مع هيغسيث يعكس لحظة استثنائية داخل المؤسسة العسكرية الأميركية: وزير دفاع مدعوم من البيت الأبيض، لكنه يواجه تمرداً رقابياً من حزبه نفسه. ورغم أن اللجان العسكرية لم تلمّح حتى الآن إلى إمكانية مطالبة الرئيس بإقالته، فإن السياق الحالي، مع استمرار التحقيقات وتكاثر الاتهامات، قد يحدّ من قدرة هيغسيث على إدارة البنتاغون بفاعلية. وفي ظل استمرار التسريبات وتقارير التحقيقات، واستمرار الضغوط من داخل الحزب وخارجه، تبدو الأيام المقبلة حاسمة في تحديد مستقبل وزير الحرب الذي دخل منصبه قبل عشرة أشهر فقط وسط مناخ من الجدل، ويبدو اليوم في قلب عاصفة تهدد موقعه.


مقالات ذات صلة

إسلام آباد وبكين تحثان على إنهاء حرب الشرق الأوسط وسلامة الممرات المائية

آسيا Foreign ministers of Saudi Arabia, Pakistan, Egypt and Turkey before their quadripartite meeting in Islamabad on Sunday (SPA) p-circle

إسلام آباد وبكين تحثان على إنهاء حرب الشرق الأوسط وسلامة الممرات المائية

إسلام آباد وبكين تحثان على إنهاء حرب الشرق الأوسط وسلامة الممرات المائية... وثلاث سفن صينية تعبر مضيق هرمز بعد تنسيق مع الأطراف المعنية

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في كلمته أمام نواب البرلمان (أ.ف.ب) p-circle

إيطاليا تنضم إلى إسبانيا وترفض استخدام قاعدة بصقلية في عمليات أميركا ضد إيران

إيطاليا تنضم إلى إسبانيا وترفض استخدام قاعدة بصقلية في عمليات أميركا ضد إيران... وترمب يعرب عن استيائه من الحلفاء ويخص فرنسا بالذكر

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية لافتة تكريمية في شارع بطهران للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ولقادة آخرين قتلوا في بداية الحرب (رويترز) p-circle

اغتيالات مدعومة بالذكاء الاصطناعي... كيف تمكنت إسرائيل من استهداف قادة إيران؟

بينما اجتمع القادة العسكريون الأميركيون والإسرائيليون لوضع خطة الحرب مع إيران، من الواضح أنهم اتفقوا على تولي إسرائيل لمهمة ملاحقة قادة إيران وقتلهم.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية رجل دين يتفقد آثار الغارات الجوية الإسرائيلية - الأميركية التي استهدفت طهران - الاثنين 30 مارس 2026 (نيويورك تايمز) p-circle

تصدّع القيادة الإيرانية يعرقل تنسيق القرار

أدت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران إلى تصدع داخل الحكومة الإيرانية، مما عقد قدرتها على اتخاذ القرارات وتنسيق هجمات انتقامية أكبر.

رونين بيرغمان (واشنطن) آدم غولدمان (واشنطن) جوليان بارنز (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار (إ.ب.أ)

باكستان تؤكد التزامها بدعم جهود استعادة السلام والاستقرار الإقليميَّين

أجرى نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الباكستاني، محادثةً هاتفيةً مع وزير الخارجية الإيراني أكد خلالها دعم بلاده لجهود إحياء السلام في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد )

ترمب: الحرب على إيران تقترب من نهايتها

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة في 29 مارس 2026 أثناء توجهه إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة في 29 مارس 2026 أثناء توجهه إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند (أ.ف.ب)
TT

ترمب: الحرب على إيران تقترب من نهايتها

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة في 29 مارس 2026 أثناء توجهه إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة في 29 مارس 2026 أثناء توجهه إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، إن العمليات العسكرية الأميركية على إيران «تقترب من نهايتها».

وأضاف ترمب في مقابلة مع شبكة «إن بي سي نيوز»: «نبلي بلاءً حسناً... العمليات تقترب من نهايتها»، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

دخلت المواجهة في الشرق الأوسط منعطفاً شديد الخطورة، حيث رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب وتيرة الضغوط العسكرية والسياسية على إيران إلى مستويات غير مسبوقة. وفي تحول ميداني بارز، اتسعت رقعة الحرب لتشمل ضربات أميركية-إسرائيلية منسقة طالت منشآت عسكرية حيوية في قلب العاصمة طهران ومدينة أصفهان، وسط مؤشرات على غياب أي تراجع قريب في حدة الهجمات.

سياسياً، تمسك ترمب بمطلب إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، موجهاً رسائل حازمة لحلفاء واشنطن بضرورة تحمل دور أكبر في هذه المعركة. وفي تصريح يعكس نهجه «الواقعي»، قال ترمب إن الدول المتضررة من ارتفاع أسعار الوقود يجب أن «تذهب وتجلب نفطها بنفسها»، منتقداً الحلفاء الذين لا يشاركون بفعالية في تأمين الممر الحيوي.


ترمب ينتقد عدم تعاون فرنسا في الحرب على إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

ترمب ينتقد عدم تعاون فرنسا في الحرب على إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)

لاحظ الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، أن فرنسا لم تكن متعاونة مع الولايات المتحدة في الحرب على إيران، منتقداً حظرها تحليق الطائرات الأميركية فوق أراضيها، من دون أن يتضح ما كان يقصده بالضبط، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكتب الرئيس الأميركي على منصته «تروث سوشيال»: «لم تسمح فرنسا للطائرات المتجهة إلى إسرائيل، والمحملة معدات عسكرية، بالتحليق فوق أراضيها. كانت فرنسا غير متعاونة إطلاقاً، بينما تتصل بالجزار الإيراني الذي تم القضاء عليه بنجاح».

وقال قصر الإليزيه للصحافيين، الثلاثاء، رداً على تصريحات ترمب، إن هذا القرار يتماشى مع الموقف الفرنسي منذ بداية الحرب، وأضاف: «لم تُغيِّر فرنسا موقفها منذ البداية. لقد فوجئنا بهذا المنشور» لترمب.

ولم تعلن باريس رسمياً أو علناً حظراً لتحليق الطائرات الأميركية المشاركة في الحرب فوق أراضيها، على عكس إسبانيا.

وكانت إسبانيا التي أعلنت حكومتها اليسارية «معارضتها التامة» للهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران، أعلنت الاثنين إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الأميركية المشاركة في الحرب.


هل يضيق سقف الأهداف الأميركية فيما ترفع إيران كلفة التحدي؟

روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
TT

هل يضيق سقف الأهداف الأميركية فيما ترفع إيران كلفة التحدي؟

روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)

لم يعد السؤال في واشنطن حول ما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل نجحتا في إلحاق ضرر عسكري كبير بإيران، بل ما إذا كان هذا النجاح يكفي لتبرير وقف الحرب قبل إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل.

فالإشارات الأخيرة الصادرة عن البيت الأبيض والتسريبات الصحافية توحيان بأن الرئيس دونالد ترمب بات أقرب إلى تضييق أهدافه العملية: ضرب البحرية الإيرانية، استنزاف مخزون الصواريخ، تقويض القاعدة الصناعية الدفاعية، ثم الانتقال إلى ضغط دبلوماسي يحمّل الآخرين عبء الملاحة والطاقة. غير أن هذه المقاربة لا تبدو مستقرة بعد؛ لأن ترمب نفسه يراوح بين لغة التهدئة ولغة التهديد، فيما تواصل طهران تقديم نفسها بوصفها الطرف الذي صمد عسكرياً وانتزع ورقة ضغط اقتصادية عالمية من خلال هرمز. بهذا المعنى، دخلت الحرب مرحلة أكثر تعقيداً: لم تعد معركة إسقاط النظام بالضرورة، لكنها لم تصبح أيضاً تسوية قابلة للحياة.

صورة جماعية لوزراء خارجية «السبع» يوم 27 مارس في «فو دي سيرني» (إ.ب.أ)

أهداف تتقلص

أبرز ما تكشف عنه التطورات الأخيرة أن إعادة فتح مضيق هرمز لم تعد، في الخطاب الأميركي الأحدث، هدفاً عسكرياً فورياً بالمعنى نفسه الذي طُرح سابقاً. «وول ستريت جورنال» ذكرت أن ترمب أبلغ مساعديه استعداده لإنهاء الحملة حتى إذا بقي المضيق مغلقاً إلى حد كبير، على أن تُترك مهمة إعادة فتحه لاحقاً للدبلوماسية أو لتحالفات دولية أوسع. وهذا التحول ليس تفصيلاً تقنياً، بل إقرار ضمني بأن انتزاع المضيق بالقوة قد يجر واشنطن إلى حرب أطول وأثقل مما يريده الرئيس، وخصوصاً إذا استلزم الأمر بقاء قوات برية أو السيطرة على عقد استراتيجية مثل جزيرة خرج أو فرض حماية دائمة للممر البحري.

Spain's Patriot system at Incirlik Air Base in southern Turkey (AFP)

لكن تضييق الأهداف لا يحل المعضلة، بل يعيد صياغتها. فإذا توقفت الحرب قبل فتح هرمز، تكون إيران قد خسرت كثيراً من قدراتها العسكرية، لكنها تكون أيضاً قد فرضت على العالم معادلة خطيرة: تستطيع قوة إقليمية متضررة أن تشل أحد أهم شرايين الطاقة ثم تنتزع مفاوضات من موقع التعطيل. لذلك يتركز كثير من النقد الأميركي حول الفجوة بين «النجاح العسكري» و«النتيجة الاستراتيجية». فالتوقف الآن قد يعني الاكتفاء بتقليص التهديد الإيراني من دون إزالة ورقة الابتزاز البحري، بينما يعني الاستمرار حتى فتح المضيق بالقوة احتمال الانزلاق إلى حرب مفتوحة النهاية.

إيران تراهن على البقاء

في المقابل، تبدو طهران كأنها قرأت هذا التردد الأميركي بوصفه فرصة لاختبار السقف النهائي لترمب. رسالتها المعلنة لا تقتصر على رفض الخطة الأميركية، بل تذهب أبعد من ذلك: لا تفاوض فعلياً قبل وقف الضربات، ولا عودة طبيعية للممر البحري قبل انتزاع تنازلات تتعلق بالسيادة والضمانات وربما التعويضات. ومن هنا يمكن فهم تصريحات نائب الرئيس الإيراني، محمد رضا عارف، عن أن «الأعداء» باتوا يطلبون التفاوض بشأن المضيق، في محاولة لتثبيت رواية داخلية وخارجية تقول إن إيران، رغم الضربات، لم تُهزم سياسياً، وإن هرمز جعل الآخرين بحاجة إليها أكثر مما تحتاج إليهم.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال مؤتمر صحافي في كييف (أ.ب)

هذا لا يعني أن إيران في وضع مريح. العكس هو الأرجح عسكرياً واقتصادياً. لكن حساباتها الحالية تبدو قائمة على أن البقاء السياسي أهم من الخسارة العسكرية، وأن مجرد استمرار قدرتها على تهديد الملاحة يمنحها موقعاً تفاوضياً أفضل من موقع طرف مهزوم تماماً. كما أن سماحها الانتقائي لبعض السفن أو لبعض الدول الصديقة بالمرور لا يعني فتح المضيق فعلاً، بل إدارة الإغلاق بطريقة تخلق شبكة مصالح وضغوط متعارضة بين القوى الكبرى، والمستوردين الآسيويين، والحلفاء الخليجيين. إنها تحاول تحويل هرمز من ساحة عسكرية إلى سوق مساومات.

رئيس الوزراء الإسباني والرئيس الفرنسي (إ.ب.أ)

الميدان يضغط

على جبهة المفاوضات، لا تزال الصورة ضبابية. هناك حديث أميركي عن اتصالات و«محادثات» أكثر منه عن مفاوضات كاملة، مع تداول دور لباكستان في نقل مقترحات، وسعي أطراف إقليمية ودولية إلى بلورة إطار يسمح بوقف الحرب أو على الأقل تجميدها. لكن اللافت أن واشنطن نفسها تبدو منقسمة في توصيف ما تريد الوصول إليه: ترمب يلمّح أحياناً إلى أن القيادة الإيرانية الجديدة «عقلانية»، ثم يعود إلى التهديد بضرب البنية التحتية للطاقة والكهرباء والمياه؛ وزير خارجيته ماركو روبيو يتحدث عن أسابيع قليلة إضافية لاستكمال الأهداف العسكرية، ثم يربط ملف هرمز بخيارات إيران أو بتحالف دولي لاحق.

صورة لانفجارات قوية قيل إنها لقصف أميركي بقنابل خارقة لإحدى القواعد العسكرية الإيرانية في مدينة أصفهان (رويترز)

هذا التناقض ليس مجرد فوضى خطابية، بل يعكس مأزقاً حقيقياً: كيف يمكن الجمع بين الرغبة في نهاية سريعة للحرب والحاجة إلى نتيجة لا تبدو كأنها تترك لإيران قدرة مزمنة على تعطيل التجارة العالمية؟ ميدانياً، يزيد هذا المأزق استمرار الحشد العسكري الأميركي. فبينما يلوّح ترمب بإنهاء الحرب من دون حسم ملف المضيق فوراً، تستمر واشنطن في دفع أصول عسكرية إضافية إلى المنطقة، ويستمر النقاش حول خيارات أكثر خطورة، من حماية الممرات بالقوة إلى السيطرة على عقد استراتيجية أو نشر مزيد من القوات البرية. وهذا وحده كافٍ للدلالة على أن خيار «الإنهاء السريع» لم يتحول بعد إلى قرار نهائي مستقر، بل لا يزال أداة ضغط تفاوضي قد تنقلب سريعاً إذا واصلت إيران الرفض أو رفعت مستوى التهديد.

حلفاء مرتبكون

خارجياً، تكشف الأزمة عن حدود الحلفاء أكثر مما تكشف عن قوتهم. بريطانيا تحاول تسويق مشاركتها على أنها «دفاعية» لا «هجومية»، رغم أن قواعدها تستضيف قاذفات أميركية تنفذ ضربات مرتبطة مباشرة بمسرح الحرب. أما أوروبا فمأزقها مضاعف: فهي تحتاج إلى استقرار الطاقة وحرية الملاحة، لكنها تخشى الغرق في حرب جديدة لا تملك أدوات التحكم بها، بينما تضغط عليها في الداخل فاتورة النفط والغاز والتضخم والإنفاق الدفاعي. لذلك، فإن أي رهان أميركي على أن يتولى الأوروبيون أو تحالف واسع مهمة إعادة فتح هرمز لاحقاً يصطدم بحقيقة أن هذه الأطراف لا تريد حرباً ممتدة، ولا تملك دائماً هامشاً سياسياً أو عسكرياً لتحملها.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب على درج الطائرة الرئاسية قبيل عودته إلى واشنطن من منتجعه في فلوريدا (رويترز)

وهنا برز العرض الأوكراني؛ فقد طرح الرئيس فولوديمير زيلينسكي خبرة بلاده في كسر الحصار البحري الروسي في البحر الأسود بوصفها نموذجاً يمكن الإفادة منه في هرمز. سياسياً، يحمل العرض رسالة بأن كييف تريد أن تقدم نفسها شريكاً أمنياً لا مجرد طالب سلاح. أما عملياً، فإن التجربة الأوكرانية تتضمن عناصر جدية، مثل استخدام المسيّرات البحرية، والدفاع الساحلي المتكامل، والتعامل مع الألغام، وتأمين ترتيبات الشحن والتأمين. لكن نقل هذه الخبرة إلى هرمز ليس أمراً آلياً؛ لأن الجغرافيا مختلفة، والخصم مختلف، وتشابك الحرب مع أسواق الطاقة العالمية أكبر بكثير. لذلك قد تكون القيمة الفعلية للعرض الأوكراني تقنية وتكتيكية أكثر منها حلاً استراتيجياً كاملاً..

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه برئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في البيت الأبيض العام الماضي (رويترز)

في المحصلة، يبدو ترمب أقرب اليوم إلى حسم من نوع خاص: ليس حسم الحرب، بل حسم أولوياته داخلها. فإذا اختار إنهاء الحملة قبل فتح هرمز، فيكون قد قرر أن تقليص الخطر الإيراني أهم حالياً من فرض نظام ملاحي جديد بالقوة. وإذا تراجع عن ذلك، فسيكون قد أقر بأن أي نهاية للحرب من دون كسر قبضة إيران على المضيق هي نهاية ناقصة وربما مكلفة سياسياً. وحتى الآن، لا يبدو أن إيران مستعدة لتسهيل هذا الاختيار، بل تراهن على أن عنادها ومرونتها الانتقائية في آن سيدفعان واشنطن إلى قبول تسوية أدنى من شعاراتها الأولى. لهذا، فإن الأيام المقبلة لن تختبر فقط قدرة ترمب على إنهاء الحرب، بل قدرته على تعريف ما يعدّه «انتصاراً» أصلاً.