سوريا... بانوراما الخراب تنتظر خطة واضحة لإعادة الإعمار

تقرير أممي: ثلث المساكن مُتضررة أو مُدمرة ويعيش 90 % من السوريين تحت خط الفقر

عائلة أمام أنقاض منزلها في مدينة درعا جنوب غربي سوريا مهْد الانتفاضة السورية عام (نيويورك تايمز)
عائلة أمام أنقاض منزلها في مدينة درعا جنوب غربي سوريا مهْد الانتفاضة السورية عام (نيويورك تايمز)
TT

سوريا... بانوراما الخراب تنتظر خطة واضحة لإعادة الإعمار

عائلة أمام أنقاض منزلها في مدينة درعا جنوب غربي سوريا مهْد الانتفاضة السورية عام (نيويورك تايمز)
عائلة أمام أنقاض منزلها في مدينة درعا جنوب غربي سوريا مهْد الانتفاضة السورية عام (نيويورك تايمز)

في سوريا، بات الدمار الذي خلَّفته 13 عاماً من الحرب جزءاً لا يتجزأ من المشهد، بحسب تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز»؛ إذ لا تكاد مدينة أو بلدة توجد لم يمسها الدمار، أو حيّ لم يمسه الخراب، في هذا البلد الشاسع الذي يبلغ عدد سكانه 23 مليون نسمة.

في المدن الرئيسية كدمشق، العاصمة، سُوّيت أحياء بأكملها وضواحيها بالأرض، في محاولة من الديكتاتور بشار الأسد، وحليفيه روسيا وإيران، لسحق احتجاجات وتمرد مسلح اندلع عقب ثورات الربيع العربي عام 2011.

رجل يحلق ذقنه داخل مقر إقامته المؤقتة في مخيم للنازحين السوريين بمحافظة إدلب (نيويورك تايمز)

وأجبر القتال والقمع أكثر من نصف السكان على النزوح من ديارهم، تاركين وراءهم مدناً أشباحاً، وأحياءً بأكملها غارقة في الظلام وغير صالحة للسكن.

في نهاية المطاف، أطاح الثوار بالنظام في ديسمبر (كانون الأول) 2024، ومع تركيزها على توطيد سلطتها، لم تبدأ حكومة الرئيس أحمد الشرع الجديدة، إلا مؤخراً، مهمة إزالة الأنقاض وإعادة الإعمار.

حطام سوق التوابل في حلب حيث تعرضت المدينة والمحافظة المحيطة بها لأضرار جسيمة جراء سنوات من القتال العنيف (نيويورك تايمز)

يُذْكر أنه قد عاد أكثر من 3 ملايين سوري إلى سوريا منذ فرار الأسد ولجوئه إلى روسيا، لكن يعيش الكثيرون بين الأنقاض، أو في خيام مجاورة لها، وقد قام البعض بترميم شقق صغيرة تقع في منتصف هيكل مبنى سكني مهجور.

وشهدت مدينة حلب القديمة ومحافظتها المحيطة بها بعضاً من أشدّ الأضرار على مرّ سنوات الحرب، وكانت مسرحاً لمواجهاتٍ حديثة؛ إذ امتدّ خطّ المواجهة عبر المدينة القديمة العريقة، المشهورة بمنازلها ذات الأفنية وسوقها المسقوفة.

تقول رزان عبد الوهاب، وهي مهندسة معمارية تُنسّق مشاريع في المنطقة لصالح برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشري، وهو برنامج الأمم المتحدة للتنمية الحضرية: «كانوا يتقاتلون عليها. إنها كارثة عظيمة».

محطة وقود مؤقتة في حلب في 9 أغسطس تعرضت مدينة حلب والمحافظة المحيطة بها لأضرار جسيمة جراء سنوات من القتال العنيف

وأضافت أن 60 في المائة من المدينة القديمة دُمِّر، بما في ذلك العديد من المباني المسجّلة كآثار. ورغم العمل الجاري لترميم أجزاء من السوق، لا تزال المدينة القديمة مشهداً مروعاً من الغبار والأنقاض.

يقول عبد القادر، وهو تاجر عاد عام 2017 ليجد متجره ومنزله بالقرب من المدينة القديمة مُدمّرين: «لا أستطيع نسيان ذلك اليوم، عندما رأيت كلّ هذا الدمار. لماذا؟ ولماذا؟».

غياب الأثر

مخبز متضرر في داريا إحدى ضواحي العاصمة السورية (نيويورك تايمز)

يُعاني العديد من السوريين من أجل البقاء. ثلث المساكن في البلاد مُتضررة أو مُدمرة. ترتفع نسبة البطالة، ويعيش 90 في المائة من السوريين تحت خط الفقر، وفقاً للأمم المتحدة.

أظهر مسحٌ أجرته الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (الموئل)، أن 31 في المائة من المساكن بحاجة إلى إعادة بناء أو ترميم؛ ما يجعل البلاد تفتقر إلى 1.9 مليون منزل لنحو 10 ملايين نسمة.

يُمكن ملاحظة حجم المعاناة. ففي مدينة درعا جنوب غرب البلاد، مهد الانتفاضة السورية عام 2011، أصبحت الأحياء التي دعمت الثورة مُدمرة.

يقول محمد خير بجبوج، البالغ من العمر 50 عاماً: «في بعض الأماكن، وصل حجم الأنقاض إلى درجة أن الناس لا يستطيعون العثور على مكان منازلهم. أحياناً، لا يستطيعون حتى العثور على الشارع».

لا يسكن في شارعه سوى منزلين، منزله ومنزل ابنة عمه التي عادت مع عائلتها بعد أن ساعدتها إحدى الجمعيات الخيرية في ترميم سقف منزلها. قال بجبوج: «لم يعد سوى عدد قليل من الناس لأن معظمنا لا يملك المال».

صلاة الجمعة في مدينة دير الزور الشرقية، التي وصفها برنامج للأمم المتحدة بأنها المدينة الأكثر تضرراً في سوريا، في 22 أغسطس/آب 2025. (نيويورك تايمز)

وخارج المدن الرئيسية، تنتشر الألغام الأرضية والقنابل غير المنفجرة في القرى والبلدات. وتتسبب هذه المتفجرات في قتل العائدين وتشويههم.

في إحدى ظهيرات الصيف الماضي في دير الزور، شرق سوريا، انفجّرت عبوة ناسفة في امرأة وابنها المراهق في أثناء بحثهما في مكب نفايات. قُتلت الأم، وأُصيب الصبي بجروح بالغة في وجهه وعينيه.

وصفت الأمم المتحدة (الموئل) دير الزور بأنها المدينة الأكثر تضرراً في سوريا، وتشقّ حركة المرور طريقها بين الحفر وحول أكوام الأنقاض، ويلعب الأطفال بين الأنقاض تحت ألواح خرسانية ضخمة تتدلى بشكل خطير من المباني. ويملأ الغبار الأجواء.

ومثل معظم مناطق شرق سوريا، عانت دير الزور من محنة إضافية تمثلت في خضوعها لتنظيم «داعش»، وأصبحت طرقها وجسورها مدمرة. تحولت كنائسها ومساجدها إلى ركام. المدارس والمستشفيات قليلة.

مسجد مدمر في ضاحية داريا بدمشق (نيويورك تايمز)

مهمة إعادة الإعمار هائلة. وتُقدّر الأمم المتحدة (الموئل) أن تكلفة الإسكان وحدها ستصل إلى 80 مليار دولار. وقدّر البنك الدولي تكاليف إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار.

وأفادت مؤسسة «كارنيغي» للسلام الدولي مؤخراً: «لا يزال الحديث غائباً عن وضع خطة شاملة لإعادة الإعمار الاقتصادي».

ومع قيام إدارة ترمب والعديد من الجهات المانحة الغربية الأخرى بتقليص ميزانيات المساعدات الدولية، تسعى الحكومة السورية للحصول على تمويل من القطاع الخاص.

وحذّر الخبراء من أن هذا الأمر ينطوي على مخاطر. فإذا لم يُدَرْ بشكل عادل، فإن إعادة الإعمار بقيادة القطاع الخاص قد تؤدي إلى عودة المحسوبية وعدم المساواة الاجتماعية؛ ما قد يُفاقم حالة عدم الاستقرار.

أفراد عائلة أمام منزلهم المتضرر في ضاحية اليرموك بدمشق في 7 أغسطس 2025 (نيويورك تايمز)

وقال هيروشي تاكاباياشي، رئيس برنامج الأمم المتحدة (الموئل) في سوريا: «إذا أردنا الاستقرار حقاً، فلا بد من توفير دعم إعادة الإعمار». وأضاف أن سوريا كانت حجر الزاوية للاستقرار في معظم أنحاء الشرق الأوسط.

قال: «إذا فشلنا هنا، فقد لا يستمر هذا النظام العالمي برمته».

بعد كل هذه الخسائر والدمار، لا يطالب السوريون بالكثير. قدري موصلي، صاحب متجر في دير الزور، قال إن أخاه نزف حتى الموت: «من سيعوضني؟ من سيرد لنا الأرواح التي فقدناها، والأموال التي خسرناها؟» وقال: «يمكننا أن ننهض من جديد، ونحقق نمواً حضارياً، لكن ذلك سيكون بطيئاً جداً جداً».


مقالات ذات صلة

10 آلاف كردي تقدموا بطلب الحصول على الجنسية السورية

المشرق العربي جانب من احتفالات الأكراد بيوم اللغة الكردية في القامشلي شمال شرقي سوريا يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

10 آلاف كردي تقدموا بطلب الحصول على الجنسية السورية

أعلن في دمشق أن عدد طلبات تجنيس المواطنين المشمولين بأحكام المرسوم 13 الخاص بحقوق الأكراد السوريين وصل إلى 2892 طلباً عائلياً.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد أنهم على صلة بمسلحي تنظيم «داعش» ينتظرون مغادرة مخيم روج بسوريا (رويترز)

سوريا: المجموعة الأخيرة من النساء والأطفال الأستراليين تُغادر مخيم روج

غادرت آخر دفعة من النساء والأطفال الأستراليين مخيم روج في شمال شرقي سوريا، الذي يؤوي أقارب لمشتبه بارتباطهم بتنظيم «داعش»، وفق مسؤول.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي وزراة الداخلية السورية في دمشق (موقعها الرسمي)

القبض على أحد ضباط النظام السوري السابق

أعلنت وزارة الداخلية السورية، اليوم السبت، القبض على ضابط في نظام بشار الأسد يحمل رتبة لواء متهم بارتكاب جرائم وانتهاكات.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي أفراد من الشرطة العسكرية السورية في دمشق (أرشيفية - د.ب.أ)

توقيف 10 أتراك في سوريا يُشتبه بانتمائهم لـ«داعش»

أوقف 10 أتراك يشتبه في انتمائهم إلى تنظيم «داعش» في سوريا خلال عملية مشتركة بين الاستخبارات التركية والسورية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي جندي إسرائيلي يرفع علماً على دبابة في الجولان (أرشيفية - رويترز)

قوات إسرائيلية تنفذ حملة تفتيش وتطلق النار في الجنوب السوري

توغلت القوات الإسرائيلية، اليوم السبت، في قرية صيدا الجولان بريف القنيطرة الجنوبي، منفذة حملة تفتيش في المنطقة الواقعة بجنوب سوريا.


إيران تعد «حزب الله» بشمول لبنان في «صفقة إسلام آباد»


مشيعون يحملون نعوش ضحايا قُتلوا بغارات إسرائيلية في جنوب لبنان الجمعة (أ.ف.ب)
مشيعون يحملون نعوش ضحايا قُتلوا بغارات إسرائيلية في جنوب لبنان الجمعة (أ.ف.ب)
TT

إيران تعد «حزب الله» بشمول لبنان في «صفقة إسلام آباد»


مشيعون يحملون نعوش ضحايا قُتلوا بغارات إسرائيلية في جنوب لبنان الجمعة (أ.ف.ب)
مشيعون يحملون نعوش ضحايا قُتلوا بغارات إسرائيلية في جنوب لبنان الجمعة (أ.ف.ب)

وعدت إيران، أمس، «حزب الله» بأن يكون لبنان جزءاً من صفقة إسلام آباد، حيث تبحث مع الولايات المتحدة اتفاقاً ينهي الحرب في إيران.

وقال «حزب الله»، في بيان، إن أمينه العام نعيم قاسم تلقى رسالةً من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أكد فيها أن طهران «لن تتخلى» عن دعمه وأن أحدث مقترح لإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة شدد على «إيقاف الحرب بشكل دائم ومستقر» في لبنان.

ورغم المباحثات الجارية، كثف «حزب الله» من استهدافاته للدفاعات الجوية الإسرائيلية على الحدود مع لبنان، تحسباً لتجدد الحرب. وأعلن الحزب، السبت، عن استهداف أربع منظومات للدفاع الجوي (القبة الحديدية) في موقعين عسكريين رئيسيين، غداة إعلانه استهداف منظومة أخرى.

في المقابل، كثف الجيش الإسرائيلي استهدافاته داخل الأراضي اللبنانية، وأصدر إنذارات إخلاء لـ15 بلدة في الجنوب.


10 آلاف كردي تقدّموا بطلب الحصول على الجنسية السورية

جانب من احتفالات الأكراد بيوم اللغة الكردية في القامشلي شمال شرقي سوريا يوم 14 مايو 2026 (رويترز)
جانب من احتفالات الأكراد بيوم اللغة الكردية في القامشلي شمال شرقي سوريا يوم 14 مايو 2026 (رويترز)
TT

10 آلاف كردي تقدّموا بطلب الحصول على الجنسية السورية

جانب من احتفالات الأكراد بيوم اللغة الكردية في القامشلي شمال شرقي سوريا يوم 14 مايو 2026 (رويترز)
جانب من احتفالات الأكراد بيوم اللغة الكردية في القامشلي شمال شرقي سوريا يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

في خطوة جديدة تُسهم في تسوية الخلافات بين دمشق والأكراد، أعلنت وزارة الداخلية السورية أن ما لا يقل عن 10 آلاف كردي تقدموا بطلبات الحصول على الجنسية السورية. ويأتي ذلك في إطار تنفيذ المرسوم «13»، الذي نصّ على إلغاء الإجراءات الاستثنائية المرتبطة بإحصاء عام 1962، والذي تسبب في حرمان شريحة واسعة من الأكراد من الجنسية السورية لعقود. وكشفت «الداخلية السورية»، السبت، أن عدد طلبات تجنيس المواطنين المشمولين بأحكام المرسوم «13»، وصل إلى 2892 طلباً عائلياً، تشمل تفويضاً قانونياً لتجنيس 10516 فرداً. وأوضحت أن الغالبية العظمى من الطلبات كانت في الحسكة (أقصى شمال شرقي البلاد)، تليها حلب (شمال)، ثم دمشق.ومن المنتظر بعد انتهاء المرحلة الأولى المتضمنة استقبال الطلبات الانتقال إلى المرحلة الثانية التي تتضمن التدقيق في صحة البيانات، ومن ثم المرحلة النهائية المتضمنة الحصول على الجنسية.


«ثغرات» عائلية قادت إسرائيل إلى قيادات «حماس»

فلسطينيون يحملون صور القائد العسكري لـ«حماس» عز الدين الحداد خلال تشييعه في مدينة غزة يوم 16 مايو 2026 (أ.ف.ب)
فلسطينيون يحملون صور القائد العسكري لـ«حماس» عز الدين الحداد خلال تشييعه في مدينة غزة يوم 16 مايو 2026 (أ.ف.ب)
TT

«ثغرات» عائلية قادت إسرائيل إلى قيادات «حماس»

فلسطينيون يحملون صور القائد العسكري لـ«حماس» عز الدين الحداد خلال تشييعه في مدينة غزة يوم 16 مايو 2026 (أ.ف.ب)
فلسطينيون يحملون صور القائد العسكري لـ«حماس» عز الدين الحداد خلال تشييعه في مدينة غزة يوم 16 مايو 2026 (أ.ف.ب)

واجهت إسرائيل صعوبات في بداية الحرب على غزة للوصول إلى قيادات «حماس»، خصوصاً قادة «كتائب القسام»، الجناح العسكري للحركة، الذين استغلوا الأنفاق أسفل الأرض في التخفي والتنقل من مكان إلى آخر، قبل أن تتغير تحركاتهم بعدما باتت تلك الأنفاق لا توفر لهم الحماية الكاملة، فأصبحوا ملاحقين فوق الأرض، حتى نجحت إسرائيل في الوصول إليهم لاحقاً.

وتُظهر معلومات تتبعتها «الشرق الأوسط»، أن بعض القيادات العسكرية البارزة وصلت إليهم إسرائيل بعد تواصلهم بطريقة أو بأخرى مع عائلاتهم أو اللقاء بهم، وكان آخرهم القائد العسكري عزالدين الحداد.

وتؤكد مصادر ميدانية في حركة «حماس» أن بعض القيادات تم اغتيالهم بعد تواصلهم مع عائلاتهم التي كانت تحت المراقبة الشديدة من قبل أجهزة الاستخبارات، ولم يتبين أن أياً منهم كان متعاوناً مع تلك الأجهزة بعد تحقيقات أُجريت.