البنتاغون يصدر «استراتيجية الدفاع الوطني»

«أميركا أولاً» بزيّ عسكري وإعادة تعريف الخصوم والحلفاء

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث متحدّثاً خلال مناسبة في البنتاغون - 19 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث متحدّثاً خلال مناسبة في البنتاغون - 19 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

البنتاغون يصدر «استراتيجية الدفاع الوطني»

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث متحدّثاً خلال مناسبة في البنتاغون - 19 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث متحدّثاً خلال مناسبة في البنتاغون - 19 سبتمبر 2025 (رويترز)

الإصدار الجديد من «استراتيجية الدفاع الوطني» للبنتاغون لا يبدو مجرد تحديث تقني لوثيقة دورية تصدر كل 4 سنوات، بقدر ما يعكس انتقالاً سياسياً واعياً في ترتيب الأولويات ومفردات التهديد والالتزام.

فالوثيقة تضع «الدفاع عن الوطن» في الصدارة، وتمنح النصف الغربي من الكرة الأرضية، بوصفه مجال النفوذ الحيوي الأميركي، أولوية صريحة، مع الإشارة إلى مواقع مثل غرينلاند وقناة بنما و«خليج أميركا» ضمن تصور «أرض - حيّز» ينبغي عدم تركه لخصوم واشنطن أو منافسيها. وفي الوقت نفسه، لا تلغي الاستراتيجية الصين من الحسابات، لكنها تعيد صياغة مقاربتها لها: ردع «عبر القوة لا عبر المواجهة»، وهدف معلن هو «الاستقرار الاستراتيجي»، وفتح قنوات أوسع للتواصل العسكري - العسكري لتقليل احتمالات الاحتكاك والتصعيد.

ترمب ووزير الدفاع بيت هيغسيث في قاعدة كوانتيكيو - 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)

التحول الأبرز ليس في هوية الخصم بقدر ما هو في منطق إدارة المنافسة. الاستراتيجية تقول صراحة إن الهدف في المحيطين الهندي والهادئ ليس «إذلال الصين أو خنقها» ولا «صراعاً وجودياً» أو «تغيير نظام»؛ بل الوصول إلى «سلام مقبول» بشروط مواتية للأميركيين يمكن لبكين قبولها والعيش تحتها. هذه اللغة التي عدّتها تعليقات صحف أميركية عدة، بأنها نبرة تصالحية، تتزامن مع مسعى البيت الأبيض لخفض التوتر قبل قمة متوقعة بين دونالد ترمب وشي جينبينغ، وتجنب ذكر تايوان بالاسم رغم الحديث عن «بناء دفاع إنكاري قوي» على طول سلسلة الجزر الأولى، التي تشمل عملياً تايوان واليابان والفلبين. الرسالة المزدوجة هنا واضحة: اليد ممدودة لخفض المخاطر، لكن اليد الأخرى تمسك بعقيدة ردع أشد إنكاراً للهجوم عبر تموضع وقدرات تمنع الخصم من تحقيق مكاسب سريعة.

قيادات عسكرية في قاعدة كوانتيكو - 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)

غير أن الاستراتيجية تُحدث في الوقت ذاته هزة في فلسفة التحالفات؛ فهي تقرر أن تركيز القوات الأميركية على «الدفاع عن الوطن» ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، يعني أن «الحلفاء والشركاء في أماكن أخرى» عليهم تحمل المسؤولية الأساسية عن دفاعهم، مع دعم أميركي حاسم لكنه أكثر محدودية.

وفي أوروبا، يتخذ هذا المنطق طابعاً صارماً: الوثيقة تقلل من احتمال «هيمنة روسية» على القارة، وتصف موسكو بأنها ليست في موقع يسمح لها بذلك، وتؤكد أن «أوروبا الناتو» تفوق روسيا اقتصاداً وسكاناً، وأن الحلفاء الأوروبيين، مع تعهدات إنفاق دفاعي مرتفعة، مؤهلون لتحمل المسؤولية الأساسية عن الدفاع التقليدي الأوروبي، بما في ذلك قيادة دعم أوكرانيا.

ختم وزارة الحرب الجديد بعد تغيير اسمها (أ.ب)

هنا تحديداً تكمن الحساسية السياسية: افتراض قدرة أوروبا على سد الفجوة سريعاً قد يصبح بحد ذاته عاملاً محفزاً للمخاطرة؛ فخصوم واشنطن قد يختبرون «مناطق الرماد» بين الانخراط الأميركي والقيادة الأوروبية، فيما قد يشعر حلفاء أميركا بأن الضمانة الأميركية تتحول من التزام تلقائي إلى «خدمة مشروطة» بالإنفاق والجاهزية والانضباط السياسي. هذا لا يعني بالضرورة تفكك «الناتو»، لكنه يغير نبرة الردع: من ردع قائم على الحضور الأميركي الكثيف، إلى ردع قائم على إعادة توزيع الأعباء والقدرات.

وفي شرق آسيا، تُترجم الفكرة ذاتها على نحو أكثر حدة في شبه الجزيرة الكورية؛ فالوثيقة ترى أن كوريا الجنوبية قادرة على تحمل المسؤولية الأساسية في ردع كوريا الشمالية مع دعم أميركي أكثر محدودية، وهو ما فسّر بأنه تمهيد لدور أميركي أقل، وقد يفتح الباب لتعديل في حجم القوات أو طبيعة التموضع.

خريطة توضيحية لعملية «مطرقة منتصف الليل» عرضتها وزارة الدفاع الأميركية خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون (أ.ب)

مثل هذا التحول قد يدفع سيول إلى تعزيز الاستقلالية العملياتية والتسليحية، لكنه يحمل أيضاً مخاطرة سياسية: أي التباس في سقف الالتزام الأميركي قد يُقرأ في بيونغ يانغ بوصفه نافذة اختبار، أو يُوظَّف داخلياً في كوريا الجنوبية بين تيارات تريد مزيداً من الاعتماد على الذات، وأخرى تخشى «تسييل» المظلة الأميركية.

أما في الشرق الأوسط، فستبقي الاستراتيجية قدرة أميركية على «عمل حاسم ومركّز» عند الحاجة، لكنها تنقل العبء الرئيسي إلى الحلفاء الإقليميين، مع تشديد على دعم إسرائيل وتعميق التعاون مع شركاء الخليج ودفع تكامل إقليمي على خطى «اتفاقات أبراهام». وفي المقابل، تتبنى الوثيقة سردية انتصارية تجاه إيران، متحدثة عن «تدمير» برنامجها النووي ضمن عملية محددة، وهو خطاب يعزز الردع النفسي، لكنه قد يرفع أيضاً سقف التوقعات ويزيد احتمال سوء الحسابات إذا تصرفت طهران وفق قناعة أن واشنطن تريد تقليص الانخراط الطويل مع الإبقاء على ضربات خاطفة.

عرض جدول زمني عملياتي لضربة قاذفات أميركية على إيران في مؤتمر صحافي بوزارة الدفاع الأميركية - 22 يونيو 2025 (أرشيفية - أ.ف.ب)

الشق الغربي من الاستراتيجية يكمل الصورة السياسية: ربط الأمن القومي مباشرة بملفات داخلية كالهجرة غير النظامية وتهريب المخدرات و«الناركو - إرهاب»، وتقديم «عدم التنازل» عن النفوذ في النصف الغربي كأولوية تماثل الأولويات التقليدية في آسيا وأوروبا. هذا يعيد إحياء عقيدة «المجال الحيوي» بصياغة حديثة، وقد يفتح شهية واشنطن لاستخدام أدوات أكثر خشونة في جوارها، اقتصادياً وأمنياً وربما عسكرياً، ما يربك علاقات أميركا حتى مع شركاء قريبين إذا شعروا بأن السيادة تُقرأ أميركياً بوصفها «قابلة للتكييف» عندما يتعلق الأمر بالممرات والموارد والحدود.

رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات الجوية الأميركية الجنرال دان كين يشرح نتائج الضربات على المنشآت الإيرانية خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون - 26 يونيو الماضي (أ.ف.ب)

تبقى معضلة التنفيذ: استراتيجية تريد ردع الصين عبر بناء قدرات إنكار متقدمة، وتعزيز دفاعات الوطن ضد تهديدات صاروخية - سيبرانية - فضائية، وفي الوقت نفسه تخفيف الأعباء الخارجية عبر تحميل الحلفاء.

هذا يفسر لماذا عاد النقاش حول قفزة إنفاق دفاعي ضخمة إلى الواجهة، مع دعوة ترمب إلى ميزانية عسكرية تصل إلى 1.5 تريليون دولار لعام 2027، وهو اتجاه لقي ترحيباً من أوساط جمهورية عبرت عنه صحيفة «وول ستريت جورنال»، باعتباره أرخص من حرب كبرى مع الصين. لكن المفارقة أن زيادة الإنفاق وحدها لا تحل مشكلة الثقة: الحلفاء سيقيسون السياسة لا بالأرقام فقط؛ بل بدرجة ثبات الالتزام، والخصوم سيقيسونها بمدى استعداد واشنطن لتحمل تكلفة التصعيد عند أول اختبار.

حاملة الطائرات الأميركية «نيميتز يو إس إس أبراهام لينكولن» (أرشيفية - أ.ف.ب)

ومع ذلك يمكن القول إن الاستراتيجية الجديدة لا تنقل أميركا من «عالمية» إلى «انعزالية»؛ بل تعيد تعريف العالمية بوصفها انتقائية ومشروطة: أولوية للوطن والنصف الغربي، وردع للصين بقدر من «التهدئة المُدارة»، وتخفيف للأعباء في أوروبا والشرق الأوسط وكوريا الجنوبية عبر هندسة جديدة للتحالفات. نجاح هذا النهج سيعتمد على أمرين: قدرة الحلفاء على ملء الفراغ بسرعة وموثوقية، وقدرة واشنطن على جعل «الدعم المحدود» يبدو كافياً للردع لا إشارةَ تراجع.


مقالات ذات صلة

هل يدفع هيغسيث ثمن هزيمة الجمهوريين؟

تحليل إخباري وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث يلقي بشهادته أمام لجنة  بمجلس الشيوخ يوم 21 يوليو (رويترز)

هل يدفع هيغسيث ثمن هزيمة الجمهوريين؟

لم يسبق أن أُقيل وزير دفاع أميركي بإدانة من مجلس الشيوخ، بينما تعود أبرز سابقة دستورية إلى عام 1876، حين حوكم وزير الحرب ويليام بيلكناب بتهم فساد.

إيلي يوسف (واشنطن)
تحليل إخباري ترمب وهيغسيث في حفل استقبال رسمي ببكين يوم 14 مايو (رويترز)

تحليل إخباري الانتخابات النصفية تهدد موازنة البنتاغون القياسية

تواجه خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لرفع موازنة وزارة الحرب إلى 1.5 تريليون دولار، اختباراً يتجاوز الخلاف على حجم الإنفاق.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث (د.ب.أ)

أميركا تقيل مسؤولاً عسكرياً رفيعاً وسط ترقّب لضربات جديدة على إيران

أقالت الولايات المتحدة أحد كبار مسؤولي التخطيط العسكري لديها، في تغيير مفاجئ يبدو أنّه يتزامن مع استعداد ترمب لاستئناف ضربات واسعة النطاق على إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الفريق بريت سيلفيا (أ.ب)

هيغسيث يطيح بكبير المخططين بـ«البنتاغون» في ظل التلويح بضرب إيران

قال مصدر مطلع لشبكة «سي إن إن» الأميركية إن وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، أطاح بكبير مسؤولي التخطيط في «البنتاغون».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ طائرة حربية من طراز «إف-35» تابعة لـ«البحرية» الأميركية تستعد للهبوط في بورتوريكو (أ.ف.ب)

اتفاق بين «البنتاغون» و«لوكهيد مارتن» لإنتاج 850 مقاتِلة «إف-35»

أعلن «البنتاغون» وشركة «لوكهيد مارتن»، الخميس، اتفاقاً مُدته عشر سنوات لإنتاج 850 طائرة حربية من طراز «إف-35».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

هزيمة الجمهوريين في «النصفية» تعيد فتح ملف عزل هيغسيث

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستمع بينما يتحدث وزير الحرب بيت هيغسيث خلال اجتماع للإدارة يوم 27 مايو (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستمع بينما يتحدث وزير الحرب بيت هيغسيث خلال اجتماع للإدارة يوم 27 مايو (رويترز)
TT

هزيمة الجمهوريين في «النصفية» تعيد فتح ملف عزل هيغسيث

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستمع بينما يتحدث وزير الحرب بيت هيغسيث خلال اجتماع للإدارة يوم 27 مايو (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستمع بينما يتحدث وزير الحرب بيت هيغسيث خلال اجتماع للإدارة يوم 27 مايو (رويترز)

دخل مستقبل وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث مرحلة اختبار سياسي ودستوري، بعدما أعلن النائب الجمهوري المنتهية ولايته توماس ماسي، الذي خسر الانتخابات التمهيدية لحزبه، عزمه إعادة طرح قرار لاتهامه في مجلس النواب تمهيداً لمحاكمته وعزله.

غير أن الرئيس دونالد ترمب، جدد الخميس، تمسكه ببقائه، قائلاً إنه قام بعمل رائع. وتتجاوز المواجهة مصير الوزير إلى توزيع المسؤولية عن حرب إيران وتداعياتها الانتخابية، وسط تباين بين إشادة الرئيس بأدائه وتحميل نائبه جي دي فانس مسؤولية رئيسية عن هزيمة الجمهوريين. لكن انتقال الغضب إلى تصويت نيابي لا يعني خروج هيغسيث تلقائياً، كما أن استبداله لا ينهي العمليات العسكرية.

حماية رئاسية مرتبكة

بحسب شبكة «إيه بي سي»، يعتزم ماسي تقديم قراره، الاثنين أو الثلاثاء، ويعتقد أن انشقاقات جمهورية كافية ستتيح إقراره. وبذلك، قد تبدأ المواجهة حتى قبل تسلّم الديمقراطيين السيطرة على مجلس النواب في يناير (كانون الثاني)، وإن كانت حسابات النائب لا تشكل ضمانة لنتيجة التصويت. وكان مسعى ماسي السابق لم يصل إلى التصويت، بعدما ألغى رئيس مجلس النواب مايك جونسون التصويتات المتبقية قبل العطلة الانتخابية.

في المقابل، أكد ترمب أن لديه «كل النية» لإبقاء هيغسيث، مع إقراره بتلقي اتصالات تنتقده. ونقلت «نيويورك تايمز» عنه وصف أداء الوزير بأنه رائع، بينما تعهد هيغسيث، في فيديو نشره على وسائل التواصل من أمام البنتاغون، بإكمال ما بدأه، ودافع عن حرب عدَّها ضرورية لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي.

غير أن الدفاع العلني لا يلغي مؤشرات المراجعة داخل الإدارة؛ فقد أفادت «واشنطن بوست» بأن ترمب ناقش أداء الوزير مع أصدقاء ومستشارين، بينما أثارت إشارته الغامضة إلى وجود «أمور مثيرة للاهتمام» لدى هيغسيث مزيداً من التأويلات، من دون إعلان مهمة بديلة للوزير المثير للجدل أو قرار بإبعاده.

ترمب وهيغسيث خلال فعالية انتخابية بولاية ماريلاند يوم 6 أكتوبر (أ.ف.ب)

ووفق الصحيفة، فقد عدّ مخرج انتقاله إلى مجلس الشيوخ عن ولاية تينيسي، بأنه ترتيب قائم، لكن ترمب لم يناقش تعيينه مع مارشا بلاكبيرن، المنتخبة حاكمة للولاية، وهي لا تعده خليفةً محتملاً لها في مجلس الشيوخ. وقال شخص مقرب منه إنه غير مهتم بالمنصب، وهو ما قد يعني أن هذا السيناريو يظل تكهناً، لا ترتيباً معتمداً.

اتهام لا إقالة

من الناحية الدستورية، يستطيع مجلس النواب توجيه الاتهام إلى وزير بأغلبية بسيطة، وهو ما يُسمى «العزل»، رغم أنه لا يساوي الإقالة الفعلية؛ فالوزير يبقى في منصبه خلال الإجراءات، ما لم يستقل أو يُقِلْه الرئيس، إلى أن يدينه مجلس الشيوخ. وتتطلب الإدانة موافقة ثلثي أعضاء الشيوخ الحاضرين، أي 67 صوتاً إذا حضر المائة جميعاً.

هيغسيث يشارك في تدريبات مع عناصر «المارينز» قرب سان دييغو بكاليفورنيا يوم 7 أكتوبر (رويترز)

لذلك، لا تكفي الأغلبية الديمقراطية وحدها بالضرورة، ويصبح انضمام جمهوريين إلى مسار الإدانة عاملاً حاسماً. ويمكن بعد الإدانة التصويت بصورة منفصلة على الحرمان من تولي مناصب اتحادية، بينما تبقى المسؤولية الجنائية مساراً قضائياً مستقلاً.

ولا يكفي سياسياً أو دستورياً وصف الوزير بالفاشل في إدارة الحرب؛ إذ ينبغي أن يستند الاتهام إلى أفعال يعُدّها الكونغرس ضمن الخيانة أو الرشوة أو الجرائم والمخالفات الجسيمة، بما يشمل إساءة استعمال السلطة. وليس ضرورياً أن تطابق هذه الأفعال جريمة منصوصاً عليها في قانون العقوبات، لكن الخلاف على السياسة وحده يظل أساساً غير قوي للإقالة.

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث يلقي بشهادته أمام لجنة بمجلس الشيوخ يوم 21 يوليو (رويترز)

وبحسب «نيويورك تايمز»، تتداخل الانتقادات الموجهة لهيغسيث بشأن إيران مع اعتراضات على إقصاء كبار الضباط وضربات القوارب المتهمة بتهريب المخدرات في الكاريبي. ومن هنا، ستكون الأدلة والاتهامات المحددة أهم من محاولات تحميله وحده فاتورة الانتخابات. في حين أن ترمب يستطيع إقالته مباشرة، من دون انتظار الكونغرس.

الحرب وسوابق الرحيل

لن يؤدي رحيل هيغسيث، بأي من المسارين، إلى وقف الحرب تلقائياً.

فالرئيس يبقى القائد الأعلى، وينص القانون على مرور سلسلة القيادة العملياتية من الرئيس إلى وزير الدفاع ثم قادة القيادات المقاتلة، ما لم يوجه الرئيس بخلاف ذلك. وتتيح قواعد الخلافة ممارسة صلاحيات الوزير عند شغور موقعه، بما يحافظ على استمرارية القيادة.

ترمب وبجانبه وزير الحرب بيت هيغسيث خلال اجتماع الحكومة في البيت الأبيض يوم 27 مايو (رويترز)

قد يغيّر أي خليفة لهيغسيث المشورة العسكرية وإدارة التصعيد والعلاقة بالكونغرس، لكن إنهاء العمليات أو تعديل أهدافها يتطلب قرارات أخرى، كما أن مساءلة الوزير لا تحسم بذاتها النزاع على التفويض القانوني للحرب أو تمويلها، فتلك أدوات ومعارك تشريعية منفصلة.

تاريخياً، لم يُعزل أي وزير دفاع أميركي بإدانة في مجلس الشيوخ. وتعود السابقة الدستورية الأبرز إلى عام 1876، عندما اتُّهم وزير الحرب ويليام بيلكناب بتلقي رشاوى مرتبطة بتعيينات وعقود حكومية. واستقال بيلكناب قبل تصويت مجلس النواب على اتهامه، لكن المجلس مضى في الإجراءات، وأحال القضية إلى مجلس الشيوخ الذي قرر محاكمته رغم استقالته، قبل أن يبرّئه لعدم توفر أغلبية الثلثين اللازمة للإدانة.

الرئيس الأميركي جورج بوش الابن ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد يتفقدان الأضرار في مبنى «البنتاغون» غداة هجمات 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

أما السابقة السياسية الأقرب، فتعود إلى عام 2006، عندما أعلن الرئيس جورج دبليو بوش استبدال وزير الدفاع دونالد رامسفيلد في 8 نوفمبر (تشرين الثاني)، غداة هزيمة الجمهوريين في الانتخابات النصفية، وسط استياء واسع من حرب العراق، لكن رامسفيلد كان قد قدّم استقالته قبل الانتخابات بيومين، وقبِلها بوش يوم الاقتراع، قبل إعلان القرار بعد ظهور النتائج. وكان رحيله بقرار رئاسي، لا نتيجة إجراءات عزل في الكونغرس.

وهنا تكمن معضلة ترمب، حيث يستطيع تغيير وجه الحرب في «البنتاغون»، لكن التضحية بالوزير لا تلقي عليه وحده مسؤولية حرب يقودها الرئيس، ويدافع عن استمرارها.


ترمب يسعى لتصنيف المكتب البيضاوي وقاعة مجلس الوزراء معلمَيْن وطنيين

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يردّ على سؤال من وسائل الإعلام خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يردّ على سؤال من وسائل الإعلام خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)
TT

ترمب يسعى لتصنيف المكتب البيضاوي وقاعة مجلس الوزراء معلمَيْن وطنيين

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يردّ على سؤال من وسائل الإعلام خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يردّ على سؤال من وسائل الإعلام خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الخميس)، مرسوماً يقضي بتصنيف المكتب البيضاوي وقاعة مجلس الوزراء في البيت الأبيض معلمَيْن وطنيَّيْن، في خطوة قال إنها تهدف إلى حماية هاتين المساحتين الواقعتين في الجناح الغربي من أي تغييرات قد تُجرى عليهما مستقبلاً، وفقاً لشبكة «سي إن إن».

وجاءت مراسم التوقيع، التي أُقيمت عقب الخسائر الكبيرة التي مُني بها الجمهوريون في انتخابات التجديد النصفي، الثلاثاء، لتكون ثالث فعالية ينظمها ترمب هذا الأسبوع تتعلق بمشاريع البناء أو التجديد التي يشرف عليها في العاصمة الأميركية، وهي مشاريع لم تحظَ بتأييد واسع بين الناخبين.

وقال ترمب للصحافيين من داخل المكتب البيضاوي، الذي أضفى عليه زخارف ذهبية كثيفة منذ عودته إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025: «يتعلق الأمر بالمكتب البيضاوي وقاعة مجلس الوزراء، وهما مساحتان في غاية الأهمية. وسأوقّع وثيقة تجعلهما معلماً تاريخياً يبقى للأجيال القادمة».

وأوضح ترمب أن إدارته سترسل الوثيقة إلى الكونغرس.

وأفاد: «سنعلن هذا المكان معلماً وطنياً، وسنرسل الأمر إلى الكونغرس للمصادقة عليه».

غرفة مجلس الوزراء المُجدَّدة في البيت الأبيض بواشنطن (أ.ف.ب)

وأضاف: «إنه معلم فيدرالي، وبمجرد استكمال الإجراءات وإتمام الوثائق بصورة ملزمة قانونياً، سيصبح من المستحيل على أي شخص تدمير هذا المكان الرائع».

وقد ترك ترمب بصمته الخاصة على هاتَيْن المساحتَيْن داخل البيت الأبيض، لا سيما المكتب البيضاوي، الذي أضاف إليه تماثيل صغيرة مطليَّة بالذهب على رف المدفأة، إلى جانب ميداليات تزيّن المدفأة نفسها.

كما وضع نسوراً ذهبية على الطاولات الجانبية، ومرايا مذهّبة على طراز «الروكوكو» على الأبواب، فضلاً عن تماثيل صغيرة ذهبية لملائكة «كيوبيد»، نُقلت من منتجع «مارالاغو» التابع له في فلوريدا، ووُضعت ضمن الزخارف المعمارية التي تعلو المداخل.

أشرطة الحملات العسكرية وقطعة علوية لسارية العلم على شكل نسر ذهبي تظهر داخل غرفة مجلس الوزراء في البيت الأبيض بواشنطن (رويترز)

وأكد ترمب، الخميس: «رأيتُ أنه من المهم للغاية ألا يُسمح لأحد بالدخول وإزالتها أو محاولة التصرف بها بأي شكل من الأشكال».


قاضية فيدرالية توقف مشروع ترمب الضخم لبناء «قوس النصر» في واشنطن

مجسم معارض لبناء قوس نصر في واشنطن نصب في آرلينغتون (أ.ب)
مجسم معارض لبناء قوس نصر في واشنطن نصب في آرلينغتون (أ.ب)
TT

قاضية فيدرالية توقف مشروع ترمب الضخم لبناء «قوس النصر» في واشنطن

مجسم معارض لبناء قوس نصر في واشنطن نصب في آرلينغتون (أ.ب)
مجسم معارض لبناء قوس نصر في واشنطن نصب في آرلينغتون (أ.ب)

أوقفت قاضية فيدرالية أميركية، ليل الخميس الجمعة، مشروعاً ضخماً لبناء قوس نصر في واشنطن كان يرغب فيه الرئيس دونالد ترمب، بُعيد حصول المشروع على الضوء الأخضر من لجنة للتخطيط العمراني.

وقررت قاضية المحكمة الجزئية تانيا تشوتكان، منع إدارة ترمب من البدء في بناء القوس لمدة أسبوعين، وهي الفترة التي ستخصصها المحكمة للنظر في الطعون المقدمة ضد قانونية المشروع.

ومن شأن القوس، بأبعاده الضخمة، أن يحجب الرؤية بين نصب لينكولن التذكاري، أحد المعالم التاريخية في واشنطن، ومقبرة أرلينغتون الوطنية التي تضم رفات مئات الآلاف من العسكريين الأميركيين. ورفع محاربون قدامى شاركوا في حرب فيتنام دعوى قضائية ضد بناء هذا الصرح.

نصب لينكولن التذكاري بينما تسير السيارات حول الدائرة التذكارية الموقع المقترح لقوس النصر يوم 5 نوفمبر 2026 في أرلينغتون بفيرجينيا الأميركية (أ.ب)

وأُعلن القرار بُعيد موافقة اللجنة الوطنية لتخطيط العاصمة على المشروع، مساء الخميس، بأغلبية ثمانية أصوات مقابل أربعة. وحسب المشروع، فإن القوس يتجاوز ارتفاعه 76 متراً، أي أعلى بكثير من قوس النصر في باريس الذي استُلهم منه، ويبلغ ارتفاعه نحو خمسين متراً.هذا القوس واحد من مشاريع عدة أطلقها ترمب لتجميل العاصمة الأميركية وإضفاء بصمته الشخصية عليها. وتشمل هذه المشاريع قاعة احتفالات يجري بناؤها في البيت الأبيض ومشروع تجديد بركة الانعكاس في منطقة ناشونال مول، إضافة إلى مقترح لإعادة تطوير ملعب غولف عريق على ضفاف نهر بوتوماك. كما وُضع اسم ترمب أيضاً على مركز كينيدي للفنون الذي يحمل اسم الرئيس الراحل جون إف كينيدي، قبل أن يأمر قاض بإلغاء هذا الإجراء. ووقّع ترمب الخميس أمراً يقضي بتصنيف المكتب البيضوي معلماً وطنياً.