البنتاغون يصدر «استراتيجية الدفاع الوطني»

«أميركا أولاً» بزيّ عسكري وإعادة تعريف الخصوم والحلفاء

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث متحدّثاً خلال مناسبة في البنتاغون - 19 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث متحدّثاً خلال مناسبة في البنتاغون - 19 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

البنتاغون يصدر «استراتيجية الدفاع الوطني»

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث متحدّثاً خلال مناسبة في البنتاغون - 19 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث متحدّثاً خلال مناسبة في البنتاغون - 19 سبتمبر 2025 (رويترز)

الإصدار الجديد من «استراتيجية الدفاع الوطني» للبنتاغون لا يبدو مجرد تحديث تقني لوثيقة دورية تصدر كل 4 سنوات، بقدر ما يعكس انتقالاً سياسياً واعياً في ترتيب الأولويات ومفردات التهديد والالتزام.

فالوثيقة تضع «الدفاع عن الوطن» في الصدارة، وتمنح النصف الغربي من الكرة الأرضية، بوصفه مجال النفوذ الحيوي الأميركي، أولوية صريحة، مع الإشارة إلى مواقع مثل غرينلاند وقناة بنما و«خليج أميركا» ضمن تصور «أرض - حيّز» ينبغي عدم تركه لخصوم واشنطن أو منافسيها. وفي الوقت نفسه، لا تلغي الاستراتيجية الصين من الحسابات، لكنها تعيد صياغة مقاربتها لها: ردع «عبر القوة لا عبر المواجهة»، وهدف معلن هو «الاستقرار الاستراتيجي»، وفتح قنوات أوسع للتواصل العسكري - العسكري لتقليل احتمالات الاحتكاك والتصعيد.

ترمب ووزير الدفاع بيت هيغسيث في قاعدة كوانتيكيو - 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)

التحول الأبرز ليس في هوية الخصم بقدر ما هو في منطق إدارة المنافسة. الاستراتيجية تقول صراحة إن الهدف في المحيطين الهندي والهادئ ليس «إذلال الصين أو خنقها» ولا «صراعاً وجودياً» أو «تغيير نظام»؛ بل الوصول إلى «سلام مقبول» بشروط مواتية للأميركيين يمكن لبكين قبولها والعيش تحتها. هذه اللغة التي عدّتها تعليقات صحف أميركية عدة، بأنها نبرة تصالحية، تتزامن مع مسعى البيت الأبيض لخفض التوتر قبل قمة متوقعة بين دونالد ترمب وشي جينبينغ، وتجنب ذكر تايوان بالاسم رغم الحديث عن «بناء دفاع إنكاري قوي» على طول سلسلة الجزر الأولى، التي تشمل عملياً تايوان واليابان والفلبين. الرسالة المزدوجة هنا واضحة: اليد ممدودة لخفض المخاطر، لكن اليد الأخرى تمسك بعقيدة ردع أشد إنكاراً للهجوم عبر تموضع وقدرات تمنع الخصم من تحقيق مكاسب سريعة.

قيادات عسكرية في قاعدة كوانتيكو - 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)

غير أن الاستراتيجية تُحدث في الوقت ذاته هزة في فلسفة التحالفات؛ فهي تقرر أن تركيز القوات الأميركية على «الدفاع عن الوطن» ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، يعني أن «الحلفاء والشركاء في أماكن أخرى» عليهم تحمل المسؤولية الأساسية عن دفاعهم، مع دعم أميركي حاسم لكنه أكثر محدودية.

وفي أوروبا، يتخذ هذا المنطق طابعاً صارماً: الوثيقة تقلل من احتمال «هيمنة روسية» على القارة، وتصف موسكو بأنها ليست في موقع يسمح لها بذلك، وتؤكد أن «أوروبا الناتو» تفوق روسيا اقتصاداً وسكاناً، وأن الحلفاء الأوروبيين، مع تعهدات إنفاق دفاعي مرتفعة، مؤهلون لتحمل المسؤولية الأساسية عن الدفاع التقليدي الأوروبي، بما في ذلك قيادة دعم أوكرانيا.

ختم وزارة الحرب الجديد بعد تغيير اسمها (أ.ب)

هنا تحديداً تكمن الحساسية السياسية: افتراض قدرة أوروبا على سد الفجوة سريعاً قد يصبح بحد ذاته عاملاً محفزاً للمخاطرة؛ فخصوم واشنطن قد يختبرون «مناطق الرماد» بين الانخراط الأميركي والقيادة الأوروبية، فيما قد يشعر حلفاء أميركا بأن الضمانة الأميركية تتحول من التزام تلقائي إلى «خدمة مشروطة» بالإنفاق والجاهزية والانضباط السياسي. هذا لا يعني بالضرورة تفكك «الناتو»، لكنه يغير نبرة الردع: من ردع قائم على الحضور الأميركي الكثيف، إلى ردع قائم على إعادة توزيع الأعباء والقدرات.

وفي شرق آسيا، تُترجم الفكرة ذاتها على نحو أكثر حدة في شبه الجزيرة الكورية؛ فالوثيقة ترى أن كوريا الجنوبية قادرة على تحمل المسؤولية الأساسية في ردع كوريا الشمالية مع دعم أميركي أكثر محدودية، وهو ما فسّر بأنه تمهيد لدور أميركي أقل، وقد يفتح الباب لتعديل في حجم القوات أو طبيعة التموضع.

خريطة توضيحية لعملية «مطرقة منتصف الليل» عرضتها وزارة الدفاع الأميركية خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون (أ.ب)

مثل هذا التحول قد يدفع سيول إلى تعزيز الاستقلالية العملياتية والتسليحية، لكنه يحمل أيضاً مخاطرة سياسية: أي التباس في سقف الالتزام الأميركي قد يُقرأ في بيونغ يانغ بوصفه نافذة اختبار، أو يُوظَّف داخلياً في كوريا الجنوبية بين تيارات تريد مزيداً من الاعتماد على الذات، وأخرى تخشى «تسييل» المظلة الأميركية.

أما في الشرق الأوسط، فستبقي الاستراتيجية قدرة أميركية على «عمل حاسم ومركّز» عند الحاجة، لكنها تنقل العبء الرئيسي إلى الحلفاء الإقليميين، مع تشديد على دعم إسرائيل وتعميق التعاون مع شركاء الخليج ودفع تكامل إقليمي على خطى «اتفاقات أبراهام». وفي المقابل، تتبنى الوثيقة سردية انتصارية تجاه إيران، متحدثة عن «تدمير» برنامجها النووي ضمن عملية محددة، وهو خطاب يعزز الردع النفسي، لكنه قد يرفع أيضاً سقف التوقعات ويزيد احتمال سوء الحسابات إذا تصرفت طهران وفق قناعة أن واشنطن تريد تقليص الانخراط الطويل مع الإبقاء على ضربات خاطفة.

عرض جدول زمني عملياتي لضربة قاذفات أميركية على إيران في مؤتمر صحافي بوزارة الدفاع الأميركية - 22 يونيو 2025 (أرشيفية - أ.ف.ب)

الشق الغربي من الاستراتيجية يكمل الصورة السياسية: ربط الأمن القومي مباشرة بملفات داخلية كالهجرة غير النظامية وتهريب المخدرات و«الناركو - إرهاب»، وتقديم «عدم التنازل» عن النفوذ في النصف الغربي كأولوية تماثل الأولويات التقليدية في آسيا وأوروبا. هذا يعيد إحياء عقيدة «المجال الحيوي» بصياغة حديثة، وقد يفتح شهية واشنطن لاستخدام أدوات أكثر خشونة في جوارها، اقتصادياً وأمنياً وربما عسكرياً، ما يربك علاقات أميركا حتى مع شركاء قريبين إذا شعروا بأن السيادة تُقرأ أميركياً بوصفها «قابلة للتكييف» عندما يتعلق الأمر بالممرات والموارد والحدود.

رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات الجوية الأميركية الجنرال دان كين يشرح نتائج الضربات على المنشآت الإيرانية خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون - 26 يونيو الماضي (أ.ف.ب)

تبقى معضلة التنفيذ: استراتيجية تريد ردع الصين عبر بناء قدرات إنكار متقدمة، وتعزيز دفاعات الوطن ضد تهديدات صاروخية - سيبرانية - فضائية، وفي الوقت نفسه تخفيف الأعباء الخارجية عبر تحميل الحلفاء.

هذا يفسر لماذا عاد النقاش حول قفزة إنفاق دفاعي ضخمة إلى الواجهة، مع دعوة ترمب إلى ميزانية عسكرية تصل إلى 1.5 تريليون دولار لعام 2027، وهو اتجاه لقي ترحيباً من أوساط جمهورية عبرت عنه صحيفة «وول ستريت جورنال»، باعتباره أرخص من حرب كبرى مع الصين. لكن المفارقة أن زيادة الإنفاق وحدها لا تحل مشكلة الثقة: الحلفاء سيقيسون السياسة لا بالأرقام فقط؛ بل بدرجة ثبات الالتزام، والخصوم سيقيسونها بمدى استعداد واشنطن لتحمل تكلفة التصعيد عند أول اختبار.

حاملة الطائرات الأميركية «نيميتز يو إس إس أبراهام لينكولن» (أرشيفية - أ.ف.ب)

ومع ذلك يمكن القول إن الاستراتيجية الجديدة لا تنقل أميركا من «عالمية» إلى «انعزالية»؛ بل تعيد تعريف العالمية بوصفها انتقائية ومشروطة: أولوية للوطن والنصف الغربي، وردع للصين بقدر من «التهدئة المُدارة»، وتخفيف للأعباء في أوروبا والشرق الأوسط وكوريا الجنوبية عبر هندسة جديدة للتحالفات. نجاح هذا النهج سيعتمد على أمرين: قدرة الحلفاء على ملء الفراغ بسرعة وموثوقية، وقدرة واشنطن على جعل «الدعم المحدود» يبدو كافياً للردع لا إشارةَ تراجع.


مقالات ذات صلة

«البنتاغون» يتفق مع 7 شركات ذكاء اصطناعي لاستعمال برامجها في «عمليات سرية»

الولايات المتحدة​ مقر وزارة الحرب الأميركية (رويترز) p-circle

«البنتاغون» يتفق مع 7 شركات ذكاء اصطناعي لاستعمال برامجها في «عمليات سرية»

أعلنت وزارة الحرب الأميركية، الجمعة، إبرام اتفاقات مع 7 شركات تكنولوجيا تتيح لها استعمال برامجها للذكاء الاصطناعي في عمليات سرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية جولز هيرست خلال جلسة استماع بمجلس النواب الأميركي الأربعاء (أ.ف.ب)

«البنتاغون»: التكلفة التقديرية للحرب مع إيران تبلغ 25 مليار دولار

قال وكيل وزارة الحرب الأميركية للشؤون المالية بالإنابة جولز هيرست، اليوم، إن التكلفة التقديرية للحرب مع إيران تبلغ 25 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث (أ.ف.ب) p-circle

«الكونغرس» يستجوب هيغسيث لأول مرة منذ بدء الحرب ضد إيران

من المقرر أن يخضع وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث للاستجواب من جانب أعضاء مجلس النواب، الأربعاء، لأول مرة منذ أن شنت إدارة ترمب الحرب ضد إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ مبنى البنتاغون في واشنطن كما يظهر من الطائرة الرئاسية الأميركية (أ.ب)

600 موظف في «غوغل» يطالبون برفض عقد عسكري سرّي مع «البنتاغون»

أبرمت شركة «غوغل» المملوكة لمجموعة «ألفابت» اتفاقية مع وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) لاستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها في أنشطة سرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)

سانشيز «غير قلق» حيال تهديدات بتعليق عضوية بلاده في «الناتو»

رسالة بريد إلكتروني داخلية بوزارة الدفاع الأمريكية احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة دول أعضاء في الحلف.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ترمب: لستُ راضياً عن المقترح الإيراني الجديد لوقف الحرب

الرئيس ‌الأميركي دونالد ​ترمب (رويترز)
الرئيس ‌الأميركي دونالد ​ترمب (رويترز)
TT

ترمب: لستُ راضياً عن المقترح الإيراني الجديد لوقف الحرب

الرئيس ‌الأميركي دونالد ​ترمب (رويترز)
الرئيس ‌الأميركي دونالد ​ترمب (رويترز)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم الجمعة، إنه «غير راضٍ» عن أحدث مقترحٍ قدّمته إيران، ضِمن المفاوضات الهادفة إلى إنهاء الحرب بين البلدين. وصرّح ترمب، للصحافيين في البيت الأبيض: «هم يريدون التوصل إلى اتفاق، وأنا لستُ راضياً عنه، لذا سنرى ما الذي سيحدث».

ولفت الرئيس الأميركي إلى أنه ⁠يتوقع ⁠انخفاض ‌أسعار ‌النفط والغاز ​بمجرد ‌انتهاء ‌الحرب ‌مع إيران، مشيراً إلى ​أنه غير ⁠قلق بشأن مخزونات ⁠الصواريخ ‌الأميركية، ‌وسط ​تقارير ‌عن ‌مخاوف ‌بشأن وتيرة استخدام الأسلحة، ⁠خلال الحرب ⁠مع إيران.

كما قال ترمب إنه تحدَّث مع رئيس ‌الوزراء ‌العراقي ​المكلَّف ‌علي الزيدي، ​أمس، وعبّر عن دعمه القوي له.

وأفاد موقع «أكسيوس» الأميركي، في وقت سابق اليوم، بأن إيران سلّمت ردّها على أحدث التعديلات الأميركية على مسوّدة خطة لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.

وأرسل مبعوث ترمب، ستيف ويتكوف، الاثنين الماضي، قائمة تعديلات ركّزت على إعادة إدراج الملف النووي ضِمن مسوّدة النص، وفقاً لمصدر مطّلع.

وقال المصدر للموقع إن أحد التعديلات تضمّن مطالبة إيران بالتعهد بعدم محاولة نقل أي يورانيوم مخصّب خارج منشآتها النووية التي تعرّضت للقصف، أو استئناف أي نشاط بتلك المواقع، ما دامت المفاوضات مستمرة.

ووفق الموقع، فإن الردّ الإيراني يشير إلى أن المسار الدبلوماسي لم يتجمّد بالكامل، في وقتٍ يواصل فيه الرئيس ترمب فرض حصار بحري أميركي ويدرس خيارات عسكرية جديدة ضد إيران.

كما أفادت وسائل إعلام إيرانية رسمية بأن الرد سُلّم إلى الولايات المتحدة، الخميس، عبر وسطاء باكستانيين.

كانت إيران قد قدّمت للولايات المتحدة، نهاية الأسبوع الماضي، مقترحاً لإعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء الحرب، على أن تؤجَّل المفاوضات النووية إلى مرحلة لاحقة.

وقال ترمب، للصحافيين، أمس: «لا أحد يعرف ما هذه المحادثات سوى أنا وعدد قليل من الأشخاص. هم يريدون بشدةٍ التوصل إلى اتفاق، لدينا مشكلة لأنه لا أحد يعرف على وجه اليقين مَن القادة. هذه مشكلة إلى حدّ ما».


أميركا تستعين بشركة ذكاء اصطناعي لمواجهة ألغام «هرمز»

باخرة في مضيق هرمز (رويترز)
باخرة في مضيق هرمز (رويترز)
TT

أميركا تستعين بشركة ذكاء اصطناعي لمواجهة ألغام «هرمز»

باخرة في مضيق هرمز (رويترز)
باخرة في مضيق هرمز (رويترز)

أظهر عقد ممنوح لشركة ذكاء اصطناعي، في الآونة الأخيرة، أن «البحرية» الأميركية تعزز قدراتها في هذا المجال لرصد الألغام التي وضعتها إيران في مضيق هرمز؛ أحد أهم الممرات الملاحية في العالم.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن «البحرية» الأميركية تعمل على إزالة الألغام من المضيق الذي يهدد إغلاقُه الاقتصاد العالمي بشكل متزايد. وقد تستغرق عمليات إزالة الألغام من تحت الماء شهوراً، رغم وقف إطلاق النار الهش بين الولايات المتحدة وإيران، بعد حرب استمرت أسابيع.

وقد يسهم العقد مع شركة «دومينو داتا لاب» للذكاء الاصطناعي في سان فرنسيسكو، والذي تقترب قيمته من 100 مليون دولار، في تسريع هذه العملية، من خلال برنامج يمكنه تعليم الغواصات المُسيّرة تحديد أنواع جديدة من الألغام في غضون أيام.

وقال توماس روبنسون، المسؤول عن العمليات بالشركة، خلال مقابلة مع «رويترز»: «كانت مهمة رصد وإزالة الألغام من اختصاص السفن في السابق، أما الآن فقد أصبحت من اختصاص الذكاء الاصطناعي. وتدفع (البحرية) ثمن البرنامج الذي يمكّنها من التدريب على هذا الذكاء الاصطناعي وإدارته وتوزيعه بالسرعة المطلوبة في المياه التي تُعرقل الصراعات فيها التجارة العالمية وتُعرّض البحارة للخطر».

سفن محتجَزة بمضيق هرمز كما تظهر في الصورة المأخوذة من منطقة مسندم العماني المُطل على المضيق (رويترز)

ومنحت «البحرية» الأميركية، الأسبوع الماضي، شركة «دومينو» العقد الذي تصل قيمته إلى 99.7 مليون دولار، لتوسيع دورها وتصبح العمود الفقري فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي لمشروع التعلم الآلي المعجّل من أجل العمليات البحرية، وهو برنامج يجعل رصد الألغام تحت الماء أسرع وأدق وأقل اعتماداً على البحارة البشريين.

ويُدمج البرنامج البيانات الواردة من أنواع متعددة من أجهزة الاستشعار، ويسمح للبحرية بمراقبة مدى جودة أداء مختلف نماذج الكشف التي تعمل بالذكاء الاصطناعي في الميدان، وبتحديد الإخفاقات وبالتصحيح لتحسين الأداء.

وكان أساس العرض الذي قدّمته شركة «دومينو» هو السرعة، وكان تحديث نماذج الذكاء الاصطناعي، التي تشغل مركبات البحرية المُسيّرة تحت الماء لرصد الألغام الجديدة أو غير المرئية، يستغرق ما يصل إلى ستة أشهر قبل انضمام الشركة التي قالت إنها اختصرت هذه المدة إلى أيام.

وأوضح روبنسون أهمية ذلك لأزمة الشرق الأوسط، قائلاً: «إذا كانت هناك مركبات مُسيّرة تحت الماء تعمل في بحر البلطيق مدرَّبة على الألغام الروسية، فمن الضروري نشرها في مضيق هرمز لرصد الألغام الإيرانية، وبفضل تقنية دومينو، يمكن للبحرية أن تكون جاهزة في غضون أسبوع بدلاً من عام».

من جهة أخرى، تدرس إيران إمكانية استخدام دلافين مجهّزة بحمل ألغام لتفجير وفتح مضيق هرمز، الذي يخضع، منذ أسابيع، لحصار عسكري أميركي مرهِق اقتصادياً، وفق تقرير صحافي.

وبينما لا يزال وقف إطلاق النار الهش مع الولايات المتحدة قائماً، يرى عدد متزايد من المتشددين في إيران أن الأزمة المالية الناتجة عن منع واشنطن صادرات النفط الإيرانية تُعدّ بمثابة عمل حربي، وقد دعوا إلى استئناف العمليات العسكرية.

ووفق مسؤولين إيرانيين نقلت عنهم صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، فإن أي تصعيد عسكري محتمل قد يشمل استخدام أسلحة لم تُستعمل سابقاً لاستهداف السفن الحربية الأميركية المنتشرة في المنطقة، ومن بينها دلافين مزوَّدة بحمل ألغام.

كما أشارت التقارير إلى أن طهران قد تلجأ إلى إرسال غواصات إلى الممر المائي، في حين هدد «الحرس الثوري» الإيراني، بالفعل، بقطع كابلات الاتصالات الرئيسية المارّة عبر المضيق، ما قد يؤدي إلى تعطيل واسع في الاتصالات والإنترنت عالمياً، ويزيد من حدة التوتر.

وقال حميد رضا عزيزي، الباحث الزائر المتخصص في شؤون الشرق الأوسط بمعهد «إس دبليو بي» في برلين، لصحيفة «وول ستريت جورنال»: «يُنظر إلى الحصار، بشكل متزايد، في طهران ليس على أنه بديل عن الحرب، بل أحد أشكالها». وأضاف: «وبالتالي، قد يرى صانعو القرار في إيران قريباً أن العودة إلى الصراع أقل كلفة من الاستمرار في تحمُّل حصار طويل الأمد».


المحكمة العليا تخلط الحسابات الحزبية والخرائط الانتخابية في أميركا

أشخاص أمام المحكمة العليا في واشنطن العاصمة (أ.ب)
أشخاص أمام المحكمة العليا في واشنطن العاصمة (أ.ب)
TT

المحكمة العليا تخلط الحسابات الحزبية والخرائط الانتخابية في أميركا

أشخاص أمام المحكمة العليا في واشنطن العاصمة (أ.ب)
أشخاص أمام المحكمة العليا في واشنطن العاصمة (أ.ب)

في ضوء قرار المحكمة العليا الذي أضعف بشكل كبير قانون حقوق التصويت، علقت لويزيانا انتخاباتها التمهيدية، وتناقصت حظوظ الديمقراطيين في فلوريدا، فيما تصاعدت الضغوط على الجمهوريين في ولايات أخرى لإعادة رسم خرائط الدوائر الانتخابية أملاً في الحصول على مكاسب تمكنهم من المحافظة على غالبيتهم الحالية في النواب الأميركي خلال الانتخابات النصفية للكونغرس بعد نحو ستة أشهر.

ووجهت المحكمة العليا الأميركية، بغالبية قضاتها الستة من المحافظين ضد الثلاثة الباقين من الليبراليين، ضربة غير متوقعة لحقوق الأميركيين من السود والملونين، في وقت بدأ فيه الحزب الجمهوري بقيادة الرئيس دونالد ترمب عمليات واسعة النطاق لإعادة ترسيم الخرائط الانتخابية للحصول على أفضلية في نتائج عمليات الاقتراع، مما دفع الديمقراطيين إلى الرد بالمثل في محاولة للحفاظ على التوازن القائم.

ويتمتع الجمهوريون حالياً بأكثرية 217 نائباً مقابل 212 للديمقراطيين، مع وجود خمسة مقاعد شاغرة ومقعد واحد لمستقل، وأي تغيير في خريطة الدوائر الانتخابية يمكن أن يُحدد الحزب المُسيطر على مجلس النواب في الدورة المقبلة.

وشهدت الفترة التي سبقت قرار المحكمة العليا اعتماد الجمهوريين في كل من ميزوري ونورث كارولاينا وأوهايو وتكساس على خرائط انتخابية أكثر ملاءمة لحزبهم منذ الصيف الماضي. وردّ الديمقراطيون برسم خريطة انتخابية أكثر ملاءمة لهم في كاليفورنيا وفيرجينيا.

ورفض أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون في إنديانا مساعي ترمب لإعادة رسم خريطة الدوائر الانتخابية للولاية بعد أشهر من الضغوط. فيما يدرس الجمهوريون في فلوريدا اعتماد دوائر انتخابية جديدة.

وأقر قاضٍ خريطة جديدة في يوتاه يُرجّح أن تمنح الديمقراطيين مقعداً فيها، وتنظر المحاكم في الطعون المقدمة في أماكن أخرى. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، سمحت هيئة من القضاة الفيدراليين بالبقاء على خريطة كاليفورنيا الجديدة، ما منح الديمقراطيين انتصاراً. وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أصدرت المحكمة العليا قرارها في شأن تكساس، ممهدة الطريق أمام تطبيق الخريطة الجديدة. وهذا ما اعتُبر انتصاراً لترمب والجمهوريين.

إعادة حسابات

رئيس المحكمة العليا الأميركية جون روبرتس (رويترز)

وعلى أثر قرار المحكمة العليا، ليل الأربعاء، علّقت لويزيانا انتخاباتها التمهيدية التي كان من المقرر أن يبدأ التصويت المبكر فيها السبت. وكانت هذه الانتخابات مقررة في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. غير أن الحاكم الجمهوري جيف لاندري أصدر قراراً تنفيذياً بتأجيلها، مشيراً إلى قرار المحكمة العليا الذي أبطل دائرة انتخابية ذات غالبية سوداء. وأجّل قرار الانتخابات إلى 15 يوليو (تموز) المقبل أو إلى موعد يُحدده المجلس التشريعي.

وصرّح قادة الحزب الجمهوري في مجلسي النواب والشيوخ بالولاية، بأنهم على استعداد لإقرار دوائر انتخابية جديدة للكونغرس - وتحديد موعد جديد للانتخابات - قبل انتهاء دورتهم العادية بعد شهر.

وقال لاندري إن «السماح بإجراء الانتخابات وفقاً لخريطة غير دستورية من شأنه أن يقوض نزاهة نظامنا وينتهك حقوق ناخبينا»، مضيفاً: «يضمن هذا القرار التنفيذي التزامنا سيادة القانون، مع منح المجلس التشريعي الوقت اللازم لإقرار خريطة دوائر انتخابية عادلة وقانونية لمجلس النواب».

وأشاد الرئيس ترمب بقرار لاندري، الذي يشغل أيضاً منصب مبعوثه الخاص إلى غرينلاند، لتحركه السريع لمراجعة دوائر الكونغرس في الولاية. كما حض الجمهوريين في تينيسي على أن يحذوا حذوهم رداً على قرار المحكمة العليا.

وقال رئيس مجلس نواب تينيسي الجمهوري كاميرون سيكستون إنه يجري محادثات مع البيت الأبيض وجهات أخرى في أثناء مراجعة قرار المحكمة. وبعد ساعات فقط من قرار المحكمة العليا، انضم مشرعو فلوريدا إلى قائمة الولايات التي أعادت رسم حدود الدوائر الانتخابية لمجلس النواب، معتمدين خريطة جديدة يدعمها الحاكم الجمهوري رون ديسانتيس، والتي قد تمنح الحزب الجمهوري فرصة للفوز بعدة مقاعد إضافية.

وقال ديسانتيس إن إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية ستعكس النمو السكاني في فلوريدا وتوجهاتها السياسية. بينما وصف الديمقراطيون هذه الخطوة بأنها محاولة من ترمب للاستحواذ على السلطة.

وأفاد رئيس مجلس النواب مايك جونسون: «أعتقد أن على كل الولايات التي لديها خرائط غير دستورية أن تُعيد النظر في ذلك بعناية فائقة، وأعتقد أنه ينبغي عليها القيام بذلك قبل الانتخابات النصفية».

رد الديمقراطيين

وأثار قرار المحكمة العليا وخطوة لاندري موجة من الإجراءات القانونية اللاحقة؛ إذ أصدرت هيئة محكمة الاستئناف الفيدرالية المكونة من ثلاثة قضاة، والتي نظرت في القضية الأولية التي رُفعت إلى المحكمة العليا، أمراً موجزاً ​​بتعليق انتخابات مجلس النواب في لويزيانا إلى حين رسم خرائط جديدة. وأعلن المحامي الديمقراطي البارز مارك إلياس رفع دعوى قضائية للطعن في أمر لاندري.

ويقول الديمقراطيون إن التأجيل قد يُسبب ارتباكاً. وبينما ندّد نشطاء الحقوق المدنية باحتمالية تراجع تمثيل الأقليات في الكونغرس، استشهد كبار الجمهوريين بقرار المحكمة العليا كمبرر لإشعال معركة إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية على مستوى الولايات، وهي معركة محتدمة بالفعل، قبل انتخابات نوفمبر المقبل.

وقال سيناتور لويزيانا الديمقراطي رويس دوبليسيس: «سيُسبب هذا ارتباكاً واسعاً بين الناخبين؛ ديمقراطيين وجمهوريين، بيضاً وسوداً. ما يقومون به فعلياً هو تغيير قواعد اللعبة في منتصفها. إنه تلاعب بالنظام».