لأكثر من 100 عام... نجاحات سعودية في إدارة الحج

بدأت بتأمين الملك عبد العزيز للحجاج حتى عهد الملك سلمان بخدمات متكاملة

TT

لأكثر من 100 عام... نجاحات سعودية في إدارة الحج

لأكثر من 100 عام... نجاحات سعودية في إدارة الحج

السعوديون والحج قصة ممتدة وتاريخ متأصل وإنجازات غير مسبوقة، منذ أول حج تحت حكم المؤسس الملك عبد العزيز حتى اليوم... إنه شرف عظيم، لكنه مسؤولية كبرى. بدأت قصته بعد أسابيع من دخول الملك المؤسس مكة المكرمة (جمادى الأولى 1343هـ - ديسمبر - كانون الأول 1924م).

الملك عبد العزيز خلال تأدية الحج في سنوات عهده الزاهرة

الملك عبد العزيز يوجه نداء للمسلمين

أصدر الملك عبد العزيز نداءً عاماً إلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، أعلن فيه ترحيبه بحجاج بيت الله الحرام من الأقطار كافة، مؤكداً تكفله براحتهم وتوفير الأمن لهم وحفظ حقوقهم وتسهيل وصولهم إلى مكة من موانئ رابغ والقنفذة والليث، لأن جدة كانت محاصرة من قبل جيشه، والأوضاع لم تكن قد استقرت بعد في الديار المقدسة.

وجاء في ذلك النداء، الذي وجّهه الملك عبد العزيز: «إننا نرحب ونبتهج بقدوم وفود حجاج بيت الله الحرام من كافة المسلمين في موسم هذه السنة ونتكفل بحول الله بتأمين راحتهم والمحافظة على جميع حقوقهم وتسهيل أمر سفرهم إلى مكة المكرمة من أحد الموانئ التي ينزلون إليها، وهي: رابغ أو الليث أو القنفدة، وقد أُحكم فيها النظام واستتب الأمن استتباباً تاماً منذ دخلتها جيوشنا. وسنتخذ من التدابير في هذه المراكز جميع الوسائل التي تكفل تأمين راحة الحجاج إن شاء الله تعالى».

الملك عبد العزيز يفتح المجال للأعمال الخيرية

تضمن النداء إعلاناً، هذا نصه: «أعلن لكافة إخواننا المسلمين أنه لم يبق أثر للمشاكل والعراقيل التي كانت تضعها الحكومة السابقة ضد المشاريع الخيرية والاقتصادية، وأن أبواب الحجاز مفتوحة لجميع من يريد القيام بأي عمل خيرى أو اقتصادي، وأن الحكومة المحلية مستعدة للقيام بجميع التسهيلات الممكنة لتنشيط من يريد القيام بهذه المشاريع الخيرية والاقتصادية».

الملك عبد العزيز خارجاً من المسجد الحرام على ظهر جواده بعد ضمّه مكة المكرمة إلى حكمه

تحديات الحج قبل العهد السعودي

النداء صدر باسم سلطان نجد عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل السعود، يوم 1 شعبان 1343هـ - 25 فبراير (شباط) 1925م، إذ لم يكن قد بويع بعد ملكاً على الحجاز، فكيف تم تنظيم أول موسم حج في عهد الملك عبد العزيز؟ وما هي الظروف التي أدى فيها الحجاج شعائرهم؟ وما الخدمات التي توفرت؟ ثم ما الفرق الجوهري الذي حصل في ذلك الموسم؟ وكيف اختلف تنظيم الحج في العهد السعودي عما سبقه من العهود؟ لقد كان الأمن أكبر التحديات التي تقلق الحاج، ناهيك عن الأمراض، وسوء معاملة الحجاج من قبل السلطات المحلية، ونقص الخدمات.

تؤكد الوثائق البريطانية أنه لم تكن هناك سياسات وأنظمة واضحة! وتشير إحداها إلى سخط المسلمين في بلاد البنغال على سلطات الحجاز بسبب المعاملة السيئة لحجاجهم خلال مواسم الحج السابقة لموسم سنة 1342هـ - 1924م.

كما تشير وثيقة أخرى إلى أن المسلمين الهنود يعتقدون أن ترتيبات (حكومة الحجاز) في مكة كانت سيئة جداً، وكي لا يظن أحد أن في الأمر مبالغة، نعود إلى ما أورده اللواء إبراهيم رفعت باشا، الذي حجّ عدة مرات خلال عامي 1318هـ (1901م) و1325هـ (1908م)، وكان في أحدهما أميراً للحج المصري، وسجّل مشاهداته عن مواسم الحج ومعاناة الحجاج، يقول عن حجته الأولى سنة 1318هـ (1901م): «أمر (حاكم) مكة بجمع إعانة للسكة الحديدية، وقدّر على كل حاج غير معسر ريالاً، فأخذ المطوفون يجمعونها ويوردونها (للحاكم) كل يوم». ويضيف: «كان بعض الحجاج يمتنع عن الدفع، وبعضهم دفع عن نفسه وعمن يرافقه في القافلة... وقد أمر (الحاكم) بعدم خروج أحد من الحجاج من مكة حتى تجبى الضريبة كلها. وعلى ذلك، حبس الحجاج بمكة بعد تأدية الفريضة 7 أيام، كانوا فيها على أحر من الجمر. شوقهم لزيارة الرسول (صلى الله عليه وسلم) يهيب بهم أن أسرعوا، (والحاكم) يقول: مكانكم حتى تدفعوا».

ويذكر: «بلغني أن بعضاً من حجاج المغرب شكا لدولة الوالي حبسهم بمكة، فأرسل بهم مع مندوب من قبله إلى (الحاكم) ليسمح لهم بالخروج، فلما وصلوا إليه نزل عليهم ضرباً بالعصي، وإذ ذاك انقض عليهم زبانيته أيضاً (الباوردية)، فتشتتوا مذعورين ورجعوا بخفي حنين. شكوى عادلة جوابها إهانة قاسية في بلد جعله الله حرماً آمناً (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ. وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ). (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ)». وأضاف: «لئن دام هذا الظلم لينصرفن الناس عن الحج، وتلك الطامة الكبرى ببلاد العرب، وأهلها الذين يجدون في الحجاج العيش الكفاف، بل الرزق الواسع، بل ذلك جناية على الإسلام ومعتنقيه، فإن هذا البلد واسطة التعارف بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فإذا انقطعت بينهم الأسباب، وانفصمت عروة التوادِّ كانوا كالغنم القاصية، تلتهمها الدول المستعمرة فتستغيث فلا مغيث، فليقلع الظالم عن ظلمه كيلا يعمنا الله بعذاب من عنده...».

ويضيف: «لم يسمح (الحاكم) بخروج الحجاج من مكة إلا بعد أن دفعوا جميعاً ريال الإعانة للسكة الحديدية، فلما أن صدر الإذن بالخروج، أخذ جميع الحجاج في الرحيل، وهم ألوف مؤلفة يسلكون طريقاً ضيقة، ولما بلغوا مكاناً مخصوصاً بالطريق أوقفوا حتى يدفعوا ريال الحكومة (عوائد) عن كل جمل خالٍ أو محمل». ويبين: «أخذوا يدفعون، ولكن بلغ الزحام أشده لأن المحصل شخص واحد قام بجانبه اثنان من الزبانية لا يسمحان لأحد بالمرور حتى يدفع الريال واستعملا كل غلظة وقساوة لا تصدر من الوحوش، فضلاً عن الأناسي، فضلاً عن مسلم يدين بالإسلام، وقد أصبحت الطريق التي كانت معدة لسير جملين بشقادفهما متحاذيين فيها أربعة صفوف، فدخلت الشقادف بعضها في بعض، وكاد الناس يكونون طبقات بعضهم فوق بعض، وهنالك تحطم كثير من الشقادف، وسقط بعض الراكبين من عليها، فتهشمت منهم العظام وبلغت فيهم الجراح، وفقدوا من الأمتعة، وتلف كثير منها».

ويذكر: «كنت لا تسمع إذ ذاك إلا ولولة النساء وعويل الصبيان واستغاثة الضعفاء ومنازعات الرجال، ولا شرطة هناك تحول دون ذلك، وكل هذا مغبة حبس (الحاكم) للحجاج وسوء نظام الجباية، وماذا على الحكومة لو عيّنت عدداً من المحصلين وعيّنت لكل قافلة يوماً تخرج فيه، ومعرفة القوافل من الأمور الهينة، لأن المطوفين والمتعهدين يعرفونها، وأولئك معروفون لدى الحكومة، وبذلك يسهل التحصيل وتسير القافلة بهدوء وسكينة، ويأمن الناس على نفوسهم وأمتعتهم».

قوات وآليات أمن الحج خلال الاستعراض العسكري السنوي (واس)

أمن الحجاج... أهم التحديات

لم تكن تلك المعلومات غائبة عن ذهن الملك عبد العزيز عشية دخوله مكة، فقد أدرك أن الصعوبات التي يواجهها الحجاج خصوصاً، ومشاكل الحجاز عموماً، تتمثل في «الفوضى في الإدارة وانعدام سلطة القانون ونهب الحجاج»، إضافة إلى عدم توفر الخدمات الكافية، سواء أكانت صحية أم بلدية أم غذائية أم خدمات النقل والمواصلات حتى الخدمات الإدارية.

لقد قرأ الملك المؤسس التاريخ ووعاه وأدرك أن ما بذلته الدول والحكومات المتعاقبة لخدمة الحرمين والحجاج، التي تمثلت في المشروعات العمرانية والمائية لطرق ومرافق الحج وتوسعات وعمارة الحرمين على مرّ القرون السابقة، هي جهود مقدرة ومشكورة، لكنها لم تكن كافية.

والسبب يكمن في بعد الديار المقدسة عن مراكز اتخاذ القرار، منذ خروج عاصمة الخلافة من المدينة المنورة إلى خارج الجزيرة العربية عام 36هـ -657م، وعلى مدى قرون ظلت الجزيرة العربية خارج الاهتمام المباشر من قبل عواصم القرار، ولولا وجود الحرمين الشريفين قد لا يوجد أي اهتمام أصلاً! ومع ذلك ظلت التهديدات التي تواجه الحج والحجاج مستمرة على مرّ العصور، ولم تتوفر حلول شاملة لها، وكأن الحج أشبه برحلة رعب للحاج.

رصد المؤرخ المكي تقي الدين الفاسي (توفي 832هـ - 1429م) في كتابه «شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام» التهديدات والأزمات في مواسم الحج منذ سنة 200هـ - 816م، التي تمثلت في: اضطراب الأمن والفتن والقلاقل، ونقص المواد الغذائية وغلاء الأسعار، وقلة المياه، ونهب الأموال والسرقات، والمكوس الجائرة، والأوبئة والأمراض.

هذا عدا الكوارث الأخرى كالسيول والأمطار والحرائق، إضافة إلى الخلافات العقدية والمذهبية التي تفسد الحج حيث وقف الناس بعرفة سنة 199هـ - 815م بلا إمام، وصلوا بلا خطبة، كما كان الخلاف في تحديد دخول شهر ذي الحجة، الذي ترتب عليه وقوف بعض الحجاج على صعيد عرفة يوم الاثنين، وبعضهم يوم الثلاثاء، وكان ذلك سنة 292هـ - 905م، وتكرر ذلك في أكثر من موسم.

أما الرحالة والمؤرخ المصري محمد لبيب البتنوني فيصف أمن الحجيج خلال رحلته عام 1327هـ - 1909م: «والرفقاء من الحجاج يتناوبون السهر على حراسة عفشهم، ومن يسهر منهم تراه على الدوام يصرخ بكلمات الاضطراب والانزعاج كقولهم: (شايفك، ابعد، لا تقرب) وهكذا. والحجاج يقضون حاجتهم بين رحالهم في الغالب، ومن ابتعد عنها لا بد أن يكون معه أنيس يحرسه عند اشتغاله بنفسه، وإلا فإنه لا يحرم واحداً من الأعراب ينقض عليه ويضربه في رأسه بعصا يابسة قصيرة تخمد معها أنفاسه!! وهنالك يشلحه من ملابسه أو يكتفى بقطع كمرة من حزامه أو من ذراعه».

ويضيف: «فإذا استغيبه صحابته قاموا للبحث عنه فيجدونه إما فاقداً للحياة فيوارونه التراب على حاله!! وإما فاقداً للشعور فيأخذونه ويقومون بشأنه، وقليلاً من ينجو من هذه الضربة... وقد يقطع الجمالة بعض الجمال من القافلة أثناء سيرها، ويتظاهرون بإصلاح حمولها حتى إذا ابتعدت القافلة عنهم أوقعوا بركابها، وهم يستغيثون ولا يعانون، وسلبوهم متاعهم، وكثيراً ما يجهزون عليهم، ويفرون بجمالهم إلى حيث أرادوا.

والأدهى من ذلك كله ما يهدد القافلة من خطر هجوم بعض القبائل التي في طريقها عليها، أو على الأقل وقوفهم في وجهها، فلا يدعونها تمر إلا بعد أن يأخذوا منها ما يرضيهم باسم أجرة المرور في أرضهم».

المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن

الملك عبد العزيز يتحرك لتأمين الحجاج

أدرك الملك عبد العزيز كل تلك التحديات، وتأخر في ضم الحجاز عدة سنوات مع أن حكومة الحجاز منعت حجاج سلطنة نجد من أداء الحج خلالها، وبالرغم من أن الطريق كانت ممهدة أمامه، فإن الملك المؤسس لم يشأ أن يكون ضمّه للحجاز سبباً لتدخل القوى الخارجية في شؤونه.

واتبع الملك عبد العزيز سياسة النفس الطويل، حيث أصدر عدة بيانات، وأجرى مراسلات ليبين موقفه من تصرفات حكومة الحجاز ومنعها للحجاج، وكان سوء المعاملة التي يلقاها الحجاج من مختلف الأقطار من قبل السلطات الحجازية كافياً لتأييد أي تحرك من قبله لضمّ الحجاز. لكن في هذا التحقيق، نجد أن الملك عبد العزيز لم يتأخر في خطوته بسبب ذلك فحسب، بل كان مدركاً حجم الصعوبات والمشاكل التي ينوء بها الحجاز، والتي تحتاج إلى حلول جذرية.

وبالرغم من أن ضم الحجاز كان خطوة مهمة في مشروع الملك عبد العزيز الوحدوي، فإن الهدف الأولي للملك عبد العزيز كان حماية المقدسات وتأمين الوصول لها وبسط الأمن ورفع المظالم التي أرهقت العباد، ناهيك عن تهيئة وتوفير السبل لتمكين الحجاج من أداء مناسكهم بيسر واطمئنان.

من هنا، كانت رؤية الملك عبد العزيز ترتكز على سرعة توفير الخدمات كافة للحجاج. وقبل ذلك، فرض الأمن وإرساء قواعد العدل على أسس مستمدة من الشريعة الإسلامية. استشعر الملك المؤسس تلك المسؤولية العظيمة، رغم قلة الإمكانات والموارد وعدم استقرار الأوضاع بسبب ظروف الحرب وحصار جدة، ومقاطعة بعض الدول لموسم الحج والحملات الإعلامية ضد الملك عبد العزيز.

تنظيم أول حج في العهد السعودي

نجح الملك عبد العزيز في تنظيم أول موسم للحج تحت حكمه، وذلك لم يكن ليتأتى لولا توفيق الله ثم الرؤية الواضحة والخطط المحكمة في تحقيق الأمن وإقامة العدل وتحسين الخدمات.

كانت مسؤولية جسيمة ومهمة كبرى، لكن الملك عبد العزيز كان يدرك أبعادها ويتابع تفاصيلها ويشرف بنفسه على تنفيذها، وكانت التجربة الناجحة لإدارة الحج في عهد الدولة السعودية الأولى ماثلة أمامه.

مخيمات الحجاج في بداية العهد السعودي

خطط الملك عبد العزيز لنجاح الحج

سنتطرق في هذا التحقيق إلى نماذج من الخطط والإجراءات والترتيبات التي اتخذها الملك المؤسس، مع الأخذ في الاعتبار أن التنظيمات والهياكل الإدارية المتعلقة بتنظيم الحج والإشراف على شؤون الحجيج في الحجاز لم تكن كافية أو مكتملة، فكيف كانت البداية؟

من خلال تتبع المصادر وقراءة تسلسل الإجراءات والقرارات التي اتخذها الملك عبد العزيز في الأشهر الأولى لدخوله مكة المكرمة، نجد أنه استعد لإنجاح أول موسم حج تحت إدارته، ويتضح ذلك من التخطيط الدقيق والجهد الكبير الذي بذله لتذليل كل الصعوبات التي يمكن أن تعيق تنظيم حج عام 1343هـ - 1925م، وفيما يلي نماذج ولمحات عن الإجراءات والتدابير «العاجلة» التي تم اتخاذها في عدد من المجالات، مثل...

الأمن

مع إعلانه للعالم عن استتباب الأمن في الحجاز بعد أسابيع من دخوله مكة، كان الملك المؤسس قد بدأ في اتخاذ خطوات سريعة لضبط الأمن، فأعلن أنه سوف يُنزل أشد العقاب على كل من تسول له نفسه العبث بالأمن، وركز على أمن الحج والحجيج، وأرسل السرايا لتعقب المجرمين الذين يعتدون على الحجاج والقضاء عليهم. وأكد على رؤساء القبائل بعدم التعرض لقوافل الحجاج، وعدّ رئيس القبيلة مسؤولاً عن الجرائم التي تقع في حدود قبيلته، وتعهد بالاستمرار في تتبع المجرمين وقطاع الطرق وإنزال أشد العقوبات بهم، وهذا ما كان، فارتدع المجرمون.

عملت الأجهزة الحكومية منذ بدايتها على توعية الحجاج فيما يتعلق الصحة العامة والتغذية

الصحة والخدمات البلدية

منذ الأيام الأولى لوصوله مكة، كلّف الملك عبد العزيز طبيبه الخاص الدكتور محمود حمدي حمودة بإدارة الصحة العامة، وبدأ بتنظيم الأمور الصحية ونشر مقالات توعوية في الأعداد الأولى من جريدة «أم القرى»، وكانت للصحة أولوية بعد الأمن بسبب انتشار الأمراض والأوبئة. ومن الإجراءات التي اتخذت: التأكد من أسباب الوفيات، ونشر إحصائية أسبوعية عنها، والبدء في وضع التدابير الصحية قبل موسم الحج للوقاية من الأمراض، واقتراح التشكيلات الصحية المناسبة، مع التركيز على الجوانب الوقائية. وتم تجهيز عدد من المستشفيات والمراكز الصحية للعمل في موسم الحج. كما تم مراقبة بيع المأكولات والمشروبات وأفران الخبز للحرص على النظافة، وإعلان تعليمات صحية للحلاقين والقيام بجولات تفتيشية ومعاقبة المخالفين، إضافة إلى تنظيف المشاعر وحفر أماكن ذبح الأضاحي.

وصدر تقرير صحي بعد موسم الحج، أكد خلو الحج من الأمراض الوبائية وانخفاض نسبة الوفيات عن المواسم السابقة، وتضمن التقرير عدداً من التوصيات.

المياه والغذاء

وجّه الملك عبد العزيز بصيانة مجاري عين زبيدة، والتأكد من نظافتها وعدم انسداد ما يوصلها بمنابعها الأصلية في وادي نعمان، تلافياً لما وقع من عطش الحجاج في موسم الحج الماضي.

وفي بداية شهر ذي القعدة، أُعلن عن تشغيل مضخة الماء لنقل الماء إلى منى والبدء في تعبئة الخزانات ليكون الماء متوفراً للحجاج، وطلب الملك من مستشاره حافظ وهبة أن يتأكد من سير العمل في توفير المياه، وقام وهبة بتفقد آلة الضخ والخزانات في منى وعرفات، ورفع تقريراً بذلك للملك.

وقبل موسم الحج، أعلن عن اكتمال تنظيف وتطهير مجاري وأحواض المياه وملء «البازان» العمومي في منى.

واتخذ الملك عبد العزيز التدابير اللازمة لجلب الغذاء والأرزاق من سائر الجهات وفتح الأسواق، وتم توفير السلع والمواد الغذائية كالتمر واللحم والسمن والعسل والحنطة والدخن والذرة والسمسم من نجد وعسير وجازان والطائف.

كما كلّف أحد رجالاته (التاجر وقتذاك) عبد الله الفضل بالسفر منذ وقت مبكر إلى مصوع وعدن والهند لجلب البضائع والأرزاق إلى مكة، وقبل موسم الحج وصلت عدة بواخر تحمل كميات من الدقيق والسكر والشعير والكاز، وقبل ذلك وصلت قوافل من الجمال تحمل أقواتاً وأرزاقاً ومؤناً.

وتم الإعلان عن توفر السلع ومراقبة الأسعار ونشر أسعار السلع أسبوعياً، واتخاذ الإجراءات ضد التجار المحتكرين. ونشرت بعض الشركات إعلانات عن توفر المواد الغذائية بأسعار في متناول الجميع.

وسائل النقل القديمة المتمثلة في قوافل الجمال والحافلات التي تطورت عبر الزمن

النقل والمواصلات

نظراً لحصار جدة، فقد اتخذ الملك عبد العزيز قراراً باستخدام موانئ رابغ والليث والقنفذة لاستقبال الحجاج، وتم الاستعداد لذلك، واتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة.

وانتدب الموظفين للعمل في هذه الموانئ، وتأمين قوافل الجمال لنقل الحجاج إلى مكة. وفي شهر ذي القعدة 1343هـ - مايو (أيار) 1925م، أعلن عدد من التجار عزمهم تأسيس شركة سيارات لنقل الحجاج، بعد أن أدركوا حرص الملك عبد العزيز على راحة الحجاج وعنايته بكل ما له علاقة بشؤون الحج.

كما تم تنظيم البريد والاهتمام بشؤونه، كونه أهم وسائل التواصل بين الحجاج وذويهم وقتذاك. وبدأت إدارة البريد مساعيها للانضمام لاتحاد البريد العالمي ومخاطبة إدارات البريد في الدول الأخرى لإرسال الرسائل إلى ميناء القنفذة بدلاً من جدة، واتخاذ إجراءات عاجلة لإرسال الرسائل عن طريق القنفذة إلى مصوع ثم إلى وجهاتها وفتح طريق أخرى بإرسالها إلى البحرين عن طريق الرياض ثم إلى وجهاتها الخارجية، وأصدرت إدارة البريد طوابع بريدية من عدة فئات، أسمتها «تذكار الحج الأول».

الجوانب الإدارية والتنظيمية

بدأ الملك عبد العزيز في إعادة تنظيم الأوضاع الداخلية لمكة المكرمة فور دخوله، فتم تشكيل المجلس الأهلي لإدارة الشؤون الداخلية والإشراف على الدوائر الحكومية ومتابعة شؤون الحج، كما تم إعادة تنظيم وتشكيل عدد من الإدارات مثل البلدية والمالية والأوقاف والنظر في احتياجاتها. كما تم تنظيم إسكان الحجاج في مكة، وكان الملك يتابع بنفسه أدق التفاصيل، خاصة تلك المتعلقة بشؤون الحج والحجيج، ويؤكد خطابه المرسل إلى علي الناصر العماري، الذي انتدبه للإشراف على وصول الحجاج إلى ميناء رابغ، حرصه على راحة الحجاج وسلامتهم.

الخطاب الذي وجّهه الملك عبد العزيز إلى العماري وابن مبيريك

إلى جناب الأخ المكرم علي العماري، سلمه الله تعالى...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد

لا بد واصلكم مأمور التأشير على جوازات الحجاج، ومعه دفاتر طبعت خصيصاً لهذه المسألة، كما ترون «نمونتها» (عيّنتها) بطيّه، ومنها تفهمون أن القصد هو تنظيم مسألة الواردين من الحجاج ومعرفة هويتهم وتابعيتهم وعددهم وغير ذلك، مما هو معرفته ضرورية لأجل ضبط الشغل، ويوضع على الباص «تذكرة المرور» التي بيد الحجاج طابع بعشرة قروش، ويُعطى ورقة مرقمة من هذه الدفاتر.

 

ويصل إلى طرفكم معهم... ثلاثة مأمورين لأجل تعريف الحجاج عند نزولهم بما يحتاجون إليه بواسطة الترجمة والتعارف بينكم وبينهم، ولقضاء لوازمهم، وأيضاً شخص آخر مندوب من قبل جمعية المطوفين ليستشير بحرية كاملة للحجاج الأشخاص المطوفين الذين يرغبون موافقتهم بالتطويف وغيره، ولكن الحذر من استعمال أساليب غير مشروعة في انتقاء المطوفين، فنزول الحاج بالرغبة والحرية الكاملة في انتقاء المطوفين.

 

ويكون مأمور التأشير مع أنه مأمور بريد في الوقت نفسه، والترجمة، ومندوب المطوفين، تحت نظارتكم. فأنتم المسؤولون عن أعمالهم، كما أنهم مسؤولون تجاهنا في حساباتهم وتصرفاتهم.

 

ويوكل أمر الكراوي (أجرة النقل) على اختلاف أنواعها في البر والبحر لنظركم بعد الاتفاق أنت وابن مبيريك (أمير رابغ إسماعيل بن مبيريك الغانمي) وشيخ المطوفين، ولا تتخذوا أمراً إلا بعد المشاورة والاتفاق.

 

 ثم في النظر إلى بُعد الميناء عن البلد، لا بد من إنزال الحجاج إلى البر في الصباح أو المساء اتقاء ضرر الشمس، ثم يجب أن يكون مع كل عشرين جملاً خادم خاص غير الجمال، تقطعون له أجرة زهيدة من الجمّال ويكون مساعداً للجمّال أثناء الطريق.

 

ثم أن يعين مطوف الحجاج قبل وصولهم إلى مكة، بعد ترك الخيار التام كما ذكرناه أعلاه للحاج وتُمضى الورقة المتعلقة بذلك منكم ومن خادم الحكومة الترجمان ومن مندوب رئيس المطوفين وترسل الورقة إلى مكة قبل الحاج لأجل التنبيه للمطوف للقيام بوظيفته، فيجب أن يكون مع كل قافلة رجال مسلحون معينون من ابن مبيريك للمحافظة على الحجاج ومراقبة الجمالة أثناء سيرهم كي لا يسلكوا طريقاً آخر غير معروف.

 

 ثم يجب عليك وعلى ابن مبيريك حتى نزول الحجاج في البغيلة ورابغ أن تأمروا بإحضار باعة المأكل والمشارب للحجاج، ثم يجب أن تنبهوا على الجمالة والمطوفين ألا يأخذوا شيئاً من الحجاج على طريق الاختلاس والجبر غير الذي تقرر لهم، ولكن تترك مسألة السماح للحجاج بتقديم العطايا وإعطاء المنح والمكافآت وسواها بما يجودون به بسماحة خاطر. هذا ما لزم تعريفه، ودمتم محروسين.

 

عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل

 

6 ذو القعدة 1343هـ - 28 مايو 1925

الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود

تبين هذه الوثيقة (التي أعدّها مثالاً فقط) مدى التخطيط الدقيق للملك عبد العزيز فيما يتعلق بأمور الحج والحجاج والاستعداد لكل الاحتمالات ومعرفة جميع التفاصيل. والوثيقة تتحدث عن نفسها ولا تحتاج إلى شرح، لكن ما يجب إيضاحه أن ما ورد في هذه الوثيقة من تعليمات وتوجيهات وما قام به الملك عبد العزيز من تدابير لموسم حج ذلك العام لم يكن في ظروف طبيعية.

فالوضع لم يستقر بعد في الحجاز، والحرب قائمة، والحملات ضد دخوله الحجاز مستعرة، والمطالبات بمقاطعة الحج مستمرة، هذا عدا أن إمكانات الدولة حينها محدودة. وقد يبدو للقارئ أن مثل هذه الإجراءات وغيرها مما ذكرنا سهلة وممكنة، لكن يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لم تتم قبل الملك عبد العزيز آل سعود؟

الأفعال تسبق الأقوال لراحة الحجاج

إن المتمعن في سيرة الملك عبد العزيز يدرك أنه كان صاحب رسالة. تدل على ذلك أفعاله قبل أقواله، لقد قال عند تحركه لمكة: «إني مسافر إلى مكة، لا لأتسلط عليها، بل رفع المظالم والمغارم التي أرهقت كاهل عباد الله...»، وكان حريصاً على تطبيق تلك المقولة عشية دخوله مكة.

وعندما حاصر جدة، واقترب موعد الحج، بعث إلى قناصل الدول الأجنبية يخبرهم بعزمه على الحج مع بقاء بعض قواته في حصار جدة.

وأشعرهم أن الأمن في مكة والطرق المؤدية إليها وموانئ رابغ والليث والقنفذة مستتب، وقد اتخذت الاحتياطات كافة للمحافظة على سلامة الحجاج وراحتهم.

كان الهدف من ذلك الكتاب هو تطمين القناصل على رعاياهم المسلمين (أكثر الدول سكاناً من المسلمين: الهند وأندونيسيا، كانتا تحت الاستعمار البريطاني والهولندي)، وعصر يوم الأحد 30 ذو القعدة 1343هـ - 21 يونيو (حزيران) 1925م تحرك ركب الملك عبد العزيز من مقره في الوزيرية، يرافقه ابناه الأميران محمد وخالد، والشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ، فوصل إلى المسجد الحرام الساعة السادسة مساء، فطاف وصلى وسعى، ثم نزل في دار السقاف بالأبطح.

واستقر في مكة يشرف ويتابع شؤون الحج والحجيج، وأدى فريضته مع جموع الحجاج وشاهد ما وفرته لهم حكومته في المشاعر المقدسة، وهناك كثير من التفاصيل عن ذلك الموسم، لكننا سنقتصر على بعض الجوانب والملامح.   

الملك عبد العزيز خلال تأدية مناسك الحج

أوليات الحج في عهد الملك عبد العزيز

بتتبع المصادر التاريخية التي تناولت سيرة وتاريخ الملك عبد العزيز، لم نجد في أي منها أي إشارة أو معلومة عن أدائه الحج قبل عام 1925 حينما دخل مكة. وبمراجعة سياق الحوادث والوقائع منذ دخوله الرياض عام 1319هـ - 1902م، يتبين عدم إمكانية ذهابه للحج، وبذلك يتضح أن أول مرة يؤدي فيها الملك عبد العزيز مناسك الحج كانت تلك السنة.

 أول خطيب لمنبر عرفة في العهد السعودي

كان من بين أهداف الملك عبد العزيز التي أعلن عنها أن الشريعة الإسلامية هي مرجع الأحكام، وأنه حريص على وحدة كلمة المسلمين، من هنا كان حرصه على اختيار أول خطيب لمنبر عرفة في عهده، وكان الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ، وأصبح ذلك تقليداً بأن يتم تعيين خطيب عرفة من قبل ملك المملكة العربية السعودية، وسنتناول تفصيلاً تاريخ خطباء عرفة في العهد السعودي مع ترجمة مختصرة لكل منهم.

الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رؤساء وقادة الدول وكبار الشخصيات الإسلامية ورؤساء وفود الحج بالديوان الملكي في منى (واس)

أول استقبال

استقبل الملك عبد العزيز، ثاني أيام عيد الأضحى 11 ذو الحجة 1343هـ - 3 يوليو (تموز) 1925م، في السرادق المنصوب له في منى، وفد جمعية الخلافة في الهند، ووفد جمعية العلماء، ومنذ ذلك التاريخ أصبح هذا الاستقبال الملكي تقليداً سنوياً يستقبل فيه ملك المملكة العربية السعودية الزعماء والقادة وكبار الشخصيات الإسلامية الذين يؤدون فريضة الحج في منى، ثاني أيام عيد الأضحى المبارك.

أثناء تغيير كسوة الكعبة المشرفة في العهد السعودي

أول كسوة للكعبة في العهد السعودي

أعلنت الحكومة المصرية منع حجاجها من الحج، وبررت ذلك بأنه بسبب اضطراب الأوضاع في الحجاز، وامتنعت عن إرسال كسوة الكعبة ذلك العام.

 وبدأت الشائعات حول الكسوة، في محاولة لإحراج الملك عبد العزيز أمام العالم الإسلامي، نظراً لرمزية الكسوة والعادة السنوية المتبعة.

لكنه في صباح يوم العيد تم استبدال كسوة الكعبة المشرفة بكسوة جديدة، نسجت في الأحساء وفقاً لما أعلن حينه، وتجدر الإشارة أن للأحساء تاريخاً في صناعة الكسوة حيث كانت تصنع هناك في أيام الدولة السعودية الأولى.

وما زال بعض معالم «بيت الكسوة» في المبرز بالأحساء قائماً حتى اليوم. واستمر استبدال الكسوة تقليداً سنوياً خلال موسم الحج إلا أنه تغير إلى اليوم التاسع من ذي الحجة، وهذا العام تم الإعلان أنه سيتم في غرة محرم (مطلع السنة الهجرية).

صحيفة «أم القرى» في أول تغطية لها لموسم الحج عام 1925

أول تغطية إعلامية

 واكبت صحيفة «أم القرى» التغطيات الإعلامية للحج، ونشرت كثيراً من الأخبار والتفاصيل عن أول موسم في عهد الملك عبد العزيز، وكانت الصحف والإذاعات الخارجية تبثّ أخبار الحج، وكذلك الصحف والمجلات السعودية التي تأسست تباعاً.

بدايات الإذاعة السعودية التي عملت على نقل وقائع الحج للأقطار كافة

في عام 1368هـ - 1949م، انطلق بثّ الإذاعة السعودية مساء يوم عرفة 1368هـ - 2 أكتوبر (تشرين الأول) 1949م. ومنذ ذلك التاريخ، واكبت تغطيات الحج، أما التلفزيون السعودي الذي أنشئ عام 1385هـ - 1965م، فكان يبثّ أخبار الحج مسجلة حتى عام 1391هـ - 1971م، حين بدأ في بثّ بعض التغطيات. وفي عام 1394هـ - 1974م، بدأ البثّ المباشر لمناسك الحج، وتم الاستعانة بعدد من المشايخ للتعليق وإلقاء أحاديث ومواعظ يوم عرفة.

استعراض للقوات المشاركة في أمن الحج (واس)

أول استعراض عسكري

 كان من بين التدابير الذي اتخذها الملك عبد العزيز خلال ذلك العام أن يخيم حجاج سلطنة نجد في الأبطح خارج مكة، وعدد قليل منهم سكن داخل المدينة، وكان لهذا الإجراء أكثر من هدف، الأول هدف أمني للحماية من أي غارت، والثاني هدف صحي وقائي، لكي لا يكون هناك ازدحام داخل البلد فتنتشر الأمراض.

 وفي منى، أمر بنصب خيامهم بمتاخمة الجبال لحماية الحجاج من أي هجمات. كانت نسبة كبيرة من هؤلاء الحجاج من المقاتلين في جيش الملك عبد العزيز، يمثلون عدة ألوية، وكانت تحركاتهم حول مكة وفي منى تمثل استعراضاً عسكرياً لردع من يفكر في تعكير صفو الحج، وهذا ما يمكن اعتباره أول استعراض لقوات أمن الحج.

الحجاج يؤدون طواف الوداع في المسجد الحرام (واس)

أول استخدام لمكبرات الصوت

عندما ألقى الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ خطبته على منبر عرفة، بحضور الملك عبد العزيز، لم تكن قد أدخلت مكبرات الصوت بعد، واستمر الوضع كذلك حتى عام 1366هـ - 1947م.

وذكر السيد أحمد علي الكاظمي أنه في ذلك العام «وضع ميكروفون (مكبر الصوت) في مسجد نمرة، وكان يقرأ فيه قارئ القرآن قبل الصلاة، ثم ألقيت خطبة عرفة بواسطة الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ، وهذه أول مرة يستعمل فيها المكبر للصوت في عرفات». كما نشرت صحيفة «أم القرى» خبراً عن ذلك، لكن الملك عبد العزيز لم يحج ذلك العام وأناب ولي عهده (الأمير) سعود.

 أول إحصائية للحجاج في العهد السعودي

بلغ عدد الحجاج ذلك العام 78593 حاجاً، منهم 3593 حاجاً من الخارج و75000 حاج من حجاج سلطنة نجد، وتناقل العالم أنباء موسم الحج ذلك العام، وازداد الاهتمام به بسبب الحملات المعادية للملك عبد العزيز، وتفاجأ المسلمون في أصقاع الدنيا بنجاح موسم الحج وعدم حصول ما يعكر صفو الحجاج.

 وتبدلت أحوال الحج عما عهدوه، وكان ذلك مثار تساؤل الجميع، وأشارت وثيقة بريطانية أن تقريراً عن موسم الحج الأول تحت إشراف الملك عبد العزيز أرسل من على ظهر بارجة فرنسية  في شهر صفر 1344هـ - سبتمبر (أيلول) 1925م يفيد: «إن جميع الحجاج يعترفون أن الحج لم يكن في زمن ما، أفضل تنظيماً وأكثر أمناً، وأحسن انسيابية، وأرخص تكاليف كما هو في عهد عبد العزيز بن سعود».

بقي الإشارة إلى جانب توثيقي هام يتعلق بخطب وخطباء عرفة في العهد السعودي الحديث، وذلك لأهمية منبر عرفة في بث رسالة الإسلام للعالم، ودعوة المسلمين للتعاون والتعاضد، ونبذ الفرقة والتطرف.

حيث إن تكليف خطيب عرفة يصدر بإرادة ملكية، ولما لاحظته من عدم التوثيق الدقيق لمسيرة خطباء عرفة في العهد السعودي والاختلاف في بعض السنوات حول شخصية خطيب عرفة، رأيت توثيق هذا الجانب. وفيما يلي بيان أسماء خطباء عرفة، مع تعريف مختصر بكل منهم، والأعوام التي كلف بها خطيباً...

 

1 - الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ

إمام وخطيب المسجد الحرام وكبير علماء نجد، درس على والده العلامة عبد اللطيف وأخيه الشيخ عبد الله وغيرهما من علماء عصره. ولي القضاء في عدد من البلدان، وأصبح قاضي الرياض ومفتيها بعد وفاة أخيه عبد الله. عيّنه الملك عبد العزيز إماماً وخطيباً في المسجد الحرام عام 1343هـ - 1925م وكلّفه بإلقاء خطبة عرفة في موسم حج ذلك العام.

2 - الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ

الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ

إمام وخطيب المسجد الحرام ورئيس القضاة والمشرف على الشؤون الدينية في الحرمين الشريفين. درس على والده الشيخ حسن بن حسين وعلى مفتي نجد الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وغيرهما من العلماء. رافق الملك عبد العزيز في أسفاره وغزواته إماماً وقاضياً للجيش ومفتياً. كلّف خطيباً ليوم عرفة بدءاً من موسم حج 1344هـ - 1926م حتى عام 1369هـ - 1950م.

3 - الشيخ محمد بن عبد الله بن حسن آل الشيخ

درس على والده العلامة عبد الله بن حسن ولازمه، كما درس على عدد من علماء المسجد الحرام، والتحق بالمعهد العلمي السعودي وتخرج فيه. عمل مديراً عاماً للشؤون القضائية والتفتيش في رئاسة القضاء، وتولى منصب المدير العام للتربية الإسلامية بوزارة المعارف. كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج 1370هـ - 1951م.

4 - الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن حسن آل الشيخ

إمام وخطيب المسجد الحرام، درس على والده الشيخ عبد الله بن حسن وعلى الشيخ محمد بن إبراهيم، كما درس في المعهد العلمي السعودي، وتخرج في كلية الشريعة بجامعة الأزهر. عمل معاوناً لرئيس القضاة ووكيلاً لوزارة المعارف ثم وزيراً لها، ثم رئيساً عاماً لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كلف خطيباً ليوم عرفة بدءاً من موسم حج 1371هـ - 1952م حتى عام 1401هـ 1981م، باستثناء عام 1399هـ 1979م الذي خطب فيه الشيخ صالح اللحيدان.

5 - الشيخ صالح بن محمد الحيدان

رئيس مجلس القضاء الأعلى وعضو هيئة كبار العلماء، درس في كلية الشريعة بالرياض والتحق بالمعهد العالي للقضاء وتخرج فيه، كما تلقى العلم على عدد من العلماء. عمل رئيساً لمحكمة الرياض ثم عضواً بالهيئة القضائية العليا فرئيساً لمجلس القضاء الأعلى. كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج عام 1399هـ - 1979م.

6 - الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ

المفتي العام للمملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وحفيد الخطيب الأول لعرفة. درس على الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبد العزيز بن باز وغيرهما من العلماء، وتخرج في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وعمل أستاذاً بها. عين عضواً في هيئة كبار العلماء وإماماً وخطيباً لجامع الإمام تركي بن عبد الله بالرياض. كلف خطيباً ليوم عرفة بدءاً من موسم حج 1402هـ - 1982م حتى عام 1436هـ - 2015م.

7 - الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس

إمام وخطيب المسجد الحرام ورئيس الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي، حاصل على درجة الدكتوراة في أصول الفقه. عمل أستاذاً في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة أم القرى، ورئيساً عاماً لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي. كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج 1437هـ - 2016م.

8 - الشيخ سعد بن ناصر الشثري

المستشار في الديوان الملكي وعضو هيئة كبار العلماء، حاصل على درجة الدكتوراة في أصول الفقه. عمل أستاذاً مشاركاً بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ودرّس في عدد من الجامعات. كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج 1438هـ - 2017م.

9 - الشيخ حسين بن عبد العزيز آل الشيخ

إمام وخطيب المسجد النبوي، حاصل على درجة الدكتوراة في الفقه. عمل قاضياً في محاكم نجران والرياض والمدينة المنورة، ومدرساً في المسجد النبوي والجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية. كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج 1439هـ - 2018م.

10 - الشيخ محمد بن حسن آل الشيخ

عضو هيئة كبار العلماء. حاصل على الماجستير من المعهد العالي للقضاء، تولى عدداً من المناصب، منها رئيس المجلس العلمي لمجمع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز للحديث النبوي، ورئيس مجلس الأوقاف الفرعي بمنطقة الرياض. كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج 1440هـ - 2019م.

11 - الشيخ عبد الله بن سليمان المنيع

المستشار في الديوان الملكي وعضو هيئة كبار العلماء منذ تأسيسها عام 1391هـ - 1971م. درس على عدد من العلماء، وتخرج في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. تدرج في السلك القضائي ووصل لأعلى درجاته (رئيس محكمة تمييز). كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج 1441هـ - 2020م.

12 - الشيخ بندر بن عبد العزيز بليلة

إمام وخطيب المسجد الحرام، حاصل على درجة الدكتوراة في الفقه. يعمل أستاذاً مساعداً في كلية الشريعة والأنظمة بجامعة الطائف، كما أنه عضو في هيئة كبار العلماء. كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج 1442هـ - 2021م.

13 - الشيخ محمد بن عبد الكريم العيسى

الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، حاصل على شهادة الدكتوراة في الدراسات القضائية المقارنة، وهو عضو في هيئة كبار العلماء. عمل وزيراً للعدل ورئيساً للمجلس الأعلى للقضاء. كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج 1443هـ - 2022م.

14 - الشيخ يوسف بن محمد بن سعيد

نائب وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد وعضو هيئة كبار العلماء، حاصل على درجة الدكتوراة في العقيدة. عمل أستاذاً ورئيساً لقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة في كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج 1444هـ - 2023م.

15 - الشيخ ماهر بن حمد المعيقلي

إمام وخطيب المسجد الحرام، حاصل على درجة الدكتوراة في الفقه. يعمل أستاذاً مشاركاً في كلية الدراسات القضائية بجامعة أم القرى. تولى إمامة المصلين في صلاتي التراويح والتهجد بالمسجد النبوي. كلف خطيباً ليوم عرفة هذا العام 1445هـ - 2024م.

 

من كان خطيب عرفة بداية عهد الملك سعود؟

  

هناك لبس يتداول حول شخصية خطيب عرفة خلال السنوات (1371 إلى 1376هـ - 1952 إلى 1957م)، ولإيضاح ذلك حاولنا مراجعة المصادر التي تحدثت عن خطباء عرفة في العهد السعودي، ووجدنا أن هناك اختلافاً وتغييراً للمعلومات حول خطيب عرفة خلال تلك السنوات الست.

بعضهم يقول إنه الشيخ عبد الله بن حسن، وآخرون يذهبون إلى أنه ابنه الشيخ محمد، وفريق يرى أنه ابنه الآخر الشيخ عبد العزيز، ووجدنا في هذا التحقيق أن هذه الآراء في مجملها لا تستند إلى معلومات موثقة أو استنتاجات علمية، لكنها مع شديد الأسف تتداول في منصات وقنوات رسمية بشكل واسع.

 ومما يسترعي الانتباه أن بعض الجهات تتبنى رأياً في سنة من السنوات، ثم تغيره في سنة أخرى، دون إيضاح سبب التغيير ودون الإحالة لمصدر.

 وحيث إن هناك 3 أسماء تتداول كخطيب لعرفة خلال تلك السنوات، فسنحاول توضيح بعض التفاصيل حولها، والنتيجة التي وصلنا إليها. بالنسبة للشيخ محمد بن عبد الله، المؤكد أنه خطب عاماً واحداً 1370هـ - 1951م، ونشرت ذلك صحيفة «أم القرى»، وسبب خطبته ذلك العام هو ظروف والده الشيخ عبد الله الصحية التي لم تمكنه من إمامة المصلين حينها، كما أن أخيه الشيخ عبد العزيز كان للتوّ منهياً دراسته في الأزهر، ووفقاً لما أورده السيد أحمد علي الكاظمي أن الشيخ عبد العزيز عيّن «خطيباً وإماماً للحرم، وكأنه لم يرغب في أول الأمر، وأراد أن يستقيل، أو قدم الاستقالة بالفعل، ثم قبل بالوظيفة».

ولا نعلم عن أسباب ذلك، لكننا نرى أن اعتذار الشيخ عبد العزيز هو سبب تكليف الشيخ محمد بإمامة عرفة، حيث لم تشر المصادر إلى أن الشيخ محمد خطب أو أمَّ في المسجد الحرام أو في عرفه قبل أو بعد ذلك.

أما الشيخ عبد العزيز فعند عودته من مصر صدر الأمر بتعيينه إماماً وخطيباً للمسجد الحرام، وكانت خطبته الأولى بعد تعيينه رسمياً يوم الجمعة 25 محرم 1371هـ - 26 أكتوبر 1951م، وهذا متسق مع ما أورده الكاظمي.

منذ ذلك التاريخ بدأ مسيرة حافلة مع الإمامة والخطابة في المسجد الحرام وعلى صعيد عرفة. أما الشيخ عبد الله فتجاوز عمره خلال تلك السنوات 84 عاماً، وهذه نقطة لم يتنبه لها من يؤكدون أنه خطب في عرفة خلال موسم 1371هـ - 1952م وما بعده.

 وبتتبع ظروف الشيخ عبد الله الصحية، يقول ابنه الشيخ حسن: «ولما ضعف بصره استبدل بقراءته قارئاً يصحبه أينما كان، وكثيراً ما تشرفت بالقراءة عليه». ويقول الأستاذ مصطفى عطار: «وقد خفف عنه ارتقاء المنابر ابنه الشيخ عبد العزيز في السنوات الأخيرة».

من كل هذا، يتضح أن الشيخ عبد الله لم تكن صحته تساعده على القيام بأعباء الإمامة والخطابة خلال تلك السنوات، ولم نعثر في المصادر المتوافرة أنه خطب في المسجد الحرام خلال تلك السنوات، بل إنه عندما توفي الملك عبد العزيز، أقيمت صلاة الغائب عليه في المسجد الحرام، بحضور الملك سعود يوم الجمعة 6 ربيع الأول 1373هـ - 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 1953م، وأمّ المصلين الشيخ عبد العزيز الذي خطب خطبة مؤثرة، ولو كان الشيخ عبد الله قادراً على الإمامة لما تأخر حينذاك.

الأمر الآخر أنه منذ دخول مكة تحت حكم الملك عبد العزيز جرى العرف أن الإمام والخطيب الرسمي للمسجد الحرام هو الذي يكلف بخطابة عرفة، وهذا ما كان مع الشيخ محمد بن عبد اللطيف، ثم الشيخ عبد الله بن حسن، وحينما عجز، عُين الشيخ عبد العزيز إماماً وخطيباً رسمياً، وعلى ذلك يكون الشيخ عبد العزيز هو خطيب عرفة خلال تلك السنوات المختلف عليها (1371 إلى 1376هـ - 1952 إلى 1957م).   

الشعراوي خطيباً ليوم عرفة!

الشيخ محمد الشعراوي

من المعلومات الأخرى غير الدقيقة التي تتداول على نطاق واسع؛ أن الشيخ محمد متولي الشعراوي ألقى خطبة عرفة عام 1396هـ - 1976م، والحقيقة أن ذلك كان تعليقاً للتلفزيون السعودي على البثّ المباشر من عرفات، وفقاً لما ذكره الدكتور عبد الرحمن الشبيلي.

ويفتح هذا التحقيق باباً مهماً بأن تُولى هذه الجوانب التوثيقية ما تستحقه من عناية من قبل الجامعات ومراكز البحوث المعنية بالتاريخ، وأن يوجه الدارسون والباحثون للتنقيب في زواياها من خلال رسائل وأطروحات علمية، حفظاً لتاريخنا من الاجتهادات والتأويلات.

لقد وضع الملك عبد العزيز أسساً وقواعد لخدمة السعوديين للحرمين الشريفين، سار عليها أبناؤه من بعده واجتهدوا في تطويرها ابتغاءً لمرضاة الله وخدمة لضيوف الرحمن واستشعاراً لمسؤولياتهم التاريخية.

النزاعات المذهبية في الحج

مما يحمد للدولة السعودية أنهم أبعدوا الحج عن النزاعات المذهبية والخلافات العقدية والصراعات السياسية، وفرضوا الأمن الشامل ليتمكن الحاج من أداء نسكه بيسر وطمأنينة. كل ذلك دون تمييز فيما يقدم من خدمات وتسهيلات بين مسلم وآخر ودون البحث عن مكاسب دنيوية. ويكفي المسلمين ما هم فيه من خلاف وتشتت، كما يكفي الحج ما مرّ به من مآسٍ وفواجع تئن منها كتب التاريخ، كل ذلك بسبب استغلال الحج في إثارة النزاعات وتحويله ساحة للصراعات. كانت الحكومة السعودية حازمة وحاسمة ووقفت في وجه كل المحاولات لاستغلال الحج لأغراض سياسية أو لتمرير الأجندات الحركية، صيانة لقدسية المكان وتعظيماً لشعائر الله.

خادم الحرمين الشريفين

لقد تشرف ملوك المملكة العربية السعودية بحمل لقب خادم الحرمين الشريفين منذ عهد المؤسس، واتُخذ لقباً رسمياً بدل جلالة الملك منذ عهد الملك فهد، حتى اليوم، وكانوا أهلاً له، كما برهنوا أنهم أحق به. وستبقى مآثرهم  شاهدة على ما بذلوه من عطاءات لا محدودة وما قدموه من عناية لا ممنونة لخدمة الحرمين الشريفين ورعاية قاصديهما، ومفخرة من مفاخر المملكة العربية السعودية.

نجاح حج هذا العام 2024

يأتي نجاح موسم حج هذا العام ليثبت للعالم ما يوليه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان من عناية ورعاية لتقديم أفضل الخدمات وتسخير كافة الموارد واستنفار كافة الأجهزة والمؤسسات واستخدام أفضل التقنيات لإدارة الحج.

وهنا يجب أن نستذكر أن البناء المؤسسي للهياكل الإدارية للدولة بدأ متزامناً مع أول حج  في عهد الملك عبد العزيز، وكأنما تزامن البناء التنظيمي للدولة مع البناء التنظيمي للحج، وهذه مفارقة تاريخية ليس لها مثيل.

 من هنا، علينا أن ندرك أن علاقة المملكة العربية السعودية بالحرمين الشريفين ليست في بعدها الجغرافي أو التاريخي فقط، حيث إنها علاقة وجودية تزامنت فيها تطورات خدمة الحرمين ورعاية قاصديهما مع تطورات بناء الدولة وبناء الإنسان.

 لكن الملمح الأهم أن هذه التطورات غير مسبوقة ولا نظير لها في التاريخ، لا من ناحية توسعات وعمارة الحرمين وخدمة ضيوف الرحمن، ولا من ناحية تطور البناء المؤسسي للدولة خلال زمن قصير بمقياس عمر الأمم، ناهيك عن الشعور الممتد بهذه المسؤولية لدى كل السعوديين أفراداً ومؤسسات.

ولمعرفة أبعاد العلاقة السعودية بالحرمين الشريفين، نجد في  المادتين: المادة الرابعة والعشرين من النظام الأساسي للحكم: «تقوم الدولة بإعمار الحرمين الشريفين وخدمتهما، وتوفر الأمن والرعاية لقاصديهما، بما يمكن من أداء الحج والعمرة والزيارة بيسر وطمأنينة».

خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز يطل من شرفة زجاجية بالقصر الملكي في مشعر منى خلال الإشراف على راحة وأمن وتنقلات الحجاج

والمادة الثالثة والثلاثين منه: «تنشئ الدولة القوات المسلحة وتجهزها من أجل الدفاع عن العقيدة والحرمين الشريفين والمجتمع والوطن». هذا مع التطبيق والتنفيذ الفعلي على أرض الواقع. من هنا كانت هذه العلاقة المتجذرة والممتدة والمتفوقة على كل ما سبقها نموذجاً متفرداً ومتميزاً عبر التاريخ بكل زواياها وأبعادها، خاصة أنها تنطلق من دوافع دينية وقيمية، ولا يريد السعوديون من ورائها جزاءً ولا شكوراً.


مقالات ذات صلة

«رشقات» إيران وإسرائيل أغلقت الممرات الجوية السورية وأربكت عودة الحجاج

المشرق العربي مزارعان سوريان بجانب صاروخ إيراني سقط بأرض زراعية في نجها بريف دمشق بعد أن اعترضته أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية يوم 8 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

«رشقات» إيران وإسرائيل أغلقت الممرات الجوية السورية وأربكت عودة الحجاج

أعلنت إدارة الحج والعمرة بوزارة الأوقاف السورية إعادة جدولة رحلتين مخصصتين لعودة الحجاج، الاثنين، وتحديد وجهتهما إلى «مطار الملكة علياء الدولي» في الأردن...

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
الخليج تتيح البوابات الإلكترونية في المطارات إنهاء إجراءات مغادرة ضيوف الرحمن «ذاتياً» (واس)

السعودية تتيح للحجاج إنهاء إجراءات مغادرتهم لبلدانهم «ذاتياً»

تتيح تقنية البوابات الإلكترونية (E-gates) في المطارات، إنهاء إجراءات مغادرة ضيوف الرحمن «ذاتياً» من خلال مطابقة البيانات الحيوية في ثوانٍ معدودة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان (واس)

خادم الحرمين: الجهود المتميزة أسهمت في نجاح «الحج» رغم ظروف المنطقة

أعرب خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، عن سروره بحرص وتفاني الجميع في نيل شرف خدمة ضيوف الرحمن.

«الشرق الأوسط» (جدة)
خاص حجاج إيرانيون خلال أداء مناسك الحج هذا العام (السفارة الإيرانية) p-circle

خاص عنايتي لـ«الشرق الأوسط»: بدء عودة 30 ألف حاج إيراني من السعودية جواً

قال السفير الإيراني لدى السعودية الدكتور علي رضا عنايتي إن نحو 30 ألف حاج وحاجة من إيران أدوا مناسك الحج هذا العام، وحظوا بحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج فهد الجلاجل خلال اطمئنانه على صحة أحد الحجاج ضمن جولاته لمتابعة أعمال المستشفيات والمراكز الصحية في المشاعر المقدسة (الصحة السعودية)

إشادة أممية بنجاح السعودية في حماية الصحة العالمية خلال موسم الحج

أشادت منظمات دولية وعالمية، بالجاهزية الصحية المتقدمة التي وفرتها السعودية لضيوف الرحمن خلال أدائهم مناسك الحج ونجاحها الاستثنائي بإدارة أكبر التجمعات البشرية.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)

الخان الأحمر... الخيمة الأخيرة في معركة «القدس الكبرى»

TT

الخان الأحمر... الخيمة الأخيرة في معركة «القدس الكبرى»

مساكن فلسطينية في «الخان الأحمر» قرب أريحا بالضفة الغربية المحتلة في مايو 2026 (رويترز)
مساكن فلسطينية في «الخان الأحمر» قرب أريحا بالضفة الغربية المحتلة في مايو 2026 (رويترز)

في الطريق إلى التجمع البدوي الفقير «الخان الأحمر»، في قلب الضفة الغربية، تحتل مستوطنة «معاليه أدوميم» الإسرائيلية الفاخرة، مساحة واسعة وعالية ومطلة، لم تعد تكتفي بها حكومة اليمين المتطرف اليوم، التي تخطط لضم الكل (المعالي والخان وما حولهما) للقدس، ضمن مشروع «E1» المثير للجدل، والذي يهدف من بين أشياء أخرى إلى تحقيق حلم القدس الكبرى، الخطوة الأهم في خطة تغيير وجه الضفة الغربية، عبر شقها بحزام استيطاني، يعزز حضور المستوطنين والمستوطنات في دولة المستوطنين الجديدة، وينهي حلم الدولة الفلسطينية القابلة للتواصل، ويعزل القدس، العاصمة المرجوة، عنها.

لم يواجه أي أحد في الضفة الغربية أوامر وتهديدات بالهدم أكثر من سكان الخان الأحمر الذي يجد نفسه اليوم في معركة أكبر منه، وقد خاضوا خلال سنوات طويلة جداً معارك قانونية عدة، واشتباكات على الأرض، متمسكين بأرضهم وخيامهم، وواثقين من الانتصار، ثقة لم يبددها سوى الهجوم الإسرائيلي الشرس والشامل على كل ما هو فلسطيني، منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول).

تجمع «الخان الأحمر» في قلب الضفة الغربية (المركز الإسرائيلي غير الحكومي للمعلومات عن حقوق الإنسان - بتسيلم)

«الوضع غير»

كانت أجواء التوتر حاضرة في الخان بعد أيام من قرار سموتريتش، ولم يجد رئيس المجلس البدوي عيد الجهالين (أبو خميس) إجابات واضحة لمئات من المكالمات والرسائل وأسئلة الصحافيين والنشطاء الذين حضر بعضهم إلى المنطقة في محاولة لتوثيق ما يدور داخل وحول الخيام المؤقتة والمنشآت، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه لا يعرف ماذا سيحدث بالضبط.

كان أبو خميس الذي يتحدث لغات عدة بينها الإنجليزية والعبرية، يجهد من أجل إيصال رسالة واحدة بأن هدم هذا المكان البسيط والفقير، سيفتح الباب أمام المخطط الأخطر في الضفة «القدس الكبرى».

في خيمته المتواضعة من بين خيام أخرى يوجد كثير من الخرائط ودلة قهوة وعدد من الصحافيين والزوار والمتضامنين وبعثات أجنبية، وهو وضع قد اعتاد عليه مع كل تهديد إسرائيلي بهدم الخان، لكنه هذه المرة قلق أكثر من أي وقت مضى.

قال أبو خميس: «الوضع هذه المرة مختلف تماماً وخطير جداً... في عام 2018، كان الكل الفلسطيني معنا؛ كانت الحكومة والمجتمع المدني يبيتون هنا، كان عندي 5000 واحد. وكان الضغط الدولي حاضراً بقوة، وكانت قضيتنا تتصدر أجندة الشرق الأوسط. اليوم، الوضع غير».

وأوضح مخاوفه أن «إسرائيل بعد 7 أكتوبر تغولت وتحول الضفة إلى دولة مستوطنين. هذه حرب دولة ضدنا وليس مشكلة أفراد. في الضفة صار عنا ألف خان أحمر، قتل، وتهجير، وحرق يلتهم كل أنحاء الضفة الغربية، والجهد الفلسطيني مشتت. دولياً أيضا هناك حرب غزة، والحرب في لبنان، وحرب هرمز، العالم مشغول ومشتت كذلك. الحكومات تغيرت في أميركا وإسرائيل وأماكن أخرى. وأوضح أن الاحتلال يرى أن هذا هو الوقت المناسب».

وبالنسبة لأبو خميس فإن قرار سموتريتش الأخير «وُضع للتنفيذ الفعلي ولن يمنعه إلا ضغط دولي حقيقي».

وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش يحمل لوحة لمشروع استيطاني خلال مؤتمر صحافي قرب مستوطنة معاليه أدوميم بالضفة (أرشيفية - أ.ب)

أمر إخلاء وحرب معلنة

كان سموتريتش الذي يقود ما يعرفونه في إسرائيل بثورة لتغيير الوضع القائم في الضفة الغربية، وقّع الشهر الماضي، على أمر إخلاء «الخان الأحمر»، في «بداية حرب» أعلنها ضد السلطة الفلسطينية، التي اتهمها بأنها تقف خلف أمر اعتقال سري ضده أصدرته المحكمة الجنائية الدولية، التي كانت نفت الأمر في وقت سابق.

وقال سموتريتش في مؤتمر صحافي عقده منذ نحو 10 أيام، على خلفية التقارير التي تفيد بأن المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي أصدرت طلباً سرياً لإصدار مذكرة اعتقال بحقه: «الأيدي هي أيدي لاهاي، لكن الصوت هو صوت السلطة الفلسطينية؛ التنظيم الإرهابي الذي يُسمى خطأً بالسلطة الفلسطينية».

وادعى سموتريتش أن إصدار مذكرات اعتقال ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، وضده هو «إعلان حرب». وأردف قائلاً: «أمام إعلان الحرب سنرد بحرب شعواء. أنا لست يهودياً خاضعاً، لا. والسلطة الفلسطينية بدأت حرباً وستحصل على حرب. من اليوم، أي هدف اقتصادي أو غيره يقع ضمن صلاحياتي بصفتي وزيراً للمالية ووزيرا في وزارة الدفاع ويمكنني الإضرار به، سيتم مهاجمته. لن تكون هناك أقوال وشعارات، بل أفعال».

وأضاف: «أعلن هنا عن الهدف الأول. فور انتهائي من الحديث هنا سأوقع على أمر لإخلاء (خان الأحمر) بموجب صلاحياتي كوزير في وزارة الدفاع. أعد جميع أعدائنا: هذه ليست سوى البداية».

وفوراً وقع سموتريتش قرار إخلاء الخان الأحمر، وطلب في قراره «اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة» لهدمه.

لقطة عامة تُظهر مستوطنة أفرات الإسرائيلية في تجمع غوش عتصيون بينما تظهر مدينة بيت لحم في الخلفية بالضفة الغربية (رويترز)

لا يمكن اعتبار قرار هدم الخان إلا جزءاً من حملة يقودها سموتريتش منذ سنوات ضد الفلسطينيين، في الضفة الغربية شملت السيطرة على أراض واسعة وتغيير قوانين متعلقة بالسيطرة والملكيات وإجراءات تسجيل الأراضي وحيازة العقارات، وحتى في الصلاحيات المتعلقة بإنفاذ القانون، إلى جانب عمله الدؤوب على إضعاف وتفكيك السلطة الفلسطينية، وتحويل الضفة إلى دولة مستوطنين عبر دفع مخططات استيطانية كبيرة وإطلاق يد المستوطنين في المنطقة.

لكن أهمية الخان الأحمر استثنائية؛ لأنه يشكل عقبة رئيسية لتنفيذ مشروع «إي 1» الاستيطاني الضخم الذي يقوم على تشبيك مخيف لمجموعة من المستوطنات الإسرائيلية الضخمة المحيطة، مع القدس، مشكلة القدس الكبرى.

ستربط الخطة مدينة القدس بمستوطنة «معاليه أدوميم» الضخمة وسط الضفة، بطريقة قالت منظمة «بتسليم» الإسرائيلية إنها تهدد بشدة إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقبلية، وتعزز دولة فصل عنصري ثنائية القومية.

وقال المركز الوطني للمعلومات إنه إضافة إلى الهدف المعلن تاريخياً، عبر ربط مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس وإخراج الأحياء الفلسطينية من مجال تطوّرها الطبيعي، يُخدم المخطط في بعد أوسع رؤية «القدس الكبرى» بمساحة تقارب 600كم² (نحو 10 في المائة من الضفة)، عبر أحزمة طرق ومناطق صناعية وأحياء جديدة.

ويعتمد التنفيذ على مشروع طريق «نسيج الحياة» الاستيطاني ومسارات بديلة لفصل حركة الفلسطينيين عن وسط الضفة، وربط المناطق الفلسطينية القريبة عبر ممرات محكومة في أنفاق.

صورة لمستوطنة بسغات زئيف الإسرائيلية (يسار) التي بنيت في ضاحية من ضواحي القدس الشرقية ذات الأغلبية العربية خلف جدار الفصل الإسرائيلي في 16 فبراير الماضي (أ.ف.ب)

خطة قديمة متجددة

منذ 2009، تسعى إسرائيل لهدم المكان، لكنها واجهت في كل مرة اقتربت فيها من الأمر عاصفة من الردود والانتقادات الفلسطينية والعربية والدولية، حتى تحول الخان إلى رمز للصراع، فتجنبت هدمه على الرغم من أن المحكمة الإسرائيلية أعطت الضوء الأخضر لذلك.

وفي كل مرة تطلب المحكمة تفسيراً حول عدم هدمه على الرغم من صدور قرار قضائي بذلك، تقدم الحكومة الإسرائيلية تفسيراً مختلفاً لعدم إخلاء المجمع السكني.

وقالت «يديعوت أحرونوت» إن إخلاء الخان الأحمر، الذي تحول إلى رمز عالمي، أصبح مصدر صداع دبلوماسي للحكومة بسبب الرأي العام الدولي.

وحتى هذه المرة، دعا 85 عضواً في مجلس النواب الأميركي إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى استخدام جميع الأدوات الدبلوماسية المتاحة لوقف مشروع البناء الاستعماري الإسرائيلي المسمىE1، محذرين من أن تنفيذ المشروع سيؤدي إلى فرض واقع دائم على الأرض ويقوض فرص التوصل إلى حل الدولتين.

وجاءت الدعوة في رسالة وجهها النواب إلى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.

وأوضح الموقعون أن منطقة E1 الممتدة على مساحة نحو 12 كيلومتراً مربعاً شرق القدس، تُعد من أكثر المناطق حساسية في الضفة الغربية؛ نظراً لأن البناء الاستيطاني فيها سيؤدي إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، ويعزز التواصل الجغرافي بين القدس ومستعمرة «معاليه أدوميم»، بما يرسخ السيطرة الإسرائيلية على منطقة استراتيجية في قلب الضفة الغربية.

كما لفتوا إلى إجراءات إسرائيلية أخرى مرتبطة بالمشروع، من بينها خطط لشق ما يُعرف بـ«طريق السيادة»، إلى جانب خطوات تستهدف التجمع البدوي في الخان الأحمر، معتبرين أن هذه الإجراءات تشكل جزءاً من عملية متسارعة تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض يصعب التراجع عنها مستقبلاً.

شرطيان إسرائيليان يقفان في منطقة «إي 1» قرب مستوطنة «معاليه أدوميم» خارج القدس في الضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

من وجهة نظر النواب، فإن تنفيذ مشروع E1 الاستيطاني سيقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، داعين وزارة الخارجية الأميركية إلى إبلاغ الحكومة الإسرائيلية بشكل واضح بأن المضي في المشروع يتعارض مع المواقف الأميركية المعلنة بشأن مستقبل الضفة الغربية.

وقبلهم، دعا أكثر من 400 وزير وسفير ومسؤول أوروبي في رسالة مفتوحة لقادة الاتحاد الأوروبي، إلى «التحرك الآن» ضد «الضم غير القانوني» الذي تقوم به إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة من خلال مشروع E1 الذي تخطط بموجبه لبناء آلاف المنازل.

وكتب الموقعون الـ448، ومن بينهم نائب رئيس المفوضية الأوروبية السابق جوزيب بوريل ورئيس الوزراء البلجيكي السابق غي فيرهوفشتات، أنه «يجب على الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، بالتعاون مع شركائهم، اتخاذ خطوات فورية لردع إسرائيل عن مواصلة ضمها غير القانوني لأراض فلسطينية في الضفة الغربية».

وقال الموقعون إن «الاتحاد الأوروبي، كحد أدنى، يجب أن يفرض عقوبات محددة الأهداف، بما فيها حظر التأشيرات وحظر ممارسة النشاطات التجارية في الاتحاد الأوروبي، ضد جميع الأشخاص المتورطين في عمليات الاستيطان غير القانونية، ولا سيما أولئك الذين يروجون ويشاركون في مناقصات وينفذون الخطة المتعلقة بمنطقة E1».

وجاءت هذه الدعوات بعدما أخذت إسرائيل خطوة أخرى عملية باتجاه البدء في إقامة المخطط عبر إخطار رسمي بهدم 50 منشأة ومحلاً تجارياً، في بلدة العيزرية، جنوب شرقي القدس المحتلة، تقع ضمن المخطط الاستيطاني.

وهذه المواقف الدولية المتكررة هي التي تعقد هدم الخان حالياً.

جدار الفصل الإسرائيلي يظهر في صورة التُقطت من قرية الرام في الضفة الغربية على مشارف القدس في 16 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

قد لا يكون قرار الهدم بيد سموتريتش وحده، وفق «يديعوت»؛ إذ يعود إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتنسيق مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس والجيش الإسرائيلي، وسيستلزم مصادقة صريحة من «الكابينت» نظراً لتداعياته التي قد تعقد الأمور بالنسبة لإسرائيل وقد تورّطها سياسياً، وقد يؤدي إلى فرض عقوبات شديدة جداً عليها من جانب الاتحاد الأوروبي.

لكن مئير دويتش، المدير العام لحركة «ريغافيم» التي أسسها سموتريتش، والتي قدمت التماساً إلى المحكمة العليا بشأن الموضوع قبل أشهر، قال: «إن الوضع مختلف الآن ويوجد فرصة».

وأضاف: «خلال العامين الماضيين، اتخذت الحكومة الإسرائيلية قرارات غير مسبوقة وتاريخية في سبيل ضمان مستقبل دولة إسرائيل. والآن، أكثر من أي وقت مضى، حان الوقت لتطبيق القانون ضد المعتدين في هذا المجال، وبالتالي إحباط مخطط السلطة الفلسطينية للاستيلاء على هذا الموقع المهم كجزء من إقامة دولة إرهابية في قلب البلاد».

وتفهم السلطة الفلسطينية أكثر من غيرها هذا الوضع، وفي سنوات سابقة عندما كان الوضع مختلفاً إلى حد كبير، هددت السلطة بإلغاء الاتفاقيات إذا مضت إسرائيل بمشروع «إي 1»؛ لأنه يقتل الدولة الفلسطينية، ونظمت حملات ضخمة للتموضع في المكان، بخلاف ما يحدث الآن.

إسرائيل توسع الاستيطان في الضفة الغربية

أهمية جيوسياسية

قال المحامي حسن مليحات، المشرف العام لمنظمة «البيدر» للدفاع عن حقوق البدو، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما يجب فهمه هو أن الخان الأحمر يشكل منطقة ذات أهمية جيوسياسية بالغة؛ إذ يقع شمال شرقي القدس المحتلة، وتحديداً على الطريق الحيوي الواصل بين مدينتي القدس وأريحا»، مضيفاً أن «الخطورة الفائقة لهذه المنطقة تكمن في وقوعها ضمن مخطط (E1) الاستيطاني، وهو المشروع الأشد خطورة الذي يستهدف القضية الفلسطينية والضفة الغربية في تاريخ الصراع».

وأضاف مليحات أن «خطورة المشروع تكمن أيضاً في أنه يشكل القدس الكبرى عبر السيطرة على 12 ألف دونم في قلب الضفة الغربية، ويعمل على خلق حالة من التواصل الجغرافي المستمر بين القدس ومستوطنة «معاليه أدوميم» وصولاً إلى البحر الميت، وهو التطبيق الفعلي لمشروع «القدس الكبرى».

بالنسبة لمليحات، ثمة نتائج أخرى كارثية للمشروع؛ لأنه «يعيد هندسة التركيبة السكانية في هذه المناطق عبر طرد الفلسطينيين وإحلال المستوطنين مكانهم، ويقسم الضفة الغربية إلى قسمين منفصلين (شمال وجنوب): مما يعني استحالة قيام أي كيان أو دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً، كما أن نجاح الاحتلال في هذه المنطقة سيشكل نقطة انطلاق للاستفراد بباقي الضفة».

وتابع: «هذا مشروع خطير وضخم، والخان الأحمر هو العقبة الأكبر».

سموتريتش (في الوسط) يسير عبر «مستوطنة ياتسيف» التي تم تقنينها حديثاً المتاخمة لبلدة بيت ساحور الفلسطينية في الضفة الغربية - 19 يناير 2026 (أ.ب)

الخان في قلب القدس الكبرى

لكن ليس الخان الأحمر وحده، إذ يعتقد مليحات أن الهجوم على الخان جزء من هجوم أوسع على البدو الفلسطينيين. وإذا كانت إسرائيل لم تهدم الخان حتى الآن، فقد رحلت فعلاً أكثر من 88 تجمعاً بدوياً في الضفة.

وقال مليحات إنه منذ عام 2019، وتحديداً بعد إعلان «صفقة القرن»، تصاعدت وتيرة استهداف البدو، واشتدت الهجمة الشرسة عليهم بشكل غير مسبوق بعد أحداث أكتوبر.

وأضاف: «تستهدف هذه الحرب الوجود البدوي في كافة مناطق وجيوب المنطقة ج (C)، وبشكل خاص في وسط الضفة شرق القدس بسبب مخطط E1 وفي أريحا والأغوار نظراً لأبعادها الحدودية والأمنية».

واضطرت عشرات العائلات فعلاً لمغادرة أماكن سكنها في الأغوار الفلسطينية بعد عدة هجمات من قبل الجيش والمستوطنين، في مشهد متكرر وصفه مليحات بأنه يمثل نكبة مستمرة.

وكان لافتاً أن البدو اضطروا لمواجهة مصيرهم وحيدين في معركة أكبر منهم، وهو الوضع الذي أشار إليه جهالين في الخان الأحمر.

علم إسرائيلي رفع في مستوطنة جديدة أُنشئت خلف تجمع سكني فلسطيني قرب رام الله بالضفة الغربية (رويترز)

«وحيدون في المعركة»

يهتم أبو خميس بأمر نحو 300 بدوي في الخان، يعيشون في المكان الذي يضم مدرسة ومسجداً وعيادة صحية، وهذه تستقبل الكثير من البدو من خارج التجمع من أجل الدراسة أو العلاج.

كان أبو خميس ينظر إلى المدرسة البسيطة بينما يلعب الأطفال هناك ويلهون في محاولة لسرقة فسحة من الفرح، ويسألون الكثير من الأسئلة حول ما إذا كانوا الإسرائيليون سيهجمون على المكان فعلاً. وقال أبو خميس: «نحن وحيدون في هذه المعركة».

وأضاف: «الحرب اليوم مركزة وموجّهة ضد البدو تحديداً، وهي نتاج لتبعات اتفاقية أوسلو وتقسيم الأراضي إلى مناطق (أ، ب، ج). تشكل (المنطقة ج) نحو 62 في المائة من مساحة الضفة الغربية، ومَن الموجود فيها؟ البدو».

وتابع: «مشكلة الخان أنه يقع في قلب مشروع (القدس الكبرى) من العيزرية حتى حدود البحر الميت، ولا توجد في هذه المساحة الشاسعة أي قرية أو مخيم فلسطيني سوى الخان الأحمر».

يفهم أبو خميس المسألة جيداً، ويشرح قائلاً: «إذا تم اقتلاعنا من هنا، فسيربط الاحتلال مستوطنات (معاليه أدوميم)، «كفار أدوميم»، «ميشور أدوميم»، ومستوطنة «ألون»، ليشكل حزاماً استيطانياً يطبق على البوابة الشرقية لمدينة القدس ويغلقها بالكامل، ومن ثم يقطع أوصال الضفة الغربية ويفصل شمالها عن جنوبها. القدس اليوم تُحاصر بكتلة استيطانية ضخمة، والخان الأحمر يقع في قلب هذا المشروع الاستيطاني الأخطر منذ قيام الاحتلال وحتى يومنا هذا».

وهذا الإدراك موجود عند كل سكان الخان وحتى الأطفال بينهم.

كان الطفل علي قد أنهى دوامه المدرسي للتو حين ذهب يطمئن على مواشي عائلته. قال علي لـ«الشرق الأوسط» إنهم يهاجموننا بين الفترة والأخرى ويشتموننا ويهددوننا».

جنود إسرائيليون ومستوطنون يمنعون فلسطينيين من الوصول إلى حقولهم الزراعية في قرية ترقوميا بالضفة الغربية (د.ب.أ)

لم يوافق علي الصغير على تبديل مكان سكنه وقال إنه يحب المكان ولن يهاجر: «مش راح نطلع... لو هدموا البيوت مش راح نطلع، عادي خليهم يهدّوا بس مش راح نطلع، بدنا نضل هان، هاي الأرض إلنا ومش راح نطلع منها».

ويمثل علي الجيل الخامس الذي ولد في الخان الأحمر منذ وصل إليه سكانه في الخمسينات مهجرين من تل عراد في النقب.

وقال الشيخ محمد أبو داهوك (56 عاماً)، وهو من مواليد الخان الأحمر، لـ«الشرق الأوسط»: «جدي وأبوي كانوا هنا. وأنا مواليد هنا، والآن أولادي وأحفادي ولدوا هنا».

ولا ينوي أبو داهوك ترك المكان رغم أنه يتوقع منهم هدمه في أي لحظة.

وقال: «نتوقع منهم كل شيء، اليوم في كل مكان الدم شغال لكن لو هدموا، هنا باقون في الشمس، قاعدين (جالسين) لو هدموا ما في مكان نروح عليه، وين نروح؟ ما في مكان نروح له، بنظل قاعدين في الشمس».

ومثل غيره، يرفض أبو داهوك فكرة الانتقال إلى ما تسميه إسرائيل «منطقة لائقة»، ويقول: «أعطونا تراخيص هنا. إحنا أصحاب الأرض. وهذه أرضنا وأرضنا غالية علينا... ومش طالعين لأي مكان آخر شو ما كان».

وإلى جانب المعارك القانونية الكثيرة في السابق، قدم سكان الخان الأحمر وتجمعات عرب الجهالين اعتراضاً على مخطط يهدف إلى تركيز التجمعات البدوية في «مجمع حضري مُخطط». وجاء في الاعتراض، الذي قُدم بواسطة جمعية «بمكوم» الإسرائيلية أن هذا المخطط لا يتناسب مع نمط حياة التجمعات، وأنه قد يؤدي إلى إخلاء قسري من الحيز الذي يعيشون فيه منذ عقود.

وقال المهندس المعماري ألون كوهين ليفشيتس في «بمكوم» لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، هذا «مخطط اقتلاع تحت غطاء التخطيط»، مؤكداً أنه جزء من سياسة أوسع لصياغة حيز في شرقي القدس والضفة الغربية».

في أثناء ذلك، كانت ملحمة الخان الأحمر مستمرة، ويستمر جهالين في استقبال مسؤولين أوروبيين ومحليين ونشطاء، ويتلقى الكثير من الاتصالات، ويعقد اجتماعات «زووم» مع مؤسسات ونشطاء في الخارج، والتقى من بين آخرين رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى في مكتبه ووعده، بدوره، بدعم صمود السكان.

لكن شيئاً من ذلك لم يكن جديداً عليه. وقال: «صراعنا ليس جديداً. إنه مستمر منذ 1967 منذ أعلنت إسرائيل المنطقة «منطقة عسكرية مغلقة»، وكانوا يطلقون النار لترهيبهم، قبل أن يتفاجأوا لاحقاً بأن تلك «الأراضي العسكرية» قد تحولت إلى مستوطنات كبيرة بينها «معاليه أدوميم» و«كفار أدوميم».

بدو فلسطينيون يجمعون أمتعتهم قبل نزوحهم القسري من منطقة العوجا قرب أريحا بالضفة الغربية عقب أعمال عنف نفذها المستوطنون الإسرائيليون يناير الماضي (رويترز)

وأكد جهالين مكرراً ما قاله عدة مرات: «إنها دولة مستوطنين وهذه المرة مختلفة عن سابقاتها».

لكن أيضاً، ورغم أن كل شيء تغير بعد السابع من أكتوبر، فإن عقلية البدو لم تتغير؛ وقالها أبو خميس بالحرف: «أنا بدوي وقضيت 60 في المائة من عمري في الشمس ما بضرني إذا ظليت 100 في المائة بالشمس... سأكون هنا أو في أقرب نقطة ممكنة للخان. وإن بقيت معلقاً بين السماء والأرض. فلن أرحل».


هل غيّرت مسيّرات «حزب الله» قواعد الاشتباك مع إسرائيل؟

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

هل غيّرت مسيّرات «حزب الله» قواعد الاشتباك مع إسرائيل؟

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

حطمت «حرب الإسناد» التي خاضها «حزب الله» اللبناني دعماً لحركة «حماس»، أواخر عام 2023، نظرية «الردع» التي تمسك بها الحزب المدعوم من إيران لنحو عقدين من الزمن، وروّج لها في مواجهة عدوه التقليدي، إسرائيل، التي ساهمت بدورها في بناء هذه «الفرضية» التي ثبت في العام التالي أنها كانت خاطئة تماماً، ثم أتت الجولة الجديدة من الحرب في عام 2026، بمثابة الفرصة للطرفين لتثبيت قواعد جديدة للحرب.

إسرائيل... هدوء ومكر

لم تندفع الدولة العبرية إلى الحرب مع «حزب الله» مباشرة، بعد إطلاقه موجة من الهجمات «الاستعراضية»، التي بدأت بصواريخ استهدفت أطراف مواقع جيشها في مزارع شبعا. في المقابل، كانت تأخذ المواجهة نحو بُعد آخر، بهدوء لافت وكثير من المكر. هذا المكر تبدى في مساعٍ دبلوماسية قامت بها تل أبيب عبر واشنطن، لإقناع الحزب بفك المسار اللبناني عن الفلسطيني، حتى إن الموفد الأميركي، آموس هوكستين، بادر قادة لبنانيين، في يوليو (تموز) 2024، بالقول إنه مستعد لأن يمنح أمين عام الحزب، حسن نصر الله، انتصاراً، إذا ما أوقف الحزب عملياته.

رفض نصر الله العرض الأميركي فوراً.

قال لمن أبلغوه به إن المطلوب أولاً وقف الحرب في غزة، وبعدها... لكل حادث حديث.

صورة تجمع نصر الله وصفي الدين في المدينة الرياضية ببيروت خلال تشييعهما في شهر فبراير الماضي (رويترز)

لم يكن هذا الخطأ الأول في التقدير من قبل الحزب؛ فمعالم الحرب الجديدة التي تدور في قرى الحدود اللبنانية سريعاً ما كشفت تفوقاً تكنولوجياً وعسكرياً لصالح إسرائيل. وكان مسؤول كبير في الحزب أفصح عن أن مقاتليه في السابق كانوا يطلقون الصاروخ ويجمعون أغراضهم بهدوء بعد إبلاغ القيادة بنجاح الإطلاق، ثم يغادرون الموقع قبل وصول الطائرات الإسرائيلية.

أما في المواجهة الجديدة، فهامش الضربة يتراوح بين 5 و20 ثانية فقط. وبالتالي، يضيف المسؤول أن المقاتلين كانوا يحفرون الأرض ويقفزون فيها فور إطلاق الصاروخ على أمل النجاة، فبات كل إطلاق بمثابة «عملية استشهادية».

لاحقاً، أتت الإشارة التالية على التفوق الإسرائيلي بشكل أوضح؛ فالإسرائيليون نفذوا اغتيالات دقيقة لقيادات الحزب العسكرية، توَّجوها بغارة أطاحت بمعظم قادة «الرضوان»، فرقة النخبة لدى الحزب، قبل أن يقتلوا قائده العسكري، ثم يطلقون الحرب بعملية «البيجر» التي أخرجت الآلاف من عناصر الحزب من الخدمة بكبسة زر، ليغتالوا نصر الله بغارة عنيفة في ضاحية بيروت الجنوبية، ثم يغتالوا خليفته هاشم صفي الدين.

انفجار أجهزة البايجر أدّى إلى تصاعد الحرب (أ.ف.ب)

أدوات القتال

تشير أدوات القتال التي يتبعها الطرفان إلى أنهما استعدَّا لمعركة طويلة، تقوم على حرب استنزاف، ولا تحسم المعركة، بحسب ما تقول مصادر ميدانية؛ فمنذ الأسبوع الأول لاتفاق وقف إطلاق النار، تراجع «حزب الله» عن استخدام الصواريخ، وخفف من كثافة المسيرات الانتحارية التي يطلقها، كما تراجع عن استخدام الصواريخ الموجهة التي غالباً ما كان يطلقها لاستهداف المدرعات والدبابات لسهولة كشف مُطلِقها، وأدخل المحلقات الانقضاضية (FPV)، التي يجري تسييرها وتطييرها على مسافة تتراوح بين 10 و15 كيلومتراً في الجنوب، عبر تقنية الألياف الضوئية التي توصل المسيرة بجهاز التحكم، عبر سلك دقيق مربوط بين قاعدة التحكم مع الرامي وجسم المحلّقة الحامل للقذيفة، وذلك يتخطى التشويش الإلكتروني.

الجيش الإسرائيلي يطلق قذائف موجهة باتجاه جنوب لبنان من موقع بالجليل الأعلى شمال إسرائيل مارس الماضي (أ.ف.ب)

«حزب الله» 2026... «حرب المحلقات»

حاول «حزب الله» استعادة زمام المبادرة في الفصل الجديد من المواجهة الذي اندلع في مارس (آذار) الماضي، بالتحديد في موعد الحرب، لتتزامن مع الحرب على إيران. إسرائيل بعثت برسالة تقول إنها غير معنية بحرب مع لبنان، ما دام الحزب لا يتدخل. طمأن الحزب المسؤولين في بيروت بأنه لن يبادر إلى الحرب، لكنه فاجأ الجميع بصواريخ أُطلِقت باتجاه الشمال الإسرائيلي، لكن رد الفعل الإسرائيلي أتاه عنيفاً وشرساً.

خلافاً للصورة الأولى التي ظهر بها الحزب؛ بإطلاقه ستة صواريخ بدائية، كان في المواجهة التي اندلعت بعدها أكثر تنظيماً وقوة، كاشفاً عن أسرار لم يُبَح بها خلال 15 شهراً من توقف القتال. بلغت عملياته اليومية ضد الإسرائيليين نحو 100 عملية يومياً، كما قدم أسلحة جديدة نوعية إلى ساحة المعركة. استراتيجية القتال على الأرض اختلفت، ولم يعد يعتمد الدفاع الثابت، ولم يحاول إيقاف التقدم الإسرائيلي، بل سعى لإلحاق القدر الأكبر من الأذى بالقوى المتقدمة.

جنديان إسرائيليان يشغلان طائرة مسيرة (الجيش الإسرائيلي)

تراجع الصواريخ وصعود المسيّرات

لم تعد الصواريخ وحدها تختصر مشهد المواجهة الدائرة بين إسرائيل و«حزب الله»؛ فبعد أشهر من القتال المتواصل الذي اندلع في ربيع 2026، برز تحول لافت في طبيعة العمليات العسكرية، تمثل في صعود المسيّرات الهجومية والانتحارية إلى واجهة المعركة، لتصبح أحد أبرز العوامل المؤثرة في مسار العمليات على جانبي الحدود.

فعلى مدى سنوات، ارتبطت صورة «حزب الله» العسكرية بترسانته الصاروخية الكبيرة التي شكَّلت مصدر القلق الرئيسي لإسرائيل. لكن الحرب الحالية أظهرت أن الحزب لم يعد يعتمد حصراً على الصواريخ، بل انتقل إلى توظيف واسع النطاق للمسيّرات بمختلف أنواعها. وبحسب تقديرات إسرائيلية، فإن نسبة كبيرة من الهجمات التي نفذها الحزب خلال الأسابيع الأخيرة اعتمدت على المسيّرات الهجومية والانتحارية، في وقت تراجعت فيه أهمية الصواريخ التقليدية نسبياً مقارنة بالمراحل السابقة من الصراع.

ويرى باحثون إسرائيليون أن هذا التحول يعكس تأثراً واضحاً بالتجارب العسكرية الحديثة، لا سيما الحرب في أوكرانيا؛ حيث أثبتت المسيّرات الصغيرة منخفضة التكلفة قدرتها على إلحاق خسائر كبيرة بقوات تمتلك تفوقاً جوياً وتقنياً.

صورة ملتقطة من فيديو وزّعه «حزب الله» يظهر مسيرة انتحارية تتجه إلى هدف إسرائيلي على الحدود مع لبنان (متداول)

وبحسب التقارير الإسرائيلية والأبحاث العسكرية المنشورة منذ اندلاع الحرب الحالية في مارس 2026، فإن السلاح الأبرز لدى «حزب الله» لم يعد الصواريخ وحدها، بل المسيّرات الهجومية والانتحارية التي أصبحت تشكل التهديد الرئيسي للقوات الإسرائيلية في جنوب لبنان. أبرز هذه الأسلحة كان المسيّرات الانتحارية «FPV» التي تعمل بكابل رفيع من الألياف الضوئية جعلها عصية على التشويش الإلكتروني، كما أن حجمها الصغير وتحليقها المنخفض المتعرج يشكل تحدياً إضافياً لرادارات إسرائيل وأنظمة دفاعها الجوي.

تحمل هذه المسيرات في المقابل، حشوات صغيرة الحجم لا تتجاوز الخمسة كيلوغرامات. ويقول مصدر أمني لبناني لـ«الشرق الأوسط» إن الحزب اعتمد ثلاثة أنواع من الحشوات المتفجرة، تبعاً للهدف المقصود. وما إذا كان الهدف دبابة، أو آلية عادية، أو أفراداً. ويقول ضباط إسرائيليون سابقون إن التهديد الذي تمثله هذه المسيّرات لا يقتصر على إصابة أهداف عسكرية ثابتة، بل يشمل أيضاً ملاحقة القوات المتحركة واستهداف الدبابات والآليات ومراكز القيادة الميدانية، ما يجعلها عاملاً ضاغطاً على الوحدات البرية المنتشرة داخل جنوب لبنان. ولا توجد أرقام رسمية نهائية بشأن عدد المسيّرات الانتحارية التي استخدمها الحزب منذ بداية الحرب، إلا أن تقديرات إسرائيلية غير رسمية تتحدث عن مئات عمليات الإطلاق، وربما أكثر من ألف عملية خلال الأشهر الأخيرة.

مراسم تشييع جندي إسرائيلي قُتل بنيران «حزب الله» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وقالت إسرائيل أخيراً إن «حزب الله» أطلق ما يزيد على 120 محلقة من هذا النوع، كما بث الحزب عشرات المقاطع التي تظهر استهداف المحلقة لآليات ومدرعات وأجهزة إلكترونية وأفراد في الميدان. وقالت إسرائيل إن عمليات حزب الله أسفرت عن مقتل 20 جندياً، وإصابة العشرات منذ تاريخ انخراط الحزب بالقتال في 2 مارس الماضي.

إضافة إلى ذلك، أعلن «حزب الله» عن تفجير عبوات ناسفة بآليات إسرائيلية في العمق، كما أعلن عن التصدي لمحاولات توغل إسرائيلي بالأسلحة الرشاشة المتوسطة والخفيفة، إضافة إلى القذائف الصاروخية، أي «آر بي جي».

صواريخ مضادة للدروع

الصواريخ المضادة للدروع لا تزال تشكل العمود الفقري للقتال البري للحزب، وقد استخدمت ضد الدبابات والآليات والتحصينات الإسرائيلية. ومن أبرز الأنظمة التي تشير إليها المصادر الإسرائيلية الصواريخ من عائلة: «الماسّ» المشتقة من «سبايك» الإسرائيلي، التي نسختها إيران بعد سيطرة مقاتلي الحزب على صاروخ إسرائيلي في حرب عام 2006 وفقاً لأسلوب الهندسة العكسية، إضافةً إلى منظومات كورنيت الروسية وغيرها.

أما السلاح الثالث، فهو الصواريخ والقذائف القصيرة والمتوسطة المدى التي استخدمت بكثافة لاستهداف المواقع العسكرية والتجمعات والقواعد في الجليل وشمال إسرائيل. لكن نسبة استخدامها تراجعت مقارنة بالمسيّرات خلال مراحل عديدة من حرب 2026.

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

مسيّرات استطلاعية وهجومية

تحل في المرتبة الرابعة المسيرات الاستطلاعية والهجومية، وهي ليست كلها انتحارية؛ فبعضها يُستخدم للاستطلاع وتصحيح النيران وتحديد الأهداف. وبعضها يحمل ذخائر صغيرة ويعود إلى قاعدته بعد المهمة.

وتحدثت مصادر إسرائيلية عن استخدام محدود لصواريخ مضادة للطائرات ونيران دفاع جوي ضد الطائرات الإسرائيلية.

لكنها ليست السلاح الحاسم في المعركة الحالية مقارنةً بالمسيّرات والصواريخ المضادة للدروع.

تطوير أساليب القتال لا أدواته فقط

طوَّرت إسرائيل أساليب القتال التي كانت تعتمد على الزج بالمدرعات بتغطية جوية، للتخفيف من الخسائر، والتحرك بخفة أكبر. وتقول مصادر أمنية لبنانية إن الجيش الإسرائيلي اعتمد أسلوب المجموعات الخاصة الصغيرة التي تتحرك على الطرقات غير المعبَّدة لتجنب العبوات والاستهداف، ثم تتراجع مع أول بوادر مقاومة ليتدخل الطيران الحربي، مستهدفاً مصادر النار المعادية.

صورة تجمع لقطات من الفضاء لقرية يارون الحدودية مع إسرائيل قبل وبعد تدميرها (أ.ف.ب)

وبالنسبة لإسرائيل، وإلى جانب الغارات الجوية الثقيلة التي تنفذها المقاتلات الحربية، والصواريخ التي تطلقها المسيرات، غالباً ما تكون للاستهدافات الدقيقة ولملاحقة الأفراد على متن السيارات والدراجات النارية، أدخل الجيش الإسرائيلي سلاحين إلى المعركة، ظهر أولهما، وهو المحلقات الانقضاضية أيضاً، في مقاطع فيديو لاستهداف دراجات نارية أو أفراد في الميدان. كما يستخدم بكثافة قذائف المدفعية الموجهة من عيار 155 ملم وعيار 240 ملم، بحسب ما تقول مصادر ميدانية في جنوب لبنان، وذلك لاستهداف قرى بعيدة عن الحدود. وتضيف المصادر أن القذائف التي تطلقها المدفعية: «موجهة بالليزر، مما يمنحها الدقة، فضلاً عن أن أعيرتها تدفعها إلى مسافات أطول تصل إلى 30 كيلومتراً داخل الحدود».

جندية فرنسية من قوات حفظ السلام «يونيفيل» على تلة تطل على كفركلا وهي قرية حدودية لبنانية مع إسرائيل جنوب لبنان يوم 20 أغسطس 2025 (أ.ب)

وبحسب ما أعلنته إسرائيل وما رصدته مراكز أبحاث عسكرية خلال حرب 2026، فإن الطائرات من دون طيار كانت أكثر الأسلحة والأنظمة التي استخدمها الجيش الإسرائيلي في لبنان، والتي تمتلك الدولة العبرية منها شبكة فعالة تغطي الميدان والخطوط الخلفية، وفي مقدمتها طائرات «هيرمس 900» و«هيرمس 450» كما مسيّرات استطلاع صغيرة من عائلة «Skylark». وقد استخدمت للاستطلاع، تحديد الأهداف، توجيه النيران، وتنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف متحركة وثابتة.

ذخائر دقيقة وصواريخ موجهة

واستعملت إسرائيل أيضا صواريخ بعيدة المدى من عائلة «Spike NLOS»، كما استخدمت ذخائر جوية موجهة تُطلق من الطائرات والمسيّرات ضد مراكز القيادة ومنصات الإطلاق.

وتحل الدبابات والقوات المدرعة في صلب العمليات البرية داخل جنوب لبنان، كما تعرض عدد منها لهجمات بالمسيّرات والصواريخ المضادة للدروع، بالإضافة إلى المدفعية والصواريخ الأرضية وراجمات صواريخ بعيدة المدى. ومدفعية ذاتية الحركة لقصف أهداف داخل العمق اللبناني. كما استخدمت صواريخ أرض - أرض دقيقة ضد أهداف محددة مسبقاً.

جندية إسرائيلية تشغّل طائرات مسيّرة (موقع الجيش الإسرائيلي)

أنظمة الدفاع الجوّي

وتمتلك إسرائيل أنظمة دفاع جوي مهمة، أبرزها منظومة القبة الحديدية و«مقلاع داود» ومنظومة «آرو». لكن التقارير الإسرائيلية نفسها أقرَّت بأن هذه الأنظمة واجهت صعوبة أمام المسيّرات الانتحارية الصغيرة التي استخدمها «حزب الله»، خصوصاً المسيّرات الموجهة بالألياف الضوئية.

وأعلنت وسائل إعلام إسرائيلية، في وقت سابق، أن الجيش أدخل مدفع «روعم» إلى الخدمة في جنوب لبنان، وهو منظومة مدفعية من عيار 155 ملم صُنع في إسرائيل، ويمتاز بسهولة التحرك لأنه مدفوع بعجلات، مع تلقيم آلي للقذائف، ويشغله طاقم من ثلاثة أفراد بدلاً من سبعة، مع مدى رمي قد يصل إلى 40 كيلومتراً؛ وتقنيات قيادة وسيطرة متقدمة.

قلعة الشقيف ذات الموقع الاستراتيجي وقد لحقها دمار جراء القصف الإسرائيلي عليها في مايو الماضي (أ.ب)

قواعد الاشتباك

حاول «حزب الله» منذ دخول الهدنة حيز التنفيذ، فرض قواعد اشتباك تحصر مساحة القتال في المنطقة المحتلة، عبر تحييده للمستوطنات والبلدات الإسرائيلية في الشمال، لكن الجيش الإسرائيلي كان يوسع ساحة القتال تدريجياً إلى تخوم صيدا، عبر الغارات الجوية والقصف المتواصل.

ويرى العميد المتقاعد سعيد قزح، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «حزب الله» يحاول، منذ وقف إطلاق النار، فرض معادلة ميدانية جديدة مع إسرائيل، تقوم على مبدأ «أن تضرب إسرائيل فيُرد عليها، إلا أن تل أبيب لا تزال ترفض الاعتراف بهذه المعادلة أو التعامل معها باعتبارها قواعد اشتباك متبادلة».

ويوضح قزح أن توصيف ما يجري بـ«قواعد اشتباك» ليس دقيقاً بالكامل «لأن هذا المصطلح يُستخدم عادة بين جيشين نظاميين أو ضمن إطار عسكري واضح»، مضيفاً أن الحزب «يحاول عملياً تكريس قواعد لعبة جديدة، مفادها أن أي استهداف إسرائيلي سيقابله رد، سواء عبر استهداف مواقع إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية المحتلة أو عبر إطلاق صواريخ باتجاه الداخل الإسرائيلي».

وأشار إلى أن «(حزب الله) نفّذ خلال الفترة الماضية عمليات ضد مواقع إسرائيلية داخل المنطقة الحدودية، بعضها تم بواسطة المسيّرات، وبعضها الآخر عبر محاولات تسلل أو عمليات مباشرة»، لافتاً إلى أن «إطلاق الصواريخ نحو الداخل الإسرائيلي تراجع في الأيام الأخيرة، كما أن جزءاً كبيراً منها جرى اعتراضه بسبب محدودية الأعداد المستخدمة».

عائلة نازحة في طريق عودتها إلى الجنوب محملة بالأغراض وعلى السيارة صورة مجتبى خامنئي (د.ب.أ)

ويرى قزح أن الحزب «يسعى من خلال هذه العمليات إلى تثبيت مشروعية استمرار سلاحه، تحت عنوان مقاومة الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية»، لكنه أضاف أن الحزب «يتجنَّب في الوقت نفسه الدخول في نقاش الأسباب التي أوصلت الأمور إلى هذا المستوى من التصعيد والاحتلال».

وعن مدى نجاح الحزب في فرض هذه المعادلة، يقول قزح إن «المؤشرات الحالية تدل على أن إسرائيل هي التي لا تزال تفرض قواعد اللعبة الميدانية»، موضحاً أن الجيش الإسرائيلي «لا يكتفي بالتحرك داخل المنطقة العازلة أو ما يُعرف بـ(الخط الأصفر)، بل يواصل تنفيذ عمليات وتجريف واستهدافات تمتد إلى قرى تقع شمال هذا الخط؛ ما يعني أنه يرفض عملياً مبدأ التوازن الذي يحاول الحزب فرضه».


المسيّرات مقابل الغارات... كيف تبدّلت معادلة الردع بين إسرائيل و«حزب الله»؟

كرة نار تتصاعد من مبنى في مدينة صور جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)
كرة نار تتصاعد من مبنى في مدينة صور جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

المسيّرات مقابل الغارات... كيف تبدّلت معادلة الردع بين إسرائيل و«حزب الله»؟

كرة نار تتصاعد من مبنى في مدينة صور جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)
كرة نار تتصاعد من مبنى في مدينة صور جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)

تتقدّم إسرائيل بالنار والإنذارات والتوغلات المحدودة، فيما يردّ «حزب الله» بالمسيّرات والاشتباكات المباشرة في محاور متقدمة شمال الليطاني. لكن خلف هذا التصعيد المتبادل، تبدو معادلة الردع التي حكمت الحدود طوال السنوات التي أعقبت حرب 2006 أمام اختبار غير مسبوق، مع اتساع رقعة العمليات ووصولها إلى مناطق كانت تُعد حتى وقت قريب خارج دائرة الخطر المباشر.

فالغارات التي باتت تلامس الزهراني، والاشتباكات الدائرة في محيط زوطر الشرقية، والتقدّم الإسرائيلي التدريجي نحو تخوم النبطية، كلها مؤشرات، وفق تقديرات عسكرية لبنانية، على أن المواجهة دخلت مرحلة مختلفة، لم تعد فيها المسيّرات قادرة وحدها على فرض توازن ردع، فيما تعتمد إسرائيل سياسة ضغط ميداني متصاعد هدفها تغيير الوقائع على الأرض قبل أي تسوية أو تفاوض محتمل.

المسيّرات لا تصنع ردعاً

في السياق، اعتبر رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد د. هشام جابر أن المسيّرات التي يستخدمها «حزب الله» لا تحقق ردعاً فعلياً في مواجهة التوسع المستمر في الغارات والعمليات الإسرائيلية، قائلاً: «المسيّرات لا تشكّل ردعاً. قد تُربك إسرائيل وتكبّدها خسائر، لكنها لا تمنعها من متابعة عملياتها العسكرية».

ورأى جابر أن استمرار إسرائيل في الغارات والتوغلات البرية يعني أن معادلة الردع لم تعد قائمة، مضيفاً: «لو كان الردع موجوداً لما كانت إسرائيل تواصل عملياتها بهذا الشكل. ما نراه اليوم أن إسرائيل تغيّر تكتيكاتها وتتابع تقدّمها رغم الخسائر التي تتكبدها في الجنوب».

تصاعُد الدخان من بلدات جنوب لبنان بعد غارات إسرائيلية كما بدا من مدينة النبطية (رويترز)

كما ربط أيضاً بين هذا المسار الميداني وتراجع الردع الذي كان قائماً بعد حرب عام 2006، معتبراً أن «الردع الذي استمر من 2006 إلى 2023 كان فعلياً موجوداً»، لكنه رأى أن دخول «حزب الله» في حرب استنزاف منذ فتح جبهة الإسناد المرتبطة بغزة أدى إلى سقوط هذه المعادلة. وقال: «منذ دخول (حزب الله) في حرب الإسناد عام 2023، اكتشفت إسرائيل الحقيقة العسكرية للحزب، ومنذ تلك اللحظة بدأ الردع يزول». وحذر جابر من أن الهدف الإسرائيلي لا يقتصر على زوطر أو محيطها، بل قد يتوسع وصولاً إلى جنوب الزهراني، قائلاً: «أخشى ما أخشاه أن نكون أمام مرحلة لا تكتفي بجنوب الليطاني، بل تمتد إلى جنوب الزهراني».

سياسة تفريغ واستنزاف طويل

وأشار جابر إلى أن سياسة الإنذارات والإخلاءات التي تعتمدها إسرائيل تهدف إلى تفريغ المناطق من سكانها، موضحاً: «كلما أخلت إسرائيل منطقة من سكانها، باتت قادرة على ضرب أي حركة داخلها. عندها يصبح أي شخص يتحرك بسيارة أو دراجة هدفاً محتملاً».

وأضاف: «أخشى ما أخشاه أن يكون جنوب لبنان قد دخل فعلاً في حرب استنزاف طويلة، لأن المؤشرات الميدانية الحالية لا توحي بوجود أفق سريع لوقف هذا التصعيد أو العودة إلى قواعد الاشتباك السابقة».

وفي قراءته للمشهد الميداني والسياسي، رأى جابر «أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لن يوقف الحرب على لبنان في الوقت الراهن مهما تكبّد من خسائر»، لافتاً إلى أن إسرائيل «لم تحقق حتى الآن أياً من أهدافها العسكرية أو السياسية المعلنة».

وأضاف أن «تل أبيب لم تتمكن من نزع سلاح (حزب الله)، كما لم تستطع فرض الشروط التي تريدها على لبنان».

وأشار جابر إلى أن المعطيات الحالية تدل على أن «الأمور لن تعود كما كانت في السابق»، معتبراً أن الحرب دخلت مرحلة مختلفة ستنعكس على واقع الجنوب اللبناني والتوازنات القائمة فيه.

وفيما يتعلق بـ«حزب الله»، رأى جابر أن الحزب أيضاً «لا يستطيع وقف الحرب في منتصفها، في ظل تعقيدات الميدان وتشابك الحسابات الإقليمية والدولية».

لا وجود لتوازن ردع

بدوره، رأى العميد المتقاعد خليل الحلو أن «المسيّرات التي يستخدمها (حزب الله) لا تنجح في فرض توازن ردع مقابل الغارات الإسرائيلية المكثفة»، مؤكداً أن «إسرائيل تُوقع أضراراً وخسائر أكبر بكثير مما تتلقاه».

رجل يتفقد الأضرار في موقع غارة إسرائيلية بمدينة صور جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأوضح الحلو أن «المسيّرات المرتبطة بالألياف البصرية (FPV) تعاني من محدودية تقنية تتعلق بالمدى والحمولة»، قائلاً: «مدى هذه المسيّرات يتراوح عملياً بين 3 و15 كيلومتراً، وقد يصل إلى نحو 20 كيلومتراً كحد منطقي، لأن الكابل الذي يربط المسيّرة يضيف وزناً عليها ويؤثر على قدرتها التشغيلية». معتبراً «أن الحديث عن استخدامها لمسافات تصل إلى 60 كيلومتراً غير واقعي عسكرياً».

وأشار إلى أن «(حزب الله) يستخدم هذه المسيّرات لاستهداف القوات الإسرائيلية داخل المنطقة العازلة التي أنشأتها إسرائيل، والتي تمتد لنحو 10 كيلومترات، لكن ذلك لم يغيّر في الواقع الميداني».

وقال: «إذا نظرنا إلى الخريطة نرى أن الإسرائيليين باتوا قريبين جداً من النبطية، فيما تتوسع الغارات والإنذارات والإخلاءات حتى شمال الزهراني، وهذا بحد ذاته دليل على غياب توازن الردع».

وأضاف الحلو أن «(حزب الله) يحاول تحقيق إصابات وتأثير ميداني عبر المسيّرات، لكن ما يحصل على الأرض يُظهر أن إسرائيل تُنزل بالحزب وبلبنان أضراراً أكبر بكثير».

عاجل ترمب: السفن بدأت في التحرك خارج مضيق هرمز وكثير منها محمل بالنفط