لأكثر من 100 عام... نجاحات سعودية في إدارة الحج

بدأت بتأمين الملك عبد العزيز للحجاج حتى عهد الملك سلمان بخدمات متكاملة

TT

لأكثر من 100 عام... نجاحات سعودية في إدارة الحج

لأكثر من 100 عام... نجاحات سعودية في إدارة الحج

السعوديون والحج قصة ممتدة وتاريخ متأصل وإنجازات غير مسبوقة، منذ أول حج تحت حكم المؤسس الملك عبد العزيز حتى اليوم... إنه شرف عظيم، لكنه مسؤولية كبرى. بدأت قصته بعد أسابيع من دخول الملك المؤسس مكة المكرمة (جمادى الأولى 1343هـ - ديسمبر - كانون الأول 1924م).

الملك عبد العزيز خلال تأدية الحج في سنوات عهده الزاهرة

الملك عبد العزيز يوجه نداء للمسلمين

أصدر الملك عبد العزيز نداءً عاماً إلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، أعلن فيه ترحيبه بحجاج بيت الله الحرام من الأقطار كافة، مؤكداً تكفله براحتهم وتوفير الأمن لهم وحفظ حقوقهم وتسهيل وصولهم إلى مكة من موانئ رابغ والقنفذة والليث، لأن جدة كانت محاصرة من قبل جيشه، والأوضاع لم تكن قد استقرت بعد في الديار المقدسة.

وجاء في ذلك النداء، الذي وجّهه الملك عبد العزيز: «إننا نرحب ونبتهج بقدوم وفود حجاج بيت الله الحرام من كافة المسلمين في موسم هذه السنة ونتكفل بحول الله بتأمين راحتهم والمحافظة على جميع حقوقهم وتسهيل أمر سفرهم إلى مكة المكرمة من أحد الموانئ التي ينزلون إليها، وهي: رابغ أو الليث أو القنفدة، وقد أُحكم فيها النظام واستتب الأمن استتباباً تاماً منذ دخلتها جيوشنا. وسنتخذ من التدابير في هذه المراكز جميع الوسائل التي تكفل تأمين راحة الحجاج إن شاء الله تعالى».

الملك عبد العزيز يفتح المجال للأعمال الخيرية

تضمن النداء إعلاناً، هذا نصه: «أعلن لكافة إخواننا المسلمين أنه لم يبق أثر للمشاكل والعراقيل التي كانت تضعها الحكومة السابقة ضد المشاريع الخيرية والاقتصادية، وأن أبواب الحجاز مفتوحة لجميع من يريد القيام بأي عمل خيرى أو اقتصادي، وأن الحكومة المحلية مستعدة للقيام بجميع التسهيلات الممكنة لتنشيط من يريد القيام بهذه المشاريع الخيرية والاقتصادية».

الملك عبد العزيز خارجاً من المسجد الحرام على ظهر جواده بعد ضمّه مكة المكرمة إلى حكمه

تحديات الحج قبل العهد السعودي

النداء صدر باسم سلطان نجد عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل السعود، يوم 1 شعبان 1343هـ - 25 فبراير (شباط) 1925م، إذ لم يكن قد بويع بعد ملكاً على الحجاز، فكيف تم تنظيم أول موسم حج في عهد الملك عبد العزيز؟ وما هي الظروف التي أدى فيها الحجاج شعائرهم؟ وما الخدمات التي توفرت؟ ثم ما الفرق الجوهري الذي حصل في ذلك الموسم؟ وكيف اختلف تنظيم الحج في العهد السعودي عما سبقه من العهود؟ لقد كان الأمن أكبر التحديات التي تقلق الحاج، ناهيك عن الأمراض، وسوء معاملة الحجاج من قبل السلطات المحلية، ونقص الخدمات.

تؤكد الوثائق البريطانية أنه لم تكن هناك سياسات وأنظمة واضحة! وتشير إحداها إلى سخط المسلمين في بلاد البنغال على سلطات الحجاز بسبب المعاملة السيئة لحجاجهم خلال مواسم الحج السابقة لموسم سنة 1342هـ - 1924م.

كما تشير وثيقة أخرى إلى أن المسلمين الهنود يعتقدون أن ترتيبات (حكومة الحجاز) في مكة كانت سيئة جداً، وكي لا يظن أحد أن في الأمر مبالغة، نعود إلى ما أورده اللواء إبراهيم رفعت باشا، الذي حجّ عدة مرات خلال عامي 1318هـ (1901م) و1325هـ (1908م)، وكان في أحدهما أميراً للحج المصري، وسجّل مشاهداته عن مواسم الحج ومعاناة الحجاج، يقول عن حجته الأولى سنة 1318هـ (1901م): «أمر (حاكم) مكة بجمع إعانة للسكة الحديدية، وقدّر على كل حاج غير معسر ريالاً، فأخذ المطوفون يجمعونها ويوردونها (للحاكم) كل يوم». ويضيف: «كان بعض الحجاج يمتنع عن الدفع، وبعضهم دفع عن نفسه وعمن يرافقه في القافلة... وقد أمر (الحاكم) بعدم خروج أحد من الحجاج من مكة حتى تجبى الضريبة كلها. وعلى ذلك، حبس الحجاج بمكة بعد تأدية الفريضة 7 أيام، كانوا فيها على أحر من الجمر. شوقهم لزيارة الرسول (صلى الله عليه وسلم) يهيب بهم أن أسرعوا، (والحاكم) يقول: مكانكم حتى تدفعوا».

ويذكر: «بلغني أن بعضاً من حجاج المغرب شكا لدولة الوالي حبسهم بمكة، فأرسل بهم مع مندوب من قبله إلى (الحاكم) ليسمح لهم بالخروج، فلما وصلوا إليه نزل عليهم ضرباً بالعصي، وإذ ذاك انقض عليهم زبانيته أيضاً (الباوردية)، فتشتتوا مذعورين ورجعوا بخفي حنين. شكوى عادلة جوابها إهانة قاسية في بلد جعله الله حرماً آمناً (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ. وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ). (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ)». وأضاف: «لئن دام هذا الظلم لينصرفن الناس عن الحج، وتلك الطامة الكبرى ببلاد العرب، وأهلها الذين يجدون في الحجاج العيش الكفاف، بل الرزق الواسع، بل ذلك جناية على الإسلام ومعتنقيه، فإن هذا البلد واسطة التعارف بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فإذا انقطعت بينهم الأسباب، وانفصمت عروة التوادِّ كانوا كالغنم القاصية، تلتهمها الدول المستعمرة فتستغيث فلا مغيث، فليقلع الظالم عن ظلمه كيلا يعمنا الله بعذاب من عنده...».

ويضيف: «لم يسمح (الحاكم) بخروج الحجاج من مكة إلا بعد أن دفعوا جميعاً ريال الإعانة للسكة الحديدية، فلما أن صدر الإذن بالخروج، أخذ جميع الحجاج في الرحيل، وهم ألوف مؤلفة يسلكون طريقاً ضيقة، ولما بلغوا مكاناً مخصوصاً بالطريق أوقفوا حتى يدفعوا ريال الحكومة (عوائد) عن كل جمل خالٍ أو محمل». ويبين: «أخذوا يدفعون، ولكن بلغ الزحام أشده لأن المحصل شخص واحد قام بجانبه اثنان من الزبانية لا يسمحان لأحد بالمرور حتى يدفع الريال واستعملا كل غلظة وقساوة لا تصدر من الوحوش، فضلاً عن الأناسي، فضلاً عن مسلم يدين بالإسلام، وقد أصبحت الطريق التي كانت معدة لسير جملين بشقادفهما متحاذيين فيها أربعة صفوف، فدخلت الشقادف بعضها في بعض، وكاد الناس يكونون طبقات بعضهم فوق بعض، وهنالك تحطم كثير من الشقادف، وسقط بعض الراكبين من عليها، فتهشمت منهم العظام وبلغت فيهم الجراح، وفقدوا من الأمتعة، وتلف كثير منها».

ويذكر: «كنت لا تسمع إذ ذاك إلا ولولة النساء وعويل الصبيان واستغاثة الضعفاء ومنازعات الرجال، ولا شرطة هناك تحول دون ذلك، وكل هذا مغبة حبس (الحاكم) للحجاج وسوء نظام الجباية، وماذا على الحكومة لو عيّنت عدداً من المحصلين وعيّنت لكل قافلة يوماً تخرج فيه، ومعرفة القوافل من الأمور الهينة، لأن المطوفين والمتعهدين يعرفونها، وأولئك معروفون لدى الحكومة، وبذلك يسهل التحصيل وتسير القافلة بهدوء وسكينة، ويأمن الناس على نفوسهم وأمتعتهم».

قوات وآليات أمن الحج خلال الاستعراض العسكري السنوي (واس)

أمن الحجاج... أهم التحديات

لم تكن تلك المعلومات غائبة عن ذهن الملك عبد العزيز عشية دخوله مكة، فقد أدرك أن الصعوبات التي يواجهها الحجاج خصوصاً، ومشاكل الحجاز عموماً، تتمثل في «الفوضى في الإدارة وانعدام سلطة القانون ونهب الحجاج»، إضافة إلى عدم توفر الخدمات الكافية، سواء أكانت صحية أم بلدية أم غذائية أم خدمات النقل والمواصلات حتى الخدمات الإدارية.

لقد قرأ الملك المؤسس التاريخ ووعاه وأدرك أن ما بذلته الدول والحكومات المتعاقبة لخدمة الحرمين والحجاج، التي تمثلت في المشروعات العمرانية والمائية لطرق ومرافق الحج وتوسعات وعمارة الحرمين على مرّ القرون السابقة، هي جهود مقدرة ومشكورة، لكنها لم تكن كافية.

والسبب يكمن في بعد الديار المقدسة عن مراكز اتخاذ القرار، منذ خروج عاصمة الخلافة من المدينة المنورة إلى خارج الجزيرة العربية عام 36هـ -657م، وعلى مدى قرون ظلت الجزيرة العربية خارج الاهتمام المباشر من قبل عواصم القرار، ولولا وجود الحرمين الشريفين قد لا يوجد أي اهتمام أصلاً! ومع ذلك ظلت التهديدات التي تواجه الحج والحجاج مستمرة على مرّ العصور، ولم تتوفر حلول شاملة لها، وكأن الحج أشبه برحلة رعب للحاج.

رصد المؤرخ المكي تقي الدين الفاسي (توفي 832هـ - 1429م) في كتابه «شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام» التهديدات والأزمات في مواسم الحج منذ سنة 200هـ - 816م، التي تمثلت في: اضطراب الأمن والفتن والقلاقل، ونقص المواد الغذائية وغلاء الأسعار، وقلة المياه، ونهب الأموال والسرقات، والمكوس الجائرة، والأوبئة والأمراض.

هذا عدا الكوارث الأخرى كالسيول والأمطار والحرائق، إضافة إلى الخلافات العقدية والمذهبية التي تفسد الحج حيث وقف الناس بعرفة سنة 199هـ - 815م بلا إمام، وصلوا بلا خطبة، كما كان الخلاف في تحديد دخول شهر ذي الحجة، الذي ترتب عليه وقوف بعض الحجاج على صعيد عرفة يوم الاثنين، وبعضهم يوم الثلاثاء، وكان ذلك سنة 292هـ - 905م، وتكرر ذلك في أكثر من موسم.

أما الرحالة والمؤرخ المصري محمد لبيب البتنوني فيصف أمن الحجيج خلال رحلته عام 1327هـ - 1909م: «والرفقاء من الحجاج يتناوبون السهر على حراسة عفشهم، ومن يسهر منهم تراه على الدوام يصرخ بكلمات الاضطراب والانزعاج كقولهم: (شايفك، ابعد، لا تقرب) وهكذا. والحجاج يقضون حاجتهم بين رحالهم في الغالب، ومن ابتعد عنها لا بد أن يكون معه أنيس يحرسه عند اشتغاله بنفسه، وإلا فإنه لا يحرم واحداً من الأعراب ينقض عليه ويضربه في رأسه بعصا يابسة قصيرة تخمد معها أنفاسه!! وهنالك يشلحه من ملابسه أو يكتفى بقطع كمرة من حزامه أو من ذراعه».

ويضيف: «فإذا استغيبه صحابته قاموا للبحث عنه فيجدونه إما فاقداً للحياة فيوارونه التراب على حاله!! وإما فاقداً للشعور فيأخذونه ويقومون بشأنه، وقليلاً من ينجو من هذه الضربة... وقد يقطع الجمالة بعض الجمال من القافلة أثناء سيرها، ويتظاهرون بإصلاح حمولها حتى إذا ابتعدت القافلة عنهم أوقعوا بركابها، وهم يستغيثون ولا يعانون، وسلبوهم متاعهم، وكثيراً ما يجهزون عليهم، ويفرون بجمالهم إلى حيث أرادوا.

والأدهى من ذلك كله ما يهدد القافلة من خطر هجوم بعض القبائل التي في طريقها عليها، أو على الأقل وقوفهم في وجهها، فلا يدعونها تمر إلا بعد أن يأخذوا منها ما يرضيهم باسم أجرة المرور في أرضهم».

المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن

الملك عبد العزيز يتحرك لتأمين الحجاج

أدرك الملك عبد العزيز كل تلك التحديات، وتأخر في ضم الحجاز عدة سنوات مع أن حكومة الحجاز منعت حجاج سلطنة نجد من أداء الحج خلالها، وبالرغم من أن الطريق كانت ممهدة أمامه، فإن الملك المؤسس لم يشأ أن يكون ضمّه للحجاز سبباً لتدخل القوى الخارجية في شؤونه.

واتبع الملك عبد العزيز سياسة النفس الطويل، حيث أصدر عدة بيانات، وأجرى مراسلات ليبين موقفه من تصرفات حكومة الحجاز ومنعها للحجاج، وكان سوء المعاملة التي يلقاها الحجاج من مختلف الأقطار من قبل السلطات الحجازية كافياً لتأييد أي تحرك من قبله لضمّ الحجاز. لكن في هذا التحقيق، نجد أن الملك عبد العزيز لم يتأخر في خطوته بسبب ذلك فحسب، بل كان مدركاً حجم الصعوبات والمشاكل التي ينوء بها الحجاز، والتي تحتاج إلى حلول جذرية.

وبالرغم من أن ضم الحجاز كان خطوة مهمة في مشروع الملك عبد العزيز الوحدوي، فإن الهدف الأولي للملك عبد العزيز كان حماية المقدسات وتأمين الوصول لها وبسط الأمن ورفع المظالم التي أرهقت العباد، ناهيك عن تهيئة وتوفير السبل لتمكين الحجاج من أداء مناسكهم بيسر واطمئنان.

من هنا، كانت رؤية الملك عبد العزيز ترتكز على سرعة توفير الخدمات كافة للحجاج. وقبل ذلك، فرض الأمن وإرساء قواعد العدل على أسس مستمدة من الشريعة الإسلامية. استشعر الملك المؤسس تلك المسؤولية العظيمة، رغم قلة الإمكانات والموارد وعدم استقرار الأوضاع بسبب ظروف الحرب وحصار جدة، ومقاطعة بعض الدول لموسم الحج والحملات الإعلامية ضد الملك عبد العزيز.

تنظيم أول حج في العهد السعودي

نجح الملك عبد العزيز في تنظيم أول موسم للحج تحت حكمه، وذلك لم يكن ليتأتى لولا توفيق الله ثم الرؤية الواضحة والخطط المحكمة في تحقيق الأمن وإقامة العدل وتحسين الخدمات.

كانت مسؤولية جسيمة ومهمة كبرى، لكن الملك عبد العزيز كان يدرك أبعادها ويتابع تفاصيلها ويشرف بنفسه على تنفيذها، وكانت التجربة الناجحة لإدارة الحج في عهد الدولة السعودية الأولى ماثلة أمامه.

مخيمات الحجاج في بداية العهد السعودي

خطط الملك عبد العزيز لنجاح الحج

سنتطرق في هذا التحقيق إلى نماذج من الخطط والإجراءات والترتيبات التي اتخذها الملك المؤسس، مع الأخذ في الاعتبار أن التنظيمات والهياكل الإدارية المتعلقة بتنظيم الحج والإشراف على شؤون الحجيج في الحجاز لم تكن كافية أو مكتملة، فكيف كانت البداية؟

من خلال تتبع المصادر وقراءة تسلسل الإجراءات والقرارات التي اتخذها الملك عبد العزيز في الأشهر الأولى لدخوله مكة المكرمة، نجد أنه استعد لإنجاح أول موسم حج تحت إدارته، ويتضح ذلك من التخطيط الدقيق والجهد الكبير الذي بذله لتذليل كل الصعوبات التي يمكن أن تعيق تنظيم حج عام 1343هـ - 1925م، وفيما يلي نماذج ولمحات عن الإجراءات والتدابير «العاجلة» التي تم اتخاذها في عدد من المجالات، مثل...

الأمن

مع إعلانه للعالم عن استتباب الأمن في الحجاز بعد أسابيع من دخوله مكة، كان الملك المؤسس قد بدأ في اتخاذ خطوات سريعة لضبط الأمن، فأعلن أنه سوف يُنزل أشد العقاب على كل من تسول له نفسه العبث بالأمن، وركز على أمن الحج والحجيج، وأرسل السرايا لتعقب المجرمين الذين يعتدون على الحجاج والقضاء عليهم. وأكد على رؤساء القبائل بعدم التعرض لقوافل الحجاج، وعدّ رئيس القبيلة مسؤولاً عن الجرائم التي تقع في حدود قبيلته، وتعهد بالاستمرار في تتبع المجرمين وقطاع الطرق وإنزال أشد العقوبات بهم، وهذا ما كان، فارتدع المجرمون.

عملت الأجهزة الحكومية منذ بدايتها على توعية الحجاج فيما يتعلق الصحة العامة والتغذية

الصحة والخدمات البلدية

منذ الأيام الأولى لوصوله مكة، كلّف الملك عبد العزيز طبيبه الخاص الدكتور محمود حمدي حمودة بإدارة الصحة العامة، وبدأ بتنظيم الأمور الصحية ونشر مقالات توعوية في الأعداد الأولى من جريدة «أم القرى»، وكانت للصحة أولوية بعد الأمن بسبب انتشار الأمراض والأوبئة. ومن الإجراءات التي اتخذت: التأكد من أسباب الوفيات، ونشر إحصائية أسبوعية عنها، والبدء في وضع التدابير الصحية قبل موسم الحج للوقاية من الأمراض، واقتراح التشكيلات الصحية المناسبة، مع التركيز على الجوانب الوقائية. وتم تجهيز عدد من المستشفيات والمراكز الصحية للعمل في موسم الحج. كما تم مراقبة بيع المأكولات والمشروبات وأفران الخبز للحرص على النظافة، وإعلان تعليمات صحية للحلاقين والقيام بجولات تفتيشية ومعاقبة المخالفين، إضافة إلى تنظيف المشاعر وحفر أماكن ذبح الأضاحي.

وصدر تقرير صحي بعد موسم الحج، أكد خلو الحج من الأمراض الوبائية وانخفاض نسبة الوفيات عن المواسم السابقة، وتضمن التقرير عدداً من التوصيات.

المياه والغذاء

وجّه الملك عبد العزيز بصيانة مجاري عين زبيدة، والتأكد من نظافتها وعدم انسداد ما يوصلها بمنابعها الأصلية في وادي نعمان، تلافياً لما وقع من عطش الحجاج في موسم الحج الماضي.

وفي بداية شهر ذي القعدة، أُعلن عن تشغيل مضخة الماء لنقل الماء إلى منى والبدء في تعبئة الخزانات ليكون الماء متوفراً للحجاج، وطلب الملك من مستشاره حافظ وهبة أن يتأكد من سير العمل في توفير المياه، وقام وهبة بتفقد آلة الضخ والخزانات في منى وعرفات، ورفع تقريراً بذلك للملك.

وقبل موسم الحج، أعلن عن اكتمال تنظيف وتطهير مجاري وأحواض المياه وملء «البازان» العمومي في منى.

واتخذ الملك عبد العزيز التدابير اللازمة لجلب الغذاء والأرزاق من سائر الجهات وفتح الأسواق، وتم توفير السلع والمواد الغذائية كالتمر واللحم والسمن والعسل والحنطة والدخن والذرة والسمسم من نجد وعسير وجازان والطائف.

كما كلّف أحد رجالاته (التاجر وقتذاك) عبد الله الفضل بالسفر منذ وقت مبكر إلى مصوع وعدن والهند لجلب البضائع والأرزاق إلى مكة، وقبل موسم الحج وصلت عدة بواخر تحمل كميات من الدقيق والسكر والشعير والكاز، وقبل ذلك وصلت قوافل من الجمال تحمل أقواتاً وأرزاقاً ومؤناً.

وتم الإعلان عن توفر السلع ومراقبة الأسعار ونشر أسعار السلع أسبوعياً، واتخاذ الإجراءات ضد التجار المحتكرين. ونشرت بعض الشركات إعلانات عن توفر المواد الغذائية بأسعار في متناول الجميع.

وسائل النقل القديمة المتمثلة في قوافل الجمال والحافلات التي تطورت عبر الزمن

النقل والمواصلات

نظراً لحصار جدة، فقد اتخذ الملك عبد العزيز قراراً باستخدام موانئ رابغ والليث والقنفذة لاستقبال الحجاج، وتم الاستعداد لذلك، واتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة.

وانتدب الموظفين للعمل في هذه الموانئ، وتأمين قوافل الجمال لنقل الحجاج إلى مكة. وفي شهر ذي القعدة 1343هـ - مايو (أيار) 1925م، أعلن عدد من التجار عزمهم تأسيس شركة سيارات لنقل الحجاج، بعد أن أدركوا حرص الملك عبد العزيز على راحة الحجاج وعنايته بكل ما له علاقة بشؤون الحج.

كما تم تنظيم البريد والاهتمام بشؤونه، كونه أهم وسائل التواصل بين الحجاج وذويهم وقتذاك. وبدأت إدارة البريد مساعيها للانضمام لاتحاد البريد العالمي ومخاطبة إدارات البريد في الدول الأخرى لإرسال الرسائل إلى ميناء القنفذة بدلاً من جدة، واتخاذ إجراءات عاجلة لإرسال الرسائل عن طريق القنفذة إلى مصوع ثم إلى وجهاتها وفتح طريق أخرى بإرسالها إلى البحرين عن طريق الرياض ثم إلى وجهاتها الخارجية، وأصدرت إدارة البريد طوابع بريدية من عدة فئات، أسمتها «تذكار الحج الأول».

الجوانب الإدارية والتنظيمية

بدأ الملك عبد العزيز في إعادة تنظيم الأوضاع الداخلية لمكة المكرمة فور دخوله، فتم تشكيل المجلس الأهلي لإدارة الشؤون الداخلية والإشراف على الدوائر الحكومية ومتابعة شؤون الحج، كما تم إعادة تنظيم وتشكيل عدد من الإدارات مثل البلدية والمالية والأوقاف والنظر في احتياجاتها. كما تم تنظيم إسكان الحجاج في مكة، وكان الملك يتابع بنفسه أدق التفاصيل، خاصة تلك المتعلقة بشؤون الحج والحجيج، ويؤكد خطابه المرسل إلى علي الناصر العماري، الذي انتدبه للإشراف على وصول الحجاج إلى ميناء رابغ، حرصه على راحة الحجاج وسلامتهم.

الخطاب الذي وجّهه الملك عبد العزيز إلى العماري وابن مبيريك

إلى جناب الأخ المكرم علي العماري، سلمه الله تعالى...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد

لا بد واصلكم مأمور التأشير على جوازات الحجاج، ومعه دفاتر طبعت خصيصاً لهذه المسألة، كما ترون «نمونتها» (عيّنتها) بطيّه، ومنها تفهمون أن القصد هو تنظيم مسألة الواردين من الحجاج ومعرفة هويتهم وتابعيتهم وعددهم وغير ذلك، مما هو معرفته ضرورية لأجل ضبط الشغل، ويوضع على الباص «تذكرة المرور» التي بيد الحجاج طابع بعشرة قروش، ويُعطى ورقة مرقمة من هذه الدفاتر.

 

ويصل إلى طرفكم معهم... ثلاثة مأمورين لأجل تعريف الحجاج عند نزولهم بما يحتاجون إليه بواسطة الترجمة والتعارف بينكم وبينهم، ولقضاء لوازمهم، وأيضاً شخص آخر مندوب من قبل جمعية المطوفين ليستشير بحرية كاملة للحجاج الأشخاص المطوفين الذين يرغبون موافقتهم بالتطويف وغيره، ولكن الحذر من استعمال أساليب غير مشروعة في انتقاء المطوفين، فنزول الحاج بالرغبة والحرية الكاملة في انتقاء المطوفين.

 

ويكون مأمور التأشير مع أنه مأمور بريد في الوقت نفسه، والترجمة، ومندوب المطوفين، تحت نظارتكم. فأنتم المسؤولون عن أعمالهم، كما أنهم مسؤولون تجاهنا في حساباتهم وتصرفاتهم.

 

ويوكل أمر الكراوي (أجرة النقل) على اختلاف أنواعها في البر والبحر لنظركم بعد الاتفاق أنت وابن مبيريك (أمير رابغ إسماعيل بن مبيريك الغانمي) وشيخ المطوفين، ولا تتخذوا أمراً إلا بعد المشاورة والاتفاق.

 

 ثم في النظر إلى بُعد الميناء عن البلد، لا بد من إنزال الحجاج إلى البر في الصباح أو المساء اتقاء ضرر الشمس، ثم يجب أن يكون مع كل عشرين جملاً خادم خاص غير الجمال، تقطعون له أجرة زهيدة من الجمّال ويكون مساعداً للجمّال أثناء الطريق.

 

ثم أن يعين مطوف الحجاج قبل وصولهم إلى مكة، بعد ترك الخيار التام كما ذكرناه أعلاه للحاج وتُمضى الورقة المتعلقة بذلك منكم ومن خادم الحكومة الترجمان ومن مندوب رئيس المطوفين وترسل الورقة إلى مكة قبل الحاج لأجل التنبيه للمطوف للقيام بوظيفته، فيجب أن يكون مع كل قافلة رجال مسلحون معينون من ابن مبيريك للمحافظة على الحجاج ومراقبة الجمالة أثناء سيرهم كي لا يسلكوا طريقاً آخر غير معروف.

 

 ثم يجب عليك وعلى ابن مبيريك حتى نزول الحجاج في البغيلة ورابغ أن تأمروا بإحضار باعة المأكل والمشارب للحجاج، ثم يجب أن تنبهوا على الجمالة والمطوفين ألا يأخذوا شيئاً من الحجاج على طريق الاختلاس والجبر غير الذي تقرر لهم، ولكن تترك مسألة السماح للحجاج بتقديم العطايا وإعطاء المنح والمكافآت وسواها بما يجودون به بسماحة خاطر. هذا ما لزم تعريفه، ودمتم محروسين.

 

عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل

 

6 ذو القعدة 1343هـ - 28 مايو 1925

الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود

تبين هذه الوثيقة (التي أعدّها مثالاً فقط) مدى التخطيط الدقيق للملك عبد العزيز فيما يتعلق بأمور الحج والحجاج والاستعداد لكل الاحتمالات ومعرفة جميع التفاصيل. والوثيقة تتحدث عن نفسها ولا تحتاج إلى شرح، لكن ما يجب إيضاحه أن ما ورد في هذه الوثيقة من تعليمات وتوجيهات وما قام به الملك عبد العزيز من تدابير لموسم حج ذلك العام لم يكن في ظروف طبيعية.

فالوضع لم يستقر بعد في الحجاز، والحرب قائمة، والحملات ضد دخوله الحجاز مستعرة، والمطالبات بمقاطعة الحج مستمرة، هذا عدا أن إمكانات الدولة حينها محدودة. وقد يبدو للقارئ أن مثل هذه الإجراءات وغيرها مما ذكرنا سهلة وممكنة، لكن يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لم تتم قبل الملك عبد العزيز آل سعود؟

الأفعال تسبق الأقوال لراحة الحجاج

إن المتمعن في سيرة الملك عبد العزيز يدرك أنه كان صاحب رسالة. تدل على ذلك أفعاله قبل أقواله، لقد قال عند تحركه لمكة: «إني مسافر إلى مكة، لا لأتسلط عليها، بل رفع المظالم والمغارم التي أرهقت كاهل عباد الله...»، وكان حريصاً على تطبيق تلك المقولة عشية دخوله مكة.

وعندما حاصر جدة، واقترب موعد الحج، بعث إلى قناصل الدول الأجنبية يخبرهم بعزمه على الحج مع بقاء بعض قواته في حصار جدة.

وأشعرهم أن الأمن في مكة والطرق المؤدية إليها وموانئ رابغ والليث والقنفذة مستتب، وقد اتخذت الاحتياطات كافة للمحافظة على سلامة الحجاج وراحتهم.

كان الهدف من ذلك الكتاب هو تطمين القناصل على رعاياهم المسلمين (أكثر الدول سكاناً من المسلمين: الهند وأندونيسيا، كانتا تحت الاستعمار البريطاني والهولندي)، وعصر يوم الأحد 30 ذو القعدة 1343هـ - 21 يونيو (حزيران) 1925م تحرك ركب الملك عبد العزيز من مقره في الوزيرية، يرافقه ابناه الأميران محمد وخالد، والشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ، فوصل إلى المسجد الحرام الساعة السادسة مساء، فطاف وصلى وسعى، ثم نزل في دار السقاف بالأبطح.

واستقر في مكة يشرف ويتابع شؤون الحج والحجيج، وأدى فريضته مع جموع الحجاج وشاهد ما وفرته لهم حكومته في المشاعر المقدسة، وهناك كثير من التفاصيل عن ذلك الموسم، لكننا سنقتصر على بعض الجوانب والملامح.   

الملك عبد العزيز خلال تأدية مناسك الحج

أوليات الحج في عهد الملك عبد العزيز

بتتبع المصادر التاريخية التي تناولت سيرة وتاريخ الملك عبد العزيز، لم نجد في أي منها أي إشارة أو معلومة عن أدائه الحج قبل عام 1925 حينما دخل مكة. وبمراجعة سياق الحوادث والوقائع منذ دخوله الرياض عام 1319هـ - 1902م، يتبين عدم إمكانية ذهابه للحج، وبذلك يتضح أن أول مرة يؤدي فيها الملك عبد العزيز مناسك الحج كانت تلك السنة.

 أول خطيب لمنبر عرفة في العهد السعودي

كان من بين أهداف الملك عبد العزيز التي أعلن عنها أن الشريعة الإسلامية هي مرجع الأحكام، وأنه حريص على وحدة كلمة المسلمين، من هنا كان حرصه على اختيار أول خطيب لمنبر عرفة في عهده، وكان الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ، وأصبح ذلك تقليداً بأن يتم تعيين خطيب عرفة من قبل ملك المملكة العربية السعودية، وسنتناول تفصيلاً تاريخ خطباء عرفة في العهد السعودي مع ترجمة مختصرة لكل منهم.

الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رؤساء وقادة الدول وكبار الشخصيات الإسلامية ورؤساء وفود الحج بالديوان الملكي في منى (واس)

أول استقبال

استقبل الملك عبد العزيز، ثاني أيام عيد الأضحى 11 ذو الحجة 1343هـ - 3 يوليو (تموز) 1925م، في السرادق المنصوب له في منى، وفد جمعية الخلافة في الهند، ووفد جمعية العلماء، ومنذ ذلك التاريخ أصبح هذا الاستقبال الملكي تقليداً سنوياً يستقبل فيه ملك المملكة العربية السعودية الزعماء والقادة وكبار الشخصيات الإسلامية الذين يؤدون فريضة الحج في منى، ثاني أيام عيد الأضحى المبارك.

أثناء تغيير كسوة الكعبة المشرفة في العهد السعودي

أول كسوة للكعبة في العهد السعودي

أعلنت الحكومة المصرية منع حجاجها من الحج، وبررت ذلك بأنه بسبب اضطراب الأوضاع في الحجاز، وامتنعت عن إرسال كسوة الكعبة ذلك العام.

 وبدأت الشائعات حول الكسوة، في محاولة لإحراج الملك عبد العزيز أمام العالم الإسلامي، نظراً لرمزية الكسوة والعادة السنوية المتبعة.

لكنه في صباح يوم العيد تم استبدال كسوة الكعبة المشرفة بكسوة جديدة، نسجت في الأحساء وفقاً لما أعلن حينه، وتجدر الإشارة أن للأحساء تاريخاً في صناعة الكسوة حيث كانت تصنع هناك في أيام الدولة السعودية الأولى.

وما زال بعض معالم «بيت الكسوة» في المبرز بالأحساء قائماً حتى اليوم. واستمر استبدال الكسوة تقليداً سنوياً خلال موسم الحج إلا أنه تغير إلى اليوم التاسع من ذي الحجة، وهذا العام تم الإعلان أنه سيتم في غرة محرم (مطلع السنة الهجرية).

صحيفة «أم القرى» في أول تغطية لها لموسم الحج عام 1925

أول تغطية إعلامية

 واكبت صحيفة «أم القرى» التغطيات الإعلامية للحج، ونشرت كثيراً من الأخبار والتفاصيل عن أول موسم في عهد الملك عبد العزيز، وكانت الصحف والإذاعات الخارجية تبثّ أخبار الحج، وكذلك الصحف والمجلات السعودية التي تأسست تباعاً.

بدايات الإذاعة السعودية التي عملت على نقل وقائع الحج للأقطار كافة

في عام 1368هـ - 1949م، انطلق بثّ الإذاعة السعودية مساء يوم عرفة 1368هـ - 2 أكتوبر (تشرين الأول) 1949م. ومنذ ذلك التاريخ، واكبت تغطيات الحج، أما التلفزيون السعودي الذي أنشئ عام 1385هـ - 1965م، فكان يبثّ أخبار الحج مسجلة حتى عام 1391هـ - 1971م، حين بدأ في بثّ بعض التغطيات. وفي عام 1394هـ - 1974م، بدأ البثّ المباشر لمناسك الحج، وتم الاستعانة بعدد من المشايخ للتعليق وإلقاء أحاديث ومواعظ يوم عرفة.

استعراض للقوات المشاركة في أمن الحج (واس)

أول استعراض عسكري

 كان من بين التدابير الذي اتخذها الملك عبد العزيز خلال ذلك العام أن يخيم حجاج سلطنة نجد في الأبطح خارج مكة، وعدد قليل منهم سكن داخل المدينة، وكان لهذا الإجراء أكثر من هدف، الأول هدف أمني للحماية من أي غارت، والثاني هدف صحي وقائي، لكي لا يكون هناك ازدحام داخل البلد فتنتشر الأمراض.

 وفي منى، أمر بنصب خيامهم بمتاخمة الجبال لحماية الحجاج من أي هجمات. كانت نسبة كبيرة من هؤلاء الحجاج من المقاتلين في جيش الملك عبد العزيز، يمثلون عدة ألوية، وكانت تحركاتهم حول مكة وفي منى تمثل استعراضاً عسكرياً لردع من يفكر في تعكير صفو الحج، وهذا ما يمكن اعتباره أول استعراض لقوات أمن الحج.

الحجاج يؤدون طواف الوداع في المسجد الحرام (واس)

أول استخدام لمكبرات الصوت

عندما ألقى الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ خطبته على منبر عرفة، بحضور الملك عبد العزيز، لم تكن قد أدخلت مكبرات الصوت بعد، واستمر الوضع كذلك حتى عام 1366هـ - 1947م.

وذكر السيد أحمد علي الكاظمي أنه في ذلك العام «وضع ميكروفون (مكبر الصوت) في مسجد نمرة، وكان يقرأ فيه قارئ القرآن قبل الصلاة، ثم ألقيت خطبة عرفة بواسطة الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ، وهذه أول مرة يستعمل فيها المكبر للصوت في عرفات». كما نشرت صحيفة «أم القرى» خبراً عن ذلك، لكن الملك عبد العزيز لم يحج ذلك العام وأناب ولي عهده (الأمير) سعود.

 أول إحصائية للحجاج في العهد السعودي

بلغ عدد الحجاج ذلك العام 78593 حاجاً، منهم 3593 حاجاً من الخارج و75000 حاج من حجاج سلطنة نجد، وتناقل العالم أنباء موسم الحج ذلك العام، وازداد الاهتمام به بسبب الحملات المعادية للملك عبد العزيز، وتفاجأ المسلمون في أصقاع الدنيا بنجاح موسم الحج وعدم حصول ما يعكر صفو الحجاج.

 وتبدلت أحوال الحج عما عهدوه، وكان ذلك مثار تساؤل الجميع، وأشارت وثيقة بريطانية أن تقريراً عن موسم الحج الأول تحت إشراف الملك عبد العزيز أرسل من على ظهر بارجة فرنسية  في شهر صفر 1344هـ - سبتمبر (أيلول) 1925م يفيد: «إن جميع الحجاج يعترفون أن الحج لم يكن في زمن ما، أفضل تنظيماً وأكثر أمناً، وأحسن انسيابية، وأرخص تكاليف كما هو في عهد عبد العزيز بن سعود».

بقي الإشارة إلى جانب توثيقي هام يتعلق بخطب وخطباء عرفة في العهد السعودي الحديث، وذلك لأهمية منبر عرفة في بث رسالة الإسلام للعالم، ودعوة المسلمين للتعاون والتعاضد، ونبذ الفرقة والتطرف.

حيث إن تكليف خطيب عرفة يصدر بإرادة ملكية، ولما لاحظته من عدم التوثيق الدقيق لمسيرة خطباء عرفة في العهد السعودي والاختلاف في بعض السنوات حول شخصية خطيب عرفة، رأيت توثيق هذا الجانب. وفيما يلي بيان أسماء خطباء عرفة، مع تعريف مختصر بكل منهم، والأعوام التي كلف بها خطيباً...

 

1 - الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ

إمام وخطيب المسجد الحرام وكبير علماء نجد، درس على والده العلامة عبد اللطيف وأخيه الشيخ عبد الله وغيرهما من علماء عصره. ولي القضاء في عدد من البلدان، وأصبح قاضي الرياض ومفتيها بعد وفاة أخيه عبد الله. عيّنه الملك عبد العزيز إماماً وخطيباً في المسجد الحرام عام 1343هـ - 1925م وكلّفه بإلقاء خطبة عرفة في موسم حج ذلك العام.

2 - الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ

الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ

إمام وخطيب المسجد الحرام ورئيس القضاة والمشرف على الشؤون الدينية في الحرمين الشريفين. درس على والده الشيخ حسن بن حسين وعلى مفتي نجد الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وغيرهما من العلماء. رافق الملك عبد العزيز في أسفاره وغزواته إماماً وقاضياً للجيش ومفتياً. كلّف خطيباً ليوم عرفة بدءاً من موسم حج 1344هـ - 1926م حتى عام 1369هـ - 1950م.

3 - الشيخ محمد بن عبد الله بن حسن آل الشيخ

درس على والده العلامة عبد الله بن حسن ولازمه، كما درس على عدد من علماء المسجد الحرام، والتحق بالمعهد العلمي السعودي وتخرج فيه. عمل مديراً عاماً للشؤون القضائية والتفتيش في رئاسة القضاء، وتولى منصب المدير العام للتربية الإسلامية بوزارة المعارف. كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج 1370هـ - 1951م.

4 - الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن حسن آل الشيخ

إمام وخطيب المسجد الحرام، درس على والده الشيخ عبد الله بن حسن وعلى الشيخ محمد بن إبراهيم، كما درس في المعهد العلمي السعودي، وتخرج في كلية الشريعة بجامعة الأزهر. عمل معاوناً لرئيس القضاة ووكيلاً لوزارة المعارف ثم وزيراً لها، ثم رئيساً عاماً لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كلف خطيباً ليوم عرفة بدءاً من موسم حج 1371هـ - 1952م حتى عام 1401هـ 1981م، باستثناء عام 1399هـ 1979م الذي خطب فيه الشيخ صالح اللحيدان.

5 - الشيخ صالح بن محمد الحيدان

رئيس مجلس القضاء الأعلى وعضو هيئة كبار العلماء، درس في كلية الشريعة بالرياض والتحق بالمعهد العالي للقضاء وتخرج فيه، كما تلقى العلم على عدد من العلماء. عمل رئيساً لمحكمة الرياض ثم عضواً بالهيئة القضائية العليا فرئيساً لمجلس القضاء الأعلى. كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج عام 1399هـ - 1979م.

6 - الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ

المفتي العام للمملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وحفيد الخطيب الأول لعرفة. درس على الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبد العزيز بن باز وغيرهما من العلماء، وتخرج في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وعمل أستاذاً بها. عين عضواً في هيئة كبار العلماء وإماماً وخطيباً لجامع الإمام تركي بن عبد الله بالرياض. كلف خطيباً ليوم عرفة بدءاً من موسم حج 1402هـ - 1982م حتى عام 1436هـ - 2015م.

7 - الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس

إمام وخطيب المسجد الحرام ورئيس الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي، حاصل على درجة الدكتوراة في أصول الفقه. عمل أستاذاً في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة أم القرى، ورئيساً عاماً لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي. كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج 1437هـ - 2016م.

8 - الشيخ سعد بن ناصر الشثري

المستشار في الديوان الملكي وعضو هيئة كبار العلماء، حاصل على درجة الدكتوراة في أصول الفقه. عمل أستاذاً مشاركاً بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ودرّس في عدد من الجامعات. كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج 1438هـ - 2017م.

9 - الشيخ حسين بن عبد العزيز آل الشيخ

إمام وخطيب المسجد النبوي، حاصل على درجة الدكتوراة في الفقه. عمل قاضياً في محاكم نجران والرياض والمدينة المنورة، ومدرساً في المسجد النبوي والجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية. كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج 1439هـ - 2018م.

10 - الشيخ محمد بن حسن آل الشيخ

عضو هيئة كبار العلماء. حاصل على الماجستير من المعهد العالي للقضاء، تولى عدداً من المناصب، منها رئيس المجلس العلمي لمجمع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز للحديث النبوي، ورئيس مجلس الأوقاف الفرعي بمنطقة الرياض. كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج 1440هـ - 2019م.

11 - الشيخ عبد الله بن سليمان المنيع

المستشار في الديوان الملكي وعضو هيئة كبار العلماء منذ تأسيسها عام 1391هـ - 1971م. درس على عدد من العلماء، وتخرج في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. تدرج في السلك القضائي ووصل لأعلى درجاته (رئيس محكمة تمييز). كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج 1441هـ - 2020م.

12 - الشيخ بندر بن عبد العزيز بليلة

إمام وخطيب المسجد الحرام، حاصل على درجة الدكتوراة في الفقه. يعمل أستاذاً مساعداً في كلية الشريعة والأنظمة بجامعة الطائف، كما أنه عضو في هيئة كبار العلماء. كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج 1442هـ - 2021م.

13 - الشيخ محمد بن عبد الكريم العيسى

الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، حاصل على شهادة الدكتوراة في الدراسات القضائية المقارنة، وهو عضو في هيئة كبار العلماء. عمل وزيراً للعدل ورئيساً للمجلس الأعلى للقضاء. كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج 1443هـ - 2022م.

14 - الشيخ يوسف بن محمد بن سعيد

نائب وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد وعضو هيئة كبار العلماء، حاصل على درجة الدكتوراة في العقيدة. عمل أستاذاً ورئيساً لقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة في كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج 1444هـ - 2023م.

15 - الشيخ ماهر بن حمد المعيقلي

إمام وخطيب المسجد الحرام، حاصل على درجة الدكتوراة في الفقه. يعمل أستاذاً مشاركاً في كلية الدراسات القضائية بجامعة أم القرى. تولى إمامة المصلين في صلاتي التراويح والتهجد بالمسجد النبوي. كلف خطيباً ليوم عرفة هذا العام 1445هـ - 2024م.

 

من كان خطيب عرفة بداية عهد الملك سعود؟

  

هناك لبس يتداول حول شخصية خطيب عرفة خلال السنوات (1371 إلى 1376هـ - 1952 إلى 1957م)، ولإيضاح ذلك حاولنا مراجعة المصادر التي تحدثت عن خطباء عرفة في العهد السعودي، ووجدنا أن هناك اختلافاً وتغييراً للمعلومات حول خطيب عرفة خلال تلك السنوات الست.

بعضهم يقول إنه الشيخ عبد الله بن حسن، وآخرون يذهبون إلى أنه ابنه الشيخ محمد، وفريق يرى أنه ابنه الآخر الشيخ عبد العزيز، ووجدنا في هذا التحقيق أن هذه الآراء في مجملها لا تستند إلى معلومات موثقة أو استنتاجات علمية، لكنها مع شديد الأسف تتداول في منصات وقنوات رسمية بشكل واسع.

 ومما يسترعي الانتباه أن بعض الجهات تتبنى رأياً في سنة من السنوات، ثم تغيره في سنة أخرى، دون إيضاح سبب التغيير ودون الإحالة لمصدر.

 وحيث إن هناك 3 أسماء تتداول كخطيب لعرفة خلال تلك السنوات، فسنحاول توضيح بعض التفاصيل حولها، والنتيجة التي وصلنا إليها. بالنسبة للشيخ محمد بن عبد الله، المؤكد أنه خطب عاماً واحداً 1370هـ - 1951م، ونشرت ذلك صحيفة «أم القرى»، وسبب خطبته ذلك العام هو ظروف والده الشيخ عبد الله الصحية التي لم تمكنه من إمامة المصلين حينها، كما أن أخيه الشيخ عبد العزيز كان للتوّ منهياً دراسته في الأزهر، ووفقاً لما أورده السيد أحمد علي الكاظمي أن الشيخ عبد العزيز عيّن «خطيباً وإماماً للحرم، وكأنه لم يرغب في أول الأمر، وأراد أن يستقيل، أو قدم الاستقالة بالفعل، ثم قبل بالوظيفة».

ولا نعلم عن أسباب ذلك، لكننا نرى أن اعتذار الشيخ عبد العزيز هو سبب تكليف الشيخ محمد بإمامة عرفة، حيث لم تشر المصادر إلى أن الشيخ محمد خطب أو أمَّ في المسجد الحرام أو في عرفه قبل أو بعد ذلك.

أما الشيخ عبد العزيز فعند عودته من مصر صدر الأمر بتعيينه إماماً وخطيباً للمسجد الحرام، وكانت خطبته الأولى بعد تعيينه رسمياً يوم الجمعة 25 محرم 1371هـ - 26 أكتوبر 1951م، وهذا متسق مع ما أورده الكاظمي.

منذ ذلك التاريخ بدأ مسيرة حافلة مع الإمامة والخطابة في المسجد الحرام وعلى صعيد عرفة. أما الشيخ عبد الله فتجاوز عمره خلال تلك السنوات 84 عاماً، وهذه نقطة لم يتنبه لها من يؤكدون أنه خطب في عرفة خلال موسم 1371هـ - 1952م وما بعده.

 وبتتبع ظروف الشيخ عبد الله الصحية، يقول ابنه الشيخ حسن: «ولما ضعف بصره استبدل بقراءته قارئاً يصحبه أينما كان، وكثيراً ما تشرفت بالقراءة عليه». ويقول الأستاذ مصطفى عطار: «وقد خفف عنه ارتقاء المنابر ابنه الشيخ عبد العزيز في السنوات الأخيرة».

من كل هذا، يتضح أن الشيخ عبد الله لم تكن صحته تساعده على القيام بأعباء الإمامة والخطابة خلال تلك السنوات، ولم نعثر في المصادر المتوافرة أنه خطب في المسجد الحرام خلال تلك السنوات، بل إنه عندما توفي الملك عبد العزيز، أقيمت صلاة الغائب عليه في المسجد الحرام، بحضور الملك سعود يوم الجمعة 6 ربيع الأول 1373هـ - 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 1953م، وأمّ المصلين الشيخ عبد العزيز الذي خطب خطبة مؤثرة، ولو كان الشيخ عبد الله قادراً على الإمامة لما تأخر حينذاك.

الأمر الآخر أنه منذ دخول مكة تحت حكم الملك عبد العزيز جرى العرف أن الإمام والخطيب الرسمي للمسجد الحرام هو الذي يكلف بخطابة عرفة، وهذا ما كان مع الشيخ محمد بن عبد اللطيف، ثم الشيخ عبد الله بن حسن، وحينما عجز، عُين الشيخ عبد العزيز إماماً وخطيباً رسمياً، وعلى ذلك يكون الشيخ عبد العزيز هو خطيب عرفة خلال تلك السنوات المختلف عليها (1371 إلى 1376هـ - 1952 إلى 1957م).   

الشعراوي خطيباً ليوم عرفة!

الشيخ محمد الشعراوي

من المعلومات الأخرى غير الدقيقة التي تتداول على نطاق واسع؛ أن الشيخ محمد متولي الشعراوي ألقى خطبة عرفة عام 1396هـ - 1976م، والحقيقة أن ذلك كان تعليقاً للتلفزيون السعودي على البثّ المباشر من عرفات، وفقاً لما ذكره الدكتور عبد الرحمن الشبيلي.

ويفتح هذا التحقيق باباً مهماً بأن تُولى هذه الجوانب التوثيقية ما تستحقه من عناية من قبل الجامعات ومراكز البحوث المعنية بالتاريخ، وأن يوجه الدارسون والباحثون للتنقيب في زواياها من خلال رسائل وأطروحات علمية، حفظاً لتاريخنا من الاجتهادات والتأويلات.

لقد وضع الملك عبد العزيز أسساً وقواعد لخدمة السعوديين للحرمين الشريفين، سار عليها أبناؤه من بعده واجتهدوا في تطويرها ابتغاءً لمرضاة الله وخدمة لضيوف الرحمن واستشعاراً لمسؤولياتهم التاريخية.

النزاعات المذهبية في الحج

مما يحمد للدولة السعودية أنهم أبعدوا الحج عن النزاعات المذهبية والخلافات العقدية والصراعات السياسية، وفرضوا الأمن الشامل ليتمكن الحاج من أداء نسكه بيسر وطمأنينة. كل ذلك دون تمييز فيما يقدم من خدمات وتسهيلات بين مسلم وآخر ودون البحث عن مكاسب دنيوية. ويكفي المسلمين ما هم فيه من خلاف وتشتت، كما يكفي الحج ما مرّ به من مآسٍ وفواجع تئن منها كتب التاريخ، كل ذلك بسبب استغلال الحج في إثارة النزاعات وتحويله ساحة للصراعات. كانت الحكومة السعودية حازمة وحاسمة ووقفت في وجه كل المحاولات لاستغلال الحج لأغراض سياسية أو لتمرير الأجندات الحركية، صيانة لقدسية المكان وتعظيماً لشعائر الله.

خادم الحرمين الشريفين

لقد تشرف ملوك المملكة العربية السعودية بحمل لقب خادم الحرمين الشريفين منذ عهد المؤسس، واتُخذ لقباً رسمياً بدل جلالة الملك منذ عهد الملك فهد، حتى اليوم، وكانوا أهلاً له، كما برهنوا أنهم أحق به. وستبقى مآثرهم  شاهدة على ما بذلوه من عطاءات لا محدودة وما قدموه من عناية لا ممنونة لخدمة الحرمين الشريفين ورعاية قاصديهما، ومفخرة من مفاخر المملكة العربية السعودية.

نجاح حج هذا العام 2024

يأتي نجاح موسم حج هذا العام ليثبت للعالم ما يوليه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان من عناية ورعاية لتقديم أفضل الخدمات وتسخير كافة الموارد واستنفار كافة الأجهزة والمؤسسات واستخدام أفضل التقنيات لإدارة الحج.

وهنا يجب أن نستذكر أن البناء المؤسسي للهياكل الإدارية للدولة بدأ متزامناً مع أول حج  في عهد الملك عبد العزيز، وكأنما تزامن البناء التنظيمي للدولة مع البناء التنظيمي للحج، وهذه مفارقة تاريخية ليس لها مثيل.

 من هنا، علينا أن ندرك أن علاقة المملكة العربية السعودية بالحرمين الشريفين ليست في بعدها الجغرافي أو التاريخي فقط، حيث إنها علاقة وجودية تزامنت فيها تطورات خدمة الحرمين ورعاية قاصديهما مع تطورات بناء الدولة وبناء الإنسان.

 لكن الملمح الأهم أن هذه التطورات غير مسبوقة ولا نظير لها في التاريخ، لا من ناحية توسعات وعمارة الحرمين وخدمة ضيوف الرحمن، ولا من ناحية تطور البناء المؤسسي للدولة خلال زمن قصير بمقياس عمر الأمم، ناهيك عن الشعور الممتد بهذه المسؤولية لدى كل السعوديين أفراداً ومؤسسات.

ولمعرفة أبعاد العلاقة السعودية بالحرمين الشريفين، نجد في  المادتين: المادة الرابعة والعشرين من النظام الأساسي للحكم: «تقوم الدولة بإعمار الحرمين الشريفين وخدمتهما، وتوفر الأمن والرعاية لقاصديهما، بما يمكن من أداء الحج والعمرة والزيارة بيسر وطمأنينة».

خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز يطل من شرفة زجاجية بالقصر الملكي في مشعر منى خلال الإشراف على راحة وأمن وتنقلات الحجاج

والمادة الثالثة والثلاثين منه: «تنشئ الدولة القوات المسلحة وتجهزها من أجل الدفاع عن العقيدة والحرمين الشريفين والمجتمع والوطن». هذا مع التطبيق والتنفيذ الفعلي على أرض الواقع. من هنا كانت هذه العلاقة المتجذرة والممتدة والمتفوقة على كل ما سبقها نموذجاً متفرداً ومتميزاً عبر التاريخ بكل زواياها وأبعادها، خاصة أنها تنطلق من دوافع دينية وقيمية، ولا يريد السعوديون من ورائها جزاءً ولا شكوراً.


مقالات ذات صلة

«قطار الحرمين» ينقل 800 ألف راكب منذ إطلاق خطة الحج

الخليج 3649 رحلة نقلت أكثر من 800 ألف راكب عبر «قطار الحرمين السريع» حتى الجمعة (واس)

«قطار الحرمين» ينقل 800 ألف راكب منذ إطلاق خطة الحج

نقل «قطار الحرمين السريع» أكثر من 800 ألف راكب منذ إطلاق الخطة التشغيلية لموسم حج هذا العام، وذلك عبر تنفيذ 3649 رحلة حتى مساء الجمعة.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج خطة تشغيلية متكاملة لتقديم مختلف الخدمات والتسهيلات لضيوف البرنامج (وزارة الشؤون الإسلامية السعودية)

«برنامج خادم الحرمين» يستضيف 2500 حاج من 104 دول

اكتمل وصول ضيوف «برنامج خادم الحرمين الشريفين للحج»، الذي تنفذه «وزارة الشؤون الإسلامية» السعودية، ويبلغ عددهم 2500 حاج وحاجة يمثلون 104 دول من مختلف القارات.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج الفريق محمد البسامي أكد اكتمال جاهزية منظومة أمن الحج لتنفيذ مهامها (تصوير: بشير صالح)

السعودية: لن نسمح بأي ممارسات تُخرج «الحج» عن مقاصده

شدَّدت السعودية على أنَّها لن تسمح باستغلال موسم الحج لأي ممارسات تُخرجه عن مقاصده الشرعية، مشيرة إلى وصول أكثر من 1.5 مليون حاج من الخارج حتى عصر الجمعة.

إبراهيم القرشي (مكة المكرمة) عمر البدوي (مكة المكرمة)
الخليج يقتصر دخول المركبات المشاعر المقدسة على المصرح لها فقط حتى نهاية 30 مايو (واس)

«أمن الحج»: منع دخول المركبات غير المصرحة المشاعر المقدسة

بدأت قوات أمن الحج لشؤون المرور، الجمعة، العمل بمنع دخول المركبات غير المصرح لها المشاعر المقدسة، وذلك حتى نهاية يوم 13 ذي الحجة الموافق 30 مايو.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج الأمير عبد العزيز بن سعود يتابع ميدانياً جاهزية المنظومة الصحية والخدمية وخطط إدارة الحشود بالمشاعر المقدسة (واس)

وزير الداخلية السعودي يقف على جاهزية قوات أمن الحج

وقف الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف، وزير الداخلية السعودي، على جاهزية قوات أمن الحج لتنفيذ الخطط الميدانية والتنظيمية المعتمدة لموسم هذا العام.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)

مستشفيات سوريّة تحولت أقبية تعذيب وتصفية: «تشرين العسكري» نموذجاً

لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)
لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)
TT

مستشفيات سوريّة تحولت أقبية تعذيب وتصفية: «تشرين العسكري» نموذجاً

لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)
لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)

جمعت «الشرق الأوسط» شهادات مؤلمة لناجين من عمليات «تصفية متعمّدة» كانت ترتكب بحقّ موقوفين معارضين في مشفى تشرين العسكري بدمشق ومشافٍ عسكرية أخرى خلال سنوات الثورة السورية، ورووا كيف كانت تتم عمليات التعذيب وأساليب القتل، وأبرزها «كسر العنق».

وأوقفت السلطات الأمنية السورية عشرات قيد التحقيق على خلفية تلك الجرائم، فيما لا يزال معظم المسؤولين عنها ومرتكبيها فارّين. وذكرت «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» أن المعطيات التي جمعتها تفيد بوجود شبكات منظمة من الأطباء والممرضات ورجال الأمن الضالعين في هذه الجرائم، وتشمل عمليات استئصال الأعضاء والقتل المباشر.

يأتي ذلك وسط استمرار صدمة، يعيشها غالبية السوريين منذ مطلع الشهر الحالي، بعد نشر مقاطع فيديو وصور مسرّبة توثق تعذيب معتقلين داخل عدد من المواقع، من بينها مستشفى تشرين.

مدخل مستشفى تشرين العسكري قبل إعادة تسميته «مشفى دمشق العسكري» (أ.ف.ب)

أكبر تجمّع طبي

افتتح مشفى تشرين العسكري، الواقع في حي برزة شمال شرقي دمشق عام 1982، كأكبر تجمع طبي في سوريا، متضمناً أبنية حديثة، ويستقبل المدنيين كما العسكريين. وأصبح المشفى أحد أفضل المراكز التخصصية، إذ يضم أكثر من 36 قسماً وشعبة طبية تخصصية، وأجهزة حديثة خصوصاً لغسيل الكلى، وكادراً يناهز عدده 1600 بين أطباء وممرضين وإداريين وحراس.

وتتألف الهيكلية الإدارية في المستشفى من المدير العام، وهو ضابط برتبة عميد، ونائبين له، غالباً برتبة عميد أو عقيد، أحدهما للشؤون الفنية والطبية، وآخر للشؤون الإدارية، وضابط الأمن تتراوح رتبته من نقيب حتى عقيد، ورؤساء الشعب والأقسام برتب من مقدم حتى عميد، والأطباء الاختصاصيون والمقيمون من ملازم أول حتى عقيد، والكادر التمريضي، وهؤلاء ضباط صف، إضافة إلى العاملين من مجندين وعرفاء.

وبلغ عدد المشافي والمستوصفات العسكرية في عهد النظام السابق نحو 30 تابعة لـ«إدارة الخدمات الطبية العسكرية»، وموزعة على 14 محافظة، وأبرزها مستشفيات «تشرين» و«601» و«حرستا» في دمشق وريفها، ومشافي حلب وحمص واللاذقية.

ومنذ تسريب المقاطع المصورة والصور القديمة التي تبين أن المشافي العسكرية، ومنها تشرين، تحولت إلى «مسالخ بشرية» في عهد النظام السابق، يطالب الأهالي بالكشف عن أسماء مرتكبي الجرائم وإلقاء القبض عليهم ومحاسبتهم، وكشف مصير أحبتهم.

وعلمت «الشرق الأوسط» أنه تم توقيف نحو 40 طبيباً قيد التحقيق بينهم 3 رؤساء أقسام وشعب طبية، لكن وزارتي الدفاع والداخلية لم تردّا على أسئلة «الشرق الأوسط» حول الكوادر الطبية المتورطة وعدد من جرى توقيفهم.

سوريون يبحثون عن ذويهم المفقودين بين جثث عُثر عليها في سجن صيدنايا ونقلت إلى مشرحة مستشفى المجتهد في دمشق (أ.ف.ب)

قسم التصفية

كان الطبيب محمود رهبان ضابطاً برتبة عقيد ضمن «إدارة الخدمات الطبية العسكرية» السابقة، وهو من سكان دمشق، وتنقل خلال فترة خدمته في عدة مراكز طبية ومشافي عسكرية، آخرها «مشفى حلب». وتحدث رهبان لـ«الشرق الأوسط»، كيف تحولت مبانٍ من المستشفيات العسكرية، ومنها «تشرين»، في سنوات الثورة إلى فروع أمنية مصغّرة لا تتبع إدارة المستشفى، وإنما يفرز لها عناصر من الشرطة العسكرية يشرفون عليها.

والمبنى الصغير في مستشفى تشرين، كما في مستشفى حلب، مستقل كلياً عن المبنى العام الذي يعمل فيه الأطباء، ويأتيه المواطنون العاديون للعلاج.

وخلال السنوات الأولى للثورة، عمل رهبان برفقة مجموعة من الناشطين على إدخال أدوية ومواد طبية إلى حيي برزة والقابون، وكان ناشطاً ضمن تنسيقية مساكن برزة للثورة السورية واتحاد تنسيقيات دمشق.

وتم اعتقال رهبان بتهمة «تمويل أعمال إرهابية»، وأحيل إلى «محكمة الإرهاب»، ثم أودع سجن «صيدنايا» السيئ الصيت. وبعد توقيف استمر 75 يوماً أخلي سبيله، بقرار «منع محاكمة لعدم كفاية الأدلة»، بعدما دفع رهبان رشاوي كبيرة للمحققين وقاضي التحقيق للإفراج عنه.

ويشير رهبان إلى أنه عند مرض المعتقلين يتم إحالة غالبيتهم إلى «القسم الخاص» في مشفى تشرين. ويقول: «المعاملة كانت سيئة جداً، إذ كنا نتعرض للضرب بقوة، ونوصف بالإرهابيين والخونة من قبل الأطباء والكوادر الطبية الذين كان همّهم في بداية الثورة إظهار ولائهم المطلق للنظام».

عناصر من الدفاع المدني و«الخوذ البيضاء» يكتشفون مقابر جماعية في سوريا حيث تعرض أكثر من 100 ألف شخص للتعذيب والقتل منذ عام 2013 (أ.ف.ب)

تصفية بكسر الأعناق

على رغم شدة التعذيب في تلك المستشفيات، وخصوصاً «تشرين»، فإن هناك من قدر له أن ينجو منها، مثل العميد محمد منصور عمار، الذي كان يخدم في مطار «السين» العسكري بريف دمشق، مع انطلاق الثورة عام 2011، وجرى اعتقاله في صيدنايا بين 2014 و2022 بتهمة «تزويد الإرهابيين بالمعلومات».

يذكر عمار لـ«الشرق الأوسط»، أنه تم تحويله إلى مستشفى تشرين 6 مرات خلال تلك السنوات. ويقول: «في كل مرة يكون عدد المحولين نحو 20 موقفاً، ولكن لا يعود منا أكثر من 3».

ويروي عمار كيف كانت تجري التصفيات، ويقول: «عناصر مفرزة الشرطة العسكرية جميعهم من (القبضايات)، يختارون كل يوم 10 معتقلين، ويأمرونهم بالاستلقاء على ظهورهم، ثم يأتي العنصر ويدوس بقوة على عنق الموقوف ليفارق الحياة بدقائق، بينما يجبرون من هم على قيد بتجميع الجثث عند باب المفرزة».

ويلفت إلى عدم الاكتراث الذي كان يبديه الطبيب الشرعي، ويقول: «لم يكن يدخل إلى المفرزة أو يعاين المرضى، بل يكتفي بسؤال المساعد من الباب بقرف عن عدد الجثث لتسجيلها». ويؤكد عمّار أنه خلال 4 مراجعات لمشفى تشرين شهد «تصفية نحو 45 موقوفاً بكسر أعناقهم».

صور مفقودين عُلقت على جدران مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق (الشرق الأوسط)

من الناجين أيضاً «إبراهيم علي الحمدان»، الذي كان برتبة ملازم أول مجند في جيش النظام السابق بدرعا، وانشق منتصف 2012، ليتم اعتقاله في دمشق في أغسطس (آب) 2012.

ويتحدث الحمدان لـ«الشرق الأوسط» بمرارة عن تعذيب شديد تعرض له على مدار شهر ونصف شهر في مشفى «حرستا». ويقول: «أرهق جسمي من التعذيب طوال 3 أسابيع، وقال لي مساعد اسمه (أبو الليث): هناك توصية من رئيس الفرع بذبحك... لأنك عوايني (مخبر) للجيش الحر». ويضيف: «جاءت لجنة طبية إلى القسم، وعندما كشف عليّ الطبيب وجد قدميّ متقيحتين من شدة الضرب، فقام بشقّ الورم بمشرط دون أي بنج أو معقمات، وراح يضغط عليهما».

ووفق الحمدان، أتى أبو الليث في أحد الأيام بموقوف، وكان معه طبيب وعنصران، وقاموا بتعذيبه بشدة لساعات، وبعدما استراحوا قليلاً عادوا لتعذيبه حتى منتصف الليل، ليفارق الحياة مع الفجر.

في يوليو (تموز) 2013، تم تحويل الحمدان إلى سجن صيدنايا. وخلال فترة اعتقاله تمت إحالته 47 مرة إلى «مشفى تشرين»، حيث بقي في إحدى المرات نحو 4 أشهر، وكان مصاباً بعدة أمراض.

يقول الحمدان: «أعطوني مصلاً فأصبت بارتفاع حرارة شديد، وشعرت أنني أفارق الحياة، حتى استفرغت دماً، بينما الأطباء يتحدثون بأنني قد أموت».

وبسبب حالته طلب طبيب نقل الحمدان إلى قسم العناية المشددة، لكن مدير القسم الطبي ردّ بالقول: «سيبقى بالنظارة حتى يموت... العناية المشددة لجرحى الحرب، وليست للخونة».

ويؤكد الحمدان، الذي خرج من «صيدنايا» أواخر عام 2020 بعد قضاء محكوميته، أن «المشفى كان مكاناً للإجهاز على المعتقلين، وليس معالجتهم، فخلال 4 أشهر لقّنت الشهادة لـ40 شخصاً قبل وفاتهم».

المدير التنفيذي لـ«رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا»، دياب سرّية، يقول: «ليس من الممكن ضمن المعطيات والظروف الحالية التأكد من أي أرقام للضحايا في مستشفى تشرين العسكري. لكنّنا نقدّر أعداد من دخلوا سجن صيدنايا بين عامي 2011 و2021 بنحو 39 ألف معتقل، بقي منهم نحو 6 آلاف على قيد الحياة». ويلفت سرّية في تقرير نشر عام 2023 إلى أن «جزءاً غير يسير ممن فقدوا حياتهم تم تحويلهم إلى مستشفى تشرين العسكري أحياءً، ثم ماتوا هناك»، موضحاً أنه «استطعنا توثيق 80 حالة فقط لأشخاصٍ عادوا من المستشفى إلى سجن صيدنايا على قيد الحياة، وذلك من أصل 1160 حالة موثقة داخل السجن».

الطبيب السوري المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية يخبئ وجهه عند دخوله قاعة المحكمة بفرانكفورت (أ.ف.ب)

مصير الجناة

في السياق، يوضح الطبيب رهبان أن «إدارة الخدمات الطبية العسكرية» القديمة جرى «حلّها بالكامل، ومعظم المتورطين في تلك الجرائم على الأرجح هربوا خارج البلاد».

ويعدّ مدير إدارة الخدمات الطبية العسكرية السابق اللواء الطبيب عمار سليمان الذي كانت تربطه علاقة وثيقة مع بشار الأسد، المسؤول الأول عن عمليات التصفية التي كانت تحصل في تلك المشافي. ويرجح رهبان أن يكون سليمان «هرب إلى خارج البلاد، بينما جرى بعد شهرين أو 3 أشهر من التحرير توقيف العميد الطبيب نزار إسماعيل الذي كان يشغل مناصب نائب مدير (الإدارة)، ورئيس فرع الإمداد، ورئيس الفرع العلاجي فيها.

وتفيد معلومات بأن رئيسة قسم الضباط في (الإدارة) العقيد (لبنى علي)، هربت ليلة التحرير من مكتبها إلى بلدتها، ثم إلى خارج البلاد. أما ضابط أمن (الإدارة) العميد مازن إسكندر، فلا توجد أي معلومات عنه».

ووفق رهبان، كان اللواء الطبيب مفيد درويش، الذي شغل منصب مدير المشفى حتى سقوط النظام، يعلم بكل تفاصيل ما يجري في المستشفى، سواء في المبنى العام أو المبنى المعزول الخاص بالمعتقلين المرضى، ولكن تعامله كان سيئاً للغاية حتى مع الكادر الطبي العامل في المبنى العام (المدني). وبقي درويش في البلاد لفترة بسيطة بعد التحرير، ومن ثم غادر إلى الإمارات، في حين هناك أطباء جرى توقيفهم، ومن ثم إخلاء سبيلهم، منهم ضابط الأمن في مشفى تشرين، العميد الطبيب هاني سلوم.

وبالنسبة لرؤساء الأقسام والشعب الطبية في المبنى العام، يقول رهبان إنه «لم تكن لهم علاقة بما كان يجري في المبنى المنعزل»، لافتاً إلى أن أغلبيتهم أجروا تسوية وضع ومنحوا وثيقة تسوية بعد التأكد من أنهم غير متورطين بالدماء وعدم وجود ادّعاء شخصي بحقّهم، مع وضع إشارات منع سفر على أسمائهم في المنافذ البرية والجوية والبحرية، ومن يريد السفر عليه تقديم طلب لوزارة الدفاع، ويسمح له بذلك لمرة واحدة لمدة 3 أشهر بعد إجراء دراسة أمنية عنه.

توزيع أدوار ومهام

كان دور شعبة الطبابة الشرعية في المستشفى توثيق وفاة المعتقلين وإصدار شهادات وفاة، لكن رئيسها كان يدعي في شهادة الوفاة أنها نتيجة «توقف القلب والتنفس» أو «الوهط القلبي الدوراني»، بعد أن قضى هؤلاء فعلياً تحت التعذيب.

ومنذ عام 2011 حتى التحرير في ديسمبر (كانون الأول) 2024، كان العميد الطبيب أكرم فارس الشعار من ريف حماة يرأس شعبة الطبابة الشرعية بمستشفى تشرين، وكانت تضم أيضاً نائبه العميد إسماعيل كيوان من مدينة السويداء، والمقدم أيمن خلو، والملازم منقذ شموط، إضافة إلى 7 ضباط صف ممرضين وإداريين.

وبينما يتحدث رهبان عن توقيف الشعار، يلفت إلى أن أيمن خلو موقوف منذ فترة على خلفية قضية جنائية لا علاقة لها بمستشفى تشرين، في حين فرّ إسماعيل كيوان إلى مناطق سيطرة رجل الدين الدرزي حكمت الهجري في محافظة السويداء جنوب البلاد.

ومع حلّ «إدارة الخدمات الطبية العسكرية» القديمة، تشير معلومات «الشرق الأوسط» إلى أن من عادوا من طاقم الكوادر الطبية القديمة من أطباء وممرضين «يعدّ على أصابع اليد»، بينما يمارس عدد من الأطباء ممن لم يتورطوا بجرائم مهنتهم في عيادات خاصة، في حين غادر قسم آخر إلى دول غربية وإقليمية وعربية.

وتجري حالياً بوتيرة متسارعة عملية إخلاء مساكن الجاهزية التابعة لمستشفى تشرين من قبل شاغليها وتسليمها، تنفيذاً لقرار أصدرته بداية مايو (أيار) الحالي وزارة الدفاع، وحددت فيه مدة شهر للتنفيذ اعتباراً من تاريخ إصداره.

شبكة قتل وتعذيب منظمة

«الشبكة السورية لحقوق الإنسان» لا تملك حتى الآن رقماً موثقاً بالكامل لعدد الأطباء والعناصر الطبية المتورطين في عمليات التصفية داخل مشفى تشرين تحديداً. وما يمكن تأكيده، وفق منهجية التوثيق التي تعتمدها الشبكة، أن المشفى كان يضم شبكة منظمة من أطباء وممرضين وضباط أمن تعاونوا في عمليات القتل والتعذيب، ولم تكن الانتهاكات صادرة عن أفراد منفردين.

ويقول مديرها فضل عبد الغني لـ«الشرق الأوسط» إن «المعطيات التي جمعتها الشبكة تفيد بوجود شبكات من الأطباء والممرضات ورجال الأمن الضالعين في هذه الجرائم، بما يشمل عمليات استئصال الأعضاء إلى جانب القتل المباشر».

وتشير المعطيات المتاحة إلى 3 فئات: الأولى تضم المعتقلين الذين تمكنت السلطات الأمنية الجديدة من القبض عليهم، والثانية تضم الفارين خارج سوريا، والثالثة تضم من بقوا داخل البلاد في وضع قانوني غير محسوم، مشيراً إلى أن بعض العناصر من الكوادر الطبية لا يزالون في مساكن المشفى أو في مناطق مختلفة داخل سوريا، وهو ما كشفته العملية الأمنية التي نُفِّذت مؤخراً في مساكن الممرضين التابعة للمشفى. وعدّ عبد الغني أن فرار جزء من هؤلاء يمثل تحدياً جدياً أمام مسار المحاسبة، ما يستدعي تنسيقاً دولياً فورياً لإصدار نشرات الإنتربول ومذكرات توقيف دولية بحقّ المشتبه بهم.

الناشطة السورية ياسمين المشعان تحمل صور ضحايا نظام الأسد أمام محكمة في ألمانيا يوم 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

ولفت عبد الغني إلى أنه جرى إلقاء القبض على متورطين، غير أن أعداد هؤلاء لا تزال محدودة قياساً بحجم الجرائم الموثقة، ومن أبرز ما وثّقته المصادر الرسمية السورية إعلان وزارة الداخلية في أواخر 2025 اعتقال 5 عناصر سابقين من الكوادر الطبية والقضائية العسكرية الأمنية الأخيرة في مساكن الممرضين مطلع مايو 2026، واحتجاز عدد من العاملين السابقين.

وكانت محكمة ألمانية أصدرت حكمها في 16 يونيو (حزيران) 2025 بالسجن مدى الحياة بحق الطبيب السوري علاء موسى المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، من بينها تعذيب معتقلين في مستشفيات عسكرية في سوريا.


حرب إيران في ميدان العراق... مشاهد لاكتمال نفوذ الفصائل

عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)
عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)
TT

حرب إيران في ميدان العراق... مشاهد لاكتمال نفوذ الفصائل

عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)
عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)

«إذا تحتم عليك السقوط، كن نيزكاً». عبارة خطت على جدارية داخل المنطقة الخضراء في بغداد. إلى جانبها رسمٌ لمقاتلين بلا ملامح، يرتدون خوذاً، ويحملون بنادق. يبدو أنهم مستعدون للقتال في جبهات مختلفة.

على الأغلب، يمر بجوار هذه الجدارية كبار المسؤولين والضباط في بغداد وهم في طريقهم إلى مكاتبهم في مباني الحكومة، بمن فيهم قادة فصائل في «الحشد الشعبي». وبعد مرور نحو شهرين على الحرب الأميركية–الإيرانية، يتبين أن كثيرين منهم لا يرغبون في أن يكونوا نيازك تسقط.

قبل يوم من الحرب، كنت أحاول إجراء مقابلات في بغداد. المسؤولون العراقيون الذين التقيتهم كانوا منهمكين في اجتماعات «طارئة». أحدهم قال إن الموظفين في وزارة الهجرة العراقية شاركوا في نقاشات عن حالة «إنذار محتملة»، في «إشارة مقلقة جداً» من وجهة نظره.

اهتزت بغداد صباح 28 فبراير (شباط) 2026 على وقع غارات في طهران. في المساء قيل لنا إن صورة لجثمان المرشد الإيراني علي خامنئي وصلت إلى هواتف قادة في «الإطار التنسيقي» قبل ساعات من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب نبأ مقتله. ثم بدأت واحدة من أغرب الليالي في العاصمة العراقية.

في بغداد، يظهر صنفان من حلفاء طهران يقفان على طرفي نقيض. بدا أنهما يتجهزان لتصفية حسابات ظلت صامتة منذ سنوات، أو يستعدان لولادة جديدة؛ ولادة تعيد نفسها مرات ومرات، منذ 2003.

متظاهر يحمل علم إيران خلال محاولة اقتحام متظاهرين بوابة المنطقة الخضراء في مارس 2026 (الشرق الأوسط)

«هؤلاء يوالون خامنئي حقاً»؟

اليوم الثاني من الحرب. المنطقة الخضراء في حالة استنفار. شوارع مغلقة، وحواجز، ونقاط تفتيش، رجال أمن يتحققون من الذين لا يحملون رخصة دخول المنطقة الحكومية. لم يفرض حظر تجول، لكنك عملياً تتجول في حظر غير معلن.

عند المساء، أقامت حركة «عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي مجلس عزاء للمرشد علي خامنئي. تجمع العشرات قرب جسر الجمهورية وسط بغداد. رافقهم موكب من سيارات «شيفروليه تاهو» الرائجة لدى شريحة واسعة من سياسيين، ومسؤولين، وقيادات في الجماعات المسلحة. حمل المتظاهرون لافتات رثاء خامنئي تحت نصب الحرية التاريخي، يحميهم طوق من عناصر الأمن، ودون احتكاك.

حركة المرور طبيعية على الجسر. السيارات تعبر بانسيابية نحو المدخل الشرقي للمنطقة الخضراء، سوى تجمع محدود لمراسلي محطات حزبية تمولها فصائل لها نفوذ في الحكومة يجرون مقابلات مع «المعزين بمقتل خامنئي». تضامن صامت، لم يتأخر الوقت قبل أن يتفرق.

عام 2019، المسرح نفسه كان دموياً حين قُتل وأصيب مئات الشبان الذين خرجوا في احتجاجات شبه يومية ضد الفساد، والنفوذ الإيراني في بغداد، بشعار «إيران برا برا». لا يسمع صوت هؤلاء بعد مرور 7 سنوات، و40 يوماً من الحرب، بعضهم انخرط تماماً في أحزاب التحالف الحاكم.

على بعد 4 كيلومترات من العزاء الصامت، كان الوضع عنيفاً وصاخباً عند الجسر المعلق المؤدي إلى المدخل الغربي من المنطقة الخضراء. العشرات يندفعون نحو حواجز الأمن غير مبالين. يريدون الوصول إلى السفارة الأميركية. شاهدت شباناً يبكون بحرقة، ويحدقون في المارة، ويتحققون من أولئك الذين لا يبدو عليهم الحزن. كأنهم يسألون: «أيعقل ألا تحزن؟».

للوهلة الأولى بدا الاحتجاج ارتجالياً. وجوه خائفة كما هي غاضبة. ثمة من يقذف الحجارة على عناصر الأمن الذين يغلقون مدخل الجسر بالحواجز الفولاذية، وعربات كبيرة تحمل مدافع المياه. آخرون يحملون أعلاماً إيرانية، ويهتفون ضد ترمب «قاتل المرشد».

اخترقت جرافة كبيرة الحشد نحو الحاجز، خلفها سحابة سوداء، وموجة غبار، وملثمون يحملون العصي. بدأ إطلاق الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع. استقرت الجرافة عند سياج خرساني، وتعطل محركها دون اختراق الحصن الأمني، فصار الهتاف مدوياً أكثر.

سألت متظاهراً عما سيفعله في حال كان الطريق مفتوحاً نحو سفارة واشنطن. قال: «لا أعرف. لا يهم. حتى لو ألقيت بنفسي على دبابة». كان يستغرب السؤال فحاول تنبيهي: «قتلوا قائدنا... إنه ولينا. هل تعرف ما يعنيه هذا؟». خلال الليل، أعلنت السلطات إصابة العشرات من الطرفين، المحتجين وقوات الأمن.

الحال أنهما كانا في صف واحد قبل أيام، حكومة وفصائل. المتظاهرون أيضاً، عند الجسرين، كانا في خندق واحد قبل مقتل خامنئي. «الفصائل» و«المقاومة» و«الحشد الشعبي» في الأيام اللاحقة فتحت الطرق والسماء للمسيرات، والغارات الأميركية.

باستثناء هذين الصنفين من حلفاء إيران، وقد بدا أنهما يحتكران المجال العام في بغداد، كانت شريحة من العراقيين الشيعة ترى في الحرب فرصة لإعلان انتقاد النفوذ الإيراني في البلاد، لكن «حملة تخويف كممت أفواههم»، كما يقول ناشطون تحدثنا معهم.

خلال الحرب، حرض مقربون من إيران على محاسبة معارضيها في العراق. في مواقع التواصل الاجتماعي انتشرت صور لشكاوى ضد هؤلاء، بعضهم اعتقلته الأجهزة الأمنية، لكن المحاكم لم تتعاطَ مع هذه الشكاوى بعد. عدا هذا كان هناك مدونون ينشرون صور مؤثرين تحت عنوان «سيأتي يوم حسابكم».

في الميدان، شنت مجموعات مسلحة تحت مظلة ما يعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق» عشرات الهجمات منذ الساعات الأولى بعد مقتل خامنئي. استخدام تسمية «المقاومة» كان واحداً من أساليب «الحرس الثوري» والفصائل العراقية للتمويه على المنفذين الأصليين، بينما كثير من قادة الفصائل وجدوا أنفسهم مضطرين للمشي على حبل رفيع خلال الحرب، إذ طالما تعهدوا بالاندماج في الدولة، و«حصر السلاح» بيدها.

يقول قيادي في فصيل مسلح إنه لم «يكن متأكداً طيلة أسابيع الحرب على إيران إن كان أتباعه من المسلحين قد شاركوا في الهجمات على الأميركيين، وعلى إقليم كردستان». ليس من المؤكد أنه لا يعرف حقاً.

خلال مقابلات مع شخصيات أمنية وسياسية عراقية وغربية، حاولنا فهم كيف يضبط قادة الفصائل المسلحة في العراق، ومن خلفهم «الحرس الثوري»، الانتقال السلس لهذه المجموعات بين المؤسسات الحكومية، والميليشيات، وكيف شكلت الحرب ضوءاً كاشفاً على مساحات مظلمة من النفوذ الإيراني في البلاد.

ثمة فرضيات مختلفة عن نجاح هذه العملية، لكن المرجح أن إيران تمسك بـ«عصب النخاع» بين الجميع في الحكومة، والمسلحين خارج سلطتها. وما بينهما صراع مرير، وقد يكون مميتاً، على الموارد، والنفوذ.

عناصر من «الحشد الشعبي» خلال انتشارهم في منطقة زراعية قرب بغداد (موقع الهيئة)

الميليشيات بوصفها «إقطاعية»

تشق السيارة طريقها ببطء على كتف نهر صغير في أحد الحقول الشاسعة جنوبي بغداد. على مد البصر تتناثر أكوام من الطابوق، ومواد البناء في قلب الريف.

منذ عقود، كان السكان هنا يزرعون الحبوب، والخضراوات، ويبيعون محاصيلهم للحكومة، أو الأسواق المحلية. بعضهم كان من الذين انتفعوا من برامج الإصلاح الزراعي منذ الستينات، قبل أن تتدهور خلال الحرب العراقية-الإيرانية في الثمانينات، وتنقرض تدريجياً منذ الغزو الأميركي للبلاد عام 2003.

يصف أحد الوجهاء في جنوب بغداد، ويبلغ من العمر 70 عاماً، وضع الحقول الآن: «كأننا نعود بالزمن بطريقة عنيفة إلى زمن الإقطاعيات. هناك زحف من إقطاعيين جدد (...)، الأمر لا يقتصر على نزاع ملكيات؛ بل سلطة غير مرئية تتحكم بالموارد».

رغم أن الرجل يتجنب ذكر أي تفاصيل تتعلق بالكيفية التي خسر فيها أرضه قبل نحو 7 سنوات، وتمتد على مساحة شاسعة على الطريق بين بغداد وبابل (جنوباً)، لكن مصادر تصف الأمر بأنه «متاهة من عمليات متعددة من الاحتيال تحميها بيروقراطية حكومية اخترقتها بإتقان الفصائل المسلحة».

يقول الرجل إن «هذه الأراضي غابة استثمارات، تختفي في ظلالها منشآت تابعة لجماعات مسلحة». يضيف: «أعرفهم. سيبدون لك ودودين للغاية، لكن مع الحرب الأخيرة أصبحوا شديدي التوتر، والارتياب».

تبدو استراتيجية الفصائل في الاستحواذ على هذه الأراضي أبعد من كونها «دجاجة تبيض ذهباً» كما يصفها مسؤولان -سابق وحالي- في وزارة الزراعة العراقية، لكنها على المدى البعيد «ابتلاع مستمر للجغرافيا لصالح نفوذ إيران السياسي».

يقول قيادي شيعي في أحد الفصائل: «كل شبرٍ يتراجع عنه (حزب الله) في جنوب لبنان، تعوّضه إيران بكيلومترات في العراق».

لكن الفصائل تتصادم وهي في طريق تقدمها نحو هذه الأراضي. غالباً ما يفلت زمام الأمور إلى احتكاك، أو اشتباكات. في يوليو (تموز) 2025 قُتل شرطي، ومدني، وعنصر من «كتائب حزب الله» بعد مواجهة عنيفة بين قوة حكومية والفصيل الذي اقتحم دائرة زراعة بغداد في منطقة «الدورة» جنوبي العاصمة لمنع تنصيب مدير جديد لها. كانت العملية في الحقيقة غطاء لـ«تدوير للنفوذ بين الجماعات المسلحة»، كما يقول القيادي الشيعي.

في أعقاب الاشتباكات قالت الحكومة إن مسؤول الدائرة المعنية بتنظيم عقود الأراضي الزراعية متورط، قبل إقالته من منصبه، في «تزوير عقود أدى إلى سلب أراضٍ زراعية من أصحابها الشرعيين».

تبدو رواية الحكومة متماسكة، لكنها لا تعكس كل الصورة. تقول مصادر مختلفة، حكومية وفصائلية، إن اشتباكات دائرة الزراعة لم تكن سوى الحلقة الأخيرة من عمليات سياسية سبقتها بأشهر لتبديل نفوذ الفصائل على هذه الأراضي. يقول أحد المصادر: «الأمر ببساطة إدارة الصراع على الموارد بين الميليشيات».

لم يكن هذا الاحتكاك هو الأول من نوعه خلال السنوات الماضية. فمنذ عام 2020 اعتقلت مديرية أمن «الحشد الشعبي»، وهي المظلة الرسمية لجميع الفصائل المسلحة في العراق، قادة ميليشيات سبق أن كان لهم دور في محاربة تنظيم «داعش»، وأغلقت مكاتب لهم في العاصمة بغداد. كما حدث مع «سرايا طليعة الخراساني» برئاسة علي الياسري، ونائبه حميد الجزائري، وفصيل «جيش المختار» الذي يقوده رجل يدعى واثق البطاط. سبقهما في ذلك اعتقال شخص يدعى حمزة الشمري كان عنصراً محورياً في أنشطة سياحية بين بغداد وبيروت، واتهم بتهريب الأموال، وتجارة المخدرات، ومصادر عديدة تحدثت عن صلاته الوثيقة بميليشيات عراقية.

وسجلت حوادث على أنها «حرق حقول دواجن في الكوت، ومستشفى في بابل، ومطاعم في بغداد، وشركات صغيرة في البصرة»، هي في الحقيقة أعراض جانبية لاحتكاك بين الجماعات المسلحة، وفق شهادات رجل أمن، ومسؤول محلي، وعنصر في فصيل مسلح.

يقول قيادي شيعي مقرب من الفصائل إن «بعض الجماعات المسلحة تعمل كحافظة مالية لصالح (الحرس الثوري) الإيراني، لكنها حين تحصل على أموال تفوق حصة الراعي الأصلي يجري معاقبتها، وإزالتها من اللعبة».

من وجهة نظر نيك غازيتي، وهو باحث أميركي متخصص في الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط، وعمل سابقاً في العراق، فإن «حوادث الاشتباك أو الاعتقال التي تطفو على سطح الميليشيات العراقية بين فترة وأخرى تعود إلى أحد أمرين: صراع محموم على الموارد، أو عقوبة ينفذها (الحرس الثوري) بحق قيادات، أو أفراد خرجوا عن طاعته».

عناصر من القناصة خلال تدريب في معسكر تابع لـ«الحشد الشعبي» (موقع الهيئة)

إدارة التوسع

ينظر إلى عدد من قادة هذه الجماعات على أنهم متمردون على «الحرس الثوري». أقرب الأمثلة التي تستخدم للإشارة إلى هؤلاء هو أوس الخفاجي الذي يقود فصيل «أبو الفضل العباس»، إذ شارك في معارك ضد تنظيم «داعش» في محافظتي صلاح الدين، والأنبار، لكن «لسانه صار خشناً مع طهران».

وكانت قوة من «أمن الحشد الشعبي» اعتقلت الخفاجي في يوليو 2019، وأغلقت مقراً له وسط بغداد بذريعة أنه «وهمي». بعد 4 أشهر أفرج عن الرجل، وصرح بأن سبب اعتقاله هو انتقاده للمشروع الإيراني في العراق، ومعارضته لقتل المحتجين الشباب في أكتوبر (تشرين الأول) 2019.

يميل هشام داود، وهو باحث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، إلى أن الاحتكاكات المتكررة بين الفصائل ليست مجرد صراعات عرضية على النفوذ، أو الموارد، بل هي، في جوهرها، تعبير عن تحولات داخلية عميقة في بنية هذه القوى، وعن انتقالها من طور «التشكّل» إلى طور «إعادة التموضع» داخل الدولة، والمجتمع، لكنه يشدد على أن «أول ما ينبغي تثبيته أن هذه الفصائل -وخاصة الولائية منها لإيران- لا تعمل في فراغ، ولا تمتلك حرية مطلقة في تشكيل الواقع وفق إرادتها».

ويقول سجاد سالم، وهو نائب سابق في مجلس النواب، إن الفرضية التي تساعدنا على فهم احتكاكات الفصائل تتمثل في إدراك عمق الصراع على الموارد الاقتصادية، لأن النفوذ لا يتعلق فقط بقادة هذه الجماعات، بل بشبكة واسعة تعمل تحت هؤلاء، وتضم وجهاء اجتماعيين، وقبليين، وتجاراً، وجيشاً من الموظفين من الكوادر الوسيطة في القطاع العام، وكل هؤلاء لديهم مصالح متحركة، «وكلما تقاطعت لمعت شرارة عنف، وعادة ما يحل (الحرس الثوري) الخلافات».

مثلما يضبط إيقاع التنافس، يقوم «الحرس الثوري» بقطف الثمار من تمدد الميليشيات على الأرض العراقية، إذ تتسع «المحافظ المالية» بوصفها موارد أساسية لإيران، وفي الوقت نفسه بناء المنشآت العسكرية الضرورية للتمدد الإقليمي.

إن هذه المناطق كانت ضرورية لإنشاء «معسكرات تدريب استضافت مقاتلين من جنسيات مختلفة من بلدان محور المقاومة خلال السنوات الماضية، إلى جانب مخازن صواريخ، ومسيرات، وسجون خاصة، ومراكز تحقيق مع معارضي إيران، ومراكز قيادة عملياتية»، وفق قياديين في مجموعتين مسلحتين.

يقول أحد هذين الرجلين: «كل منشأة عسكرية كانت محاطة بحقول ومشاريع استثمارية، ومنتجعات سياحية ينشط فيها مجتمع أفراد الفصائل، ودوائر متعددة من منتفعين منهم».

في الحرب الأخيرة، انكشفت الميزة الميدانية لهذا التوسع الجغرافي، إذ استخدمت منشآت انطلقت منها هجمات صاروخية، أو بالمسيرات من داخل حقول جنوب وغرب البلاد في مناطق قريبة من الشريط الحدودي مع دول الخليج العربي التي تعرضت لعشرات الهجمات بالمسيرات، والصواريخ، وفي محيط بغداد القريبة تم الهجوم على أهداف أميركية داخل العاصمة، وفي الشمال في نينوى وكركوك، القريبتين من أهداف في إقليم كردستان.

حياة الفصائل... تاريخ الدمج

الأسبوع الثاني من الحرب. مشرعون، ومسؤولون حكوميون، وضباط في أجهزة أمن مختلفة ينضمون إلى مجالس عزاء، وجنازات رمزية للمرشد الإيراني علي خامنئي الذي لم يشيع في بلاده حتى اليوم. على الأرجح، كانت المناسبة هي الزمان والمكان اللذين يجتمع فيهما المتنافسون دون احتكاك. هدنة بين صنفين لحليف واحد؛ بين مندمج في الدولة، وآخر ينتظر في «المقاومة». في النهاية يبدو أن الجميع في نفس القارب.

اختفت المنطقة الرمادية في الفضاء العام العراقي؛ لا يقوى كثيرون على إظهار الآراء الوسطية. أخبرني مدون معروف على منصة «إكس» أنه حضر جلسة نظمتها السفارة الإيرانية في بغداد، وسمع دبلوماسياً إيرانياً يوبخ ناشطاً عراقياً لم يكتب شيئاً «دفاعاً عن إيران».

ليس بعيداً عن هذا المناخ، ما تعرض له رئيس «منظمة بدر» هادي العامري حين هاجمه أعضاء قبيلة جنوب البلاد يشاع أنها على صلات عضوية بفصائل مسلحة، وجزء من شبكة الولاء للمرشد الإيراني.

لا تبدو الفصائل الشيعية التي بدأت تدمج في السياسة أنها مرضي عنها في إيران. لقد ازداد الحنق الإيراني عليها مع تصاعد الغارات المتبادلة خلال الحرب. في 17 مارس 2026، انتقد محمد أسد قصير، وهو مدير مكتب المرشد الإيراني في لبنان، «المواقف المترددة لقادة (الإطار التنسيقي) بشأن دعم الجمهورية الإسلامية في إيران».

في الانتخابات التي جرت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، فاز ممثلون عن الفصائل المسلحة بأكثر من 100 مقعد في مجلس النواب، كما تقول تقديرات متداولة في الصحافة المحلية. منذ ذلك الحين بدأت نيران الطبخ تشتعل في أفران تشكيل الحكومة، غالبية الفصائل تتصارع على حصصها في الوزارات، وكلمتها مدوية في هوية المرشح لرئاستها.

يقول قيادي شيعي إن «ممثلي الفصائل لا يحتكرون القرار السياسي داخل (الإطار التنسيقي)، لكن بإمكانهم كسر إرادة الطرف الذي لا يمثل مصالحهم».

تزامنت الحرب مع أوسع عملية اندماج للفصائل المسلحة في مؤسسات الدولة الرسمية، بشقيها التنفيذي والتشريعي، وهي الأكبر التي يشهدها العراق منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003. لطالما حدث الأمر نفسه مرة على الأقل كل خمس سنوات، ولكن على نحو أقل وطأة.

يقول مسؤول شيعي في «التحالف الوطني» -وهو المظلة السابقة التي شكلت حكومتي نوري المالكي- إن الدولة هي النهاية الطبيعية لجماعات المقاومة، «ليس بالضرورة أن يكون ذلك تنفيذاً لرغبة الأميركيين المنزعجين من السلاح المنفلت». يضيف: «لقد بدأ الأمر مع الأميركيين وانتهى إلينا (...) نحن شركاء في هذا دون قصد».

تعود أول عملية دمج للميليشيات في الدولة إلى يونيو (حزيران) 2004 حين أصدر بول بريمر، الحاكم الأميركي «المدني» على العراق حينها، القرار 91 الذي سمح للميليشيات بالاندماج في الدولة تحت عنوان حظرها. لقد أنشأ القرار ما يمكن اعتباره لحظة تأسيس لـ«المنطقة الرمادية» التي ازدهر فيها النفوذ الإيراني في السنوات اللاحقة.

تعامل القرار مع الميليشيات كما لو أنها شركات أمنية، على حد تعبير ضابط متقاعد في الداخلية يقيم اليوم خارج البلاد. يقول: «كان الفصيل ينتقل إلى الوزارات كما لو أنه أبرم عقداً استثمارياً، لكنه في الجوهر اختراق سياسي».

أسرار لعبة الدمج

مع كل موجة دمج، تظهر أذرع جديدة خارج الإطار الرسمي، لتستمر دورة إعادة توزيع النفوذ بين الداخل المؤسسي والخارج المسلح، مصحوبة باحتكاكات تعكس عملية نمو تنافسية.

يوضح الباحث هشام داود أن «بعض هذه الفصائل تشكّل مباشرة بعد 2003، في حين نشأ قسم آخر عبر انشطارات متتالية داخل فضاء التيار الصدري، بزعامة مقتدى الصدر، الذي مثّل في بداياته حاضنة واسعة لتيارات متباينة قبل أن تتفكك إلى تشكيلات مستقلة، ومتناحرة».

ما بين عامي 2005 و2010 حدث الاختراق المؤسسي الأول، حين دخلت جماعات -مثل «منظمة بدر» و«جيش المهدي»- كانت تابعة للتيار الصدري في وزارة الداخلية، ووكالات إنفاذ القانون، وبموازاة صعود نفوذها السياسي. في تلك المرحلة، لم يكن المشهد محصوراً بفصائل آيديولوجية فقط، بل ظهرت أيضاً جماعات محلية الطابع، يقول داود إنها «أقرب إلى تجّار حرب، نشأت من تحولات اجتماعية، حيث تداخلت العصبية العشائرية مع الاقتصاد غير الرسمي، لتنتج تشكيلات ذات طابع مافيوي».

بدأت ملامح «دولة داخل الدولة» في الفترة التي سبقت احتلال تنظيم «داعش» لثلث العراق، وكان نوري المالكي رئيس الوزراء حينها قد أبرم اتفاقاً مع واشنطن لسحب قواتها، لتبدأ الفصائل مرحلة جديدة من النشاط، مثل «عصائب أهل الحق»، بينما شكّلت بالتوازي أجنحة مسلحة جديدة.

يلفت داود إلى نمط ثالث من الفصائل «برز بعد الانسحاب الأميركي، لا قبله، ونشأ بدعم مباشر من الدولة، وتمويلها، خاصة في سياق تصاعد التوترات الطائفية بين 2011 و2014، وتزامناً مع الأزمة السورية»، موضحاً أن «خصوصية هذه الفصائل أنها لم تتكوّن خارج الدولة، بل إلى جانبها، وتغذت منذ البداية على مواردها، ما جعلها أكثر ارتباطاً بمنطق الريع، وأقل استقلالية من حيث القرار».

حدثت الشرعنة الكبرى في الفترة 2014–2017، حيث سمحت الحرب ضد «داعش» للمنتصرين الذين قدموا آلاف الضحايا في سبيل استعادة الأراضي بالحصول على إدماج قانوني، واعتراف منقطع النظير، سياسياً واجتماعياً، رغم خروقات رافقت عمليات هذه الفصائل.

ويعزز داود هذه الصورة بقوله إن هذه المرحلة «مثّلت انتقالاً إلى هيمنة رمزية، ومادية، مستندة إلى دور الفصائل في (إنقاذ الدولة)، خصوصاً عبر مؤسسة (الحشد الشعبي)، ما منحها شرعية مضاعفة».

في السنوات الأخيرة، تمددت الفصائل المسلحة إلى كل شيء تقريباً في الدولة. أصبح نفوذها حاكماً في الوزارات، والمنافذ الحدودية، ومن مظلتها تخرج عقود تجارية، واستثمارات، وولدت شبكات تمويل محلية. تضخم عدد المنتسبين إلى مستويات غير مسبوقة، كما يشير داود، «ما جعلها تتحول إلى قوة اجتماعية–اقتصادية، لا مجرد تشكيل عسكري».

يقول كثيرون من أنصار تحالف «الإطار التنسيقي» إن الحديث عن نفوذ الجماعات المسلحة داخل الدولة «مبالغات صنعتها سرديات إقليمية»، إلا أن الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران ألغت الحدود الفاصلة بين الميليشيات والدولة.

يقول النائب السابق سجاد سالم إن «الميليشيات هي التي تحكم العراق (...)، هذا مبدأ أساسي للنفوذ الإيراني، حتى وإن كان رئيس الحكومة شخصية مقبولة دولياً، وإقليمياً».

في النهاية سيبدو أن الفصائل تدحرجت مثل كرة ثلج صغيرة داخل الدولة قبل عشرين عاماً، وباتت تكبر كلما اندمجت في الدولة. من وجهة نظر سالم، فإن ما حدث يثبت خطأ التصور الأميركي «أن منح السلطة يمكنه تهذيب سلوك الفصائل، ويحد من النفوذ الإيراني».

لقد بلغ هذا التصور مرحلة متقدمة مع وصول محمد شياع السوداني إلى رئاسة الحكومة العراقية عام 2022، حين «تخيلت واشنطن أن بغداد ستقوم بعملية توطين ناعمة للسلاح المنفلت في الدولة»، على حد تعبير مسؤول حكومي سابق.

دمج الفصائل العراقية في الدولة شكل «قصة نجاح» «الحرس الثوري» الإيراني في بغداد. يقول نيك غازيتي إن «العراق هو البيئة المثالية لظهور الفصائل، وربما هي فرصة مثالية لـ(الحرس الثوري)، خصوصاً مع دمجها داخل مؤسسات الدولة العراقية».

بالنسبة لغازيتي، فإن «(الحرس الثوري) يقوم عملياً بتهيئة كادر من موظفي الدولة عقائدياً قبل دمجه في الحياة العامة داخل مؤسسات الدولة العراقية، ما يضمن الولاء شبه المطلق بناء على أسس عقائدية، ومادية أيضاً».

يقول هشام داود: «في هذا السياق، يمكن فهم صعود السوداني بوصفه تعبيراً عن التوازن الفصائلي–السياسي. شبكات نفوذ، وقدرة مالية على استيعاب مطالب الفصائل ذات المصالح المتداخلة».

هذه المصالح «ترسل أحياناً حقائب أموال للمعترضين على صفقة التوازن، حتى لو كانوا في طهران»، وفق تعبير قيادي شيعي.

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

تغيير الجلود... المزيد من المكاسب؟

طيلة أسابيع الحرب تعرضت المنطقة الخضراء إلى مئات الهجمات بالصواريخ، والمسيرات، واستهدفت غالبيتها السفارة الأميركية، ومنشآت حكومية. وبينما كانت واشنطن تتوقع من حكومة محمد شياع السوداني حفظ قواعد الاشتباك المعتادة خلال حرب الـ12 يوماً في يوليو 2025، تحطمت العلاقة بينهما على صخرة الفصائل الصلبة.

لقد ساعدت هذه الحرب على فك الالتباس العراقي بشأن الجماعات الخارجة عن الدولة، إذ تتمركز في داخلها. ومنذ أشهر كان السوداني يكافح للظفر بولاية ثانية في المنصب، مستنداً إلى كتلة نيابية فائزة في الانتخابات التشريعية الأخيرة بنحو 45 مقعداً، أكثر من نصفها فصائل مسلحة موالية لإيران.

يقود السوداني كتلة «الإعمار والتنمية» أكبر الفائزين الشيعة، وهو تحالف غير متجانس يضم أحزاباً، وجماعات مسلحة، بينهم فالح الفياض الذي يترأس هيئة «الحشد الشعبي»، وأحمد الأسدي قائد «كتائب جند الإمام»، وحيدر الغراوي قائد ميليشيا «أنصار الله الأوفياء». بات ينظر إليهم كجزء من القوة الإيرانية الضاربة التي نفذت هجمات في العراق خلال الحرب.

كيف تندمج هذه الفصائل في المؤسسات الحكومية، وتنفذ في الوقت نفسه هجمات ضد إراداتها؟ ثمة تفسيرات مختلفة، لكن النتيجة واحدة.

في شهادة لمسؤول سابق في الحكومة العراقية، يقول إن قوة حكومية اعتقلت خلية صغيرة تضم مسلحين متخصصين بنصب وإطلاق المسيرات بعد وقت قصير من تنفيذها لهجوم على السفارة الأميركية.

أثناء التحقيق مع هؤلاء، تقدم زعيم إحدى الفصائل بـ«طلب غريب» إلى الحكومة: «أحتاج إلى معلومات عن أحد أعضاء الخلية (...)، إنه عضو في فصيلي، لكنني لم أكلفه بهذه المهمة».

في العراق، كان هذا الأمر واحداً من ألغاز ابتكرتها الجماعات الشيعية في العراق. ثمة هيكل سياسي–اقتصادي للفصيل المسلح يندمج في الدولة، بينما تبقى النخبة القتالية خارج الدولة، «تقاوم الدولة نفسها».

كان التصور الأولي، بحسب مصادر متقاطعة، يفيد بأن «الحرس الثوري» يشكل «قوة ضاربة من نخبة مقاتلين ينتمون لفصائل متعددة يعملون تحت إمرته، وينفذون هجمات دون العودة إلى الزعماء المحليين»، لكن الصورة الأكثر قرباً من الواقع تفيد بأن الضباط الإيرانيين، لا سيما النشطاء في قوة «القدس» الإقليمية، يديرون مجموعات خاصة داخل كل فصيل.

يتفق سجاد سالم مع هذا التصور. يقول إن «إيران تتعامل مع كل ميليشيا عراقية على حدة. داخل كل منها مجاميع تتبع إيران، وليس لقائدها المحلي». ويضيف: «تتعامل إيران مع (حزب الله) في لبنان أو الحوثي في اليمن كمشهد واحد بصورة مركزية، إلا في العراق، يدار النفوذ بالتجزئة».

في أبريل 2025، قالت جماعات شيعية إن «الحرس الثوري» طلب منها «القيام بما يلزم» لتجنب الصراع مع الولايات المتحدة، بما في ذلك تسليم سلاحها الثقيل. وفي مارس 2026 (آذار)، قالت جماعات أخرى إنها وافقت على هدنة تشمل وقف الهجمات على السفارة الأميركية.

والحال أنه مع وجود المجموعات الخاصة داخل هذه الفصائل، والتي تتبع هرمياً «الحرس الثوري»، يمكن لزعماء الفصائل إبرام اتفاقات تشمل تسليم السلاح، ووقف الهجمات، وحصد مكاسبها السياسية، دون أن يعني ذلك شيئاً على الأرض.

لا يمكن إغفال عقوبة وزارة الخزانة الأميركية منتصف أبريل (نيسان)، حين اتهمت «عصائب أهل الحق» باستخدام مسيرات إيرانية في مهاجمة القوات الأميركية في شمال العراق عبر قيادي في الفصيل يدعى صفاء عدنان.

منذ مشاركته القوية في حكومة محمد شياع السوداني، يحاول قيس الخزعلي تغيير لغته السياسية، والإيحاء بأنه قادر أيضاً على تغيير جوهره، لكن «إلى أي حد يمكن اعتبار العملية أكثر من تغيير جلد»، على حد تعبير مسؤول سابق في الخارجية الأميركية كان مهتماً بمراقبة «التحولات المثيرة في سيرة الرجل الذي انشق من تيار مقتدى الصدر عام 2006».

جدارية وشعار مجهول في أحد شوارع المنطقة الخضراء ببغداد (الشرق الأوسط)

اليوم التالي للحرب في العراق

منذ إعلان وقف النار وانطلاق مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يمارس الأميركيون ضغوطاً خشنة لتغيير جوهر الحكم في بغداد، رغم أن سجاد سالم يرى أن الحرب أظهرت «من يحكم بغداد بالفعل»، في إشارة إلى الفصائل، ومهما كانت نتائج المفاوضات في إسلام آباد، فإن «طهران ربحت بغداد بالكامل».

مع ذلك، يتصور الباحث هشام داود «اليوم التالي» للحرب، في حال تعزز نفوذ القوى الفصائلية، بأن الدولة المركزية في العراق «لن تتجه نحو الانهيار الكامل، ولا نحو التماسك الصلب، بل نحو نموذج انتقالي من دولة مركزية تحتكر الريع، لكنها موزعة فعلياً بين شبكات نفوذ متعددة».

وفرضت الرسائل الأميركية الضاغطة على الأحزاب الشيعية مسارات محسوبة لتشكيل الحكومة الجديدة، وتدفع باتجاه ربح المعركة مع الإيرانيين عبر تحييد «الحشد الشعبي» من المؤسسة الحاكمة، لكن طهران تبدي ممانعة قوية حتى الآن.

هذا هو الاختبار الحقيقي لقادة «الإطار التنسيقي»، إذ يصلون إلى مفترق الطرق بين حماية نفوذهم المتنامي ضمن صفقة جديدة ليست بعيدة المتغيرات الإقليمية، أو حماية السلاح بوصفه السبيل لجني مكاسب جديدة.

ويقترح نيك غازيتي أنموذجاً كلاسيكياً، حين تحولت الميليشيات الأميركية التي نشأت في فترة حرب الاستقلال عام 1776 إلى «حرس وطني» للولايات المتحدة، لكنه يجد صعوبة في مقاربتها عراقياً بسبب «السردية العقائدية للجماعات الشيعية».

ولأن «العقيدة ليست كل شيء في العراق»، كما يقول مسؤول سياسي بارز في «الإطار التنسيقي»، فإن التحول المحتمل لجماعات «الحشد الشعبي» سيكون هجيناً بين المصلحة والولاء.

ويقول هشام داود إن «شكل الدولة القادمة، لن يكون دولة ما بعد ميليشيا، بل دولة تعيد تعريف نفسها بإدارة مساحة الفصائل –وليس بإلغائها- داخل النظام السياسي».

في بغداد ينظر إلى التحالف الحاكم على أنه خصم لا يتوقف عن القتال، ولا ينزع السلاح، ويريد عقد صفقات سياسية مع محيطه، كما هي الصورة الأوسع في المنطقة؛ لا حرب ولا سلام بين الولايات المتحدة وإيران. وسيبدو الجنود في جدارية «السقوط المحتم للنيازك» في المنطقة الخضراء لوحة تعبيرية عن قادة «الإطار التنسيقي»، يحملون بنادق لحماية مكاسبهم، لكنهم لا ينوون إطلاق النار.


تركيا تواجه «العنف المجتمعي» بعد صدمة هجمات المدارس

أحد آباء ضحايا هجوم مدرسة «آيسر تشاليك» في كهرمان ماراش جنوب تركيا يبكي على نعشه خلال تشييع جنازات الضحايا (رويترز)
أحد آباء ضحايا هجوم مدرسة «آيسر تشاليك» في كهرمان ماراش جنوب تركيا يبكي على نعشه خلال تشييع جنازات الضحايا (رويترز)
TT

تركيا تواجه «العنف المجتمعي» بعد صدمة هجمات المدارس

أحد آباء ضحايا هجوم مدرسة «آيسر تشاليك» في كهرمان ماراش جنوب تركيا يبكي على نعشه خلال تشييع جنازات الضحايا (رويترز)
أحد آباء ضحايا هجوم مدرسة «آيسر تشاليك» في كهرمان ماراش جنوب تركيا يبكي على نعشه خلال تشييع جنازات الضحايا (رويترز)

عاش المجتمع التركي تجربة قاسية وهو يشهد هجومين بالأسلحة على مدرستين في يومين متتاليين أحدثا صدمة هائلة ربما فاق تأثيرها بعض الكوارث الطبيعية كالزلازل؛ لغرابتهما، وهو ما لم يعرفه الأتراك من قبل إلا في أفلام هوليوود.

تعد حوادث إطلاق النار في المدارس التي تعد جرحاً غائراً في العالم، وبخاصة في أميركا، التي باتت فيها هذه الحوادث أمراً مألوفاً، من قبيل الغرائب المفزعة في تركيا التي لم تشهد مثل هذه الحوادث على مدى تاريخها.

اهتزت تركيا بهجومين متتاليين وقع أولهما في 14 أبريل (نيسان)، حيث دخل طالب سابق في مدرسة «أحمد كويونجو» الثانوية الفنية في منطقة «سيفريك» في ولاية شانلي أورفا (جنوب شرقي تركيا)، المدرسة بمسدس وأطلق النار عشوائياً، مما تسبب في إصابة 16 طالباً، قبل أن ينتحر.

الهجوم الثاني، الذي وقع في 15 أبريل الماضي، كان الأكثر غرابة وإيلاماً لأنه حصد أرواحاً بريئة من المعلمين والتلاميذ في مدرسة إعدادية، كما أن منفذه لم يتجاوز الـ14 من عمره، لكنه تأثر بما شاهد عبر منصات التواصل الاجتماعي من حوادث مشابهة في أميركا.

الحادثة، التي نفذها «عيسى أراس مرسينلي» الطالب في الصف الثامن بمدرسة «آيسر تشاليك» الإعدادية في كهرمان ماراش، مستخدماً 5 أسلحة تعود إلى والده مفتش الشرطة، وأفرغ خلالها 7 مخازن ذخيرة في صفين دراسيين، خلَّفت 9 قتلى من زملائه، تتراوح أعمارهم بين 11 و12 عاماً، ومعلمة رياضيات تبلغ من العمر 55 عاماً، حاولت حماية مجموعة من تلاميذها بجسدها، فاخترقه الرصاص.

تفاصيل صادمة

خلَّف الحادثة حزناً عميقاً وغضباً عارماً في الشارع تم التعبير عنه عبر منصات التواصل ووسائل الإعلام، كما أثارت خوفاً لدى المعلمين على حياتهم وهم يمارسون عملهم، وسط انتقادات حادة من المواطنين وأحزاب المعارضة لحكومة الرئيس رجب طيب إردوغان، لغياب التدابير الأمنية في المدارس، ومطالبات بإقالة وزير التعليم، يوسف تكين.

مسعفون ينقلون جثامين القتلى في حادثة إطلاق النار بمدرسة «آيسر تشاليك» الإعدادية في كهرمان ماراش (إعلام تركي)

منفِّذ الهجوم «عيسى أراس مرسينلي»، شارك على حسابه في «واتساب»، صورة للأميركي إليوت رودجر، الذي نفَّذ هجوماً في حرم جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا عام 2014، وكان يبلغ من العمر 22 عاماً، فقتل 6 أشخاص، قبل أن يُنهي حياته، ونشر قبيل هجومه مقطعاً مصوراً قال فيه إن ما سيقدم عليه هو بمنزلة «عقاب» للنساء اللواتي رفضنه.

وكتب مرسينلي اسمه على «واتساب» قبل الحادثة: «عيسى أراس مرسينلي قاتل المدرسة»، لكنه لم ينتحر كما فعل الأميركي رودجر ربما لأنه كان ينوي مواصلة إطلاق النار قبل أن يتصدى له والد تلميذين في المدرسة يعمل طاهياً وتصادف وجوده في منزله مقابل المدرسة عند وقوع إطلاق النار، فهرع لإنقاذ نجليه، وفي الطريق أمسك بالمهاجم واشتبك معه وأصابه بسكين في ساقه اليمني من الخلف ليلقى حتفه بسبب النزيف، كما بيَّن الطب الشرعي.

مفتش الشرطة، والد مرسينلي، اعتُقل في يوم الحادثة وأدلى باعترافات صادمة، أكد فيها أن ابنه كان يعاني مشكلات نفسية، وأنه رفض مؤخراً زيارة الطبيب النفسي، وأنه لاحظ قبل شهر من ارتكابه جريمته اهتمامه المتزايد بالأسلحة، ومن أجل تحويل انتباهه عنها قام بتدريبه على إطلاق النار على أهداف ثابتة قبل وقوع الهجوم بيومين فقط. لكن الأب لم يكن يتصور أن لدى ابنه القدرة على استخدام السلاح بهذا الشكل، الذي نفّذ به جريمته.

وقال الأب إن ابنه كان «منشغلاً باستمرار بأجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة، وكان يلعب ألعاباً تفاعلية، وكان يرفض أن يُري أحداً أي شيء، وكان يتحدث الإنجليزية، وإنه هو نفسه لم يكن يفهم ما يُقال لعدم معرفته بالإنجليزية، ولهذا السبب لم تتمكن الأسرة من رصد أي سلوك معادٍ لديه».

عائلات طلاب مدرسة «آيسر تشاليك» الإعدادية في كهرمان ماراش جنوب تركيا عقب تعرضها لهجوم مسلح على يد أحد الطلاب (رويترز)

وأعلنت ولاية كهرمان ماراش، وقف ضابط شرطة عن العمل، كان مسؤولاً عن ميدان الرماية، حيث درَّب فيه والد منفذ هجوم المدرسة ابنه على إطلاق النار، بعد انتشار مقاطع فيديو له وهو يطلق النار ويصوّب على أهداف بمساعدة والده.

وأكدت التحقيقات أن الحادثتين فرديتين ومنفصلتين، وأنه لا يوجد أي رابط بين منفذيهما.

غضب واسع وانتقادات

وقررت وزارة التعليم إغلاق مدرسة «آيسر تشاليك» حتى نهاية العام الدراسي الحالي، وتوزيع طلابها على مدارس أخرى قريبة بناءً على طلب أولياء الأمور بسبب الحالة النفسية لأطفالهم، على أن يُتخّذ القرار النهائي بشأنها لاحقاً.

تظاهر آلاف المعلمين بإسطنبول مطالبين بوقف العنف في المدارس واستقالة وزير التعليم التركي يوسف تكين (حساب اتحاد نقابات المعلمين في «إكس»)

وأثار الهجومان المتتاليان غضباً واسعاً في أوساط المعلمين، وخرج الآلاف منهم في احتجاجات في مختلف أنحاء البلاد بدعم من نقابات العاملين بالتعليم واتحاد النقابات، وتجمع نحو 4 آلاف معلم في ميدان «تان دوغان» في العاصمة أنقرة في اليوم التالي لهجوم مدرسة كهرمان ماراش، محاولين السير إلى مبنى وزارة التعليم لكن الشرطة قامت بتطويق التجمع ومنعت المسيرة.

ودعا اتحاد نقابات العاملين بالتعليم إلى إضراب لمدّة يومين في عموم تركيا، وسط مطالب بوقف العنف في المدارس والشوارع، وإقالة وزير التعليم يوسف تكين.

ضعف الأمان التعليمي

كشفت الهجمات المسلّحة على المدرستين عن جوانب الضعف الأمني ​​في المؤسسات التعليمية، وأعادت إلى الأذهان مطالبة المعارضة، خلال اجتماع لجنة التخطيط والميزانية بالبرلمان في سبتمبر (أيلول) 2025، بزيادة ميزانية وزارة التعليم البالغة 1.9 تريليون ليرة تركية، بمقدار 225 مليار ليرة إضافية لتلبية احتياجات المدارس من عمال النظافة والأمن والصحة العامة.

ورفض نواب حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، وحليفه حزب «الحركة القومية»، ما قالوا إنها مزاعم نقص الأمن في المدارس، قائلين إنه «مشهد من تركيا القديمة، وإنه تم تخصيص حراس أمن لـ132 مدرسة عالية الخطورة»، ورفضوا اقتراح المعارضة.

ولفت نائب رئيس حزب «الشعب الجمهوري»، سعاد أوزتشاغداش، إلى أن هجومَي مدرستَي شانلي أورفا وكهرمان ماراش، جاءا بعد سلسلة حوادث عنف واعتداءات مسلحة فردية في المدارس، لافتاً إلى 16 حادثة على الأقل منذ بداية العام الحالي.

ورأى نائب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب، مراد أمير، أن الفقر والبطالة والمشكلات الأسرية والنفسية والعنف، وتراجع جودة التعليم، وعجز الحكومة عن أداء دورها على النحو الأمثل، كلها عوامل تُؤجّج العنف في المدارس.

في المقابل، تعهَّد الرئيس رجب طيب إردوغان بعدم ترك الحادثتين تمرّان من دون عقاب المقصرين أياً كانت مواقعهم، قائلاً إن «من واجبنا الأخلاقي والضميري ألا يُستغلّ هجوم كهذا الذي أشعل نار الغضب في قلوب أمتنا بأسرها، في جدل سياسي أو لتحقيق مكاسب إعلامية».

زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل (حساب الحزب في «إكس»)

وقال زعيم المعارضة رئيس حزب «الشعب الجمهوري»، أوزغور أوزيل، إنه «في المرحلة التي وصلنا إليها اليوم، بات من الواضح أن العنف في المدارس لم يعد يُفسّر بحوادث معزولة، يجب أن يكون أمن المدارس من أهم أولويات تركيا الآن».

تحركات عاجلة

وأثارت الحادثتان عديداً من التساؤلات حول الدوافع التي تقف وراء ارتكاب مثل هذه الجرائم، ودور المدارس والعائلات ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي والدراما فيها، إضافةً إلى مسألة حمل السلاح المرخص وفوضى الأسلحة غير المرخصة.

وتحركت تركيا على الفور باتجاه تشديد العقوبات على الأطفال مرتكبي الجرائم وعائلاتهم، وسن قانون خاص بوسائل التواصل الاجتماعي، وفرض قيود على البرامج التلفزيونية التي تتضمن محتوى يُحرّض أو يشجّع على العنف.

وزير العدل التركي أكين غورليك (من حسابه في «إكس»)

وقال وزير العدل، أكين غورليك، إنه بعد هجومين شانلي أورفا وكهرمان ماراش، سنتخذ إجراءات لتشديد العقوبات على الأطفال الذين ينجرّون إلى الجريمة، وسنُسنّ قانوناً خاصاً بوسائل التواصل الاجتماعي، وسنتناول البرامج والمنشورات على منصات التواصل الاجتماعي والبرامج التلفزيونية التي تشجع على هذا السلوك.

وأضاف غورليك أنهم بدأوا العمل على وضع لائحة قانونية لا تشمل فقط مرتكب الجريمة، بل أيضاً البيئة التي رعته وأهملت مسؤولياتها الرقابية، و«إذا لزم الأمر، سنُحمّل الأسر أيضاً مسؤولية إهمالها واجباتها الرقابية والمسؤولية تجاه بعض الجرائم التي يرتكبها الأطفال، لا سيما جرائم العنف والقتل».

كان توقيف والدة منفّذ هجوم مدرسة كهرمان ماراش بتهمة الإهمال والتقصير في القيام بما يلزم تجاه تلقي نجلها العلاج النفسي اللازم واستكماله، أولى الخطوات في هذا الصدد.

نشرت السلطات التركية عناصر من الشرطة لتأمين المدارس عقب هجومي شانلي أورفا وكهرمان ماراش (رويترز)

وفرضت وزارة التعليم التركية عقب الهجومين إجراءات أمنية جديدة عبر نموذج أمني تشارك فيه وزارة الداخلية من خلال نشر عناصر من الشرطة في محيط المدارس في جميع أنحاء البلاد وتعميم البوابات الإلكترونية، وتطبيق إلزامية الحضور إلى المدرسة بالزي المدرسي فقط، وعدم السماح بدخول مبنى المدرسة لأي شخص غير المعلمين والطلاب والموظفين خلال ساعات الدوام.

وحسب النموذج الجديد، سيتمكن أولياء الأمور من دخول المدرسة فقط عبر نظام المواعيد، مع إبراز الهوية، وسيسمح لهم بتسليم أغراض الطلاب إلى نقطة الأمن بدلاً من إدخالها إلى الصفوف، كما سيتسلمون أبناءهم بعد انتهاء اليوم الدراسي من منطقة انتظار مخصصة، مع عدم السماح لهم بالبقاء فيها بعد الاستلام، مع تشديد عمليات التفتيش على الطلاب عند الدخول إلى المدرسة في بداية اليوم الدراسي، وفرض عقوبات تأديبية فورية على المخالفين، والتواصل مع أولياء الأمور عبر الرسائل الفورية في حال تأخر الطالب عن دخول المدرسة أو خروجه مبكراً.

كما يتضمن النظام الجديد آليات للإبلاغ عن حوادث التنمر في المدارس عبر خط ساخن، وتفعيل استخدام الذكاء الاصطناعي في المراقبة والرصد.

قيود على «التواصل الاجتماعي»

باتت وسائل التواصل الاجتماعي هدفاً لمزيد من القيود، ونفَّذت السلطات حملة اتخذت فيها إجراءات قانونية ضد 130 صاحب حساب على منصات التواصل الاجتماعي، ممن نشروا منشورات تتعلق بالهجومين، وتم توقيف 411 شخصاً، وحظر الوصول إلى 1104 حسابات، وتم تحديد الحسابات التي أثارت قلقاً عاماً باستهدافها المدارس والتهديد بشن هجمات؛ وفي هذا السياق، تم احتجاز 67 مستخدماً استهدفوا 54 مدرسة.

وتم تقديم طلبات لإزالة المحتوى وحظر الوصول إلى 66 رابطاً على تطبيق «تلغرام»، تبين أنها نشرت منشورات استفزازية، وتم إغلاق مجموعة على التطبيق ذاته تضم نحو 100 ألف عضو، حيث تم تبادل صور متعلقة بالهجمات.

البرلمان التركي أقر قانوناً فرض قيوداً على استخدام الأطفال قبل سن 15 عاماً منصات التواصل الاجتماعي (حساب البرلمان في «إكس»)

وأقر البرلمان التركي قانوناً يحظر ​استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ‌لمن هم دون سن 15 عاماً، ويفرض قواعد ​جديدة على المنصات الرقمية، ​بما في ذلك شركات ⁠برمجيات الألعاب، مع تعديل ​تشريعات قائمة مثل قانون ​الخدمات الاجتماعية وقوانين أخرى.

ويلزم القانون المنصات التي تضم أعداداً ​كبيرة من المستخدمين ​بتعيين ⁠ممثل لها في تركيا، و​تصنيف الألعاب وفق الفئات العمرية للمستخدمين.

وقالت وزيرة الأسرة، ماهينور غوكطاش، إنه يجري العمل على تطبيق نظام للتحقق من العمر لدخول منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن الحكومة لا تهدف إلى حظر هذه المنصات وإنما الرقابة على محتوياتها.

ودعت غوكطاش المنصات وشركات تطوير الألعاب إلى التعاون لإنتاج محتوى نظيف وحماية الأطفال من التنمر ومن المواد التي تحض على العنف.

وللحد من احتمالات وصول الأسلحة إلى المدارس واستخدامها في ارتكاب جرائم مماثلة، قال غورليك إن وزارة العدل تدرس إدخال تعديلات على قانون المسؤولية الجنائية لحاملي رخص حيازة الأسلحة النارية في الحالات التي تُرتكب فيها جرائم نتيجة سوء تخزينها في المنزل وتركها في متناول الأطفال (كما حدث في جريمة مدرسة كهرمان ماراش)، وتصنيف جرائم القتل التي تُرتكب في المدارس والأماكن المشابهة على أنها جرائم قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد.

وأضاف أنه فيما يتعلق بالبرامج التلفزيونية التي تروّج للعنف وتشجع على استخدام الأسلحة، فإننا نتخذ الخطوات اللازمة ونخطط لإصدار لوائح تنظم المسؤولية الجنائية بشكل خاص.

وتفاعلاً مع الخطوة، قامت شركات الانتاج بمراجعة مشاهد العنف واستخدام السلاح في عدد من المسلسلات التلفزيونية، في مقدمتها «أشرف رؤيا» و«تحت الأرض»، وقامت بعض الشركات المعلنة بسحب دعمها للمسلسلات التي تُظهر المافيا ويُحتمل أن تحرض على العنف.

رئيس حزب «الجيد» القومي مساوات درويش أوغلو (من حساب الحزب في «إكس»)

وانتقد رئيس حزب «الجيد» القومي المعارض الحكومة، قائلاً: «أتمنى ألا يرسل أي أب أو أم طفلهما إلى المدرسة خائفاً، وألا تُذكر أي مدينة مرة أخرى بالمآسي التي عانى منها أطفالها».

وأضاف أن الإجراءات الأمنية المتخَذة في المدارس، وحظر وسائل التواصل الاجتماعي، وتركيب البوابات عند مداخل المدارس، غير فعّالة في منع مثل هذه الحوادث، لافتاً إلى أن «الأطفال لا يذهبون إلى المدارس وهم خائفون وقلقون فقط من هذه الهجمات، بل إنهم عالقون في دوامة من عدم اليقين، ومحاطون بالغموض، ويُنتقص من قيمتهم أمام أعيننا».

جرائم الأطفال وفوضى السلاح

سلَّط الهجومان الداميان في مدرستي شانلي أوفا وكهرمان ماراش الضوء على العنف بين الأطفال والقصَّر وانتشار السلاح المرخَّص وغير المرخَّص على نطاق واسع، يصل إلى حد الفوضى.

وتشير تقارير وإحصاءات رسمية إلى زيادة مقلقة في جرائم القتل والإصابة بين القصَّر في تركيا، حيث ارتفعت قضايا القتل التي تورَّط فيها أطفال بنسبة 131 في المائة بين عامي 2015 و2024.

كانت جريمة اغتيال الصحافي التركي من أصل أرميني، هرانت دينك، في وضح النهار عام 2007 أمام مقر صحيفة «آغوس»، التي تصدر بالتركية والأرمينية، في وسط إسطنبول، والتي كان يرأس تحريرها، واحدة من الحوادث التي دقت، بشدة، ناقوس الخطر، حول جرائم الأطفال والقصَّر.

الجريمة نفَّذها صبي يُدعى «أوجون ساماست» (17 عاماً)، تم تدريبه على السلاح في مدينة طرابزون بمنطقة البحر الأسود في شمال تركيا، وإرساله من قبل مجموعة من القوميين المتشددين لقتل دينك، بسبب موقفه في الدفاع عن الأقلية الأرمنية، ومحاولة تحقيق مصالحة بين الدولة التركية والأرمن الذين يشعرون بالمرارة بسبب ما يزعمون أنها «إبادة جماعية» بحق الأرمن ارتكبها الأتراك في عهد الدولة العثمانية عام 1915 إبان الحرب العالمية الأولى، وراح ضحيتها نحو 1.5 مليون أرميني، فيما تؤكد تركيا أن الحوادث التي وقعت في شرق الأناضول في ذلك الوقت أوقعت ضحايا من الجانبين.

اغتيال الصحافي التركي - الأرميني 2007 في إسطنبول على يد صبي قاصر دق ناقوس الخطر حول جرائم الأطفال وفوضى السلاح في تركيا (أرشيفية - صحيفة «آغوس»)

وأثار اغتيال دينك ردود فعل غاضبة واسعة النطاق داخل تركيا، وسرعان ما تحولت القضية إلى فضيحة بعد ما تبين أن سلطات الأمن التركية كانت على علم بوجود تخطيط لاغتياله لكنها لم تتحرك لمنعه، أو اتخاذ إجراءات لحمايته.

وتشير تقارير وإحصاءات حديثة إلى حالة قلق وطني متزايد في تركيا بشأن ظاهرة «التسلح الفردي»، وإلى وجود نحو 40 مليون قطعة سلاح في البلاد، الغالبية العظمى منها (نحو 90 في المائة) غير مرخصة.

ووفقاً لتقرير أصدره «وقف أوموت» للدراسات الاجتماعية، يوجد نحو 2.5 إلى 4 ملايين سلاح مرخص فقط، مقابل عشرات الملايين من الأسلحة غير القانونية، وأن هناك تقريباً 9 أسلحة غير مرخصة مقابل كل سلاح مرخص واحد.

ورصد التقرير ارتفاع معدلات العنف، ووقوع 3 آلاف و422 حادثة عنف مسلح في عام 2025، استُخدمت الأسلحة النارية، بما فيها بنادق الكلاشينكوف والبنادق الآلية، في 85 في المائة من هذه الحوادث، واستُخدمت جميع أنواع الأدوات الحادة، من السكاكين إلى الفؤوس، في 15 في المائة منها.

وتوزعت الهجمات المسلحة على مناطق مختلفة من تركيا، وسُجّل أعلى تركيز للحوادث في منطقة مرمرة، بنسبة 29.23 في المائة، تلتها منطقة البحر الأسود بنسبة 14.71 في المائة، ثم منطقة جنوب شرقي الأناضول (التي شهدت حادثتي المدرستين) بنسبة 14.44 في المائة.

وبلغت النسبة في منطقة بحر إيجة 12.54 في المائة، ووسط الأناضول 12.30 في المائة، ومنطقة البحر المتوسط 11 في المائة، وشرق الأناضول بنسبة 5.78 في المائة.

كما أظهرت تقارير أخرى أن 15 شخصاً على الأقل يُقتلون يومياً في تركيا بحوادث إطلاق نار. وتحذر جهات حقوقية من سهولة الحصول على الأسلحة عبر الإنترنت بأسعار زهيدة، مما جعلها في متناول الأطفال والقصَّر أحياناً.

وأسفرت عمليات نفَّذتها السلطات الأمنية التركية خلال عام 2025 عن ضبط أكثر من 110 آلاف سلاح غير مرخص، واتخاذ إجراءات قانونية ضد نحو 119 ألف شخص، وتم تعديل القوانين لرفع عقوبة حيازة سلاح غير مرخص لتصبح الحبس من سنتين إلى 4 سنوات، بدلاً من سنة إلى 3 سنوات، سابقاً، لتعزيز الردع.

دوافع وحلول

وصف خبراء أتراك مختصون في علم النفس والاجتماع، استطلعت «الشرق الأوسط» آراءهم حادثتي مدرستي شانلي أورفا وكهرمان ماراش، بـ«الحريق الاجتماعي» الذي تجاوز مجرد الحوادث المعزولة، وذهبوا إلى تحديد عدد من الدوافع والأسباب التي تقف وراء مثل هذه الحوادث، مؤكدين أن هذه الهجمات لا تنجم عن عامل واحد، بل عن مزيج من الأزمات المتراكمة على مدى سنوات، والاستياء، وضياع الانتماء، والإذلال، والميول الانتحارية، والأوهام العنيفة، وتقليد الجناة السابقين، وسهولة الوصول إلى الأسلحة، وهو ما يتطابق أيضاً مع دراسات عميقة أُجريت في هذا الصدد.

معلمة بمدرسة «آيسر تشاليك» في كهرمان ماراش التي شهدت هجوماً خلّف قتلى وجرحي تدعو وهي تبكي أمام المدرسة بينما نثر المعلمون وأولياء الأمور زهور القرنفل الأحمر على الدرج (أ.ف.ب)

واتفق الخبراء والأكاديميون على أن العنف المدرسي لا يمكن منعه إلا من خلال نهج متعدد الجوانب لا يقوم على التدابير الأمنية فحسب، وأن الوعي المبكر، والتواصل الأسري الفعال، والبيئة المدرسية الشاملة، والخطاب الإعلامي الواعي، وتوفير نظام للفهم والدعم العاطفي للأطفال من أهم ركائز هذا الأمر.

وعدَّت رئيسة الجمعية التركية لطب نفس الأطفال والمراهقين، الدكتورة نسليهان إينال، حادثتي المدرستين بمنزلة جرس إنذار على انهيار متزامن لنظام تعليمي، وبنية أسرية، وسياسات اجتماعية تركز حصراً على «الالتحاق بالجامعة»، متجاهلةً مواهب الأطفال واحتياجاتهم النفسية.

ورأت أنه لا يمكن تفسير انخراط الأطفال في الجريمة بنوبة جنون عابرة أو بالعوامل الوراثية فقط، وأن أهمَّ عاملٍ كامنٍ وراء الميل إلى الجريمة هو العوامل البيئية والإهمال، لافتةً إلى دور العامل الاقتصادي، وارتفاع معدلات الاكتئاب والميل إلى العنف والجريمة لدى الأطفال والمراهقين مع ازدياد الفقر.

ولفتت إلى ظاهرة التنمر، التي بلغت في تركيا 40 في المائة، متجاوزةً المعدل العالمي، محذرةً من أن تستر كثير من المدارس عليها يهيئ بيئة خصبة لردود فعل انتقامية عنيفة.

وأيَّدت الأكاديمية المتخصصة في علم نفس الأطفال والمراهقين، إليف كارا أوغلو، ما ذهبت إليه إينال بشأن الفقر بوصفه عاملاً في زيادة العنف، لافتةً إلى أن الهجومين وقعا في بيئة فقيرة في ولايتي شانلي أورفا وكهرمان ماراش، وأن ما حدث لم يكن مفاجئاً لها لأنه يعد تطوراً لحوادث العنف التي بدأت على نطاق فردي، حتى ولو لم يُستخدم فيها السلاح.

والدة أحد ضحايا هجوم مدرسة كهرمان ماراش جنوب تركيا تبكي على نعشه في أثناء تشييع جنازات الضحايا (إعلام تركي)

وأشار الدكتور عاكف تاشدمير إلى أن العامل الحاسم في تحول الغضب إلى جريمة هو سهولة وصول المراهقين إلى الأسلحة، وبخاصة أسلحة الآباء، منبهاً إلى تأثير العنف الأسري والبيئة، وأن العائلات الاستبدادية بشكل كبير، أو غير المبالية تماماً تسهم في نشأة سلوكيات عدوانية لدى الأطفال.

وذهب إلى أن زيادة الاستقطاب الاجتماعي ولغة الغضب في المجتمع تؤثر بشكل مباشر على المراهقين والشباب، وتجعلهم أكثر عرضة لتبني سلوكيات عنيفة.

وأكدت الأكاديمية نورسال إنجي أن التعرض المستمر لمحتوى عنيف، سواء في الدراما أو الألعاب، يؤدي إلى فقد الحساسية الاجتماعية، وتعزيز رؤية الجاني بطلاً أو وسيلة لتحقيق الشهرة لدى المراهقين بدلاً من كونه مجرماً، محذرةً من أن العزلة في غرف مغلقة مع ألعاب تنافسية عنيفة يُضعف قدرة المراهق على إدارة مشاعره وقدرته على اتخاذ قرارات سليمة في الواقع.

وأوضحت أنه يمكن التعرف مبكراً على الميل إلى العنف لدى الأطفال والمراهقين، حيث تعد بعض التغيرات السلوكية مثل نوبات الغضب المفاجئة، وتحدي القواعد والسلوك التهديدي، والانسحاب من المحيط الاجتماعي، مؤشرات على هذا الميل.

ونصحت بأن يتم اعتماد، بدلاً من العقاب، العمل على تحويل أخطاء المراهقين إلى فرص تعليمية وتدريبهم على مهارات السيطرة على الغضب والتعاطف قبل وصولهم إلى مرحلة الانفجار.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended