كيف جنّدت ودربت «حماس» مقاتلين جدداً خلال الحرب؟

«الشرق الأوسط» تنشر صوراً لمطبوعات تدريب عسكرية استخدمتها «القسام»

TT

كيف جنّدت ودربت «حماس» مقاتلين جدداً خلال الحرب؟

مطبوعة تدريبية عسكرية لـ«كتائب القسام» تشرح نقاط ضعف دبابة الميركافا الإسرائيلية (الشرق الأوسط)
مطبوعة تدريبية عسكرية لـ«كتائب القسام» تشرح نقاط ضعف دبابة الميركافا الإسرائيلية (الشرق الأوسط)

أظهر إعلان من «حماس» وتأكيد من وزير الخارجية الأميركي السابق، أنتوني بلينكن، أن الحركة الفلسطينية تمكنت من تجنيد وتدريب مقاتلين خلال الحرب على غزة، التي استمرت على مدار 15 شهراً.

ولم تُخفِ «حماس» تمكنها من تجنيد «آلاف المقاتلين»، وقال الناطق باسم «كتائب القسام» (الذراع العسكرية للحركة) أبو عبيدة، في يوليو (تموز) الماضي: «تمكنا من تجنيد آلاف المقاتلين الجدد خلال الحرب، وتأهيل بعض القدرات المهمة وتجهيز الكمائن وتصنيع العبوات والقذائف، وإعادة تدوير مخلفات العدو».

وكذلك أكد وزير الخارجية الأميركي السابق، في آخر خطاباته كوزير، في 14 يناير (كانون الثاني) الحالي، تجنيد «حماس» لمقاتلين جدد، وقال: «تشير تقديراتنا إلى أن (حماس) جندت عدداً من المسلحين الجدد يساوي تقريباً عدد من فقدتهم، وهذه الخطوة تشير لاستمرار الانتفاضة والحرب».

وطرحت الإفادات الأميركية والتأكيدات «الحمساوية» أسئلة مُعلقة بشأن الكيفية التي اتبعتها الحركة لتجنيد وتدريب مقاتلين في أجواء الحرب؛ غير أن مطويات تدريب عسكرية تابعة لـ«حماس» عثر عليها مراسل «الشرق الأوسط» في أنقاض مخيم جباليا شمال غزة فسرت جزئياً الآلية التي اتبعتها الحركة لتأهيل عناصرها.

مطبوعة تدريبية عسكرية لـ«كتائب القسام» تشرح نقاط ضعف دبابة الميركافا الإسرائيلية (الشرق الأوسط)

وشهد مخيم جباليا عملية عسكرية إسرائيلية خاصة ومكثفة استمرت نحو 100 يوم، وأسفرت عن مقتل عشرات من الضباط والجنود الإسرائيليين، حسب اعترافات من الجيش، فيما لم تعلن «حماس» عن خسائرها في تلك المعارك.

طبيعة التدريبات

وتتضمن المطويات التي جاء معنونة بـ«سلاح ضد الدروع – لواء الشمال» وتحمل تاريخ عام 2023، تعليمات عسكرية تدريبية من جانب، وأخرى تتعلق بكيفية استخدام الأسلحة الخفيفة والقذائف الصاروخية الموجهة وغيرها، في إطار محاولات الكتائب توجيه المجندين الجدد لتنفيذ العمليات ضد القوات الإسرائيلية.

كما تُوجه المطبوعات المتدربين لتنفيذ قواعد الرماية والتسديد والمسافة المطلوبة للإضرار بالآليات الإسرائيلية وتحديداً دبابة الميركافا وأماكن الضعف فيها، التي يمكن من خلالها توجيه الضربات نحوها وتفجيرها.

وتشرح المطويات كذلك أساسيات استخدام قذائف RBG، وقذيفة PG-7V، وقذيفة F-7، وقذيفة BG-7M، وقذائف الياسين والتاندوم والصيني والروسي، والـTBG.

ومع إشارة مصادر من حركة «حماس»، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «هذه المطويات والكتيبات وغيرها، موجودة منذ سنوات لتعليم المجندين في (القسام)، الذين كانوا يتدربون في المواقع العسكرية عملياً عليها»؛ فإن المصادر قالت كذلك: «إن وجود تلك المطويات في أماكن الاشتباكات (في جباليا) كان بهدف مساعدة المقاومين خاصة المجندين الجدد على التعامل مع العدوان».

مطبوعة تدريبية عسكرية لـ«كتائب القسام» تشرح طريقة استخدام أنواع القذائف المختلفة (الشرق الأوسط)

وقالت المصادر إن «تلك المطويات التدريبية ساعدت كثيراً في المعارك التي دارت بمناطق القطاع وخاصةً في شماله الذي تعرض لعدوان مكثف وأوسع من غيره». وأضافت: «كذلك القدرات العسكرية كانت تتآكل، لكن القادة الميدانيين تداركوا ذلك سريعاً من خلال عمليات التجنيد وإيجاد بدائل لإدارة المعركة».

المقاتلون الجدد... من هم؟

تقول المصادر إن من جنّدتهم «القسام» خلال الحرب هم عناصر من المتدربين على الأسلحة في دورات عسكرية سريعة كانت تعقد لهم باعتبارهم مستجدين وذلك «قبيل الحرب». واستدركت أنه «بعد فقدان أعداد كبيرة من العناصر الأساسية المقاتلة، تم استدعاء المتدربين للمشاركة في المعارك، إلى جانب آخرين تم تجنيدهم خلال العدوان من العناصر الموالية للحركة، ولكن من دون تلقي تدريبات واسعة كما كان قبل، وتم الاكتفاء بتلقينهم بعض الأساسيات السريعة للتعامل مع الواقع الميداني».

المصادر من «حماس» شرحت كذلك أن «هؤلاء المقاتلين (الجدد) كانوا برفقة مقاتلين مُتمرسين، ومع ذلك في ظل إمكانية حدوث تطورات ميدانية كانت لديهم تعليمات مكتوبة وأخرى تتعلق باستخدام الأسلحة غير المعتادة مثل القذائف الموجهة (الياسين مثلاً) وغيرها، لكنهم جميعاً كانوا يتقنون استخدام الأسلحة الخفيفة مثل الكلاشنيكوف، وغيره».

ومع إقرار المصادر بأن خبرة المقاتلين الجدد كانت «قليلة في التعامل الميداني وتكتيكاته» وأن بعضهم واجه «صعوبات»، فإنها عادت وأكدت أن «قتال حرب العصابات والشوارع، كان أسهل بالنسبة لهم».

وأفادت المصادر أن غالبية هؤلاء كان لهم «دور كبير في معارك شمال غزة وخاصةً جباليا وبيت لاهيا، بينما عدد قليل منهم قاتل في بيت حانون، وشارك في عمليات أدت لقتل جنود إسرائيليين».

عملية تضليل

ويبدو أن «حماس» سعت إلى تكريس فكرة قدرتها على التجنيد خلال أولى عمليات تبادل الرهائن بعد إقرار الهدنة مع إسرائيل، يوم الأحد الماضي، إذ ظهر عناصر «كتائب القسام» بشكل علني وكبير خلال العملية وسط مدينة غزة التي تُعد نسبياً جزءاً من شمال القطاع.

وجرى التسليم بعد عملية «تضليل» أمني نفّذتها حركة «حماس»؛ إذ تفيد مصادر بأنها «سيّرت مركبات بأنواع مشابهة لتلك التي تنقل الأسرى، وأخرى مختلفة الشكل من أحياء عدة في مدينة غزة في آنٍ واحد».

وتضيف المصادر أنه «بالتزامن مع تسيير المركبات تم توجيه رسائل إلى عناصر (حماس) بالاحتشاد في ساحة السرايا، لمحاولة منع تتبع المركبة المحددة التي كانت تنقل الأسيرات».

عدد المقاتلين

ولم تقدم المصادر عدداً واضحاً للمجندين الجدد الذين أطلق عليهم بعد خطاب «أبو عبيدة» تعبير «مجندين 2024»، وهو مصطلح أطلقه نشطاء محسوبون على «حماس» في داخل وخارج غزة، عبر شبكات التواصل الاجتماعي للسخرية من القدرات الإسرائيلية.

ووفق تقديرات نشرتها بداية الشهر الحالي «هيئة البث الإسرائيلية»، نقلاً عن مصادر عسكرية، فإن العدد «يصل إلى 4 آلاف مقاتل»، ووجهت المصادر نفسها اتهامات إلى محمد السنوار (شقيق القائد الراحل للحركة في غزة يحيى السنوار) القيادي البارز في «القسام» بالمسؤولية عن ذلك.

صورة وزعها الجيش الإسرائيلي في 17 ديسمبر الماضي لمحمد السنوار شقيق يحيى في سيارة داخل أحد أنفاق «حماس» قرب معبر إيرز شمال قطاع غزة (الجيش الإسرائيلي - رويترز)

وذهبت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية إلى أن السنوار الشقيق يحاول «إعادة بناء قدرات حركة (حماس)»، مشيرة إلى أن «حملة التجنيد التي قامت بها (حماس) خلال الحرب، واستمرارها في القتال شكّل تحدياً كبيراً لإسرائيل، التي عادت مرات عدة لمناطق من القطاع كانت تعلن أنها طهّرتها من المسلحين، إلا أنه في كل مرة كانت تواجه مقاومة عنيفة».

ويقدر أن عناصر «القسام» كانوا قبيل الحرب نحو 30 ألف مقاتل، ينتمون إلى 5 ألوية، مقسمة على 24 كتيبة.

وقدر وزير الخارجية الأميركي السابق، أن «حماس» جنّدت عدداً من المقاتلين بقدر ما خسرته في غزة.

وانتقد بلينكن في خطاب له أمام المجلس الأطلسي استراتيجية إسرائيل في غزة، وقال: «لقد أوضحنا للحكومة الإسرائيلية منذ فترة طويلة أن (حماس) لا يمكن هزيمتها بحملة عسكرية وحدها، وأنه دون بديل واضح وخطة لما بعد الصراع وأفق سياسي موثوق للفلسطينيين، فإن (حماس) سوف تنمو مرة أخرى».

وأشار حينها إلى أن إسرائيل لا تزال تواجه مقاومة في شمال غزة. وقال: «هذا بالضبط ما حدث في شمال غزة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول)، في كل مرة تكمل فيها إسرائيل عملياتها العسكرية وتسحب (حماس)، يعيد المسلحون تجميع صفوفهم ويعودون للظهور لأنه لا يوجد شيء آخر لملء الفراغ».


مقالات ذات صلة

تدهور الوضع الإنساني والأمني في غزة مع استمرار هجمات العصابات

المشرق العربي فتى فلسطيني يجرّ خردة معدنية من مبانٍ مدمّرة في حي النصيرات بغزة (أ.ف.ب)

تدهور الوضع الإنساني والأمني في غزة مع استمرار هجمات العصابات

تتدهور الأوضاع الإنسانية والأمنية في غزة جراء القيود الإسرائيلية على المعابر، تزامناً مع استمرار الهجمات الميدانية للعصابات المدعومة من الجيش الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي نساء يواسين ابنة ناشط في «حماس» بعد مقتله وزوجته في غارة إسرائيلية استهدفت مبنى سكنياً في مدينة غزة الثلاثاء (أ.ف.ب) p-circle

قوة إسرائيلية تختطف ناشطاً في «القسام» من خان يونس

اختطفت قوة خاصة إسرائيلية، بدعم وإسناد من عناصر العصابات المسلحة، ناشطاً في «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس»، بخان يونس جنوب قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص لافتة في طهران تحمل صورة زعيم «حماس» الراحل يحيى السنوار (إ.ب.أ) p-circle

خاص يحيى السنوار... الصورة «الشعبية» إذ تطاردها مشاهد الدمار

بعد 3 سنوات على هجوم السابع من أكتوبر، كيف تبدو صوره مفجره وصاحب فكرته يحيى السنوار... هل زادت أم تراجعت شعبيته؟

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص جنديان إسرائيليان يشغلان طائرة مسيّرة (الجيش الإسرائيلي) p-circle

خاص لماذا كثفت إسرائيل استخدام الطائرات الانتحارية في غزة؟

باتت الطائرات المسيَّرة الانتحارية تُمثل لاعباً مهماً في العمليات الإسرائيلية داخل غزة خصوصاً مع استخدامها مؤخراً بكثافة خلال عمليات اغتيال لقيادات فصائلية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطيني يعطي طفلاً شربة ماء من كيس اشتراه بشيقل في أجواء بالغة الحرارة بمدينة غزة أغسطس 2025 (أ.ب) p-circle

نشطاء «حماس» يواجهون صعوبات في تصريف رواتبهم «الكاش»

يبدو أن حركة «حماس» باتت فعلياً تواجه أزمة كبيرة فيما يتعلق بتوافر «الكاش» لدى نشطائها وموظفيها.

«الشرق الأوسط» (غزة)

بغداد والمنامة تتطلعان إلى «توحيد المواقف» إزاء قضايا المنطقة

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال لقائه ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة في المنامة 4 نوفمبر 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال لقائه ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة في المنامة 4 نوفمبر 2026 (رويترز)
TT

بغداد والمنامة تتطلعان إلى «توحيد المواقف» إزاء قضايا المنطقة

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال لقائه ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة في المنامة 4 نوفمبر 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال لقائه ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة في المنامة 4 نوفمبر 2026 (رويترز)

قالت البحرين، الأربعاء، إن رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي الذي زار المنامة الأربعاء، أعرب عن «إدانته للعدوان الإيراني على المملكة»، وذلك بعد لقائه الملك حمد بن عيسى آل خليفة، وولي العهد سلمان سلمان بن حمد آل خليفة.

وقال مكتب رئيس الوزراء في بيان، إن الزيدي التقى العاهل البحريني خلال زيارته الرسمية إلى العاصمة المنامة، ووجّه إليه دعوة لزيارة العراق، مشيراً إلى أن الزيارة تأتي لإحياء العلاقة التاريخية بين البلدين.

وأكد الزيدي السعي إلى توطيد التعاون الثنائي في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والتجارية والسياسية والاجتماعية، مبيناً أن البلدين يمتلكان أمناً مشتركاً، وأنه لا بد من توحيد المواقف إزاء القضايا الإقليمية والدولية.

وشدد على أهمية العمل لتحقيق الاستقرار في المنطقة وتغليب لغة الحوار، لإحلال السلام وإنهاء التوتر.

من جانبه، رحَّب عاهل البحرين بزيارة رئيس الوزراء العراقي، معتبراً أنها ستفتح آفاقاً جديدة للعلاقات بين البلدين، مؤكداً دعم بلاده للحكومة العراقية، مشيراً إلى أهمية العمل لتحقيق الأمن والاستقرار والمحافظة على المصالح المشتركة، وتوطيد العلاقات الثنائية بما يعزز العمل العربي المشترك.

وأوردت وكالة أنباء البحرين، أن الملك حمد بن عيسى آل خليفة «أعرب عن تقديره لجهود دولة رئيس الوزراء العراقي وحرصه على تعزيز أطر التعاون الثنائي وتوثيق الروابط المتينة مع المملكة، ومواقف جمهورية العراق وتضامنها ودعمها لمملكة البحرين وإدانتها للعدوان الإيراني الذي استهدف المملكة».

من جانبه، أكد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء البحريني، على العلاقات التاريخية الوطيدة التي تربط مملكة البحرين وجمهورية العراق وما تشهده من تقدمٍ مستمر، مشيراً إلى أهمية مواصلة العمل على تعزيز وتطوير أوجه التعاون والتنسيق المشترك بين البلدين في مختلف المجالات، والأخذ بها نحو آفاقٍ أرحب بما يحقق الأهداف والتطلعات المشتركة.

والتقى ولي العهد البحريني مع الزيدي في قصر «القضيبية»، حيث أكد الحرص على مواصلة البناء على ما تحقق من تعاونٍ مثمر، وخلق مزيدٍ من الفرص المستقبلية التي تعود بالخير والنماء على البلدين والشعبين، وفق وكالة أنباء البحرين.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال لقائه ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة في المنامة 4 نوفمبر 2026 (رويترز)

إدانة «العدوان الإيراني»

وأعرب رئيس مجلس الوزراء البحريني عن تقديره لجهود رئيس مجلس الوزراء بجمهورية العراق، وما يبديه من حرصٍ على مواصلة تعزيز التعاون الثنائي وتوثيق الروابط المتينة مع البحرين، ومواقف العراق وتضامنها ودعمها للبحرين وإدانتها العدوان الإيراني الذي استهدف المملكة.

كما جرى خلال اللقاء بحث عدد من القضايا وتطور الأحداث الإقليمية والدولية موضع الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها مستجدات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط وتبادل وجهات النظر بشأنها، وأكد الجانبان في هذا الجانب دعمهما لكل المساعي الرامية لترسيخ الأمن الاستقرار وتعزيز السلم في المنطقة لما فيه مصلحة دولها وشعوبها.

وأعرب الزيدي عن شكره وتقديره لولي العهد البحريني «على ما يبديه سموه من حرصٍ واهتمام بمواصلة تطوير العلاقات الثنائية التي تجمع البحرين وجمهورية العراق والأخذ بها نحو مستوياتٍ أكثر تقدماً، بما يعود بالخير والنماء على البلدين والشعبين الشقيقين».


مخاوف زجّ لبنان بالحرب تتصاعد وسلام يحذّر من «مغامرة عبثية»

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (الرئاسة اللبنانية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (الرئاسة اللبنانية)
TT

مخاوف زجّ لبنان بالحرب تتصاعد وسلام يحذّر من «مغامرة عبثية»

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (الرئاسة اللبنانية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (الرئاسة اللبنانية)

تتزايد في لبنان التحذيرات السياسية والرسمية من مغبة زج البلاد في أي مواجهة عسكرية مقبلة في المنطقة، في ظل الحديث عن ارتفاع احتمالات التصعيد بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وعدم وجود ضمانات لعدم مشاركة «حزب الله» في أي مواجهة إلى جانب حلفائه الإقليميين، لا سيما بعد االمعلومات المتعلقة بمشاركة خبراء من الحزب في العمليات العسكرية في اليمن إلى جانب الحوثيين.

وفي موقف حمل دلالات سياسية واضحة، ولا سيما أنه جاء عقب لقاء بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام في القصر الرئاسي، جدّد سلام رفضه القاطع لجرّ لبنان إلى أي حرب جديدة، مؤكداً أن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى حصراً بيد الدولة ومؤسساتها الدستورية.

وقال سلام: «أمام مخاطر تجدّد الحرب في المنطقة، أكرّر التحذير من مغبّة جرّ لبنان إلى أيّ مغامرة عبثية جديدة خدمة لمصالح خارجية وزجّه في مواجهات لا يملك ترف تحمّل تبعاتها».

وأضاف: «إنّ حماية لبنان مسؤولية وطنية تقتضي تغليب مصلحته العليا على أيّ حساب آخر، والالتزام بأن يكون قرار الحرب والسلم حصراً بيد الدولة ومؤسساتها الدستورية. ولن نقبل أن يُفرض على اللبنانيين مصيرٌ لم يختاروه، أو أن يتحوّل وطنهم مجدّداً ساحةً لصراعات الآخرين».

ولم يقتصر موقف سلام على رفض زجّ لبنان في أي مواجهة إقليمية، بل ذهب إلى إدانة أي تدخل لبناني في الشؤون الداخلية للدول العربية، في إشارة مباشرة إلى مشاركة «حزب الله» في العمليات باليمن، قائلاً: «إنني أستنكر وأدين بشدة قيام أي عناصر أو مجموعات لبنانية بالتدخل في الشؤون الداخلية للأشقاء العرب، ولا سيما القيام بأي شكل من النشاطات العسكرية التي تهدد أمن وسلامة بلادهم، وآخرها ما أعلنته حكومة اليمن الشقيق». وشدد على أن هذه الأعمال «لا يمكن أن ينتج منها سوى الضرر للبنان ومصالح أبنائه»، مؤكداً الحرص على احترام سيادة الدول العربية وأمنها.

وبعد الظهر، أعلنت رئاسة الجمهورية أن الرئيس عون اتصل برئيس مجلس القيادة الرئاسي في الجمهورية اليمنية الدكتور رشاد محمد العليمي، وأبلغه حرص لبنان على سيادة الدولة اليمنية ورفض تدخل أي أفراد أو مجموعات في شؤونها الداخلية أو القيام بنشاطات تمس أمنها واستقرارها وسلامة أبنائها.

تطمينات بلا ضمانات

وأوضحت مصادر وزارية أن زيارة سلام إلى القصر الرئاسي سبقت جلسة مجلس الوزراء المقررة في السراي الحكومي الخميس، قبل أن يعلن عن تأجيلها بعد الظهر إلى الأسبوع المقبل، مشيرة إلى أن اللقاءات بين رئيسي الجمهورية والحكومة تسبق عادة الجلسات التي لا تُعقد في القصر الجمهوري؛ بهدف التشاور في جدول الأعمال والتطورات العامة.

وبعد الظهر، أعلنت رئاسة الحكومة تأجيل الجلسة إلى الأسبوع المقبل بسبب مغادرة وزير الطاقة إلى قطر لمتابعة المباحثات مع الجانب القطري لتطوير قطاع الكهرباء، لا سيما وأنه كان يفترض البحث بملف الكهرباء.

وأوضحت المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن اللقاء تناول، إلى جانب جدول أعمال الجلسة، نتائج الانتخابات النصفية الأميركية والتهديدات الإسرائيلية المتواصلة ضد لبنان، إضافة إلى المعلومات المتداولة عن مشاركة «حزب الله» في اليمن. ولفتت إلى أن المواقف التي أطلقها سلام، بالتوافق مع الرئيس عون، جاءت في ضوء المعطيات والوقائع القائمة، لا سيما الحديث عن احتمالات التصعيد الإقليمي والمعلومات التي أشارت إلى مشاركة خبراء من «حزب الله» في اليمن.

وأكدت المصادر أن هذه المواقف تجدد التأكيد على توجه رئاسة الجمهورية والحكومة الرافض لزج لبنان في أي حرب جديدة، على غرار ما حصل في مراحل سابقة، مشيرة إلى أن «هناك بعض التطمينات التي وصلت من قِبل (حزب الله) بأنه لن يدخل الحرب، لكن لا توجد أي ضمانات في هذا الإطار»؛ ما يبقي «الحذر والترقب سيد الموقف».

الجميّل: لا يمكن التعويل على ضمانات «حزب الله»

وفي سياق المواقف السياسية اللبنانية الرافضة أي انخراط في مواجهة إقليمية، وضع رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل احتمال جرّ لبنان إلى حرب جديدة إلى جانب إيران في صدارة المخاطر، محذّراً من تكرار تجربة حروب الإسناد.

وقال الجميّل إن «الدولة لا يمكنها التعويل على ضمانات (حزب الله)، الذي يرتبط قراره العسكري بإيران و(الحرس الثوري)»، مشدداً على ضرورة «إصدار تحذير رسمي حاسم مقرون بإجراءات تنفيذية يتولاها الجيش اللبناني لمنع انخراط لبنان في أي مواجهة».

وعدّ أن «قرار الحرب والسلم ليس بيد (حزب الله)»، داعياً القوى الشيعية التي لا تأتمر بأوامر طهران، وفي مقدّمها المعارضة الشيعية وحركة أمل، إلى «اتخاذ موقف عملي واضح يرفض زج البلاد في الحرب»، مع ضرورة حماية هذه القوى من الترهيب.

مؤيدون لـ«حزب الله» يردّدون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (د.ب.أ)

أبو فاعور: إدخال لبنان في الحرب خطيئة لا تُغتفر

من جهته، حذّر عضو اللقاء الديمقراطي النائب وائل أبو فاعور، من خطورة المرحلة، عادَّاً أن المنطقة برمتها تقف على صفيح ساخن، وأن احتمالات الحرب لا تزال قائمة ما لم تنجح تسويات اللحظة الأخيرة.

وقال أبو فاعور إن «المنطقة برمّتها على صفيح ساخن، وإن طبول الحرب تقرع ما لم تنجح تسويات اللحظة الأخيرة، في حين تواصل قوات الاحتلال تدمير الجنوب من دون رادع».

ورأى أن «إقدام أي طرف داخلي، وتحديداً (حزب الله)، على إدخال لبنان في حرب كهذه إذا اندلعت، يشكّل خطيئة لا تُغتفر بحق لبنان واللبنانيين».

وأضاف أبو فاعور: «لإيران مصالحها، وللبنان مصالحه التي يقرّرها اللبنانيون بتفاهمهم عبر مؤسساتهم الدستورية. كفى تدميراً للبنان على يد الاحتلال الإسرائيلي من أجل مصالح إيران وحساباتها التي لا تقيم اعتباراً لأحد سواها».

«حزب الله» ينفي مشاركته في عمليات اليمن

وفي مقابل الموقف الرسمي، سارع «حزب الله» إلى نفي مشاركة خبراء في إدارة العمليات العسكرية إلى جانب الحوثيين، مؤكداً أن هذه الاتهامات «عارية عن الصحة جملة وتفصيلاً ولا تستند إلى أي وقائع».

وشدد الحزب على أن «الشعب اليمني يمتلك من القدرات والإمكانات والخبرات ما يجعله قادراً على الدفاع عن بلده وسيادته وأنه ليس بحاجة إلى دعم أو تدخل من أحد».


حلفاء طهران في بغداد وبيروت يرون في خسارة حزب ترمب «نصراً» لإيران

متظاهرون إيرانيون يحملون رسماً ساخراً للرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال تجمع أمام السفارة الأميركية السابقة في طهران الأربعاء (إ.ب.أ)
متظاهرون إيرانيون يحملون رسماً ساخراً للرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال تجمع أمام السفارة الأميركية السابقة في طهران الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

حلفاء طهران في بغداد وبيروت يرون في خسارة حزب ترمب «نصراً» لإيران

متظاهرون إيرانيون يحملون رسماً ساخراً للرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال تجمع أمام السفارة الأميركية السابقة في طهران الأربعاء (إ.ب.أ)
متظاهرون إيرانيون يحملون رسماً ساخراً للرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال تجمع أمام السفارة الأميركية السابقة في طهران الأربعاء (إ.ب.أ)

تماهى حلفاء إيران في العراق ولبنان مع موقفها من نتائج الانتخابات النصفية الأميركية؛ إذ رأت في خسارة حزب الرئيس الأميركي دونالد ترمب للأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب، «ضربة سياسية» له، ورفضاً شعبياً أميركياً للحرب (على إيران).

وتجاوزت أصداء نتائج الانتخابات في أوساط حلفاء إيران، حدود المشهد الانتخابي الداخلي، لتتحول إلى مادة سياسية لقراءة تداعياتها على المواجهة الأميركية مع إيران، وعلى مستقبل السياسات التي انتهجتها إدارة دونالد ترمب في المنطقة.

بغداد

ففي بغداد، لم تعلق القوى الأساسية في البلاد على نتائج الانتخابات النصفية الأميركية، لكن ثمة اعتقاداً ساد جماعات موالية لإيران، منذ إعلان النتائج فجر الأربعاء، بأن «خسارة ترمب انتصار لإيران».

وكتب ناشطون مقربون من فصائل وقوى شيعية، أن إيران «كسبت بالفعل جولة جديدة من الحرب مع الولايات المتحدة»، في إشارة إلى نتائج الانتخابات الأميركية.

وقال صلاح العرباوي، رئيس حزب «وعي» في تدوينة، إن «إيران أغلقت الطريق، وليس مضيق هرمز، بعد خسارة كل من ترمب و(بنيامين) نتنياهو» رئيس الحكومة الإسرائيلية.

وكانت دوائر سياسية في «الإطار التنسيقي»، الحاكم في العراق، تراقب عن كثب الانتخابات الأميركية، على حد تعبير أعضاء في «الإطار التنسيقي». وقالت إنهم كانوا يربطون النتائج باحتمالات وتوقيت استئناف الحرب ضد إيران.

وانتقد الناشط السياسي المستقل، حامد السيد، أوساطاً عراقية تفترض أن خسارة الجمهوريين انتصار لإيران. وكتب السيد في تدوينة على «إكس» أن «الملف الإيراني أحد عوامل خسارة الجمهوريين في الانتخابات النصفية، لكن الناخب الأميركي يصوت وفق حسابات أكثر قرباً من مصالحه الداخلية».

مع ذلك، اعتبر المحلل السياسي إياد السماوي، في تدوينة عبر منصة «تلغرام»، أن «إيران حققت فوزاً كاسحاً، لأن ترمب خسر هامش المناورة العسكرية والسياسية وسيكون تحت وطأة رقابة أشد من الديمقراطيين».

بيروت

وفي بيروت، قادت السفارة الإيرانية موقف الدائرين في فلكها؛ إذ نشرت في «إكس» تعليقاً استحضرت فيه تجارب تاريخية، معتبرة أن «محاولات إخضاع إيران تنعكس سلباً على أصحابها داخل الولايات المتحدة، وأن المواجهة معها قد ترتد على من يخوضها سياسياً».

وقالت: «حين تُغيّر إيران النظام في أميركا! من طبس، حيث تبدّدت آمال كارتر بولاية ثانية، إلى صناديق الاقتراع، حيث دفع ترمب ثمن مواجهته الخاسرة مع إيران... كلّما حاول رئيس أميركي إخضاع طهران، ارتدّت عليه بلطجته في عقر داره».

وفي السياق نفسه، عكس مؤيدو إيران، خصوصاً جمهور «حزب الله»، هذا الموقف بتعليقاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، معتبرين أن التراجع الانتخابي للجمهوريين واستعداد الديمقراطيين لاستعادة السيطرة على مجلسي الكونغرس يشكلان ضربة سياسية لترمب وسياساته، وانعكاساً لفشل نهج الضغط والمواجهة الذي اعتمده تجاه إيران.

وتذهب هذه الأوساط إلى اعتبار النتائج انتكاسة للمشروع المعارض لإيران، الذي راهن على تشديد الخناق عليها ومحاولة تغيير موازين القوى في المنطقة.

وتتوسع هذه القراءة لتربط بين الصندوق الانتخابي الأميركي والسياسات الخارجية لواشنطن، مستحضرة الحروب والتدخلات العسكرية ودعم إسرائيل، وما خلّفته من تداعيات في لبنان وفلسطين واليمن، باعتبار أن الإدارة الأميركية لم تكن بمنأى عن كلفة خياراتها الإقليمية، وأن انعكاساتها تجاوزت حدود المنطقة لتصل إلى الداخل الأميركي.

وفي المقابل، تتخذ بعض التعليقات طابعاً أكثر مباشرة، من خلال تصوير نتائج الانتخابات على أنها رسالة سياسية إلى ترمب، وتذكير بأن المواجهة مع إيران لا تخلو من أثمان داخل الولايات المتحدة نفسها.