«فخّخوا هاتفه مرتين حتى انفجر»... تفاصيل جديدة عن اغتيال يحيى عياش

سمحوا لزوجته بالسفر إلى غزة وتتبّعوا آثارها... لكنهم فشلوا في الوصول إليه عبرها

القيادي البارز في «كتائب القسام» يحيى عياش الذي اغتالته إسرائيل عام 1996 (رويترز)
القيادي البارز في «كتائب القسام» يحيى عياش الذي اغتالته إسرائيل عام 1996 (رويترز)
TT

«فخّخوا هاتفه مرتين حتى انفجر»... تفاصيل جديدة عن اغتيال يحيى عياش

القيادي البارز في «كتائب القسام» يحيى عياش الذي اغتالته إسرائيل عام 1996 (رويترز)
القيادي البارز في «كتائب القسام» يحيى عياش الذي اغتالته إسرائيل عام 1996 (رويترز)

بعد 30 سنة من اغتيال «المهندس» يحيى عياش، أحد مؤسسي «كتائب عز الدين القسام»، الذراع العسكرية لحركة «حماس»، عاد النقاش في إسرائيل إلى الموضوع الشائك: هل الاغتيالات مجدية بشيء؟ وفي حين يؤكد خبراء كثيرون أن مكان كل شخصية تم اغتيالها حلّ عشرات الشخصيات التي كانت أشد فتكاً، ما زالت غالبية القادة الإسرائيليين السياسيين والعسكريين يؤمنون بهذه الطريقة، ويعتبرون الاغتيالات «فناً وإبداعاً» يعزز من قدرات إسرائيل الأمنية وقوة ردعها.

وفي فيلم بثه التلفزيون الإسرائيلي الرسمي «كان 11» بمناسبة مرور 3 عقود على اغتيال عياش في 5 يناير (كانون الثاني) 1996، قال وزير الزراعة، آفي ديختر، الذي شغل منصب رئيس «الشاباك» (المخابرات العامة)، وكان قائداً للجهاز في المنطقة الجنوبية في فترة الاغتيال، إن «الاغتيالات عملية استراتيجية ما كان ممكناً لإسرائيل أن تتنازل عنها في حربها على الإرهاب».

وقال قائد آخر سابق في «الشاباك»، وهو عادي كارمي، إنه «ما من شك في حيوية الاغتيالات. فالخطأ ليس أننا اغتلنا حسن نصر الله، بل في أننا تأخرنا في ذلك؛ فها هو (حزب الله اللبناني) ينهار بعد غياب قائده، و(حماس) تتخبط بعد اغتيال إسماعيل هنية ويحيى السنوار ومحمد الضيف ومحمد السنوار وغيرهم».

وكانت إسرائيل قد اغتالت عياش في 5 يناير 1996 بتفجير هاتف أرسله إليه «الشاباك»، وهي الطريقة التي استُلهمت منها عملية الاغتيالات الجماعية لنشطاء «حزب الله» بـ«البيجر» و«الوكي توكي» في شهر سبتمبر (أيلول) من عام 2024.

عنصر أمن في «حزب الله» يحمل جهاز «وكي توكي» بعد إزالة البطارية أثناء تشييع عناصر بالحزب قُتلوا خلال تفجيرات «البيجر» (أ.ف.ب)

وقد روى الوزير ديختر قصة هذا الاغتيال وهو يحمل جهاز هاتف من النوعية نفسها التي تم تفجير رأس عياش بها. وقال وهو يبتسم فرحاً: «عندما أنهيت عملي في المنطقة الجنوبية، فاجأوني بمنحي هذا الجهاز هدية، رمزاً لدوري في الاغتيال».

وأضاف أن «رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين أمر بالإطاحة برأس يحيى عياش، في أعقاب سلسلة عمليات تفجير وقعت في المدن الإسرائيلية الكبرى. لكن اليمين الإسرائيلي المتطرف اغتال رابين، قبل أن يتمتع برؤية قراره وهو ينفّذ».

مَن هو عيّاش؟

يحيى عبد اللطيف عيّاش (1966-1996) كان ابناً لعائلة عُرفت بماضٍ سياسي نضالي قديم ضد الانتداب البريطاني، ثم الاحتلال الإسرائيلي، وتعيش في بلدة رافات الواقعة في محافظة سلفيت، ما بين نابلس ورام الله وقلقيلية. والده، الذي عمل مزارعاً، ثم حجاراً، يصفه بأنه «كان طفلاً منطوياً وهادئاً لا يحب الاختلاط بأبناء جيله».

درس يحيى عياش الهندسة الكهربائية في جامعة بيرزيت، وتخرج في عام 1993، واستغرق في التعليم 8 سنوات، بدلاً من أربع، وذلك بسبب كثرة الإضرابات والإغلاقات (الاحتلال أغلق الجامعة سنتين من 1986 إلى 1988)، وتزوج بابنة خالته، هيام عياش، في عام 1991، ولكنه لم يعرف الاستقرار يوماً واحداً، بسبب كثرة المداهمات الاحتلالية للبيت.

وظّف عياش المواد التي درسها بالجامعة في شكل مختلف من العمل الفلسطيني المسلح، خصوصاً بعدما اختارت «منظمة التحرير الفلسطينية» بقيادة ياسر عرفات، طريق الكفاح السياسي، وشاركت في مؤتمر مدريد للسلام (عبر الوفد المشترك مع الأردن)، ثم بدأت مفاوضات أوسلو.

المصافحة التاريخية برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون بين ياسر عرفات وإسحاق رابين بعد توقيع اتفاق أوسلو بواشنطن في سبتمبر 1993 (غيتي)

بدأت المخابرات الإسرائيلية في ملاحقة يحيى عياش عندما كُشف النقاب عن إعداده عبوة ناسفة وزرعها بسيارة مفخخة، وأرسل ثلاثة فدائيين لتفجيرها في حي رمات أفعال شمال تل أبيب في سنة 1992، وقد فشلت العملية وأُلقي القبض على اثنين من ركاب السيارة، واعترفا بأن القائد يحيى عياش هو الذي أعد الخطة، لكن ذلك لم يمنعه من تنفيذ عمليات صغيرة أخرى لاحقاً.

غير أن العمليات الكبيرة التي نُفذت، وزعزعت المجتمع الإسرائيلي، تمت في سنة 1994، ففي حينه نفذ طبيب يهودي مستوطن مذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل، خلال صلاة التراويح في رمضان. وقد رد عياش بسلسلة عمليات كبرى أدت إلى مقتل نحو 60 إسرائيلياً وجرح المئات، فرصد الجيش الإسرائيلي والمخابرات قوات هائلة تلاحق عياش، بينها سلاح الجو ومجموعة عملاء للتجسس وزرع أجهزة تنصت وتحسّس حديثة.

إعجاب إسرائيلي بقدرته على الهرب

يعبر الجنرال جدعون عيزرا، نائب رئيس «الشاباك» الأسبق عن إعجابه بقدرات عياش على الهرب، ويقول في مقابلة مع صحيفة «معاريف»: «إن نجاح يحيى عياش في الفرار والبقاء، حوّله إلى هاجس يسيطر على قادة أجهزة الأمن ويتحداهم. فقد أصبح رجال المخابرات يطاردونه وكأنه تحدٍّ شخصي لكل منهم، وقد عُقدت اجتماعات لا عدد لها من أجل التخطيط لكيفية تصفيته... لقد كرهته، ولكني قدّرت قدرته وكفاءته».

وفي مطلع عام 1995، اضطر عياش إلى الانتقال من رام الله للعيش في غزة، وبعد عدة شهور قرر الاستقرار هناك، فانتقلت زوجته أيضاً إلى غزة. فقرر «الشاباك» التركيز على تحركاتها واستخدامها كميناً للإيقاع به، لكن هذه الجهود فشلت.

وعندما ولدت الزوجة ابنهما الثاني، صُعق قادة «الشاباك»، واعتبروا ذلك فشلاً ذريعاً لهم، وراحوا يفتشون عن وسائل أخرى لاغتياله، وكلها فشلت.

كيف جاءت فكرة الاغتيال؟

يقول ديختر إن الضابط «ج» (رمز كودي)، جاءه بـ«الفكرة الإبداعية» لتفجير رأسه بهاتف مفخخ، فمنحه الضوء الأخضر، بعد استشارة القيادة العليا. وفي تلك الفترة تم اغتيال رابين، وحلّ محله شيمعون بيريز، فأجاز العملية، متأثراً بكثرة عمليات التفجير في المدن الإسرائيلية.

الرئيس الإسرائيلي شيمعون بيريز يمنح وسام التميز الرئاسي للدبلوماسي الأميركي هنري كيسنجر بالقدس في 19 يونيو 2012 (إ.ب.أ)

وأضاف ديختر أن الضابط «ج» أحضر هاتفاً جوالاً من النوع القديم، واتفق على إرساله إلى أسامة حماد، من دون متفجرات، حتى يعتاد عليه. ولكي يضمنوا وصوله إليه كانت هناك حاجة لترتيب العلاقة معه، فهو لا يستقر في مكان واحد.

والطريقة التي وجدوها، ونجحت، كانت في تجنيد عميل. فاختاروا شاباً يُدعى أسامة حماد، يعمل واشياً صغيراً، وكان لأسامة عم يُدعى كمال حماد، وهو مقاول كبير يعمل في غزة، ولديه أيضاً أعمال في إسرائيل، فاستدعوا المقاول إلى «الشاباك»، وراحوا يبتزونه: «إن لم تتعاون معنا فستخسر كل رأس مالك»، فوافق على التعاون، وجنّد قريبه أسامة ليستأجر بيتاً في بيت لاهيا، شمال غزة.

وتمكن هذا من التودد إلى عياش من خلال شبكة علاقات واسعة، وكان مطلوباً منه أن يستضيف عياش في بيته، مرة في الأسبوع لكي يكلم والده. وقام بتخريب الهاتف الأرضي حتى يضطر إلى استخدام الهاتف الذي جلبه له «الشاباك». فعندما اعتاد عياش على التكلم بهذا الهاتف، والمخابرات الإسرائيلية تتنصت عليه، طلب من أسامة أن يحضر الجهاز لإجراء تصليحات فيه، وجلبه فعلاً، فأعادوه إليه بعدما زرعوا فيه 50 غراماً من المواد المتفجرة.

وجرت المكالمة المخطط لها، لكن الجندي الإسرائيلي المسؤول عن تفعيل الانفجار ضغط على الزر الخطأ، فلم ينفجر، وكان عليه أن يعيده مرة أخرى لتفخيخه من جديد، وفي 5 يناير 1996 أُجريت المكالمة ووقع الانفجار بصمت.

ما مصير الوشاة؟

تسود تقديرات بأن أسامة وعمه لم يعرفا أن الهاتف مفخخ، وحسبا أن القصد هو التجسس على مكالمات عياش. وقد اعتقلت السلطة الفلسطينية أسامة حماد، لكن عمه هرب إلى إسرائيل، وحُكم عليه غيابياً بالإعدام رمياً بالرصاص، وتمت مصادرة أملاكه في غزة بتاريخ 21 مايو (أيار) 2000، وتم تهريبه إلى الولايات المتحدة.

لكن العم لم يستطع التعايش هناك، فعاد إلى إسرائيل. ولا يُعرف مصيره حتى اليوم، إلا أن أحد الضباط الذين كانوا يعملون معه التقاه بالصدفة في مجمع تجاري في تل أبيب، فشكا أمامه أن إسرائيل خدعته ونكثت عهدها معه، فخسر كل شيء، ولم يحصل على تعويض، وبات محبطاً ويائساً.

وأما عياش فقد حلّ محله آخرون لا يقلون عنه في القدرات العسكرية، في حين اعتقلت إسرائيل أرملته، هيام عياش، من بيتها في الضفة الغربية، في الذكرى الثلاثين لاغتياله، بدعوى أنها نشرت في الشبكات الاجتماعية كلمات تحريض على إسرائيل.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تقتل 6 بينهم 5 من شرطة «حماس»

خاص فلسطينيون يعاينون الركام في مبنى دمرته غارة جوية إسرائيلية بمخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة يوم السبت (أ.ب)

إسرائيل تقتل 6 بينهم 5 من شرطة «حماس»

«حماس»: ما يجري من جرائم وخروقات وتصعيد متواصل يمثل انقلاباً واضحاً على التفاهمات والاتفاقات المبرمة برعاية الوسطاء.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يحملون صور القائد العسكري لـ«حماس» عز الدين الحداد خلال تشييعه في مدينة غزة يوم 16 مايو 2026 (أ.ف.ب)

خاص إسرائيل استغلت ثغرات عائلية للوصول إلى قيادات في «حماس»

واجهت إسرائيل صعوبات في بداية الحرب للوصول إلى قيادات «حماس» الذين احتموا بالأنفاق أسفل الأرض، قبل أن تتغير تحركاتهم بعدما باتت تلك الأنفاق لا توفر لهم الحماية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فتى فلسطيني يقف وسط حطام مبنى دمره قصف إسرائيلي في مخيم النصيرات بوسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«حماس» تتهم إسرائيل بالتنصل من تفاهمات التهدئة

اتهمت حركة «حماس»، اليوم السبت، إسرائيل، بخرق التفاهمات والاتفاقات الخاصة بوقف إطلاق النار في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيان يعاينان ركام مبنى بعد استهدافه بغارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين وسط قطاع غزة الخميس (أ.ب)

عصابات مسلحة تتصل بآلاف الغزيين لإجبارهم على إخلاء مناطقهم

وردت رسائل «واتساب»، وكذلك اتصالات من أرقام إسرائيلية، لسكان بعض المناطق في غزة، طالبتهم بإخلاء مناطق سكنهم بحجة أنه سيتم قصفها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي نيكولاي ملادينوف الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» (إ.ب.أ) p-circle

ملادينوف يحذّر من تحول الوضع الراهن في غزة إلى «وضع دائم»

حذّر نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام»، من خطر أن يصبح «الوضع الراهن» لوقف إطلاق النار غير الكامل في القطاع «وضعاً دائماً».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده قرب الحدود مع لبنان

غارة جوية إسرائيلية تستهدف بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
غارة جوية إسرائيلية تستهدف بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده قرب الحدود مع لبنان

غارة جوية إسرائيلية تستهدف بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
غارة جوية إسرائيلية تستهدف بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

قال الجيش الإسرائيلي، السبت، إن أحد جنوده قُتل، الجمعة، قرب الحدود مع لبنان، مما يرفع عدد القتلى في صفوفه إلى 22 منذ بداية الحرب مع «حزب الله» الموالي لإيران.

وأعلن الجيش، في بيان مقتضب، أن الرقيب أول نوعام هامبرغر، البالغ 23 عاماً والمتحدر من عتليت (شمال)، «سقط في شمال إسرائيل».

وأوضح الجيش، في تصريح لوكالة «فرانس برس»، أن هامبرغر قضى بعد ظهر الجمعة قرب الحدود مع لبنان.

في المجموع، قُتل 23 إسرائيلياً، هم 22 جندياً، ومتعاقد مدني واحد، منذ اندلاع الحرب مع «حزب الله» في الثاني من مارس (آذار).


توقيف 4 أشخاص في مطار إسباني إثر صدامات لدى عودة ناشطين من أسطول غزة

قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)
قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)
TT

توقيف 4 أشخاص في مطار إسباني إثر صدامات لدى عودة ناشطين من أسطول غزة

قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)
قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)

اعتقلت الشرطة 4 أشخاص في مطار بلباو بشمال إسبانيا، السبت، عقب وقوع صدامات لدى عودة ناشطين من أسطول مساعدات كان متوجهاً إلى غزة، إلى بلادهم.

ووقع الحادث عندما تجمع حشد من مؤيدي الناشطين في قاعة الوصول، لاستقبال 6 منهم لدى عودتهم على متن رحلة جوية من تركيا، بعد أن احتجزتهم القوات الإسرائيلية.

وعندما حاول أحد أقارب الناشطين الاقتراب منهم منعه شرطي بالقوة، ما أدى إلى عراك بين الطرفين، حسبما أفادت قناة «تي في إي» التلفزيونية العامة.

وأظهرت صور بثتها القناة عناصر من الشرطة يضربون أشخاصاً بالهراوات في المطار، ويثبِّتون آخرين على الأرض، وسط هتافات استهجان من المارة.

واعتُقل 4 أشخاص بتهمة العصيان الجسيم، ومقاومة الاعتقال، والاعتداء على عناصر إنفاذ القانون، وفق بيان لشرطة إقليم الباسك.

وأضاف البيان: «عقب ما حدث في المطار، فتحت إدارة الشؤون الداخلية (في الشرطة) تحقيقاً لتحديد ما إذا كان سلوك العناصر متوافقاً مع الإجراءات المتبعة».

واحتجزت القوات الإسرائيلية مئات الناشطين من دول عدة، بعد اعتراض سفنهم خلال أحدث محاولة لكسر الحصار الإسرائيلي على القطاع الفلسطيني.

وبين هؤلاء الناشطين 44 إسبانياً، حسب وزارة الخارجية الإسبانية.

ووصل نحو 20 ناشطاً آخر إلى مطار برشلونة السبت؛ حيث كان في استقبالهم حشد من المؤيدين، من بينهم وزير الثقافة إرنست أورتاسون.


«حزب الله» يفعّل استهدافاته للدفاع الجوي الإسرائيلي استباقاً لتجدد الحرب

طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)
طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)
TT

«حزب الله» يفعّل استهدافاته للدفاع الجوي الإسرائيلي استباقاً لتجدد الحرب

طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)
طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)

فعّل «حزب الله»، في الأيام الأخيرة، استهدافاته لمنصات القبة الحديدية للدفاع الجوي داخل الأراضي الإسرائيلية، فيما بدا أنه محاولة لرفع تكلفة الخسائر المادية في صفوف الجيش الإسرائيلي واستباقاً لأي تجدد للحرب سواء في الداخل اللبناني أو في إيران، مما يسهّل وصول الصواريخ إلى العمق الإسرائيلي، حسبما يقول خبراء.

وبدا أن التركيز على استهداف منصات القبة الحديدية تحوُّل لافت في مسار المعركة العسكرية، بالنظر إلى أن «حزب الله»، وطوال شهر منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، في 17 أبريل (نيسان) الماضي، نفّذ ضربة واحدة ضد منظومة دفاع جوي إسرائيلية، بينما نفذ، خلال الأيام الأربعة الأخيرة، 6 استهدافات لمنصات قبة حديدة في مواقع عسكرية إسرائيلية حدودية، حسب إعلانات «حزب الله»، الذي قال إنه استهدفها بـ«محلّقات انقضاضية».

وقال الحزب في 3 بيانات منفصلة، السبت، إنه استهدف 4 منظومات للدفاع الجوي (قبة حديدية) في ثكنة برانيت الحدودية مع لبنان، وثكنة راميم أيضاً، تُضاف إلى منظومة أخرى في ثكنة برانيت الجمعة، علماً بأن ثكنة برانيت هي المركز القيادي الرئيسي لـ«الفرقة 91» (فرقة الجليل) المسؤولة عن تأمين القطاع الشرقي للحدود الشمالية، وتقع قبالة بلدة عيتا الشعب الحدودية مع لبنان، وتتمتع بأهمية استراتيجية؛ كونها من أكبر الثكنات العسكرية الواقعة في موقع متقدّم على الحدود، وتدير جزءاً من العمليات العسكرية على الحدود مع لبنان. كما أعلن الحزب، الاثنين الماضي، أنه استهدف القبة الحديدية في معسكر غابات الجليل بمحلّقة انقضاضية.

أسباب سياسية وعسكرية واستراتيجية

ويعيد الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد المتقاعد سعيد القزح، تكثيف تلك الاستهدافات إلى أسباب سياسية وعسكرية واستراتيجية، ويقول إن «حزب الله» يواصل عملياته العسكرية؛ كونه «لا يعترف بأي مندرجات تترتب على المفاوضات المباشرة التي تجريها الدولة اللبنانية مع إسرائيل، ومن ضمنها تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار؛ كون الحزب يريد أن تكون ورقة المفاوضات بيد إيران، وليس بيد الدولة اللبنانية، بعدما خسر ورقة التفاوض التي اعتاد أن تكون بيده، كما في السابق، أي في مفاوضات 2006، أو ترسيم الحدود البحرية، أو اتفاق وقف الأعمال العدائية 2024».

صورة مأخوذة من مقطع فيديو وزّعه «حزب الله» لما قال إنه استهداف لمنصة «قبة حديدية» في مركز عسكرية قرب الحدود مع لبنان (متداول)

أما الأسباب غير السياسية، فيشرح القزح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الحزب «يحاول استهداف ما يستطيع استهدافه، سواء من قبة حديدة أو دبابات أو مدرعات أو أفراد»، مضيفاً: «وكون أداة الاستهداف الرئيسية التي تتمثل في الوقت الحالي بالمسيرات الموجهة بألياف ضوئية ممكن أن تعطل المدرجات بشكل مؤقت ولا تدمرها بشكل كامل، فإن الأضرار التي تترتب على استهداف القبة الحديدية، ستكون أكبر»، شارحاً أن «إصابة صواريخ القبة ستؤدي إلى انفجارها. أما إصابة الرادار فتؤدي إلى تدميره»، وبالتالي فإن الحزب «يرفع تكلفة الأضرار التي يتسبب بها في صفوف الجيش الإسرائيلي، ويعمل على إيقاع خسائر مهمة في صفوفه، لا سيما أن تعطيل الدفاع الجوي له مكاسب عسكرية ومادية واستراتيجية على حد سواء».

ويشير القزح إلى أسباب أخرى تقف وراء تكثيف استهدافات القبة الحديدية، أبرزها «محاولة تعطيلها، في ظل احتمالات تجدد الحرب في إيران، أو توسع الحرب في لبنان التي تُعدّ احتمالات تجددها عالية». ويوضح: «إذا تجددت الحرب على الجبهتين، فإن استئناف إطلاق الصواريخ سيكون متوقعاً؛ لذلك يحاول تحييد منظومات الدفاع الجوي مما يتيح لصواريخه أو للصواريخ الإيرانية العبور إلى الداخل الإسرائيلي». ويعرب عن اعتقاده بأن تجدد الحرب في إيران «يعني انخراط الحزب في المعركة أيضاً؛ كون إيران ستستعمل كل أوراقها، سواء (حزب الله) أو جماعة الحوثي أو الميليشيات العراقية لتكثيف الهجمات على إسرائيل والدول العربية والمصالح الأجنبية في المنطقة، لعلمها بأن الضربات الثالثة ستكون قاسية ومدمرة، ولن تقتصر على الأهداف العسكرية الإيرانية، بل قد تشمل المنشآت الاقتصادية والبنى التحتية».

عناصر من الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في بلدة العباسية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

مسيرات الألياف الضوئية

ويكثف «حزب الله» من استخدامه للمسيرات الموجهة بألياف ضوئية التي يصعب رصدها ويستحيل التشويش عليها أو التصدي لها، مثل المسيرات الأخرى اللاسلكية، مما يتيح لها الوصول إلى أهدافها أفضل من المسيرات الأخرى. ويقول القزح إن تلك المسيرات «قادرة على حمل أوزان تتراوح بين 3 و5 كيلوغرامات من المتفجرات، مما يتسبب بخسائر بشرية في حال استهداف التجمعات، كما تؤذي المدرعات والدبابات إذا استهدفت المنظار أو أجهزة الرصد عليها»، لافتاً إلى أن هذا النوع من المسيرات «لا يوجد دواء ناجع له، لا في روسيا وأوكرانيا، ولا على الجبهة اللبنانية بعد».

وفي المقابل، وسعت إسرائيل إنذارات الإخلاء إلى قضاء جزين القريب من صيدا على بُعد نحو 45 كيلومتراً عن الحدود، في أوسع مروحة للإخلاءات شملت 15 بلدة وقرية لبنانية في محافظتي الجنوب والنبطية بجنوب لبنان، وذلك غداة تعرّض مستشفى في مدينة صور بجنوب لبنان لأضرار جراء غارات شنّتها إسرائيل ليلاً.

وتواصلت الغارات المكثفة، السبت. وأفادت الوكالة الوطنية عن «غارة عنيفة على منطقة جل البحر بمحيط صور»، إضافة إلى سلسلة من الضربات في أكثر من موقع في جنوب لبنان، طالت إحداها «أحد بساتين الحمضيات في بلدة البازورية؛ ما أدى إلى إصابة عدد من العمال السوريين أثناء عملهم هناك».

إنذارات صور

وكان الجيش الإسرائيلي أصدر، نحو منتصف ليل الجمعة - السبت، بالتوقيت المحلي، إنذاراً بإخلاء مبنيين ومحطيهما في منطقة صور، قبل القيام بقصفهما بذريعة استهداف «حزب الله». وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية بأن أحد المبنيين المهددين يقع قرب مستشفى حيرام في صور، وأن أضراراً بالغة لحقت به بعدما نفذت الدولة العبرية تهديدها بقصف المبنى.

سكان محليون يتفقدون الأضرار الناتجة عن استهداف إسرائيلي لمبانٍ في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

وأوضحت: «أدَّت الغارة إلى أضرار جسيمة بمستشفى حيرام وفي غرف العمليات والممرضين والمرضى والعيادات، وشبكات الكهرباء وزجاج مبنى المستشفى». وقال رئيس مجلس إدارة المستشفى سلمان عيديبي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نقلنا المرضى إلى أماكن أخرى أكثر أمانا». وأكد أن أياً من المرضى لم يُصب بأذى، لكن نحو 30 شخصاً من طاقم المستشفى تعرضوا لجروح طفيفة. وأشار إلى أن تقييم الأضرار لا يزال جارياً، وأن المستشفى يواصل العمل في هذه الظروف، رغم توقف قسم الطوارئ لفترة وجيزة.

وأشار إلى أن هذه المرة الثانية التي تستهدف فيها غارة إسرائيلية محيط المستشفى، منذ اندلاع الحرب بين الدولة العبرية و«حزب الله»، في الثاني من مارس (آذار) الماضي. ويقع المبنيان اللذان تمّ تدميرهما في أحياء سكنية في المدينة التي تتعرض لضربات إسرائيلية شبه يومية. وبعيد التحذير الإسرائيلي، قام عناصر من الدفاع المدني والشرطة البلدية بدعوة الناس عبر مكبرات الصوت إلى المغادرة. وشهدت الشوارع زحمة سير، مع مسارعة سكان إلى ترك منازلهم إثر الإنذار.

وقال الجيش الإسرائيلي في بيان، السبت، إنه استهدف ليلاً «بنى تحتية تابعة لـ(حزب الله) الإرهابي في منطقة صور». كما طالت الغارات وفقاً له «موقعاً تحت أرضي تابعاً لـ(حزب الله) الإرهابي استخدمه لإنتاج وسائل قتالية»، في منطقة البقاع بشرق لبنان.