ما هو الذكاء الاصطناعي وكيف يعمل؟

يُستخدم في شتى المجالات بتكاليف منخفضة... وبمتناول الجميع

استخدامات متعددة لتقنيات الذكاء الصناعي في حياتنا اليومية
استخدامات متعددة لتقنيات الذكاء الصناعي في حياتنا اليومية
TT

ما هو الذكاء الاصطناعي وكيف يعمل؟

استخدامات متعددة لتقنيات الذكاء الصناعي في حياتنا اليومية
استخدامات متعددة لتقنيات الذكاء الصناعي في حياتنا اليومية

بدأت ثورة الذكاء الاصطناعي بالانتشار، وسمعنا عن الكثير من الشركات التي تضيف هذه التقنية إلى خدماتها وتقدم عناصر جديدة كان من الصعب تخيلها قبل بضع سنوات. ولكن ما الذكاء الاصطناعي؟ وما نظمه وما أحدث التطويرات في الأجهزة والبرامج الذكية؟

ماذا يعني الذكاء الاصطناعي؟

الذكاء الاصطناعي هو عملية محاكاة نظم الكومبيوترات لعمليات الذكاء البشري بهدف تحقيق أمر ما. وكثيراً ما تروّج الشركات لخدماتها على أنها ذكاء صناعي، ولكن حقيقة الأمر أن الكثير من تلك الخدمات تستخدم عنصراً من التقنية، مثل «تعلم الآلة». ويتطلب استخدام الذكاء الاصطناعي أساساً متقدماً من العتاد الصلب Hardware المتخصص، والبرمجيات المطورة خصيصاً لهذا الغرض. ولا توجد لغة برمجة متخصصة بهذه التقنية حتى الآن، ولكنّ عدداً من اللغات يقدم أدوات مفيدة لهذا الغرض، مثل Python وJava وR و«سي بلس بلس».

وتحتاج هذه النظم إلى تحليل كميات كبيرة جداً من بيانات التدريب وإيجاد روابط بين تلك البيانات واستخدامها لتوقع أمور مقبلة، مثل تحليل ملايين الصور لفهم ما الذي يميز الإنسان عن النبات عن الحيوان عن الجماد، وما الطبيعة؟ وما العائلة؟ وكيف يمكن تمييز الليل عن النهار والخيال عن الحقيقة؟ وأسلوب رسم فنان ما مقارنةً بآخر، وهكذا. وينطبق الأمر نفسه عند تحليل النصوص والموسيقى وعروض الفيديو، وغيرها، ليتكون لدينا نظم ذكاء صناعي مختلفة متخصصة في مجالات كثيرة، وفقاً للبيانات التي تم تحليلها.

مهارات برمجة الذكاء الاصطناعي

ويتم التركيز في برمجة الذكاء الاصطناعي على 4 مهارات، هي: التعلم والإدراك والتصحيح الذاتي والابتكار.

يركز جانب التعلم على الحصول على البيانات وإيجاد القوانين والروابط بينها وتحويلها إلى بيانات مفيدة. ويتم تقديم قوانين مختلفة على شكل خوارزميات Algorithm كثيرة (الخوارزمية هي نهج عمل برنامج ما لتحقيق الهدف المرغوب) حول كيفية إكمال مهمة محددة، مثل التعرف على وجود إنسان في صورة (يجب تحديد ما يصف شكل معظم البشر: العينان والفم والأنف والحاجبان والرقبة، وهكذا).

وبالنسبة إلى مهارة الإدراك، فإنها تركز على اختيار الخوارزمية الصحيحة بقوانينها المرتبطة لتحقيق الهدف المرغوب. أما التصحيح الذاتي، فتركز هذه المهارة على تعديل الخوارزميات وقوانينها بناءً على صحة المخرجات لإيجاد قوانين أكثر دقة من السابق، الأمر الذي ستنجم عنه نتائج صحيحة بنسبة أعلى في المرات المقبلة التي يعمل فيها ذلك النظام.

وتبقى المهارة الرابعة وهي الابتكار، التي تستخدم الشبكات العصبونية Neural Networks الرقمية والنظم المبنية على القوانين والبيانات الإحصائية وتقنيات أخرى بهدف إيجاد صور ونصوص وموسيقى وأفكار جديدة.

ولعلكم قد سمعتم عن بعض المفردات التقنية المتقاربة، مثل الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence، وتعلم الآلة Machine Learning، والتعلم العميق Deep Learning.

تحتاج هذه النظم إلى تحليل كميات كبيرة جداً من بيانات التدريب وإيجاد روابط بين تلك البيانات واستخدامها لتوقع أمور مقبلة، مثل تحليل ملايين الصور لفهم ما الذي يميز الإنسان عن النبات عن الحيوان عن الجماد، وما الطبيعة؟ وما العائلة؟ وكيف يمكن تمييز الليل عن النهار والخيال عن الحقيقة؟

وبينما يعرَّف الذكاء الاصطناعي بأنه محاكاة الآلات للذكاء البشري لتحقيق هدف ما، فإن تعلم الآلة يعرَّف بأنه رفع دقة البرامج والتطبيقات في توقع النتائج بناءً على البيانات السابقة من دون برمجتها بشكل مباشر على كيفية القيام بذلك، حيث تتم هذه العملية من دون تدخل المبرمجين، ذلك أن النظام سيتعرف على الروابط بين البيانات ويستخدمها في التوقع. أما التعلم العميق، فهو جزء متخصص من تعلم الآلة مبنيٌّ على فهمنا لتركيبة الدماغ البشري. وبسبب استخدام التعلم العميق لبنية الشبكات العصبونية الرقمية أخيراً، تم إيجاد تقنيات حديثة مفيدة جداً للبشر، مثل القيادة الذاتية للسيارات وChatGPT.

أنواع الذكاء الاصطناعي

ويمكن تقسيم الذكاء الاصطناعي إلى فئتين: الضعيف والقوي، بحيث يُعرّف الذكاء الاصطناعي الضعيف Weak AI، أو الذكاء الاصطناعي ضيق النطاق Narrow AI، على أنه نظام يتم تدريبه لإكمال مهمة محددة، كالروبوتات الاصطناعية والمساعدات الذكية الشخصية، مثل «سيري» من «أبل». أما الفئة الثانية فهي أكثر شمولاً ويطلق عليها مصطلح الذكاء العام الاصطناعي Artificial General Intelligence AGI، وهي عبارة عن نظام يستطيع محاكاة القدرات الإدراكية للدماغ البشري. ويستطيع هذا النظام تحليل البيانات الموجودة أمامه في مهمة جديدة كلياً عليه لم يسبق برمجته على كيفية إكمالها، وتطبيق معرفته السابقة في مجال ما على آخر لإيجاد حل صحيح ومن دون أي تدخل خارجي.

استخدامات الذكاء الاصطناعي

ولكن ما أهمية الذكاء الاصطناعي في حياتنا؟ في الواقع، استفدنا سابقاً من تقنيات الذكاء الاصطناعي المختلفة في الكثير من جوانب الحياة؛ من نظم الكشف عن التحايل المالي والضريبي، وأتمتة العمليات اليومية البسيطة، وفي مراكز خدمة العملاء، وزيادة المبيعات وضبط جودة المنتجات. وتستطيع هذه التقنيات في بعض المجالات التفوق على الإنسان، خصوصاً فيما يتعلق بالأمور المتكررة أو التي تحتاج إلى تفاصيل كثيرة، مثل تحليل كميات كبيرة من أوراق النماذج Form والتأكد من وجود بيانات صحيحة في حقول محددة.

ونظراً للقدرات الممتدة في إيجاد روابط بين البيانات الضخمة في أوقات قليلة، تستطيع هذه النظم تقديم معلومات غنية جداً لمديري الشركات لم يكن من الممكن لأي بشري إكمالها وإيجاد روابط بين الملايين من البيانات.

صورة تعبيرية صنعها الذكاء الاصطناعي من موقع www.picsart.com لدى استخدام كلمات مفتاحية حول الذكاء الاصطناعي والسعودية

كما يمكن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة في تطوير عملية التعليم والتسويق وتصميم المنتجات. وأصبحت هذه التقنية محوراً لتقدم الكثير من شركات التقنية الضخمة اليوم، مثل «ألفابيت Alphabet» المالكة لـ«غوغل» و«مايكروسوفت» و«ميتا» المالكة لـ«فيسبوك»، وغيرها.

ويمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في أتمتة العمليات بهدف زيادة كمية وأنواع المهام المنوطة به، وتحليل الصور الطبية للمساعدة في التعرف على الأمراض المختلفة وفقاً لتاريخ مرضى سابقين وتطور مراحلهم، إلى جانب الاستخدامات العسكرية في المعارك الميدانية وتحليل نزعات تحرك المشاة والآليات وفقاً لعوامل البيئة والطقس والأعداد والوقت. كما يمكن استخدامه في برامج مكافحة الجرائم الرقمية والتعرف على الرسائل التصيّدية بناءً على نص الرسالة وعنوانها وعنوان الجهة المرسلة، أو ترجمة النصوص وتفريغ المحادثات الصوتية وتحويلها إلى نصوص، والتعرف على مشاعر الطرف الثاني في الرسائل الإلكترونية. ويتم استخدام هذه التقنيات حالياً في المجالات الاصطناعية ولتحريك عناصر ثقيلة جداً في مهمات المركبات الفضائية التي تستكشف الكواكب المختلفة، أو في المركبات ذاتية القيادة للتعرف على العقبات الموجودة أمام المركبة وتجاوزها من دون المخاطرة بحياة الركاب أو المشاة من حولها.

وأخيراً شهدنا انطلاق خدمات إيجاد المحتوى متعدد الوسائط بجودة عالية «الذكاء الاصطناعي التوليدي Generative AI»، مثل النصوص والصور والفيديوهات والموسيقى بشكل غير محدود وبقدرات إبداعية غير مسبوقة، وبتكلفة منخفضة جداً. ويمكن إيجاد نصوص مسرحية وصور واقعية وكتابة عدد كبير من رسائل بريد إلكتروني من دون ملاحظة الطرف الآخر أن المرسل ليس من البشر، والكثير غيرها من الخدمات الأخرى.

كما يمكن استخدام هذه التقنيات في القطاع المصرفي لتحليل ما إذا كان يمكن للبنك تقديم قرض لشخص ما أو تحديد السقف المالي لبطاقة ائتمانية أو الفرص الاستثمارية، أو للمساعدة في تداول الأسهم. وتستطيع هذه التقنيات المساهمة في التنبؤ بحدوث تأخير في الرحلات الدولية حسب الحالة الجوية، أو زيادة أمن الشحن البحري حسب حالة الطقس والتيارات المائية، والتنبؤ بنزعات الشراء والطلب بناءً على عوامل كثيرة جداً، إلى جانب تقديم المحامين للمشورة القانونية وفقاً لقضايا سابقة بعد تحليل تفاصيل ونتائج أحكام الكثير من القضايا والملفات السابقة.

تطويرات وآفاق واعدة

وتطورت استخدامات تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل كبير خلال الفترة السابقة، وتسارع ذلك التقدم بشكل ملحوظ. ويمكن العودة بالابتكارات النوعية لهذه التقنيات إلى عام 2012 خصوصاً شبكة «AlexNet» العصبونية التي رفعت من مستويات الأداء بشكل كبير بسبب اعتمادها على وحدات معالجة الرسومات فائقة الأداء لتحليل البيانات مقارنةً بالاعتماد على المعالجات التقليدية، وقدرة وحدات معالجة الرسومات على معالجة البيانات بالتوازي بكميات ضخمة وبسرعات كبيرة جداً.

وشكّل التعاون بين شركات البرمجة العملاقة، مثل «مايكروسوفت» و«غوغل» و«أوبين إيه آي OpenAI» من جهة، وشركات صناعة عتاد الكومبيوترات، مثل «إنفيديا Nvidia» المتخصصة في وحدات معالجة الرسومات فائقة الأداء، ومعالجات «إنتل» المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، من جهة أخرى نواة لتشكيل قفزات متسارعة في خدمات تقنيات الذكاء الاصطناعي كان من آخرها «تشات جي بي تي ChatGPT». ومن أحدث الابتكارات في أدوات وخدمات الذكاء الاصطناعي تطوير «غوغل» ما تُعرف بـ«المحولات Transformers»، وهي آلية فائقة الأداء ترفع من سرعة تحليل البيانات الضخمة باستخدام مجموعات كبيرة من الكومبيوترات العادية التي تحتوي على وحدات معالجة الرسومات، الأمر الذي خفض من تكاليف تأسيس تقنيات الذكاء الاصطناعي المتخصصة بشكل كبير.

وطوّرت شركة «إنفيديا» كفاءة معالجة البيانات بالتوازي Parallel Processing عبر نوى وحدات معالجة الرسومات GPU الخاصة بها بشكل كبير على مستوى الدارات الإلكترونية والبرمجيات في آن واحد، مما شكّل قفزة كبيرة سرّعت من تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب سهولة تكامل تلك التطويرات في مراكز البيانات، والعمل مع مراكز الحوسبة السحابية لتقديم الأجهزة المتقدمة كخدمة لمن يريد، دون الحاجة لبناء مراكز متخصصة لكل شركة، وهو أمر من شأنه خفض تكاليف تبني هذه التقنية بشكل غير مسبوق.

واستطاعت هذه الشركات تطوير «محولات» توليدية مسبقة التدريب Generative Pre - trained Transformers GPT ومشاركتها مع الشركات الأخرى التي ترغب في تخصيص تقنيات الذكاء الاصطناعي دون الحاجة لتدريب الذكاء الاصطناعي على كميات هائلة من البيانات وما يصاحب ذلك من وقت وتكاليف كبيرة. وتستطيع الشركات المتوسطة أو الصغيرة استخدام تلك النماذج العامة وتخصيصها حسب الحاجة لقاء بضع آلاف من الدولارات، مقارنةً بـ5 إلى 10 ملايين دولار للتدريب من نقطة الصفر. ويشكّل هذا الأمر قفزة كبيرة للشركات المتخصصة نحو مباشرة العمل وتقديم خدمات ثورية بسرعات كبيرة ومخاطر منخفضة.

ومن الأمثلة على خدمات الحوسبة السحابية للذكاء الاصطناعي AWS AI Services وGoogle Cloud AI وMicrosoft Azure AI Platform وOracle Cloud Infrastructure AI Services، والتي تزيل عبء بناء مركز بيانات متخصص بالذكاء الاصطناعي، وتقدمه كخدمة لقاء اشتراك شهري أو سنوي منخفض التكلفة. هذا، وتقدم OpenAI وNVidia خدمات متخصصة لمستخدميها، مثل نماذج ذكاء صناعي متخصصة بالصور والدردشة النصية والطب وحتى البرمجة.

وتقدم OpenAI نظام ChatGPT للمحادثة أو الدردشة الذي انتشرت شعبيته بشكل كبير بين المستخدمين في آخر بضعة أشهر، وهي الشركة نفسها التي استثمرت بها «مايكروسوفت» بقيمة 10 مليارات دولار، والتي ستضيف تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى متصفح «إيدج Edge» ومجموعة برامج «أوفيس» المكتبية وحتى نظام التشغيل «ويندوز» لتطوير تجربة الاستخدام بشكل مبهر جداً.

من جهتها كشفت «غوغل» عن نظام الذكاء الاصطناعي «بارد Bard» للدردشة المبنيّ على عائلة LaMDA للغات التطوير، والذي من المتوقع أن يساعد في أعمال ترجمة النصوص بين اللغات بدقة عالية جداً وكتابة المحتوى المبتكر والإجابة عن الأسئلة وكتابة النصوص البرمجية عبر أكثر من 20 لغة برمجة، وحتى إيجاد معادلات لجداول الحسابات لتحقيق هدف حسابي ما يريده المستخدم.

هذا، وكشفت «إنفيديا» عن نظام ذكاء صناعي يستطيع إيجاد فيديوهات واقعية للغاية بمجرد كتابة وصف لها، ليقوم النظام بتوليد تلك الفيديوهات بسرعة. ومن الممكن استخدام هذا النظام في شركات صناعة الفيديوهات أو حتى في استوديوهات المسلسلات والأفلام لإضافة العناصر الرقمية إلى المشاهد المختلفة، أو حتى استبدالها بأخرى بمجرد كتابة ذلك نصياً (مثل استبدال سيارة بأخرى أو وجه ممثل بآخر، وبسرعة ودقة كبيرتين).

أخلاقيات الاستخدام

مثلها مثل أي أداة في حياتنا، يمكن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي للمنفعة أو لإلحاق الأذى، وينبغي إيجاد ضوابط لاستخدامها بشكل يعود بالخير على الجميع. وكما ذكرنا سابقاً، تعتمد هذه النظم على تحليل البيانات السابقة، أي إن نتائجها مرتبطة بتلك البيانات، الأمر الذي يعني أنه سيوجد تحيز إن كانت البيانات غير شاملة لجميع العوامل المرتبطة بالمسألة التي يتم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لحلها، وتجب مراقبة جودة تلك البيانات التأسيسية لضمان وجود مخرجات صحيحة ومفيدة. يضاف إلى ذلك أن هذه النظم تقدم النتيجة دون ذكر كيفية الوصول إليها، ذلك أنها توجِد ترابطاً بين أعداد كبيرة من العوامل المختلفة للبيانات التي تقوم بتحليلها.

هذا الأمر قد لا يكون مفيداً في الكثير من الاستخدامات اليومية، مثل عدم القدرة على توضيح أسباب اتهام شخص بتجاوز قانوني ما، إذ لا يكفي القول إن النظام قد توصل لتلك النتيجة دون ذكر أسباب مقنعة لذلك، أو رفض مصرف طلب حصول عميل ما على بطاقة ائتمانية، مثلاً. وشهدنا نظماً تستطيع إيجاد صور وفيديوهات ملفقة باستخدام أوجه وأصوات أشخاص حقيقيين DeepFake، الأمر الذي سيصعّب على المستخدمين التأكد من صحة تلك الصور والتسجيلات الصوتية والفيديوهات، وقد يوقِع الضحايا في مشكلات كبيرة.

ويوجد الكثير من القوانين التي تحدّ من نوعية البيانات التي يمكن للشركات استخدامها، مثل القانون العام لحماية البيانات General Data Protection Regulation (GDPR)، (لائحة الاتحاد الأوروبي التي تنص على كيفية التعامل مع البيانات الشخصية)، الأمر الذي سيشكل عقبة أمام القدرة على استخدام البيانات في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وقد يشكّل في النهاية، إلى جانب قوانين دولية أخرى، عقبة أمام تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وإيجاد بيانات تأسيسية شمولية وأكثر دقة للحصول على نتائج صحيحة. كما ستشكل مسائل حقوق الملكية الفكرية عقبة كبيرة أمام تقدم هذه التقنيات، حيث يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي محاكاة أسلوب رسم أو كتابة شخص ما، أو يمكن إيجاد موسيقى مشابهة جداً لأسلوب فرقة أو مغنٍّ ما وبيع تلك النتائج وجني المال.

أمر آخر لافت للانتباه هو الاستخدامات الخبيثة لهذه التقنية، حيث يمكن لمجموعة من القراصنة استخدامها للتعرف على الثغرات الموجودة في موقع حكومي أو تابع لشركة ما واختراق ذلك الموقع والدخول إلى الأجهزة الخادمة وسرقة البيانات أو جعلها رهينة لقاء فدية مالية.

عقدت «مايكروسوفت» في 2019 شراكة مع «أوبن إيه آي» مطوّر «تشات جي بي تي» (أدوبي ستوك)

نظرة «مايكروسوفت» للذكاء الاصطناعي: نقلة نوعية... بضوابط

تحدثت «الشرق الأوسط» مع فريق عمل «مايكروسوفت» الذي أكد أن للذكاء الاصطناعي دوراً محورياً في حل التحديات الاقتصادية المعقدة، وإحداث نقلة نوعية للكثير من الأعمال، وتحسين أداء المؤسسات وتجربة العملاء، وتطوير إمكانات التنبؤ والتخطيط، وذلك للمساعدة في تحسين وتعزيز حياة فئات المجتمع كافة.
وأسهم الذكاء الاصطناعي في تمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة في مختلف القطاعات على إيجاد حلول للتحديات الملحّة وابتكار طرق جديدة لتحسين سير أعمالها، ومنها الطاقة، حيث يرسم الذكاء الصناعي مستقبل هذا القطاع. وتسعى وزارة الطاقة في المملكة العربية السعودية إلى توظيف الذكاء الصناعي في إدارة استهلاك الطاقة والتنبؤ بها، لتلبية طلبات الاستهلاك، وكذلك لتحديد أنماط جمع مزيج الطاقة وإدارتها وتشغيلها بما يسهم في جعلها أكثر كفاءة وأماناً.وعقدت «مايكروسوفت» في عام 2019 شراكة مع «أوبين إيه آي OpenAI»، وهو مختبر الأبحاث الذي يقف خلف برامج الدردشة «تشات بوت» و«تشات جي بي تي ChatGPT»، وكذلك مُنشئ الصور «دال - إي 2 Dall - E2» الذي يُحول النصوص الوصفية إلى صور جديدة.
ونتج عن هذه الشراكة خدمة «أزور أوبن إيه آي سيرفيس Azure OpenAI Service» الجديدة التي توفر عدداً من نماذج الذكاء الاصطناعي، مثل إصدارات مطورة من متصفح «إيدج» ونظام البحث «بينغ» اللذين يعملان معاً مساعدين شخصيين مدعومين بالذكاء الاصطناعي. وتجاوز عدد المستخدمين لهذه التقنية 100 مليون مستخدم نشط يومياً على «بينغ» بحلول أوائل شهر مارس (آذار) الماضي. ونذكر كذلك أداة «بينغ إميج كرييتور Bing Image Creator» الجديدة التي تسمح لمستخدمي بحث «بينغ» الجديد المزوّد بتقنيات الذكاء الاصطناعي «Bing Chat» أو متصفح «إيدج» بإنشاء صور مبتكرة بمختلف أنواعها من خلال نصوص وصفية.وأطلقت الشركة المرشد المساعد «مايكروسوفت 365 كوبايلوت Microsoft 365 Copilot» الذكي لمستخدمي تطبيقات «مايكروسوفت 365» المكتبية بهدف مساعدة المستخدمين في إنتاج المحتوى، سواء كان رسائل بريد إلكتروني أم إنشاء الوثائق أم العروض التقديمية أم تلخيص المحتوى والرسائل وتحليل البيانات وجداول الحسابات، وغيرها. يضاف إلى ذلك «المرشد المساعد للنصوص البرمجية GitHub Copilot» الذي يتيح إمكانية كتابة النص البرمجي مباشرةً من خلال الأوامر الصوتية دون الحاجة إلى لوحة المفاتيح.
وأشار الفريق أيضاً إلى استفادة قطاع آخر من هذه التقنية هو الرعاية الصحية، حيث يمكن تشخيص الأمراض وفحص أعداد كبيرة من المرضى في وقت قصير بفضل الذكاء الاصطناعي. وأسهم الذكاء الاصطناعي في تحقيق تقدم ملحوظ على مستوى التشخيص المبكر واكتشاف الأمراض في أولى مراحلها، وربما قبل حدوثها أو انتشارها. ونذكر كذلك الخدمات المالية، حيث أحدث الذكاء الاصطناعي موجات تغيير واسعة في قطاع الخدمات المالية وتم استخدام روبوتات الدردشة «Chatbots» لخدمة العملاء.
كما أسهم الذكاء الاصطناعي في مساعدة المعلمين والمحاضرين من خلال تحريرهم من الأعمال المكتبية وتمكينهم من أتمتة العمليات اليدوية، مثل تصحيح الامتحانات وتقييم الواجبات. كما يضمن استخدام الذكاء الاصطناعي إمكانية الوصول إلى التعليم عالي الجودة لجميع الطلاب في أي وقت وفي أي مكان، ودون تكبد المزيد من النفقات.ويرى الفريق أن الحقبة التالية من الذكاء الاصطناعي (نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة) ستساعد في مهام كثيرة، مثل تلخيص المحتوى وإدارة المستندات وتبسيط تدفقات المبيعات، ويمكن أن تمتد إلى مجالات كثيرة مثل تصميم جزيئات جديدة للأدوية أو إنشاء نصوص أو صور أو موسيقى أو محادثات أو رموز أو فيديوهات تحاكي إنتاج البشر. وتستخدم اليوم أكثر من 85% من شركات قائمة «Fortune 100» أدوات «مايكروسوفت» للذكاء الاصطناعي.
وترى «مايكروسوفت» أنه من المهم جداً أن يتم استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة أخلاقية ومسؤولة. ولذلك، فقد تم تصميم سياسات ولوائح «مايكروسوفت» في مجال الذكاء الاصطناعي بطريقة تراعي وتتماشى مع الأطر التنظيمية للاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي.
 

نظرة «غوغل» للذكاء الاصطناعي

يرى فريق «غوغل» أن مستقبل توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في الاستخدامات اليومية كبير، لأنها تجعلها أكثر فائدة حول العالم، سواء كانت لمساعدة الأطباء في التعرف على الأمراض بشكل أسرع أو السماح للمستخدمين بالوصول إلى المعلومات بلغاتهم الأم لإطلاق العنان لإبداعاتهم، وفتح فرص جديدة من شأنها تغيير حياة الملايين.
وفي اتصال لـ«الشرق الأوسط» مع فريق «غوغل»، أشار إلى أن هذه التقنية ستعالج التحديات المجتمعية التي تشمل الأزمة المناخية والتنبيه إلى الكوارث الطبيعية (مثل الفيضانات) والمساهمة في الوصول إلى اكتشافات علمية جديدة، وحتى رفع المستويات الصحية للمستخدمين.
ومن الأمثلة على استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في منتجات «غوغل» القدرة على البحث عن المعلومة باستخدام الصور أو صوت المستخدم، حيث تقوم النظم بتحليل الصوت والبحث عن أغنية مشابهة للحن الذي سجله المستخدم، أو تحليل صورة ما لإيجاد عناصر مشابهة لها. كما يمكن استخدام هذه الآليات إلى جانب كتابة النصوص إليها للبحث من خلال تطبيق «غوغل»، مثل كتابة «ملابس» وتصوير ورق الجدران أمام المستخدم، ليعثر محرك البحث على ملابس تحتوي على نمط مشابه لذلك الموجود في ورق الجدران الذي تم تصويره. كما تحلل تقنيات الذكاء الاصطناعي بيانات الخرائط وتقدم معلومات مفيدة للمستخدمين حول حالة الازدحام وساعات عمل المتاجر والسرعات المسموحة في الطرق المختلفة، وبشكل آلي. هذا، وتستطيع نظم الذكاء الاصطناعي تحليل محتوى الصور الموجودة في جهازه والسماح للمستخدم كتابة عبارة تصف عنصراً ما، لتعرض جميع الصور، التي تحتوي على ذلك العنصر.
إلا أن الفريق أشار إلى ضرورة استكشاف القدرات الكامنة لهذه التقنية ونتائجها الإيجابية والسلبية التي تتقاطع مع التجارب البشرية. ويجب التركيز على العوامل الأخلاقية للاستخدام، الأمر الذي كشفت عنه «غوغل» في مبادئ الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، والاستخدامات المفصلة حول كيفية تطوير الذكاء الاصطناعي بمسؤولية، والعمليات الحكومية لتطبيقها، وهي جميعاً عوامل تُوَجِّه جهود «غوغل» في الذكاء الاصطناعي.
الجدير ذكره أن «غوغل» أطلقت نظام «بارد» Bard للذكاء الاصطناعي التوليدي Generative AI بشكل تجريبي للسماح للمستخدمين البحث عن المعلومات بطرق مبتكرة وغير تقليدية مقارنة بالبحث التقليدي. وترى الشركة أن الذكاء الاصطناعي هو تقنية أساسية وتحويلية ستقدم مزايا مساعدة عديدة للأفراد والمجتمعات من خلال قدرتها على تمكينهم وإلهامهم في جميع المجالات، ولديها القدرة في المساهمة لمعالجة أبرز التحديات التي تواجه البشرية. وتؤمن «غوغل» أنه يجب تقديم حلول صحيحة من خلال التعاون جماعياً بين الحكومات والباحثين والمطورين والأفراد والشركات والمنظمات والجهات المشرعة بهدف الحصول على ثقة العموم.


مقالات ذات صلة

بعد عام على إطلاقها… كيف تعمل تجربة «غوغل» لتعلّم اللغات؟

تكنولوجيا تقدّم تعلّماً تفاعلياً للغات قائماً على المواقف اليومية بالذكاء الاصطناعي (مختبرات غوغل)

بعد عام على إطلاقها… كيف تعمل تجربة «غوغل» لتعلّم اللغات؟

بعد نحو عام على طرحها، تواصل شركة «غوغل» اختبار تجربة تعليم اللغات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تحت اسم «Little Language Lessons»، ضمن منصتها «مختبرات غوغل».

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا «أدوبي» تطلق «القص السريع» لاختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو (رويترز)

«القص السريع» من «أدوبي»: اختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو

في سياق تسارع الابتكار داخل أدوات إنتاج المحتوى، تواصل «أدوبي» توسيع قدرات منصتها للذكاء الاصطناعي «فايرفلاي»، عبر تقديم ميزة جديدة تحمل اسم القص السريع (Quick…

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا نحاس أكد أن الحروب بدأت تنتقل تدريجياً من ساحات القتال الميدانية إلى مراكز البيانات (شترستوك)

خبير دولي لـ«الشرق الأوسط»: الحروب تنتقل تدريجياً من ساحات القتال إلى مراكز البيانات

أكد خبير في الذكاء الاصطناعي أن البشرية تقف اليوم أمام تحول تاريخي يتجاوز تطوير أسلحة تقليدية؛ إذ نشهد انتقالاً عميقاً للحروب من عصر القوة الميكانيكية العنيفة…

غازي الحارثي (الرياض)
يوميات الشرق انتشرت في الصين مؤخراً ظاهرة تعرف بـ«البشر الرقميين» (أ.ف.ب)

الصين تتحرك لضبط ظاهرة «البشر الرقميين» المولدين بالذكاء الاصطناعي

انتشرت في الصين مؤخراً ظاهرة تعرف بـ«البشر الرقميين» تسعى السلطات إلى وضع ضوابط تنظيمية لها.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الرياضة روبوت ومهندسوه خلال نصف ماراثون بكين (أ.ف.ب)

شاهد... روبوتات تتفوّق على البشر في نصف ماراثون ببكين

تمكَّن روبوت بشري من الفوز بسباق نصف ماراثون للروبوتات في بكين، اليوم (الأحد)، قاطعاً المسافة بسرعة أكبر من الرقم القياسي العالمي البشري.

«الشرق الأوسط» (بكين)

إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
TT

إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

منذ تغيّر النظام في سوريا قبل أقل من عامين تقريباً والسلطات الجديدة تعمل على إعادة هيكلة تركة «القطاع الوظيفي» الثقيلة، التي ورثتها من النظام السابق، لكن يبدو أنها لا تمتلك حتى الآن خطة واضحة لذلك.

وتجد الحكومة الحالية نفسها في مواجهة تركيبة معقدة من «فائض موظفين» كبير، يتكون من شريحتين؛ الأولى «هشة فقيرة» شكلت الوظيفة الحكومية بالنسبة إليها ضماناً لمصدر العيش، واستغلها النظام السابق لكسب الولاء، والثانية فرضتها رؤوس الفساد لاعتبارات متعددة سياسية وطائفية وأمنية، إضافة إلى الكسب المادي بطبيعة الحال.

وفي سياق محاولات الحكومة الحالية لإصلاح القطاع الوظيفي، أصدرت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية في أغسطس (آب) 2025 القرار رقم «2533» بعدم تجديد العقود السنوية للموظفين «المؤقتين»، في حال انتهاء مدتها أياً كان نوعها إلا في ضوء الحاجة الماسّة، وبموافقتها حصراً، وذلك بعد أن كانت تُجدد تلقائياً.

من تظاهرة "القانون والكرامة" المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

مع البدء بتنفيذ القرار مطلع عام 2026، وجد عشرات آلاف العاملين أنفسهم خارج الوظيفة، وبالتالي من دون أي دخل. ويتنوع هؤلاء بين أشخاص عاديين باحثين عن عمل وأُجبروا على دفع رشى لمسؤولين وأصحاب نفوذ لتوظيفهم، بحكم أن ذلك كان الوسيلة شبه الوحيدة المتاحة لتأمين الرزق، وبين عشرات الآلاف من الموالين للنظام السابق الذين تم توظيفهم خدمة له، يضاف إليهم أعداد بالآلاف أيضاً خلال سنوات الحرب نتيجة توظيف ذوي من قضوا في القتال إلى جانب النظام كمكافأة لهم.

وتشير تقديرات رسمية إلى أن عدد العاملين في القطاع العام يتراوح حالياً بين 1.2 و1.4 مليون موظف، من دون أن تذكر أعداداً واضحة لمن يعملون بعقود سنوية والدائمين، لكن مصادر غير رسمية تتحدث عن أن عددهم يقدر بعشرات الآلاف ليس أكثر.

استياء وترقب

منذ تطبيق القرار «2533» بات يسود في المحافظات موقف شعبي يمكن وصفه بـ«الهجين»؛ إذ يجمع بين استمرار «التأييد» للقيادة والسلطات الجديدة، وبين حالة «استياء» تم التعبير عنها باحتجاجات واعتصامات وإضرابات عن العمل، بسبب إنهاء تجديد عقود موظفين، وتدني الرواتب عموماً وسط أزمة اقتصادية خانقة.

وزاد من حالة الاستياء العام استمرار الارتفاع الهستيري لعموم الأسعار، وأجور الخدمات الأساسية من كهرباء، وإنترنت، ومواصلات، ووصول الحال بأعداد كثيرة من الأسر إلى انعدام القدرة على التحمل، إضافة إلى تزايد نسبة البطالة، في حين حذرت تقارير أممية من أن أكثر من 90 في المائة من سكان سوريا يعيشون تحت خط الفقر.

سكان مناطق مدمرة تنتظر الإعمار في دير الزور السورية (أ.ب)

وفي ما اعتُبر خطوة إسعافية، ومحاولة لامتصاص حالة الاستياء في الأوساط الشعبية التي طالما تطلعت إلى تحسين أوضاعها المعيشية بعد التغيير، عمّمت الحكومة منذ فترة، بحسب مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط»، قراراً على هيئات ومؤسسات عامة ينص على «تمديد عقود عمل الموظفين السنوية ثلاثة أشهر»، من بينها «الهيئة العامة للبحوث العلمية والزراعية في سوريا».

وجاء القرار بعدما تبلّغ قبل نحو شهرين «846 موظفاً وموظفة في (الهيئة) يعملون بعقود سنوية (مؤقتة)، بالتوقف عن العمل»، بموجب القرار «2533».

ووفق معلومات «الشرق الأوسط»، يتوزع هؤلاء على 308 من العاملين والعاملات في مركز «الهيئة» بمحافظة اللاذقية (غرباً)، و185 في طرطوس (غرباً)، و204 في الغاب (ريف حماة)، و60 في حمص (وسطاً)، و65 في مركز القنيطرة (جنوباً)، و13 في ريف دمشق، و8 في «إدارة بحوث القطن»، إضافة إلى 6 في حماة.

مستقبل غامض

تحدثت «الشرق الأوسط» مع موظفة تبلّغت قرار طردها من «الهيئة العامة للبحوث» حيث تعمل منذ خمس سنوات، فقالت: «لم يبدد قرار التمديد حالة القلق اليومي بسبب عدم وضوح الأفق، والخوف من فقدان مصدر العيش».

وتتساءل السيدة التي فضّلت عدم الكشف عن اسمها، والتي تعيش مع ابنة وحيدة لها، خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «ماذا سيحدث بعد انتهاء فترة التمديد؟ هل سينهون عملنا أو سيثبتوننا؟ هل سنُمنح تعويضات؟ للأسف لا أحد يجيبنا، ونحن أمام مستقبل غامض!».

طفلان يلهوان في حي تين ترما المدمّر والمحاذي لدمشق مطلع أبريل (أ.ب)

ومع ظهور علامات توتر عليها تقول السيدة: «رغم الاحتجاجات والاعتصامات، ومشهد المشاركين وهم يتحدثون عن مصابهم وكأنهم طيور مذبوحة، مددوا ثلاثة أشهر فقط!»، مشددة على أنه لو «كان هناك حكومة يهمها المواطنون، لوجب تثبيتنا».

ومع ارتفاع الأسعار أخيراً باتت أسرة سورية مؤلفة من ثلاثة أشخاص تحتاج لنحو 500 دولار أميركي شهرياً، في حين لا يتجاوز متوسط راتب الموظف في القطاع العام 170 دولاراً بعد مرسوم الزيادة الأخير.

وعلى الرغم من ذلك، تتمسك أعداد كبيرة من هؤلاء بالوظيفة انطلاقاً من أن «الرمد أفضل من العمى»، على ما يقول المثل الشائع.

وفي مشهد يعكس الحاجة الملحّة وندرة فرص العمل، يظهر على بعد أمتار من لقائنا بالسيدة مخبز تجمع حوله العشرات وهم يحملون كميات من الخبز لإعادة بيعها. وتقول السيدة: «نصف الشعب تحول إلى بائعي خبز، وقسم كبير يعمل في جمع البلاستيك من حاويات القمامة، وبعضهم يبحث فيها عن بقايا طعام».

سوريون في المصرف المركزي بدمشق في ظل التفاؤل برفع الاتحاد الأوروبي جميع عقوباته الاقتصادية المتبقية على سوريا في 2025 (أ.ف.ب)

«فائض موظفين»

يوضح معاون المدير العام لـ«الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية في سوريا»، ملحم العبدالله، أن ما يجري للعاملين المؤقتين في «الهيئة» سببه تركة «فائض الموظفين» التي خلفها النظام السابق، والحكومة الحالية تتحمل تبعاتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يؤكد العبدالله أن «الهيئة» لديها فائض حقيقي وواضح في مراكز محافظتَي اللاذقية وطرطوس، والغاب، وبعضهم موظف منذ 15 عاماً، وكان يُفترض تثبيتهم بعد مضي خمس سنوات بموجب قانون أصدره النظام السابق.

ويبدي العبدالله تعاطفاً مع هؤلاء الموظفين، ويقول: «للأسف الغالبية العظمى من الطبقة الهشة، ومنهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، جرى تعيينهم عن طريق وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل!».

وخلال اعتصامات ووقفات احتجاجية نفذوها ولقاءاتهم مع المسؤولين، تساءل العاملون عن المعايير التي اعتُمدت لاستمرار عدد من الموظفين في عملهم وإنهاء عقود آخرين، وكذلك عن أسباب صدور تعميم قبل قرار التمديد لثلاثة أشهر لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب، نصّ على استمرار كافة العاملين في تلك المراكز في عملهم.

وفي هذا الصدد، غمز عاملون في مراكز أخرى بأن من ضمن أسباب صدور التعميم لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب ربما «تحسّب السلطات» من ضغوط قد تمارسها دول تطالب بـ«حماية الأقليات».

بيد أن العبدالله يؤكد أن ذلك التعميم «ليس له تلك الأبعاد»، وأن المعايير التي تم اعتمادها هي «دراسات أجرتها لجان تم تشكيلها من اختصاصيين في المراكز، واستندت على (التقييم) الخاص بكل عامل، وحاجة كل مركز».

«حكم إعدام للعائلات»

في ظل مخاوف العاملين على مصيرهم، يتحدث العبدالله عن «احتمال إعادة تدوير لهم في ظل النقص في عدد العمال والخبراء والاختصاصيين في كثير من مراكز (الهيئة) الواقعة في المحافظات الشمالية والشرقية».

بالنسبة لموظفة أخرى في «الهيئة» جرى إبلاغها بالالتحاق بالعمل بعد قرار التمديد، فإن «عملية التدوير» هي «أمر ممكن» إذا كان النقل إلى مراكز قريبة، كأن يُنقل الموظف من مركز دمشق إلى مركز بريفها أو إلى القنيطرة، مع توفير وسائل نقل من قبل «الهيئة». ولكن التدوير يكون بمنزلة «تعجيز» إن جرى نقل الموظف من مركز في جنوب البلاد إلى أقصى الشمال أو الشرق؛ لأن «الراتب لن يكفي لإيجار منزل حتى».

حركة المارة في ساحة المرجة وسط دمشق (رويترز)

واللافت أن قرارَي التوقيف والتمديد لم يشملا كافة المتعاقدين؛ فإحدى الموظفات بعقد سنوي في «الإدارة العامة للشؤون المدنية» التابعة لوزارة الداخلية، فُصلت هي و479 آخرون من عملهم في أبريل (نيسان) 2025 بقرار فجائي صادر عن معاون وزير الشؤون المدنية، ولم تتبلّغ الموظفة بتمديد عقدها ثلاثة أشهر. وما زاد من مصيبتها أن قرارات إنهاء العمل شملت زوجها أيضاً العامل في المؤسسة العامة للكهرباء، ما أدى إلى فقدان العائلة كافة مصادر العيش.

«حكم بالإعدام على العائلة»، تصف السيدة ما جرى معها ومع زوجها، لافتة إلى أن زوجها أُصيب على أثر ذلك بـ«جلطة دماغية»، ولا يزال يعاني من تداعياتها الخطيرة.

تحديات الهيكلة الإدارية

تكشف تحديات إعادة الهيكلة التي واجهها الاقتصاد السوري مفارقات جوهرية تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والنمو المستدام، وفق المستشار الاقتصادي زياد عربش.

ويوضح عربش لـ«الشرق الأوسط» أن «أولى المفارقات تكمن في أن عودة المهجّرين تفترض زيادة الطلب على الخدمات العامة إلى نحو الضعف، خاصة في مجالات التعليم والصحة، الأمر الذي يتطلب توظيف المزيد من الكفاءات رغم وجود (فائض وظيفي) موروث. فهذا يتطلب إعادة تأهيل عوضاً عن الصرف». ويوضح عربش أنه «مع وجود (موظفين أشباح) وقع العبء على الموظفين الحقيقيين الذين استمروا في تقديم الخدمات لأعداد أكبر من المستفيدين، كتأمين التعليم لخمسة ملايين طالب، في حين عمدت وزارات عديدة إلى رفد المؤسسات بعشرات آلاف الموظفين».

المفارقة الثانية، بحسب عربش، أن القطاع العام ليس وحده الذي يحتاج إلى إعادة تأهيل، بل القطاع الخاص أيضاً، ويقول: «بدلاً من التركيز على مزيد من الكفاءة في كلا القطاعين، يتم بيع أصول المؤسسات العامة قبل هيكلتها، لا بل إن تفكيك مؤسسات الدولة ينتهك المبادئ العامة ودور الدولة كضامن للعقد الاجتماعي».

أما المفارقة الثالثة، فهي وجود بطالة مقنّعة، مقابل نقص حاد في الكفاءات الرقمية المطلوبة لآلاف فرص العمل في قطاعات تعتمد بشكل أساسي على التحول الرقمي، و«خصوصاً مع الحديث عن الاستثمارات في السياحة والاتصالات، وبناء المرافق لجذب الرأسمال العربي المهاجر، وهذا كله يتطلب استراتيجية انتقالية تجمع بين الشفافية والتدريب لتحويل المفارقات إلى محركات نمو»، بحسب عربش.

أنيت شماس من الوزارة الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية تزور أحد المراكز الثمانية المنتشرة في أنحاء سوريا للتدريب على المهارات ودعم سبل العيش (الأمم المتحدة)

ويستبعد عربش أن تتخلى الحكومة تماماً عن هؤلاء الموظفين المتعاقدين، لكنها تواجه تحدياً حقيقياً. ويقول: «صحيح أن النظام السابق ترك إرثاً مشيناً بعد عقود مما يسمى إصلاح القطاع العام (والذي لم يكن إلا غطاء لنهبه)، وواجهت السلطة الجديدة اليوم (موظفين أشباحاً) مسجلين على سجلات الرواتب دون وجودهم، لا بل إن البعض كان له عدة رواتب في عدة مؤسسات للدولة... لكن التعميم غير مبرر، ففي اليوم التالي للتحرير استمرت المؤسسات في تقديم الخدمات دون انقطاع للمياه أو الكهرباء، وتابع ملايين الطلاب دراستهم».

تباينات الرواتب

المعاناة والقلق لا يقتصران على الموظفين الحكوميين المتعاقدين، بل يطولان «المثبتين» الذين استمروا في أداء عملهم في الوزارات والمؤسسات الحكومية خلال السنوات الماضية.

وتتمثل معاناة هؤلاء، وفق عدد منهم، في وجود فروقات كبيرة بين رواتبهم الشهرية، ورواتب موظفين قدموا من الشمال السوري والمهاجر.

موظف في مؤسسة حكومية بدمشق، مضى على عمله أكثر من 20 عاماً، لا يتجاوز راتبه الشهري حالياً 170 دولاراً، يؤكد أن زملاء جدداً له في نفس المكتب قدموا من الشمال حيث عملوا في «حكومة الإنقاذ» التي كانت تتبع «هيئة تحرير الشام»، يتقاضون نحو 500 دولار، في حين تصل مرتبات رؤساء أقسام لنحو 1000 دولار، والمديرون الجدد الذين قدموا من تركيا يتقاضون أكثر من 3000 دولار.

ويقول الموظف الذي فضّل عدم ذكر اسمه واسم المؤسسة، إن الأمر يتسبب في «غصة كبيرة له وللآلاف من زملائه، ويشعرهم باستمرار فقدان العدالة».

ويوضح مصدر حكومي حالي في دمشق، كان موظفاً لدى «حكومة الإنقاذ» في الشمال السوري قبل التحرير، أن الأخيرة كان لديها سلم رواتب وفق قانون العاملين رقم «53»، وهو مماثل لقانون العاملين رقم «50» المعمول به في مناطق سيطرة النظام السابق.

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويذكر المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن «رواتب (الإنقاذ) في تلك الفترة كانت تبدأ من 125 دولاراً وتصل إلى 500 دولار، كما كان يوجد رواتب أعلى، وهذا التفاوت موجود حتى وفق القانون رقم (50)».

ويرى المصدر أن هذا التفاوت في الرواتب أمر طبيعي في هذه المرحلة الانتقالية، وسيتم معالجته تدريجياً مع صدور «قانون الخدمة المدنية الجديد» بعد انطلاق عمل مجلس الشعب.

ووفقاً للمصدر، فإن «عملية الدمج بين الكيانات الموجودة في الدولة معقدة، وقد تستغرق وقتاً طويلاً؛ لأن حكومة النظام السابق كانت تعمل وفق القانون (50)، و(الإنقاذ) وفق القانون (53)، و(الإدارة الذاتية) الكردية وفق قانون خاص بها».

حلول عملية

المستشار الاقتصادي عربش، وخلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، قال إن مسألة وجود فارق في رواتب موظفين في مرتبة واحدة «تهدد العقد الاجتماعي وتفاقم المفارقات الثلاث السابقة».

ويوضح أن «وجود رواتب منخفضة (مثل 200-300 دولار) مقابل 500-700 دولار لبعض الموظفين الجدد يولّد توتراً، ويقوّض الاستمرارية المؤسساتية؛ ولذلك يُفترض أن تجعل الحكومة هذه القضية أولوية لتعزيز الوحدة الوطنية، مدعومة بضغط دولي واستثمارات».

وفي رأيه، فإن معالجة مشكلة الفارق في رواتب الموظفين تتطلب «نهجاً تدريجياً، مع التركيز على الشفافية والكفاءة».

ويذكر عربش أن النهج التدريجي للمعالجة يتضمن عدة طرق، هي «توحيد جداول الرواتب بصيغة موحدة بناءً على الخبرة والموقع، مع زيادة تدريجية للمثبتين (20 في المائة سنوياً لثلاث سنوات مثلاً)، ممولة بإيرادات الاستثمارات في قطاعات الطاقة والفوسفات والسياحة».

قوات الأمن في مواجهة محتجين يطالبون بتحسين الأوضاع المعيشية في دمشق في 17 أبريل (أ.ب)

ويمكن معالجة الأمر من خلال حوافز أداء، كربط نسبة من الراتب بمؤشرات واضحة، ما يحفز الكفاءة، وكذلك من خلال تعويض انتقالي بتقديم منح للمثبتين في أكثر المناطق فقراً لسد الفجوة، وبرامج تدريب مشتركة لتبادل الخبرات.

وأيضاً «يمكن معالجة الأمر من خلال رصد رقمي، كاعتماد تطبيق (حقيبة الراتب الشفاف) لمراقبة الفوارق، وهو مستوحى من نموذج نفذته السعودية سابقاً».

وهذه الطرق، بحسب عربش، تحوّل الفائض الوظيفي قوة في الموارد البشرية، مع تقاطع هيكلة القطاع الخاص باعتماد مسارات النهوض التكنولوجي والمؤسساتي؛ بمعنى أن تتحول عدة موارد إلى كفاءات رقمية للاستثمارات. لكن إلى أن تتم هذه العملية وغيرها، أو أن توضع خطط بديلة للتعامل مع تحديات الإدارة العامة والأعباء الاقتصادية للأسر السورية، يبقى أن عدداً لا يستهان به من المعيلين والمعيلات فقدوا مصدر دخلهم الوحيد، وزادوا هوامش الفقر الممتدة كل يوم.


مدارس الحوثيين في اليمن... معسكرات تجنيد مبكّر

تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
TT

مدارس الحوثيين في اليمن... معسكرات تجنيد مبكّر

تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)

منذ صعودها عام 2014 في اليمن، عمدت جماعة الحوثي «أنصار الله» إلى ترسيخ أقدامها في البنية التعليمية وإحداث تغيير واسع شمل المناهج الدراسية وأسماء المدارس واعتماد أنشطة موجهة واستحداث نظم تعليمية خاصة، بحيث تحوّل التعليم ساحة صراع على الهوية وتشكيل للوعي، ومكاناً لاستقطاب الناشئة لتجنيدهم.

وبينما عمدت الجماعة إلى إهمال المدارس الحكومية ومحاربتها بكل ما أوتيت من قوة، شرعت في إنشاء نظام يعتمد على فكرة تحويل المدرسة أو المؤسسة التعليمية إلى معسكرات، واعتماد مؤسسات جديدة تحمل اسم «مدارس شهيد القرآن»، منظومةً بديلة.

سطو وتمدد

ترافق ذلك بالسطو على الكثير من أبنية المدارس الحكومية وتحويل أسمائها إلى الاسم الجديد، كمدرسة كمران في إب مثلاً التي تحولت إلى مدرسة «شهيد القرآن»، إلى جانب استبدال بأسماء مدارس أخرى أسماء قيادات ورموز مرتبطة بالجماعة، في خطوة عدّها تربويون محاولة لإحلال هوية تعليمية جديدة محل التعليم الرسمي.

ولم يقتصر الأمر على المدارس الحكومية، بل امتد أيضاً إلى عدد من المساجد المهمة كالجامع الكبير في ذمار وما يعرف بالمدرسة الشمسية، وكذلك جامع الفردوس في حي سعوان بالعاصمة صنعاء، وغيرها من الجوامع التي تحولت إلى مراكز حوثية تحت الاسم نفسه: «مدرسة شهيد القرآن».

تلاميذ في باحة مدرسة مدمرة في صنعاء وكانت الأمم المتحدة حذرت من أن أكثر من مليوني طفل يمني وأكثر من 170 ألف أستاذ باتوا خارج التعليم (غيتي)

في ظرف ثلاث سنوات فقط، أصبحت هناك وفرة من المدارس تحت هذا العنوان على امتداد المحافظات والمديريات الخاضعة لسيطرة الجماعة. تلك المدارس هي من الانتشار والتوسع بحيث لم تعد مقتصرة على المدن وعواصم المحافظات فحسب، خصوصاً أنها تعتمد مشروعاً تعبوياً مغلقاً. فيعيش الطلاب في بيئة داخلية توفر لهم السكن والمعيشة والمستلزمات، وفي الوقت نفسه تغرس فيهم هوية فكرية مرتبطة بالجماعة، وهو ما يتجلى في انتقاء هذا المصطلح «شهيد القرآن» المرتبط بمؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي.

من خبر عابر إلى ظاهرة مقلقة

في 3 مارس (آذار) 2024، أعلنت سلطات الحوثيين عن تخرج ثلاثة آلاف طالب من شبكة مدارس «شهيد القرآن» الداخلية.

قد يبدو الخبر للوهلة الأولى عادياً، لكن إذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار مسألة أن هذا العدد (ثلاثة آلاف طالب) هو نتاج سنتين فقط من العمل المغلق للجماعة داخل تلك المدارس، فإنه سيبدو كبيراً جداً مقارنة بالمدة الوجيزة التي لا تتعدى ثلاث سنوات من مشروع تأسيس المدارس الذي بدأت ملامحه تتضح في عام 2022.

وتتحدث وسائل إعلام الجماعة عن أن تأسيس هذه المدارس بدأ عام 2022، بمدرسة واحدة في العاصمة، ثم مدرسة في كل محافظة، قبل أن تنتشر بوقت قياسي خصوصاً في العاصمة صنعاء.

وبحسب بعض المعطيات، فإن التجربة استلهمت من «حزب الله» اللبناني ومنظومته التعليمية في لبنان، وإن كانت جماعة الحوثي لا ينقصها هذه الأفكار لتأسيس مدارسها الخاصة كسلطة مطلقة تعمل على عقول الناشئة. ويمكن العثور في خطابات مؤسسها حسين الحوثي على أفكار تتضمن مشروعاً تعليمياً، كما أن تصريحات عدد من مسؤولي الجماعة تؤكد أن هذه المدارس «تُعد جزءاً من مشروع الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، وتهدف إلى تخريج أجيال واعية بالقرآن وقادرة على مواجهة التحديات الثقافية».

هياكل إدارية غير معلنة

اتخذت الجماعة الاسم الرسمي لمدارسها (مدارس شهيد القرآن الثانوية للعلوم الشرعية)، دون الإفصاح عن المزيد من المعلومات حول قرار الإنشاء والجهة الناظمة. ورغم الغموض المتعمد في عدم ذكر أي تفاصيل، يمكن للمتابع أن يستشف قدراً لا بأس به من المعلومات المغلوطة التي تمنح تصوراً واضحاً عن تلك المنشآت.

فعلى سبيل المثال، يشير أحد الإعلانات الذي ورد في صفحة الإدارة التعليمية لمديرية السبعين على «فيسبوك» عن «قرار جمهوري» بإنشاء تلك المدارس. ولكن عند مقاطعة المعلومة مع مصادر أخرى وما إذا كان هناك قرار جمهوري فعلاً، يتبين أن لا معلومات دقيقة.

أيضاً هناك أخبار أن لهذه المدارس مجالس إدارة، وورد ذلك في الخبر الذي تداولته وسائل إعلام الجماعة عن تدشين مدارس شهيد القرآن بمحافظة حجة من قبل وزير التربية والتعليم حينها يحيى بدر الدين الحوثي وعضو مجلس إدارة مدارس شهيد القرآن ثائر الرازحي.

طفل يمني يعبر الشارع قرب آلية عسكرية (إ.ب.أ)

وبالمثل يمكن العثور على معلومات تتعلق بتلك المدارس في الإعلان الذي أوردته ثانوية العلوم الشرعية التابعة لجامعة دار العلوم الشرعية عن فتح باب التسجيل لطلاب المرحلة الأساسية. فثانوية العلوم الشرعية هذه هي نفسها مدرسة شهيد القرآن.

أيضاً هناك «الإدارة العامة للمدارس الثانوية للعلوم الشرعية»، التي يبدو أنها إدارة مستجدة في وزارة التربية ويديرها القيادي في الجماعة محمد الطوقي ولها علاقة بتلك المدارس، حيث ستكون هذه الإدارة حاضرة في عدد من الفعاليات الخاصة بمدارس شهيد القرآن. ومع ذلك لا يمكن الجزم بأنها فعلاً تتبع تلك الإدارة، حيث قد يبدو الأمر شكلياً هنا وهناك.

وفوق كل ذلك يأتي اسم «التعبئة العامة»، وهي جهاز استحدثته الجماعة، وظيفته الأساسية تعبئة المجتمع واستقطاب الشباب والموظفين، وتنظيم دورات عسكرية وآيديولوجية، ويتبع مباشرة قيادة الجماعة، ويعمل بالتنسيق مع وزارة الأوقاف والجهات الدينية. هذا الجهاز حاضر بقوة أيضاً في المدارس، حيث عادة ما تتم الإشارة إلى حضور مسؤول التعبئة في هذه الفعالية أو ذلك التدشين. وذلك نمط معتمد لدى كل من «حزب الله» اللبناني والفصائل الموالية لإيران في العراق كما أنه نموذج عملت عليه إيران نفسها داخلياً لسنوات طويلة.

لا رقابة رسمية

يقول أحد أعضاء الهيئة التدريسية، ويعمل في إحدى مديريات محافظة صنعاء، وتحدث لـ«الشرق الأوسط» مفضلاً عدم الكشف عن اسمه، إن مدارس شهيد القرآن لا تخضع لأي رقابة تربوية أو إشراف مؤسسي رسمي، كما لا تُنشر مناهجها أو برامجها التعليمية للعلن، ما يجعل طبيعة المحتوى محاطة بالغموض وغير قابلة للتقييم.

وبحسبه، فإن إدارة هذه المدارس مرتبطة بمكاتب أنصار الله الثقافية والتربوية، وليست خاضعة للرقابة التعليمية التقليدية.

كذلك تتلقى مدارس «شهيد القرآن» دعماً مباشراً من جماعة الحوثيين «أنصار الله» عبر مكاتبها الثقافية والتربوية. أما المصادر المحتملة لذلك الدعم فهو موارد الجماعة (جبايات، دعم داخلي)، ومساهمات إجبارية من شخصيات أو مؤسسات مرتبطة بها.

وبينما لا توجد بيانات شفافة عن حجم التمويل أو مصادره، يشير الخطاب الإعلامي إلى أن تمويل هذه المدارس يأتي من صندوق الزكاة ومن الهيئة العامة للتعبئة، ما يعكس طبيعة ارتباطها المباشر بالمؤسسات العقائدية والمالية للجماعة.

طفلان يبيعان الحلوى خلال تظاهرة مؤيدة لإيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

شروط القبول والاستقطاب

مع بداية كل عام دراسي، وتحديداً من بداية السنة الهجرية التي اعتمدتها الجماعة موسماً دراسياً ضاربة عرض الحائط بشيء اسمه الموسم الدراسي الشتوي المعتمد عالمياً، يتم الإعلان عن فتح باب الالتحاق للطلاب الذين أنهوا المرحلة الأساسية، بشرط أن تتراوح أعمارهم بين 15 و17 عاماً، وأن يجتازوا مقابلات شخصية واختبارات قبول دقيقة تتضمن معايير تتعلق بالالتزام العقائدي، والاستعداد للتفرغ الكامل لعامين كاملين دون انقطاع.

وتعدّ المميزات المعروضة للطلاب إحدى أهم أدوات الاستقطاب: تكفّل كامل بالمعيشة، سكن داخلي، وجبات، ملابس، رسوم دراسية مجانية، إلى جانب برامج وأنشطة يومية مكثفة تُعرّف بأنها «عقائدية وإيمانية». وتضم مرافق سكن طلابي متكامل، مطابخ، فصولاً دراسية، جامعاً، وقاعات مخصّصة للمحاضرات والبرامج الدينية المكثّفة.

في الوقت الحالي تعمل مدارس «شهيد القرآن» أساساً على مستوى التعليم الثانوي (ثلاث سنوات)، وليس على مرحلتي الابتدائي أو الإعدادي، لكنها مشروع يتوسع تدريجياً وقد أعلنت الجماعة نيتها أن يشمل لاحقاً مراحل دراسية أخرى.

ويمنح الطلاب المتخرجون في تلك المدارس شهادات اعتراف مباشر من «الأكاديمية العليا للقرآن الكريم وعلومه» (وهي مؤسسة تابعة أيضاً للجماعة) ويمكن أن يلتحقوا في تخصّصات تشمل: الإعلام، الإدارة، الدراسات الإسلامية، الشريعة والقانون، إضافة إلى قبول خريجيها في الجامعات الحكومية والأهلية، وفي الكليات العسكرية والأمنية التابعة للجماعة.

أطفال يمنيون في صنعاء (غيتي)

برنامج صارم وترغيب للأساتذة

على الرغم من غياب المعلومات التفصيلية وعدم وجود برنامج مُعلن يوضح آلية التعليم داخل مدارس شهيد القرآن، فإن تصريحات مديري بعض الفروع تكشف ملامح يومٍ دراسي مُنهك يمتد من ساعات الفجر الأولى وحتى المساء.

يقول أحمد الكرشمي، المشرف الثقافي في مدرسة شهيد القرآن في بني الحارث – صنعاء، إن اليوم يبدأ عند الساعة الرابعة فجراً، حيث يتجمع الطلاب لأداء طقوس الاستغفار وصلاة الفجر جماعة، ثم يجلسون في حلقات لقراءة القرآن الكريم حتى السادسة صباحاً. بعدها يتناولون الإفطار ويصطفّون لحضور الإذاعة المدرسية قبل بدء الحصص الدراسية الروتينية حتى الساعة الواحدة والنصف ظهراً.

وبعد فترة راحة قصيرة حتى الثالثة عصراً، يبدأ البرنامج العقائدي المكثّف الذي يشمل دراسة «الملزمة الأسبوعية» لملازم حسين بدر الدين الحوثي، وحضور المحاضرات الدينية اليومية، إضافة إلى مشاهدة أفلام وبرامج وثائقية تُنتجها الجماعة كجزء من عملية «التثقيف الإيماني» المستمر. ويمتد هذا الإيقاع الصارم لسنتين كاملتين داخل بيئة مغلقة ومعزولة عن الأسر، باستثناء الإجازات الطويلة، في إطار منظومة تعليمية تهدف إلى إعادة تشكيل وعي الطلاب وترسيخ الولاء العقائدي.

لا يتوقف الاستقطاب عند الطلاب؛ ففي وقت يفقد فيه المعلمون الحكوميون رواتبهم وفرص عملهم، يلجأ العديد منهم إلى العمل في مدارس شهيد القرآن بعدّها الجهة الوحيدة التي تلتزم بصرف الرواتب. وبعد قبولهم، يخضع المعلمون لبرامج تثقيفية عقائدية تشمل دورات في «التنشئة التعبوية» لضمان توافقهم مع توجهات الجماعة قبل السماح لهم بالتدريس.

أنشطة وبرامج غير صفية

تكشف الأنشطة التي تُنفَّذ داخل مدارس شهيد القرآن عن منظومة تعبئة طقسية ورمزية متكاملة، تتجاوز التعليم الديني التقليدي إلى بناء ارتباط مباشر بين الطلاب وقيادات الجماعة ورموزها العقائدية. إذ تُنظّم المدارس رحلات دورية لزيارة قبر حسين بدر الدين الحوثي في مران، وضريح صالح الصماد في الحديدة، ومواقع أخرى مرتبطة بقيادات قُتلت في الحرب، وتُقدَّم هذه الزيارات للطلاب بوصفها «محطات إيمانية» تُعزز الولاء وتربطهم بتاريخ الجماعة.

كما تحيي المدارس سنوياً مناسبات عقائدية مثل «يوم الشهيد» وذكرى مقتل حسين بدر الدين الحوثي، عبر فعاليات خطابية ومسيرات وعروض مسرحية يجسّد فيها الطلاب مشاهد قتالية باستخدام أسلحة غير حقيقية، في محاكاة درامية لمعركة الجماعة، وبهدف ترسيخ فكرة «الجهاد» والولاية في وعي الطلاب.

بحسب مدير مدرسة «شهيد القرآن» في أمانة العاصمة عبد الله سمينة، فَإنَّ «هذه المدرسة تطبق نموذجَ المدرسة الداخلية؛ وإلى جانب تعليمِها للمواد الدراسية المعتمدة من قبل وزارة التربية والتعليم كالرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء واللغة الإنجليزية واللغة العربية تهتم أَيْـضاً بجوانبِ التنمية الروحية والإيمَـانية للطلاب».

ويقول أحد المعلمين السابقين الذين خرجوا من المدرسة، مفضلاً عدم ذكر اسمه، إن الأنشطة في المدارس ليست عشوائية، بل جزء من برنامج تعبوي متكامل.

وقال: «يتدرب الطلاب على الخطابة، والظهور أمام الكاميرا، ويشاركون في تمثيل مشاهد قتالية، ويخضعون لأنشطة أمنية مثل لعبة (كشف الجاسوس)... كل شيء في المدرسة كان يهدف لتشكيل الولاء قبل التعليم».

عناصر من الحوثيين يستعرضون في مدينة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر (أرشيفية - رويترز)

من الفصل إلى العرض العسكري

للتدريبات العسكرية حصة وازنة إذ يتم من خلالها تعريف الطلاب على أنواع الأسلحة، كما يحدث أن تنظم مدرسة ما عرضاً عسكرياً لطلابها، كما فعلت مدرسة شهيد القرآن للعلوم الشرعية بمحافظة ريمة بتاريخ 12 فبراير (شباط) 2025.

وتمتد التعبئة إلى الفضاء البصري للمدرسة نفسها، حيث تمتلئ الفصول والساحات بصور قيادات الجماعة وشعاراتها وعبارات طائفية مرتبطة بالهوية الإيمانية، ما يجعل الطالب محاطاً بشكل دائم بالرموز والرسائل التي تسعى الجماعة إلى غرسها في وعيه. ويشير المعلم ذاته إلى أن «المدرسة ليست مؤسسة تعليمية، بل مكان لتشكيل الطالب فكرياً وروحياً».

طلاب ينسحبون تحت الضغط

صادق (اسم مستعار)، أحد طلاب تلك المدارس في محافظة صنعاء، اضطر لترك الدراسة بطلب من والده المغترب بعد معرفته بأن التعليم في منطقته أصبح «عقائدياً بالكامل». تحدّث إلينا صادق عبر تسجيلات خاصة عن بعض ما يجري داخل مدرسته، موضحاً أن اليوم الدراسي لم يعد قائماً على ست حصص كما يفترض، بل لا تُدرّس سوى ثلاث حصص، بينما تُخصَّص الساعات المتبقية لبرامج تتضمن «محاضرات تثقيفية» داخل مسجد مستحدث في المدرسة، تستمر بين ساعة وثلاث ساعات يومياً.

يقول صادق: «بعد المحاضرة يسألنا المشرف عن مضمونها، وإذا لم يعرف أحد الطلاب الإجابة يضربه ضرباً شديداً... كثير من الطلاب توقفوا عن الحضور».

ويضيف أن أغلب الدروس التي تُقدّم للطلاب تتمحور حول «الهوية الإيمانية، الصبر، الجهاد، الولاية»، مؤكداً وجود تسرّب كبير للطلاب بسبب الضغط النفسي والبرامج المفروضة.

تظاهرة شبيبة تابعة للحوثيين تأييداً لإيران وحزب الله في العاصمة صنعاء (أ ف ب)

أجيال برؤى متناقضة

وجود هذه المدارس يخلق ازدواجية بين التعليم الرسمي (المعترف به وطنياً ودولياً) والتعليم الموازي، ما يضع الطلاب في موقع هش إذا تغيرت الظروف السياسية.

ينقل الإعلام الرسمي التابع للجماعة تصريحات ملقنة لطلاب منخرطين في تلك المدارس، وهي تصريحات تكشف مدى التعبئة التي تجعل من المدارس الأخرى متهمة في نظرهم بأنها لا تقدم علماً ولا وعياً حقيقيين. هذه التعبئة مقصودة وتأتي في سياق القضاء تماماً على التعليم الرسمي.

كأن يقول أحدهم مثلاً إن «المدارس الأخرى تبني جيلاً غير متماسك وغير واعٍ ومعرض للخطر والاستهداف».

هذا التكوين العقائدي يجعل الطلاب الخريجين أقرب إلى كوادر آيديولوجية، لا مجرد طلاب علم، وهو ما يثير جدلاً حول مستقبلهم الأكاديمي والمهني، وهو ثمن طويل الأمد سيترتب على اليمن كله.

فالتعليم الذي يفترض أن يكون فضاءً للتفكير والنقد وبناء المستقبل، جرى اختزاله بمنصة تعبئة، تُقصي الآخر وتعيد هندسة وعي الأجيال على مقاس مشروع عقائدي، ستكون كلفته باهظة على البلد ومستقبله.


«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

لعل أسوأ السيناريوهات التي كان يتم تخيلها في كواليس صنع القرار حدثت. باغتيال المرشد السابق علي خامنئي، استخدمت واشنطن وتل أبيب أسلوب «الصدمة والرعب» نفسه الذي اتبعته إسرائيل في السنتين الأخيرتين، والذي برهنت التجربة أنه يحقق نجاحاً خارقاً قبل فقدان الزخم مع نهاية الحملة العسكرية.

لكن هذه المرة كسر الرئيس دونالد ترمب المحظور وفتح صندوق باندورا المنطقة على حرب بحجج غير متماسكة ونهاية غير واضحة، وفرض معركة ردع متبادل مع النظام الإيراني الذي خسر صورته في الردع الإقليمي. هذا التوسّع في نفوذ المشروعين في الشرق الأوسط، الذي تراوح بين الصدام والتعايش، وصل إلى مفترق طرق.

المشروع الخامنئي، الذي حكم أربع عواصم عربية لعقود، وتعرّض لنكسات متتالية في العقد الأخير بعد بلوغه ذروته التوسعية بعد «الربيع العربي»، أرهق موارده المحدودة وفتح أعين أميركا عليه كما شهية إسرائيل لمقارعته.

استحالة إدارة هذا التعايش أدت إلى صدام محتوم لم تتعامل الإدارة الأميركية الحالية معه بصبر القوى العظمى الاستراتيجي.

في تدخل عسكري هو الأول من نوعه منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شاب حرب ترمب على إيران عدم وضوح النهاية. خطاب الرئيس مزج منذ بداية الحرب بين أهداف استراتيجية متقلبة وجداول زمنية مرنة للضغط على النظام الإيراني، لكن مع الوقت فقدت إدارته السيطرة الإعلامية والنفسية على الحرب، كما ظلت مترددة في الذهاب بعيداً في خيارات التصعيد العسكري. أدى عدم تمكن واشنطن من تقويض النظام الإيراني سريعاً إلى قناعة بأن الإبقاء على الإيقاع الإسرائيلي يعني توسيع التورط الأميركي.

حضر قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي (يسار) برفقة قائد «البحرية» الأدميرال علي رضا تنكسيري حفل الكشف عن قاعدة صواريخ تحت الأرض في مكان غير مُعلَن بجنوب إيران (د.ب.أ)

من يتخذ القرار في إيران؟

في المقابل، هناك عدم وضوح حول مَن يتخذ القرارات في طهران التي يبدو أنها تدفع أثمان تبعات اغتيال قاسم سليماني عام 2020 مروراً بإسماعيل هنية وصولاً إلى حسن نصر الله. والآن ستلحق نفسها بسياسة ردعية بعد اغتيال خامنئي الذي كان يحترف اللعب على حافة الهاوية لموازنة الدينامية بين المحافظين والإصلاحيين، بين «الحرس الثوري» والفريق التفاوضي.

يأتي المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ليس فقط ليكرّس إشكالية التوريث في الداخل، بل ليعزّز دور المؤسسة الأمنية على حساب الدينية. وهناك تساؤلات لم تتضح بعد حول معالم انتقال السلطة الجديدة في طهران ومن يدين بالولاء لها ومراكز القرار فيها.

هل تتشكل سلطة جماعية ومتنازع عليها في طهران أم يحكِم مجتبى قبضته على مفاصل الدولة؟ في حال طبعاً لم يتعرض لاغتيال. شرعية مجتبى مرتبطة باستمرار الحرب التي يحتاج إليها في المدى المنظور لتكريس موقعه الجديد؛ لأن ما يترتب على انتهاء الحرب، ليس فقط مواجهة التساؤلات حول شرعيته مرشداً، بل حسم قرار كيفية التعامل مع واشنطن على المدى المتوسط لكسر الحصار الجوي على إيران وتوفير الوقت والموارد لترميم ما دمرته الحرب والعقوبات.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

توازن يشابه الردع

اعتقدت واشنطن أن تكلفة الردع الإيراني منخفضة بما يكفي للتدخل العسكري ضدها، وبالتالي خلصت وإسرائيل إلى أن فرصتهما في تحقيق أهدافهما بالوسائل العسكرية أكبر منها بالوسائل الدبلوماسية، وكان ذلك سوء تقدير في حسابات الردع. دمرت أميركا القدرات العسكرية التقليدية للنظام الإيراني، لكنها لا يبدو أنها نجحت في وقف قدرته على إطلاق الصواريخ الباليستية وتقييد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي أخذته طهران رهينة كردع اقتصادي في «استراتيجية عقابية» كلاسيكية ربطت بين استهداف النظام وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي. التكلفة جاءت كأكبر اضطراب في الإمدادات في العالم منذ أزمة الطاقة في السبعينات؛ ما أجبر إدارة ترمب على رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني في محاولة لتخفيف أزمة الطاقة.

استراتيجية الردع الإيرانية مرت في ثلاث مراحل خلال هذه الحرب. الهدف الرئيسي في المرحلة الأولى كان بقاء النظام بما يعنيه منع الانهيار والتفكك الداخلي، وتفادي انتفاضة شعبية. في ظل فراغ منصب المرشد، أطلقت المنظومة الأمنية في طهران العنان لجنون ردعي غير مسبوق، وعندما تداخلت الرسائل الأميركية مع فكرة تغيير النظام تعاملت طهران مع الحرب على أنها مسألة وجودية، على الرغم من إدراكها أنها لا تستطيع كسب حرب تقليدية مع واشنطن.

إيرانيات يتنزهن بحديقة بارديسان في طهران الخميس (رويترز)

في المرحلة الثانية، كانت الاستراتيجية الإيرانية تسعى لزيادة تكلفة الحرب على واشنطن كما على الاقتصاد العالمي. «مصداقية الردع» هي النقطة الأساس حالياً. لأن إيران، ستظهر بمظهر المنهزم استراتيجياً فيما لو تلقت ضربات على مستوى اغتيال خامنئي من دون رد فعل منها، فبذلك تُخاطر بانهيار «الردع الإقليمي»، وفقدان المصداقية لدى الوكلاء، ورد فعل عنيف داخلياً. استخدمت كل من واشنطن وطهران في الأسبوع الأخير ما سماه توماس شيلينغ «دبلوماسية العنف»، أي التهديد العسكري المستمر وسيلةَ ضغطٍ.

الحافز الإيراني الآخر في المرحلة الثانية هو الحفاظ على تماسك النظام الداخلي عبر استمرار حرب خارجية تمنع الانقسامات بحيث يكتسب المتشددون داخل المؤسسات الأمنية نفوذاً إضافياً.

الأسبوع الأخير كان حاسماً في معركة مضيق هرمز والبنى التحتية للطاقة؛ فوصلت المواجهة والتهديدات إلى لحظة الذروة، فكان قرار خفض التصعيد حين امتنع الخصمان عن شن هجوم شامل بعد اقتناع ضمني بقدرة بعضهما بعضاً على إلحاق خسائر انتقامية لا يمكن تحملها في إطار الرد الانتقامي. وبعدما علق الجانبان في دوامة من الإنذارات والردود الانتقامية برزت بوادر خيارات عقلانية، أقرَّت بضرورة فتح شكل من أشكال قنوات الاتصال مع رسم مسبق لخطوط حمراء واضحة.

أمسك ترمب بزمام مبادرة إعلان انطلاق التفاوض؛ ما أربك ليس إيران فحسب، بل فاجأ إسرائيل أيضاً. المناورة انتقلت من الميدان إلى التفاوض، وبالتالي من يصرخ أولاً يفرض شروط انتهاء الحرب.

عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)

وساطة عبر 3 مسارات

في هذا السياق، كانت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» أكدت أن هناك وساطة متقدمة و«اتصالات قوية» تقودها كل من باكستان ومصر وتركيا عبر ثلاثة مسارات داخل النظام الإيراني، هي «الحرس الثوري» والخارجية الإيرانية ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. تستخدم كل من هذه الدول الثلاث قنواتها الخاصة. وتشير المصادر إلى أنه حالياً ليس هناك غير هذه الدول من قد يرغب في القيام بوساطة، سيما وأنها لم تتعرض لهجمات صاروخية إيرانية. كذلك، تؤكد المصادر وجود عروض أميركية متقدمة، ومسعى لإيجاد نوع من الحل الوسط قدر الإمكان. لكن التحدي أن الأميركيين يضغطون في عامل الوقت ويستعجلون الاتفاق، في حين الإيرانيون يرون أن الوقت لا يكفي، خصوصاً أن حركتهم وتواصلهم فيما بينهم صعبان لتفادي رصدهم من الإسرائيليين.

لوحة إعلانية في طهران تحمل صور قائد «الحرس الثوري» السابق عباس نيلفوروشان وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله وزعيم «حماس» السابق إسماعيل هنية (أرشيفية - رويترز)

وكلاء إيران والمواجهة الكبرى

الشق الثاني في الردع هو أذرع إيران الإقليمية. كان هناك شيء من الرومانسية في الحديث عن فكرة الجبهات المفتوحة والمتزامنة لوكلاء النظام الإيراني؛ هي فكرة تقوم على أساس أن الهجوم على أحد أطراف المحور يعدّ هجوماً على الكل. لكن هذا الدفاع الجماعي تحقق جزئياً ومرة واحدة فقط بعد عملية «طوفان الأقصى» عام 2023 قبل أن يتعرض المحور بمجمله لضربات متتالية. في الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل عام 2025 وقفت أذرع إيران على الحياد، لكنها دخلت عنوة على خط الحرب الدائرة حالياً بعد اغتيال خامنئي.

تعرض المحور إلى إغتيالات مستهدفة متتالية من إسرائيل وأميركا أدت إلى اهتزاز ركائزه، وجاءت العقوبات الأميركية على النظام الإيراني منذ 2019 لتقلّص موارده، كما واجه تحديات في خطوط الإمداد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

والآن، تدخل أذرع إيران الإقليمية في مرحلة جديدة قد تحدّد مصيرها ووظيفتها في السنوات المقبلة، في معركة تخوضها طهران هذه المرة في الصفوف الأمامية بعدما تقلصت مروحة وكلائها بعد تطورات سوريا وغزة. ويبدو واضحاً أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على توسيع الساحات وليس بالضرورة وحدتها، على أن يكون القرار المركزي في طهران بشكل غير مسبوق. فللمرة الأولى ينسق «الحرس الثوري» عمليات وإطلاق صواريخ متزامنة مع «حزب الله» و«الحشد الشعبي»، أي التركيز على قيادة الردع بالاعتماد على ما تبقى من الوكلاء في لبنان والعراق.

«حزب الله» يقاتل بترسانة مستنفدة وهيكلية في طور إعادة التنظيم وبيئة شعبية منهكة، في حين «الحشد الشعبي» الذي تفادى لسنوات المواجهة المباشرة مع الجيش الأميركي، كسر المحظور أيضاً في استهداف القوات والمصالح الأميركية في بغداد وأربيل ودول الجوار؛ ما يغير معادلة الردع الأميركي وقد يعزز النفوذ الإيراني في العراق إذا استمرت الدينامية الحالية للحرب حتى انتهائها.

لكن «الحشد الشعبي» منقسم بين خلايا مدفوعة آيديولوجياً تواصل شن الهجمات باسم طهران، وأصحاب نفوذ في الدولة العراقية الذين يرون بشكل متزايد أن المواجهة تضرّ بمصالحهم، والنتيجة هي رادع منقسم: بعض الفصائل تقاتل، وأخرى تنسحب؛ ما يضعف مصداقية التهديد ككل.

صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ساحات قتال محلية

كل هذه التطورات تنعكس توتراً أمنياً وسياسياً بين واشنطن وطهران في لبنان والعراق. الأزمة السياسية في لبنان تتفاعل، لكنها لم تخرج عن السيطرة بعد. الصراع الأميركي - الإيراني أكثر حدة في العراق وانتقل إلى المؤسسات الأمنية، لكن الميليشيات المدعومة إيرانياً تستمر بأنشطتها العسكرية، في حين سمحت الحكومة العراقية لقوات الحشد الشعبي بالرد على أي استهدافات.

الوضع مغاير تماماً في قطاع غزة واليمن.

إدارة ترمب تمكنت من تحييد جبهة غزة نسبياً، وبالتالي حسابات حركة «حماس» مغايرة في هذه المرحلة مع تجميد قدرات جناحها العسكري، في ظل السيطرة الأميركية - الإسرائيلية المحكمة على القطاع والانقسامات الداخلية على قيادة الحركة والمرشحة إلى الزيادة حسب كيفية انتهاء هذه الحرب.

من جهة أخرى، اتخذ الحوثيون موقف الحياد النسبي بما يتناسب مع التحولات في الداخل اليمني التي تستدعي التريث. كما يحتفظ النظام الإيراني بالحوثيين ورقةً احتياطية للتهديد المطلق على البحر الأحمر.

ماذا بعد الحرب؟

السؤال الرئيسي اليوم هو عما: إذا كانت طهران ستصر على شمل «حزب الله» في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، أم ستتفرغ إسرائيل للحزب وتفرض أمراً واقعاً جنوب الليطاني؟ هذا سيكون أول اختبار لعلاقة النظام الإيراني الجديد مع أذرعه الإقليمية، لا سيما في لبنان والعراق.

فإذا أوقفت أميركا الحرب مع إيران، هل تبقى العصا الإسرائيلية مرفوعة ضد النظام الإيراني لاستخدام الضرورة؟ مهما كان السيناريو النووي الأميركي - الإيراني، حتى الآن يبقى وكلاء طهران تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، لكن من دون القدرة على فرض الاستسلام الكلي. هذه الضبابية ستؤدي إلى تقلص تدريجي لوكلاء النظام الإيراني، لكن قد لا تفتح الباب أمام التسويات الكاملة في المدى المنظور. لا المواجهة بين إيران وإسرائيل ولا الهدنة بينهما ستعالج الأزمات المحلية في بلدان هذه الجبهات، ولا المعارك المفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران الذين يستعدون لمرحلة جديدة.

يقول كارل فون كلوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى». الخروج من الردع إلى التفاوض في حسابات بقاء النظام كانت عبر مؤشرات بدأت تخرج من طهران بعدما هيمن المتشددون في «الحرس الثوري» بشكل مطلق على الاستراتيجية في أول أسبوعين من الحرب.

من ملامح هذه المؤشرات مواقف شخصيات تتمتع بعلاقات واسعة في الأوساط الدينية والسياسية والأمنية، معتدلون ضمن الهياكل المتشددة، محافظون لكن براغماتيين، قادرون على التواصل مع كل من المتشددين والتكنوقراط، وهم مفاوضون استراتيجيون ذوو خبرة في الدبلوماسية.

هؤلاء تسعى واشنطن للتواصل معهم وتحاول إسرائيل اغتيالهم مثلما فعلت مع علي لاريجاني. التحوّل الكبير الآن ليس بين واشنطن وطهران، بل في بداية افتراق المصالح الأميركية - الإسرائيلية في هذه الحرب. ترمب فاجأ تل أبيب بقرار وقف زخم الحرب ودرس احتمالات خفض التصعيد، كما أرسل أكثر الأصوات رفضاً للحرب داخل إدارته لإيصال هذه الرسالة إلى بنيامين نتنياهو، وهو نائب الرئيس جي دي فانس. انتقل الطرفان من الحرب إلى التفاوض بالنار عبر رفع استعراضي لسقف المفاوضات وتحديد متبادل لهويات المفاوض في الطرف الآخر بحيث واشنطن تفضل قاليباف وطهران تفضل جي دي فانس. هذه بداية لاستكشاف النوايا وإعادة بناء الثقة على وقع حرب مستعرة.

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي بأحد شوارع طهران وسط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

ميزان الربح والخسارة

مفهوم الانتصار نسبي للطرفين؛ فمجرد البقاء على الطاولة ينظر إليه النظام الإيراني على أنه انتصار رغم الخسارات الكبيرة. بعد الحديث عن تغيير النظام في الأيام الأولى، حتى الطرف الإسرائيلي بدأ يتراجع عن هذا الخطاب بإيعاز أميركي بعدما أطلقت طهران العنان لجنونها وأصبحت المنظومة الأمنية تتصرف كميليشيا تستنزف أميركا ومصالحها، في حين إدارة ترمب تقود حرباً عسكرية تقليدية. ترمب الذي كان لا يمكن التنبؤ بأفعاله اعتمد «الحذر الاستراتيجي» في الرد، في حين النظام الإيراني المتردد في الردع أصبح خارج السيطرة. السرديات تغيرت. التركيز أصبح على من يسيطر على مضيق هرمز لا على تغيير النظام الإيراني. ترمب يفاوض بالنار والنظام الإيراني يردع بالبقاء. الجمود الدبلوماسي في «النووي» ينعكس الآن جموداً عسكرياً في الميدان، والخيار يتراوح بين إيجاد حلول عقلانية أو الانتقال إلى خيارات أكثر دراماتيكية. الطرفان يريدان إنهاء الحرب، لكن بشروط تساعدهما على تسويق وقف إطلاق النار داخلياً.

على الضفة الأخرى، من مصلحة موسكو وبكين عدم انتصار ترمب وسيطرته على كل منابع الطاقة وطرق الإمداد الرئيسية، وإيران جزء من هذا النزاع الدولي الأشمل على الموارد والنفوذ. إذا لم يستكمل ترمب المهمة، تخسر واشنطن بعضاً من صورتها بوصفها شرطي العالم وضامن الملاحة الدولية. ترمب لمّح إلى أنه في حال كان هناك اتفاق مع طهران سيدير مضيق هرمز مع المرشد الإيراني الجديد، ما يشبه سيناريو التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي.

لكن نصف تدخل عسكري أميركي مع تردد في التورط وهشاشة في تحمّل التبعات الاقتصادية يعطي الأفضلية للنظام الإيراني في المدى المنظور ويعزز سطوته الداخلية، مع تبعات طويلة الأمد على استعادة القوة والزخم ما لم يحدّه اتفاق واضح مع الغرب.