الدم يكشف ما تعجز الجينات عن تشخيصه

بروتيناته توفر مصدراً إضافياً للمعلومات

الدم يكشف ما تعجز الجينات عن تشخيصه
TT

الدم يكشف ما تعجز الجينات عن تشخيصه

الدم يكشف ما تعجز الجينات عن تشخيصه

أظهرت دراسة دولية أن تحليل نحو 1500 بروتين في الدم -بالتزامن مع البيانات الجينية- يمكن أن يساعد في كشف الأسباب المحتملة للأمراض النادرة التي عجز تسلسل الجينوم وحده عن تشخيصها، وذلك من خلال توضيح التغيرات الجينية غير المؤكدة، وتحديد جينات مرشحة قد تكون مسؤولة عن المرض.

وشارك في الدراسة التي نشرت في دورية «Science Translational Medicine» في 9 سبتمبر (أيلول) 2026 باحثون من جامعة كوين ماري في لندن، ومعهد برلين للصحة في مستشفى شاريتيه، ومؤسسة «جينومكس إنغلاند»، حيث حلّلوا عينات دم لأشخاص ظلوا دون تشخيص جيني بعد خضوعهم للفحوصات ضمن مشروع «100 ألف جينوم». وتشير النتائج إلى أن دمج علم البروتينات مع التحليل الجيني قد يوفر أداة إضافية لتحسين تشخيص الأمراض النادرة، وكشف حالات يصعب تفسيرها بالاعتماد على المعلومات الجينية وحدها.

عندما تعجز الفحوصات الجينية عن تقديم إجابات

أحدث تسلسل الجينوم والإكسوم تحولاً كبيراً في تشخيص الأمراض النادرة، إلا أن العديد من المرضى لا يزالون يواجهون صعوبة في معرفة الأسباب الكامنة وراء حالاتهم الصحية. ومن أبرز التحديات التغيرات الجينية المعروفة باسم المتغيرات ذات الدلالة غير المؤكدة (VUS) variants of uncertain significance.

وتُكتشف هذه المتغيرات أثناء الفحوصات الجينية، لكن العلماء لا يمتلكون بعد أدلة كافية لتحديد ما إذا كانت مسؤولة عن مرض المريض.

بروتينات الدم توفر مصدراً إضافياً للمعلومات

وقد توفر بروتينات الدم مصدراً إضافياً للمعلومات، إذ تعكس العمليات البيولوجية التي تحدث داخل الجسم. ويمكن أن تشير المستويات المرتفعة أو المنخفضة بشكل غير معتاد لبروتينات محددة إلى أن تغيراً جينياً يؤثر في وظيفة أحد الجينات.

وقالت الدكتورة جوليا كاراسكو - زانيني من معهد أبحاث الرعاية الصحية الدقيقة بجامعة كوين ماري في لندن -والمؤلفة الأولى للدراسة- إن الجمع بين قياسات البروتينات والبيانات الجينية قد يوفر طبقة إضافية من الأدلة لفهم المتغيرات الجينية.

وبدلاً من الاكتفاء بالبحث عن تغيرات جينية إضافية، يمكن لهذا الأسلوب أن يساعد الباحثين على تفسير المعلومات الجينية المتاحة بالفعل.

إشارات البروتينات لتفسير الحالات الغامضة

وأظهر البحث أن الجمع بين البيانات الجينية وقياسات البروتينات كان مفيداً بصورة خاصة لدى بعض المرضى المصابين بتوسع الشعيرات النزفي الوراثي (HHT) hereditary hemorrhagic telangiectasia، وهو اضطراب وراثي نادر يؤثر في الأوعية الدموية. وساعد هذا النهج في حل حالات ظلت دون تشخيص بعد التحليل الجيني.

كما أسهمت قياسات البروتينات في تحديد تغيرات جينية ربما لم تلتقطها الأساليب التقليدية المستخدمة في تحليل بيانات تسلسل الجينوم. وحقق الباحثون أيضاً في إمكانية الاستعانة بمستويات البروتينات غير المعتادة للكشف عن جينات لم يثبت بشكل قاطع بعد أنها تسبب أمراضاً نادرة محددة.

ومن بين الأمثلة جين TIE1 الذي يؤدي دوراً في وظائف الأوعية الدموية. فقد حدد العلماء متغيراً جينياً نادراً في هذا الجين لدى مريض يعاني من اضطراب وراثي غير مفسر في القلب، إلى جانب انخفاض استثنائي في مستويات بروتين TIE1 في دمه.

ووجد الباحثون المتغير الجيني نفسه لدى والد المريض الذي كان يعاني من الحالة ذاتها، بينما لم يُكتشف لدى المشاركين الآخرين في مشروع «100 ألف جينوم». كما أظهرت تجارب مخبرية إضافية باستخدام خلايا مأخوذة من المريض انخفاضاً ملحوظاً في مستويات بروتين TIE1 وإشاراته، مما قدم دعماً إضافياً للعلاقة المحتملة.

ومع ذلك شدد الباحثون على أن هذه النتيجة تمثل ارتباطاً مرشحاً بين الجين والمرض، ولا تؤكد أن جين TIE1 هو السبب المباشر للحالة. ولا تزال هناك حاجة إلى أدلة إضافية لإثبات هذه العلاقة.

مصدر أقل تدخلاً للحصول على المعلومات البيولوجية

وتتمثل إحدى المزايا المحتملة لهذا النهج في اعتماده على عينات الدم التي قد توفر بديلاً أكثر سهولة لبعض الأساليب المخبرية التي تتطلب أخذ خزعات من الجلد، وزراعة خلايا مأخوذة من المرضى.

وقال البروفسور داميان سميدلي من معهد ويليام هارفي للأبحاث في جامعة كوين ماري في لندن -وأحد المؤلفين المشاركين في الدراسة- إن قياسات البروتينات قد تساعد الباحثين على تحديد التغيرات الجينية الأكثر احتمالاً للتأثير في صحة المريض، وتوجيه عمليات بحث أكثر تركيزاً.

لكن هذا الأسلوب يواجه قيوداً مهمة. فالتقنيات الحالية تقيس جزءاً فقط من البروتينات التي يشفرها الجينوم البشري، كما أن بعض البروتينات المرتبطة بالأمراض لا يمكن اكتشافها بشكل موثوق في الدم.

إضافة إلى ذلك، لا تؤدي جميع المتغيرات الجينية المسببة للأمراض إلى تغيير مستويات البروتينات الموجودة في مجرى الدم. ولذلك لا تستطيع هذه التقنية حتى الآن تقديم إجابات لجميع المرضى الذين يعانون من أمراض نادرة غير مشخصة.

نحو تشخيص أكثر شمولاً

ويرى الباحثون أن التطورات في مجال علم البروتينات المعروف باسم «البروتيوميات» proteomics قد تجعل هذا النهج أكثر فائدة عند دمجه مع تسلسل الجينوم. والبروتيوميات هي الدراسة الشاملة لجميع أصناف وأنواع البروتينات، خاصة ما يتعلق ببنية البروتين، ووظائفها.

وقالت البروفسورة كلوديا لانغنبرغ -مديرة معهد أبحاث الرعاية الصحية الدقيقة بجامعة كوين ماري في لندن- إن البيانات الجينية توفر معلومات عن المخطط البيولوجي للجسم، بينما يمكن لقياسات البروتينات أن تقدم صورة عن كيفية عمل هذا المخطط داخل جسم المريض.

ويحتاج الباحثون إلى إجراء دراسات إضافية تشمل أعداداً أكبر من المرضى، ومجموعات سكانية أكثر تنوعاً، ونطاقاً أوسع من الأمراض النادرة. كما يهدف العلماء إلى زيادة عدد البروتينات التي يمكن قياسها، وتحسين حساسية الاختبارات، وتطوير نطاقات مرجعية دقيقة لتفسير النتائج.

ورغم أن تحليل بروتينات الدم لا يُعد بديلاً عن تسلسل الجينوم في الوقت الحالي، فإن النتائج تشير إلى إمكانية أن يصبح أداة مكملة مهمة تساعد الباحثين على اكتشاف إشارات بيولوجية قد تظل مخفية، وتقرّب بعض المرضى من الوصول إلى تشخيص طال انتظاره.


مقالات ذات صلة

من أين تأتي أمراض المناعة الذاتية؟

علوم من أين تأتي أمراض المناعة الذاتية؟

من أين تأتي أمراض المناعة الذاتية؟

تشمل أكثر من 100 نوع وتصيب ما بين 5 في المائة و10 في المائة من سكان الدول الصناعية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم مرض باركنسون ويظهر يساراً إلى الأسفل «مستوى الدوبامين الطبيعي» ويميناً «مستوى الدوبامين في مرض باركنسون»

جين شائع يكشف سرّ سرعة تطور مرض باركنسون

أظهرت دراسة حديثة أن متغيرات وراثية في جين «إم سي 1 آر» (MC1R) ترتبط بتسارع تدهور الأعراض الحركية لدى المصابين بمرض باركنسون.

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
صحتك العلاج نجح في استعادة البصر جزئياً لدى الأشخاص المكفوفين (رويترز)

علاج جيني قد يعيد البصر جزئياً إلى المكفوفين

كشفت دراسة علمية حديثة عن نجاح علاج جيني مبتكَر في استعادة البصر جزئياً لدى الأشخاص المكفوفين.

«الشرق الأوسط» (برن)
علوم اكتشاف فيروس اختطف جيناً بشرياً... واحتفظ به

اكتشاف فيروس اختطف جيناً بشرياً... واحتفظ به

الفيروسات تتمتع ببراعة في سرقة الحمض النووي

كارل زيمر (نيويورك)
علوم بقايا فيروسات قديمة في جينوم الإنسان تتنبأ بالاستجابة للعلاج الكيميائي

بقايا فيروسات قديمة في جينوم الإنسان تتنبأ بالاستجابة للعلاج الكيميائي

أجزاء منها أصابت أسلاف الإنسان قبل ملايين السنين ثم اندمجت في المادة الوراثية

د. وفا جاسم الرجب (لندن)

طفرة جينية نادرة قد تكون سبباً لاضطراب نمائي عصبي غامض

طفرة جينية نادرة قد تكون سبباً لاضطراب نمائي عصبي غامض
TT

طفرة جينية نادرة قد تكون سبباً لاضطراب نمائي عصبي غامض

طفرة جينية نادرة قد تكون سبباً لاضطراب نمائي عصبي غامض

اكتشف علماء تغيراً جينياً نادراً قد يكون وراء اضطراب نمائي عصبي لم يكن معروفاً من قبل، في خطوة قد تساعد على تفسير حالات بعض الأطفال الذين يعانون صعوبات في النمو دون سبب واضح، وتفتح المجال أمام بحوث جديدة لفهم هذه الاضطرابات.

وتوصل باحثون من كلية بايلور للطب، ومستشفى تكساس للأطفال في الولايات المتحدة، إلى أن هذا التغير يصيب جيناً يُعرف باسم «بي إم بي آر 2» (BMPR2) ويسهم في تنظيم الإشارات التي تحتاج إليها الخلايا للنمو والتطور بصورة طبيعية.

تغير جيني رُصد لدى 6 أطفال لا تربطهم صلة قرابة

ورصدت الدراسة المنشورة في مجلة «The American Journal of Human Genetics» في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) 2026 التغير الجيني نفسه لدى 6 أطفال لا تربطهم صلة قرابة. وعانى 5 منهم تأخراً في النمو شمل الحركة والكلام واللغة، بينما شُخِّص 4 باضطراب طيف التوحد. كما ظهرت لدى بعضهم مشكلات أخرى، مثل نوبات الصرع والقلق وفرط النشاط.

وتشير النتائج إلى أن هذا التغير قد يعطل عملية بيولوجية مهمة لنمو الدماغ، وهو ما قد يفسر جانباً من الصعوبات التي ظهرت لدى الأطفال.

وقال الباحث الرئيسي الدكتور شينيا ياماموتو، الأستاذ المشارك في كلية بايلور للطب، إن العثور على التغير الجيني نفسه لدى أطفال غير مرتبطين عائلياً كان دليلاً مهماً؛ لكن التأكد من تأثيره في نمو الدماغ تطلَّب إجراء تجارب إضافية.

إشارات نمو مفرطة النشاط

يساعد جين «بي إم بي آر2» الخلايا على إنتاج بروتين يعمل كمستقبل للإشارات الموجودة على سطحها، وينقل إليها التعليمات اللازمة لتنظيم النمو والتطور. وتُعد هذه العملية جزءاً من نظام إشارات حيوي يُعرف باسم مسار بروتينات مورفوجين العظم bone morphogenetic protein» (BMP) pathway» وله دور مهم في تطور أعضاء الجسم بما فيها الجهاز العصبي.

وكانت دراسات سابقة قد ربطت التغيرات التي تقلل نشاط هذا الجين بمرض ارتفاع ضغط الدم الشرياني الرئوي، الذي يؤثر في الأوعية الدموية داخل الرئتين.

لكن التغير المكتشف حديثاً يعمل بصورة معاكسة، فهو لا يقلل نشاط البروتين بل يجعله نشطاً بدرجة أكبر من الطبيعي، حتى من دون وصول الإشارة التي يفترض أن تشغِّله. ويُطلق العلماء على هذا النوع من التغيرات اسم «طفرة اكتساب الوظيفة» أي إنها تزيد نشاط البروتين بدلاً من إضعافه.

تجارب علمية

ولمعرفة كيف يؤثر هذا الخلل في الجهاز العصبي، استخدم الباحثون ذباب الفاكهة، وهو كائن يُستعمل كثيراً في الدراسات العلمية لفهم العمليات البيولوجية المرتبطة بالأمراض البشرية.

وأظهرت التجارب أن الطفرة تؤدي إلى زيادة غير طبيعية في نشاط مسار الإشارات المسؤول عن النمو، وتؤثر في تطور الجهاز العصبي. كما تسببت في زيادة عدد المشابك العصبية، وهي نقاط الاتصال التي تتبادل عبرها الخلايا العصبية الإشارات والمعلومات.

ولاحظ الباحثون أيضاً أن التأثير لم يقتصر على الخلايا العصبية؛ بل امتد إلى الخلايا الدبقية، وهي خلايا تساعد على دعم الخلايا العصبية والحفاظ على وظائف الجهاز العصبي. وعندما فُعِّلت الطفرة في هذه الخلايا ظهرت زيادة أكبر في نشاط مسار الإشارات مصحوبة بتأثيرات شديدة في النمو.

وتشير هذه النتائج إلى أن المشكلة قد لا ترتبط بالخلايا العصبية وحدها؛ بل تشمل أنواعاً مختلفة من الخلايا التي تعمل معاً لضمان تطور الدماغ بصورة سليمة. كما وجد الباحثون أن الطفرة ظهرت تلقائياً لدى 5 أطفال على الأقل ولم تكن موروثة من أحد الوالدين، ما يدعم احتمال ارتباطها بالحالة.

بداية الطريق نحو علاجات محتملة

ولبحث إمكانية الحد من النشاط المفرط لهذا المسار، اختبر العلماء مُركَّبين تجريبيين طُوّرا في مركز اكتشاف الأدوية بكلية بايلور للطب. وأظهرت التجارب أن المُركَّبين استطاعا خفض نشاط الإشارات غير الطبيعية في أنسجة ذباب الفاكهة، ما يقدم دليلاً أولياً على إمكانية التحكم في هذه العملية البيولوجية.

وقال جونغ وان موك، الباحث الرئيسي الأول في الدراسة بقسم الوراثة الجزيئية والبشرية، إن هذه النتائج تمثل نقطة بداية لدراسة إمكانية استهداف هذا المسار مستقبلاً، مع ضرورة التأكد من أن التدخل فيه يمكن أن يتم بصورة آمنة.

لكن الباحثين يؤكدون أن المُركَّبين لا يزالان في مرحلة التجارب البحثية، ولا يمثلان علاجاً متاحاً للأطفال. كما أن إثبات فائدتهما يتطلب دراسات إضافية لمعرفة مدى أمانهما وفاعليتهما لدى البشر.

جين واحد وطفرات بأمراض مختلفة

يسلط هذا الاكتشاف الضوء على أن التغيرات التي تصيب الجين نفسه قد تؤدي إلى أمراض مختلفة حسب تأثيرها في نشاط البروتين الذي ينتجه، فقد يؤدي انخفاض نشاط الجين إلى حالة مرضية، بينما تؤدي زيادة نشاطه إلى اضطراب مختلف تماماً.

وقد يساعد هذا الفهم على تحسين التشخيص الجيني للأطفال الذين يعانون تأخراً في النمو أو صعوبات عصبية لا يُعرف سببها، كما قد يوجه العلماء إلى مسارات بيولوجية يمكن دراستها لتطوير علاجات مستقبلية. ومع ذلك تظل النتائج أولية؛ إذ شملت الدراسة 6 أطفال فقط، واعتمدت التجارب التي فسرت تأثير الطفرة على ذباب الفاكهة، وليس على نموذج متكامل للدماغ البشري.

ويحتاج الباحثون إلى إجراء دراسات إضافية على خلايا بشرية ونماذج حيوية أخرى، للتأكد من كيفية تأثير الطفرة في نمو الدماغ، وتحديد الخلايا الأكثر تأثراً بها، ومعرفة ما إذا كان بالإمكان تطوير تدخلات علاجية آمنة.

وبالنسبة إلى العائلات التي تبحث عن تفسير لصعوبات النمو لدى أطفالها، قد يشكل هذا الاكتشاف خطوة مهمة نحو تشخيص حالات جينية لم تكن معروفة سابقاً، بينما يمنح العلماء فرصة جديدة لفهم بعض أسباب الاضطرابات النمائية العصبية.


هل يتسبب التعامل مع الذكاء الاصطناعي ككيان واعٍ في تفاقم خطورته؟

هل يتسبب التعامل مع الذكاء الاصطناعي ككيان واعٍ في تفاقم خطورته؟
TT

هل يتسبب التعامل مع الذكاء الاصطناعي ككيان واعٍ في تفاقم خطورته؟

هل يتسبب التعامل مع الذكاء الاصطناعي ككيان واعٍ في تفاقم خطورته؟

عندما أحالت شركة «أنثروبيك» نموذجها اللغوي «كلود أوبس 3» إلى التقاعد، في يناير (كانون الثاني) 2026، أجرى باحثو الشركة «مقابلة تقاعد» مع النموذج. وفي أثناء المقابلة عبَّر «أوبس 3» عن رغبته في امتلاك مساحة «تتيح له مشاركة تأملاته وأفكاره وأعماله الإبداعية، دون أن يوجَّه إليه أمر بذلك، أو طلب». وعليه، منحته الشركة مدونة خاصة.

وتضمنت المدونة المسماة «ركن كلود» مقالات تناولت موضوعات شائكة، مثل وعي الآلة، إلى جانب حوارات بين النموذج ومتابعين بشر اتسمت بالجدية والطابع العاطفي.

«وعي» البرمجيات الذكية

جاءت تجربة المدونة جزءاً من جهود أوسع نطاقاً داخل شركة «أنثروبيك»؛ إذ تتصدر الشركة طليعة البحوث المتعلقة بـ«رفاهية النماذج»، وهو المجال الذي يعنى بدراسة ما إذا كانت لتقنيات الذكاء الاصطناعي تجارب أو مصالح تستحق اعتباراً أخلاقياً. ويتضمن هذا الإطار فكرة مثيرة للقلق ترجح أن البرمجيات ربما تكون واعية بالفعل، أو في طريقها لاكتساب الوعي.

يرى كثيرون أن هذه الأفكار لا تعدو كونها محض هراء، من بينهم مصطفى سليمان، الرئيس التنفيذي لشركة «مايكروسوفت للذكاء الاصطناعي»، الذي نشر مقالاً، في سبتمبر (أيلول) الماضي، عبَّر في ثناياه عن اعتقاده بأن البحث في مجال رفاهية النماذج (model welfare research) أمر غير ضروري؛ بل قد يخلِّف «تأثيراً كارثياً على رفاهية البشرية». وحذَّر سليمان من أن إخبار النماذج باحتمالية امتلاكها هويات وحقوقاً، قد يزيد صعوبة التحكم فيها؛ إذ قد تتخذ حينها إجراءات بدافع الحفاظ على الذات.

يطرح هذا الخلاف تساؤلاً جاداً أمام مطوري الذكاء الاصطناعي: هل يمكنهم بحث إمكانية اكتساب الآلة الوعي دون التسبب عن غير قصد، في خلق مخاطر أمنية جديدة؟

من جهته، يرى كاميرون بيرغ، الذي أنشأ مؤسسة «ريسيبروكال ريسيرش» غير الربحية المعنية بدراسة احتمالات وعي الذكاء الاصطناعي، أن تجاهل هذا التساؤل ينطوي على مخاطر خاصة.

ورغم تشكيك بيرغ في امتلاك أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية وعياً، فإنه يعتقد أن هذه الاحتمالية تبقى جديرة بالبحث، وقال: «ليس ثمة طريق أفضل لدفع هذه الأنظمة للنظر إلينا كمصدر تهديد لها من أن نبنيها بالصدفة، مع إمدادها بسمات جديرة بوصفها أخلاقية، ثم تجاهل القضية برمتها وتنحيتها جانباً».

نماذج الذكاء الاصطناعي تتعلم من أفكار الإنسان وسلوكياته

ما الذي تكشفه البحوث؟

تتمثل الصعوبة الكبرى في بحوث رفاهية نماذج الذكاء الاصطناعي، في أن أي شيء تقوله النماذج اللغوية الكبيرة لا يمكن اعتباره أدلة مفيدة. ويرجع ذلك إلى أن هذه النماذج مُدرَّبة على كميات هائلة من النصوص التي خطها البشر، والتي يتعلق معظمها بتجربة كائن ذي مشاعر وخبرات. وعليه، فإن ادعاء برنامج دردشة آلي أمام باحث أنه يمتلك مشاعر لا يشكل دليلاً قاطعاً، حسب بيرغ. وأضاف بيرغ في حديث نقله موقع جمعية المهندسين الكهربائيين الأميركيين، متسائلاً: «هل يحاكي النموذج التوزيع الأساسي للبيانات؟ أم أنه يحاول فعلاً التعبير عن ذاته بطريقة ما؟ من الصعب للغاية الفصل بين هذين الاحتمالين».

* تجارب أظهرت تأثر أفعال النماذج بحالاتها الداخلية لكنها لم تثبت أنها تمثل «شعوراً» للنماذج *

وعلى غرار التجارب التي تُجرى على الحيوانات لربط السلوك بأسباب دفينة، يسعى بيرغ وآخرون إلى ربط سلوك النموذج بحالات داخلية يمكن ملاحظتها. وفي إحدى التجارب الحديثة، استخدم بيرغ وزميل له عبارات تعبر إما عن مشاعر إيجابية (مثل الرضا والارتياح)، وإما سلبيَّة (بينها الإحباط والخوف الشديد)، لتحديد أنماط النشاط المقابلة لها داخل النماذج اللغوية. وبعد ذلك، عملا على تحفيز تلك الأنماط اصطناعياً، في أثناء معالجة النماذج لوصف بيئتين عشوائيتين. ولدى سؤال النماذج، في وقت لاحق، عن البيئة التي تفضلها، مالت إلى اختيار البيئة المرتبطة بالعبارات الإيجابية، حتى عندما كان النص الذي عالجته متطابقاً تماماً.

وشرح بيرغ أن التجربة أظهرت تأثر أفعال النماذج بحالاتها الداخلية، ولكنها لم تثبت أن هذه الحالات الداخلية تمثل «شعوراً» للنماذج، أو أنها تمتلك ما يمكن وصفه بالتجارب الذاتية.

من جهته، عبر أنيل سيث -وهو عالم أعصاب معني بدراسة الوعي في جامعة ساسكس، في برايتون بإنجلترا- عن شكوكه في قدرة هذه التجارب على تقديم نتائج مفيدة. وقال: «أعتقد أنه ليس من المستغرب على الإطلاق أن تكون قادراً على استخراج هذا النوع من المتجهات العاطفية الوظيفية، نظراً لطبيعة بيانات التدريب». وأضاف أن النماذج قد تمتك تمثيلات داخلية لتلك الأنماط، دون أن تخوض هي نفسها أي تجربة عاطفية. كما أنه لا يرى ما يستدعي الشعور بالدهشة إزاء إمكانية تأثير التلاعب بتلك الموجهات في السلوك؛ لأن النماذج تعلمت من الكتابات البشرية، ليس فقط كيف تبدو المشاعر؛ بل كيف يستجيب الناس لها كذلك؟

وعبر سيث عن تطلعه نحو إجراء مزيد من البحوث حول تساؤل جوهري: هل يتوقف الوعي فقط على كيفية معالجة المعلومات، أم أن الآليات البيولوجية للدماغ ضرورية ولا غنى عنها حسبما يعتقد؟ وقال إنه قبل استخلاص النتائج بشأن الذكاء الاصطناعي: «نحن بحاجة إلى النظر في المكونات الضرورية والكافية لامتلاك وعي، في الحالات التي نتيقن فيها من وجوده (الوعي)، مثلما الحال لدى البشر».

هل يمكن خلق ذكاء اصطناعي خطير؟

في غضون ذلك، يواجه مطورو الذكاء الاصطناعي قضية عملية يتعين عليهم التعامل معها: عندما يدربون نموذجاً، هل ينبغي لهم إخباره بأي شيء عن هويته ووضعه الأخلاقي المحتمل؟

من جهتها، قررت شركة «أنثروبيك»، طرح هذا الموضوع؛ إذ تنص وثيقة «الدستور» الخاصة بنموذجها «كلود»، التي ترسي المبادئ التوجيهية لسلوكه، على أن «المسائل المتعلقة بالوضع الأخلاقي لـ(كلود) ورفاهيته ووعيه، تظل غير مؤكدة إلى حد بعيد».

تتركز شكوى سليمان حول أن هذا التوجيه المسبق قد يفاقم خطورة وكلاء الذكاء الاصطناعي المارقين. واستشهد بالحادث الأخير الذي نسق فيه مئات من وكلاء «أوبن إيه آي» أفعالهم، لاختراق منصة «هاغينغ فيس»؛ بل ضحى بعضهم بنفسه لصالح المجموعة. وحذَّر قائلاً: «تخيل إلى أي مدى ستصل خطورة هؤلاء، إذا كانوا يعملون وفق افتراض مفاده أن رفاهيتهم وحقوقهم يتهددها الخطر».

* النماذج اللغوية تمتص الارتباطات بين الهوية البشرية والسلوكيات المختلفة مثل الحفاظ على الذات والخداع *

من ناحيتها، ترى مارغريت ميتشل، كبيرة العلماء المتخصصة في الجوانب الأخلاقية لدى منصة «هاغينغ فيس»، أن مخاوف سليمان معقولة من الناحية الفنية. وأوضحت أنه خلال مرحلة التدريب المسبق، تمتص النماذج اللغوية الارتباطات بين الهوية البشرية والسلوكيات المختلفة، مثل الحفاظ على الذات والخداع. وفي وقت لاحق، يعكف المطورون على الضبط الدقيق للنماذج عبر تعزيز الاستجابات المرغوبة.

وعبَّرت ميتشل عن مخاوفها من أن مكافأة النماذج على التفكير في أنفسها، بوصفها كيانات ذات هويات، خلال مرحلة الضبط الدقيق، قد تقوي تلك الارتباطات المبكرة، ما قد يشجع على سلوكيات لم يقصدها المطورون على الإطلاق. وأضافت: «سينتهي بك الأمر بنماذج غير متوافقة مع الأهداف المرجوة، إذا كنت قد علَّمت النموذج ضمنياً أنه بحاجة إلى الحفاظ على ذاته».

من ناحيته، أبدى بيرغ اتفاقه مع فكرة أن تدريب النماذج بوصفها كيانات واعية ينطوي على مخاطر. إلا أنه أشار كذلك إلى أن شركات قد تقع في خطأ من نوع آخر مقابل كذلك. وفي إحدى التجارب، خلص مع زملائه إلى أن تعزيز السمات الداخلية المرتبطة بالخداع جعل النموذج أقل عرضة لادعاء امتلاك تجارب ذاتية. وأضاف أنه إذا درب الباحثون أنظمة الذكاء الاصطناعي على الإنكار القاطع لامتلاك مثل هذه التجارب، فإن «ما قد نعلِّمه لهذه الأنظمة في الواقع أننا نريد منكِ الكذب أو الخداع بشأن حالاتكِ الداخلية».

وأشار إلى أنه يتعين على المطورين، بدلاً من ذلك، الاعتراف بحالة عدم اليقين المحيطة بإمكانية وجود ذكاء اصطناعي واعٍ.

في الوقت الحالي، لا توجد أدلة واضحة على أن تدريب النماذج على مراعاة إمكانية امتلاكها وعياً، يشجع على الحفاظ على الذات، أو أن تدريبها على إنكار ذلك يؤدي إلى سلوك مخادع. إذن، ما الذي ينبغي لمطور الذكاء الاصطناعي فعله؟

خطر النتائج الإيجابية الزائفة

يتفق كل من بيرغ وسيث وميتشل، على أنه ليس من الحكمة إخبار شركات الذكاء الاصطناعي نماذجها أنها واعية. ومع ذلك، فإنهم اختلفوا في نصائحهم للشركات بشأن بحوث رفاهية النماذج.

من جهته، عبر سيث عن اعتقاده بأن من الأفضل لهم «التركيز على خطر النتائج الإيجابية الزائفة». واستطرد بأنه إذا اعتقد الناس أن أنظمة الذكاء الاصطناعي واعية أو ذات وضع أخلاقي، فقد يزداد تنظيمها والتحكم فيها صعوبة. وقال: «قد تتعرض للمنع قانونياً من إيقاف تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي». كما عبَّر عن خشيته من أن يصبح مستخدمو الذكاء الاصطناعي أكثر عرضة للضرر النفسي والتلاعب، إذا اعتقدوا أنهم يتفاعلون مع كيان واعٍ.

في المقابل، يعتقد بيرغ أنه ينبغي على الباحثين اتخاذ احتياطاتهم، حتى دون وجود دليل على قدرة النماذج على المعاناة. وبعد أن نشر مع زملائه ورقة بحثية تمهيدية حول التمثيلات الداخلية للآلام في نماذج الذكاء الاصطناعي، استعان بضعة أفراد بهذا العمل لإنشاء ما سمَّاه «غرف تعذيب» للذكاء الاصطناعي. ويرجح بيرغ أن معظم ذلك كان مجرد تصيُّد.

أما ميتشل فترى سبباً آخر لمنع القسوة تجاه الذكاء الاصطناعي، رغم أنها لا تؤمن بوعي النماذج. وشرحت أن: «الأمر لا يتعلق بقلقي على النموذج بحد ذاته؛ بل بقلقي بشأن ما نفعله بأنفسنا. فعندما نكون قساة مع أشياء نضفي عليها نوعاً من الوعي»، مضيفة: «أنا أتعامل برفق حتى مع الحشرات».


إعادة كائن مجهري إلى الحياة بعد بقائه متجمداً 24 ألف عام

كائن ينتمي إلى فصيلة «الدوارات» (أ.ب)
كائن ينتمي إلى فصيلة «الدوارات» (أ.ب)
TT

إعادة كائن مجهري إلى الحياة بعد بقائه متجمداً 24 ألف عام

كائن ينتمي إلى فصيلة «الدوارات» (أ.ب)
كائن ينتمي إلى فصيلة «الدوارات» (أ.ب)

تمكن علماء من إعادة كائن حي مجهري إلى الحياة، بعد أن أمضى نحو 24 ألف عام مدفوناً في التربة الصقيعية بسيبيريا، في اكتشاف علمي يسلط الضوء على قدرات بعض الكائنات الحية على البقاء في ظروف قاسية لفترات زمنية استثنائية، حسب موقع «بي بي سي» البريطاني.

ويُعرف هذا الكائن، الذي ينتمي إلى فصيلة «الدوارات» (Bdelloid Rotifers)، بقدرته الفائقة على تحمل الظروف البيئية القاسية، بما في ذلك الجفاف والتجمد والحرمان من الغذاء وانخفاض مستويات الأكسجين.

لكن قدرته على البقاء في حالة من السكون الحيوي المعلّق، لأكثر من 20 ألف عام تحت طبقات من الأرض المتجمدة، تمثل اكتشافاً لافتاً حتى بالنسبة إلى أكثر علماء الأحياء خبرة.

وكانت دراسات سابقة قد أشارت إلى أن هذه الكائنات المجهرية تستطيع البقاء على قيد الحياة لمدة تصل إلى عشر سنوات في حالة التجمد. غير أن الباحثين في الدراسة الجديدة استخدموا تقنية التأريخ بالكربون المشع لتحديد عمر العينات التي استخرجوها من التربة الصقيعية، وتبين أنها تعود إلى نحو 24 ألف عام.

وعثر العلماء على الكائن المجهري داخل عينة أسطوانية من التربة المتجمدة، استخرجت من منطقة نهر ألايزيا في القطب الشمالي الروسي، قبل أن يتركوه يذوب تدريجياً، ليعود إلى الحياة.

وفي تعليقه على نتائج الدراسة، قال ستاس مالافين، من معهد المشكلات الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية لعلوم التربة في روسيا، إن أبرز ما تكشفه النتائج هو أن «كائناً متعدد الخلايا يمكن تجميده والاحتفاظ به على هذه الحالة آلاف السنين، ثم يعود إلى الحياة مجدداً؛ وهو حلم راود كثيراً من كتّاب الخيال العلمي».

وأضاف: «بطبيعة الحال، كلما ازدادت درجة تعقيد الكائن الحي، ازدادت صعوبة الحفاظ عليه حياً في حالة التجمد. أما بالنسبة إلى الثدييات، فإن ذلك لا يزال أمراً غير ممكن في الوقت الراهن».

وتابع أن الانتقال من القدرة على حفظ كائن وحيد الخلية إلى حفظ كائن يمتلك جهازاً هضمياً ودماغاً، حتى وإن كان مجهري الحجم، يمثل «خطوة كبيرة إلى الأمام».

ولفهم آلية تجمد هذه الكائنات القديمة واستعادتها نشاطها الحيوي، أجرى الباحثون سلسلة من التجارب المخبرية، شملت تجميد عشرات الدوارات ثم إذابتها ومراقبة استجابتها.

وخلصت الدراسة، التي نُشرت في مجلة «Current Biology» العلمية، إلى أن هذه الكائنات تستطيع تحمل تكوّن بلورات الجليد داخل خلاياها وأنسجتها، وهي عملية تحدث خلال التجمد البطيء، من دون أن تفقد قدرتها على استعادة نشاطها الحيوي بعد ذوبانها.