مع الموجة الحارة... ما الذي يحدث لجسمك دقيقة بدقيقة؟

ضربة الشمس تسبب الدوخة والتشوش الذهني والقيء والتشنجات (بكساباي)
ضربة الشمس تسبب الدوخة والتشوش الذهني والقيء والتشنجات (بكساباي)
TT

مع الموجة الحارة... ما الذي يحدث لجسمك دقيقة بدقيقة؟

ضربة الشمس تسبب الدوخة والتشوش الذهني والقيء والتشنجات (بكساباي)
ضربة الشمس تسبب الدوخة والتشوش الذهني والقيء والتشنجات (بكساباي)

تُعدُّ ضربة الشمس مرضاً قاتلاً، وعلينا معرفة كيفية الوقاية منه، لا سيما مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية نتيجة لتغير المناخ. قد تتطور حالة خفيفة من الإنهاك الحراري إلى فشل في وظائف الأعضاء في أقل من ساعتين.

وتوضح الدكتورة آن نينان، طبيبة عامة بريطانية متخصصة في الرعاية العاجلة، أن ضربة الشمس تُهدد الحياة وتتطلب علاجاً عاجلاً. وتضيف: «يجب أن نكون جميعاً قادرين على التعرف على الأعراض المبكرة واتخاذ الإجراءات التصحيحية فوراً»، وفقاً لما ذكرته لصحيفة «تلغراف» البريطانية.

كيف تؤثر ضربة الشمس على الجسم؟

تحدث ضربة الشمس عندما يتوقف نظام تبريد الجسم عن العمل وترتفع درجة حرارة الجسم الداخلية إلى أكثر من 40 درجة مئوية؛ وتشمل الأعراض الدوخة والتشوش الذهني والقيء والتشنجات. هناك نوعان من ضربة الشمس: ضربة الشمس الإجهادية، التي تحدث بسرعة نتيجةً لنشاط بدني مُرهق، وضربة الشمس الكلاسيكية، التي تحدث ببطء نتيجةً للتعرض السلبي لدرجات حرارة شديدة. وكلاهما قد يكون قاتلاً، مع العلم أن معدل الوفيات في ضربة الشمس الإجهادية يتراوح بين 3 و5 في المائة مقارنةً بنسبة تتراوح بين 10 و65 في المائة في ضربة الشمس الكلاسيكية، وذلك وفقاً للأبحاث.

ويعدّ الأطفال دون السنتين وكبار السن أكثر عرضةً لخطر الإصابة بضربة الشمس وغيرها من الحالات المرتبطة بالحرارة، نظراً لضعف آليات تبريد أجسامهم وضعف جهاز المناعة لديهم. كما تزداد احتمالية الإصابة بضربة الشمس عند تناول الكحول أو مدرات البول أو وجود حالة طبية سابقة، مثل التليف الكيسي، الذي يؤثر على قدرة الجسم على التعرّق. وتشير الأبحاث إلى أن الرجال أكثر عرضةً للإصابة بضربة الشمس من النساء. ورغم أن ضربة الشمس أكثر شيوعاً في الأجواء الحارة والرطبة، فإن عدائي الماراثون يُصابون بها في الطقس المعتدل نسبياً إذا بذلوا جهداً كبيراً أثناء الجري مما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة أجسامهم بشكلٍ لا يمكن السيطرة عليه.

نصائح

تنصح هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS) أي شخص يُعاني من الإنهاك الحراري باتباع أربع خطوات لمنع تطوره إلى ضربة شمس:

الانتقال إلى مكان بارد. خلع الملابس غير الضرورية. شرب كوب من الماء. تبريد الجلد بالماء أو كمادات الثلج. إذا استمرت الحالة الصحية سيئة بعد 30 دقيقة، يُرجى التوجه إلى الطوارئ.

مع ذلك، يعتقد الدكتور رولي كوتينغهام، مدير الجمعية البريطانية للرعاية الفورية واستشاري طب الطوارئ، أنه يجب تطبيق إجراءات تبريد فعَّالة على الفور، ويفضل وضع المصاب في حوض استحمام من الماء البارد.

في حال عدم اتخاذ أي إجراءات وقائية، تتفاقم الأعراض بسرعة، كما هو موضح أدناه، مع العلم أن الدكتورة نينان، صاحبة المدونة الطبية «الطبيب المسافر»، تشير إلى أن هذه تقديرات تقريبية، حيث يختلف تأثير الحرارة من شخص لآخر باختلاف العمر والحالة الصحية العامة. تقول: «أهم ما يجب إدراكه هو أن ضربة الشمس حالة طبية طارئة دائماً. كلما أسرعت في تبريد جسمك، قلّ الضرر».

ماذا يحدث لجسمك عند تعرضه للحرارة - دقيقة بدقيقة؟

بعد 5 دقائق

حتى بعد خمس دقائق فقط في درجات حرارة 35 درجة مئوية أو أكثر، سيبدأ جسمك بالعمل بجهد أكبر من المعتاد، كما تقول الدكتورة نينان. يزداد معدل ضربات قلبك، ويبدأ جلدك بإفراز العرق؛ وتتوسع الأوعية الدموية القريبة من الجلد لتشع أكبر قدر ممكن من الحرارة. قد تبدأ بشرتك بالظهور بمظهر ساخن ومحمر. وتوضح: «يبذل جسمنا كل ما في وسعه للحفاظ على درجة حرارة داخلية تبلغ 37.3 درجة مئوية. الآن هو الوقت المناسب لارتداء ملابس واقية من الأشعة فوق البنفسجية وشرب الماء بكثرة».

بعد 5-10 دقائق

إذا لم تتخذ أي إجراء لتبريد جسمك، ستشعر بعدم الراحة في البداية. وتشرح الدكتورة نينان أن آلية تبريد الجسم تعمل بكامل طاقتها، وستتعرق بغزارة أكبر. إذا لم تعوّض السوائل الآن، ستبدأ بالشعور بالجفاف، وقد تبدأ حتى بالشعور بصداع، ولكن إذا لجأت إلى الظل لتناول مشروب بارد، فستشعر على الأرجح بالراحة مجدداً.

بعد 10-20 دقيقة

في هذه المرحلة، سيبذل الجسم الكثير من الطاقة لتبريد نفسه، وسيبدأ بالتعرق بغزارة. ستشعر على الأرجح بالعطش ونقص الطاقة، وإذا لم تكن قد استخدمت واقياً من الشمس، فستبدأ بشرتك بالاحتراق.

بعد 40 دقيقة

تقول الدكتورة نينان: «لقد تعرضت للحرارة لفترة من الوقت، وستعاني على الأرجح من إجهاد حراري خفيف ناتج عن الجفاف. قد تبدأ بالشعور بمغص في المعدة وتشنجات عضلية في ظهرك وذراعيك نتيجة نقص الإلكتروليتات. ومن العلامات التحذيرية الأخرى التي تدل على معاناة الجسم من الحرارة: الغثيان، والصداع، والدوار، والتعرق المفرط». إذا لم تتخذ خطوات لتبريد نفسك الآن، فأنت تُعرّض نفسك لخطر الإصابة بضربة شمس.

بعد 60 دقيقة

وصلت درجة حرارة جسمك الآن إلى نحو 38.5 درجة مئوية، وأنت تعاني قد ينجم ذلك عن الإنهاك الحراري، وهو شكل أقل حدة من ضربة الشمس، والذي يسبقها أحياناً (وإن لم يكن دائماً). ورغم أنه لا يُهدد الحياة ولا يُسبب مشكلات عصبية، فإنه يجب التعامل معه بجدية لأنه المرحلة الأولى من فرط الحرارة (عدم قدرة الجسم على تنظيم درجة حرارته). قد تشعر بدوار وثقل في الأطراف؛ فالجسم مُنهك بعد محاولته تبريد نفسه لفترة طويلة. ويصف بعض الأشخاص شعورهم بوخز في الجلد، كما لو أن النمل يزحف عليه. يقول الدكتور كوتينغهام: «تشعر بتعب شديد ورغبة جامحة في التوقف عن كل شيء».

من الضروري الآن تبريد جسمك:

ابحث عن مكان مظلل والأفضل مكان داخلي مكيف؛ استلقِ مع رفع ساقيك أو خذ دشاً بارداً أو حماماً. إذا لم يكن لديك مأوى، بلل ملابسك بالماء واشرب رشفات صغيرة لترطيب جسمك. المشروبات الرياضية التي تحتوي على الإلكتروليتات مفيدة لضربة الشمس، وكذلك الموز والبطيخ والوجبات الخفيفة المالحة.

إذا لم تُخفف هذه الإجراءات من أعراضك، أو إذا كنت تتقيأ أو تشعر بالتشوش، فاطلب المشورة الطبية فوراً. في هذه المرحلة، قد يستغرق التعافي التام من 24 إلى 48 ساعة، وينصح الأطباء بالانتظار لبضعة أيام قبل العودة إلى ممارسة الرياضة.

بعد 90 إلى 120 دقيقة

إذا لم يتم التدخل، سيفقد جسمك قدرته على تنظيم درجة حرارته، وستُصاب بضربة شمس. بمجرد أن تصل درجة حرارة الجسم الداخلية إلى 40 درجة مئوية أو أعلى، قد تموت في غضون دقائق معدودة. وفقاً للدكتور كوتينغهام، تُعد ضربة الشمس الحقيقية المرحلة النهائية بعد فرط الحرارة.

يفشل الجسم في تبريد نفسه عن طريق التعرق وإشعاع الحرارة، والآن قد تتعطل وظائف أجهزة الجسم، بما في ذلك الدماغ والقلب والكبد. يقول الدكتور كوتينغهام: «إنها حالة خطيرة للغاية: فهي تقتل بسرعة كبيرة. أنت حرفياً تُطهى كبيضة. تتعرض بروتينات الجسم للتلف بسبب الحرارة، وهذا يحدث لجميع الأعضاء».

الدماغ هو أول ما يتأثر، ويتورم بفعل الحرارة، ولذلك يُعدّ التشوش الذهني من أكثر علامات ضربة الشمس وضوحاً. يفقد الجنود المصابون بضربة شمس أثناء التمرين طريقهم أو يبدأون بالترنح أثناء المشي. ويوضح الدكتور كوتينغهام أن هذا ليس مجرد شعور بالحر أو الانزعاج، بل هو فشل الجسم في مواجهة الحرارة. تشمل الأعراض الأخرى جفاف الجلد وسخونته مع انعدام التعرق، وسرعة ضربات القلب (انخفاض تدفق الدم إلى القلب ومشكلات أخرى في الدورة الدموية واضطرابات التمثيل الغذائي)، وضعف التوازن، وتلف الأعصاب، والإغماء، وفقدان الوعي، وفي الحالات الشديدة، نوبات صرع وصدمة وغيبوبة.

كيف تُعالج ضربة الشمس الشديدة؟

إذا لم يُقدّم العلاج، فمن غير المرجح أن يعيش المصاب أكثر من نصف ساعة. ووفقاً للوك إنمان، وهو طبيب عالج لاعب الرغبي النيوزيلندي الأسترالي لويد بيريت عندما انهار بسبب ضربة شمس، يكاد يكون من المستحيل التعافي بعد هذه المرحلة، حيث تتضرر خلايا الجسم بفعل الحرارة؛ والفرصة الوحيدة للنجاة هي خفض درجة حرارة الجسم بسرعة. وضع إنمان كمادات ثلج على الشرايين الرئيسية لبيريت، مما ساهم في إنقاذ حياته؛ كما يقوم الطاقم الطبي برش المرضى بالماء وتغطيتهم ببطانيات تبريد، ويشجعهم على شرب رشفات صغيرة من الماء المالح.

وفي المستشفى، يُعطى المصابون بضربة الشمس أدويةً للوقاية من النوبات، بالإضافة إلى الأكسجين. ثم يُوضعون على محاليل وريدية باردة. في الحالات الشديدة، يلجأ الأطباء إلى غسل الجسم بالماء البارد، حيث تُستخدم قسطرة لملء الجسم بالماء البارد عبر الحلق أو المستقيم. كما توفر بعض المستشفيات حمامات الثلج.

يتوقف الطاقم الطبي عن استخدام علاجات التبريد بمجرد وصول درجة حرارة الجسم إلى 38.9 درجة مئوية، ثم يركزون على التعافي. يختلف مآل ضربة الشمس الشديدة الناتجة عن الإجهاد، ومن المرجح أن تكون النتائج مرتبطة بمدة فرط الحرارة الشديد. مع ذلك، حتى مع العلاج، قد يُعاني الشخص من تلف في الدماغ أو فشل في وظائف الأعضاء.

الآثار طويلة المدى لضربة الشمس

قد يستغرق التعافي التام من آثار ضربة الشمس شهوراً. بحسب الدكتورة نينان، من المتوقع حدوث تقلبات في درجة حرارة الجسم لعدة أسابيع، وفي الحالات الشديدة، يلزم مراقبة وظائف الكلى والكبد.

بعد الإصابة بضربة شمس حقيقية، يزداد احتمال الإصابة بها مرة أخرى في المستقبل. وتنصح قائلة: «اعتنِ بجسمك في الحر. دعه يتأقلم تدريجياً، واشرب الماء بانتظام، حتى لو لم تشعر بالعطش. حافظ على سلامتك بالبقاء في المنزل خلال أشد ساعات اليوم حرارة».


مقالات ذات صلة

الحرّ يُرهق الدماغ... هكذا تتراجع قدرتنا على التفكير

يوميات الشرق تحت شمس قاسية... يبحث الذهن أيضاً عن الظلّ (بكسلز)

الحرّ يُرهق الدماغ... هكذا تتراجع قدرتنا على التفكير

ما الذي يحدث فعلياً داخل أدمغتنا عندما يكون الجوّ حارّاً؟ ولماذا يرتبط ارتفاع درجات الحرارة بتباطؤ قدرتنا على التفكير والشعور بالخمول؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
أوروبا منازل دمرها حريق في بلدة ستوربريدج في منطقة ويست ميدلاند بانجلترا أمس ( إ.ب.أ)

حرائق غابات تمتد من بريطانيا إلى ضفتي المتوسط

تكافح فرق الإطفاء في بريطانيا وعلى ضفتي المتوسط حرائق غابات، وتواجه صعوبات في مواجهة المخاطر المتزايدة في أكثر أيام العام حرارة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا رجال الإطفاء يعملون على إخماد حريق غابات في فرنسا (رويترز) p-circle

أوروبا تكافح حرائق الغابات مع ارتفاع قياسي بدرجات الحرارة

قال مسؤولو الإطفاء، الجمعة، إن حرائق الغابات في إنجلترا وويلز بلغت مستويات غير مسبوقة، محذرين من أن فرق الإنقاذ تجد صعوبات في مواجهة المخاطر المتزايدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
بيئة موجة الحر البحرية هي فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة (بكسلز)

من نفوق الأسماك إلى القلق والاكتئاب... كيف تؤثر حرارة البحر في البشر؟

تشير أبحاث حديثة إلى أن ارتفاع حرارة مياه البحر لفترات طويلة قد يمتد تأثيره إلى صحة الإنسان والأمن الغذائي وسبل العيش وحتى الصحة النفسية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق ارتبط التعرض المستمر للحرارة بزيادة احتمالية الإصابة بآلام حادة (شاترستوك)

موجات الحر تزيد من شعور الكبار بالألم المزمن

كشفت الدراسة أن التعرُّض المُطوَّل للحرارة الشديدة يرتبط بزيادة الألم المزمن لدى كبار السن، خصوصاً بين الفئات الأكثر فقراً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

9 نصائح من «أسعد رجل في العالم» للشعور بالرضا

قضاء الوقت مع أشخاص يهتمون لأمرك يمنحك شعوراً بالسعادة (بكسلز)
قضاء الوقت مع أشخاص يهتمون لأمرك يمنحك شعوراً بالسعادة (بكسلز)
TT

9 نصائح من «أسعد رجل في العالم» للشعور بالرضا

قضاء الوقت مع أشخاص يهتمون لأمرك يمنحك شعوراً بالسعادة (بكسلز)
قضاء الوقت مع أشخاص يهتمون لأمرك يمنحك شعوراً بالسعادة (بكسلز)

قالت صحيفة «الغارديان» البريطانية إن الراهب البوذي يونغي مينغيور رينبوتشي يُعد أسعد رجل على وجه الأرض. فقد لاحظ الباحثون، من خلال فحوص الدماغ، أن النشاط العصبي لدى مينغيور يُظهر مستويات هائلة وغير مسبوقة من التنشيط في القشرة الجبهية الأمامية اليسرى، وهي منطقة مرتبطة بالمشاعر الإيجابية مثل السعادة والحماس والبهجة. وفي اختبارات أخرى أُجريت عندما كان في الحادية والأربعين من عمره، قيل إن دماغه «كان يشبه دماغ شخص في الثالثة والثلاثين». كما أنه يضحك كثيراً. وقدمت الصحيفة عدة دروس حياتية من تجربته للشعور بالرضا.

راحة أقل ورضا أكبر

يقول مينغيور: «كما يقول الدالاي لاما (الزعيم الروحي للبوذيين): كل شيء متاح لنا بلمسة إصبع. لذا عندما نبدأ بالشعور بالوحدة أو النقص أو الملل، فإننا نحمي أنفسنا بأي وسيلة متاحة: تناول الآيس كريم، أو استخدام الهاتف الذكي، أو شرب القهوة. نحن نحاول الهروب من تلك المشاعر، لكنها في الواقع تحمل في طياتها حكمة ما. والأمر المهم حقاً هو الجلوس مع هذه المشاعر وتقبّلها باعتبارها مساراً للاستكشاف». فعلى سبيل المثال، إذا وجدت نفسك تشعر بالملل أثناء مشاهدة فيلم كوميدي رومانسي في حين تتصفح هاتفك في الوقت ذاته، فهذه إشارة إلى أن المزيد والمزيد من المحفزات لن يحقق لك الرضا أبداً، وهذا ما يؤكده العلم؛ إذ تشير دراسة حديثة إلى أن التنقل السريع بين مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي يزيد من شعورنا بالملل بدلاً من تقليله. اعتبر ذلك دعوة لإيقاف كل شيء، والتأمل في أعماق ذاتك، والتوقف عن محاولة ملء الفراغ بأشياء سطحية.

تقبّل التغييرات حتى تلك المخيفة منها

في عام 2011، غادر مينغيور ديره في منتصف الليل دون أن يحمل معه شيئاً سوى الملابس التي يرتديها، عازماً على العيش كزاهد متجول بلا مأوى. بعد مرور ثلاثة أسابيع تقريباً، أُصيب بتسمم غذائي حاد وقضى أياماً عاجزاً عن الحركة من شدة الإرهاق والألم. لكنه ينظر الآن إلى تلك اللحظة باعتبارها البداية الحقيقية لفهمه لمبدأ التخلي عن محاولة السيطرة. هل يعتقد أنه من الممكن خوض تجربة كهذه دون المرور بمثل تلك الظروف القاسية؟ «بالتأكيد، وبلا شك، لا سيما في عصرنا الحالي؛ فالحياة الحديثة مليئة بالمغامرات. بلوغ سن الثامنة عشرة، أو بدء وظيفة جديدة، أو الدخول في علاقة جديدة... كلها فرص للتغيير»، لكن ليس عليك انتظار تلك اللحظات الكبيرة؛ فلقاء مجموعة جديدة من الناس أو خوض تحدٍّ جديد يمكن أن يساعدك في زيادة شعورك بالراحة تجاه الأشياء الجديدة. جرِّب إجراء تغيير بسيط في كل مرة تشعر فيها أن يومك يمر بشكل روتيني وممل، كاختيار طريق جديد للعودة من العمل، أو الطهي باستخدام مكوّن لم تستخدمه من قبل.

لستَ بحاجة إلى الهدوء لتجد السلام الداخلي

يقول مينغيور: «لقد شعرت بالملل في المرة الأولى التي تعلمت فيها التأمل. قلت لنفسي: (اليوم نركز على التنفس. وغداً، التنفس أيضاً. وبقية الأسبوع، تنفس. هذا أمر سخيف). لكن لممارسة التأمل عليك معرفة أمرين: أولاً، يمكنك جعل كل شيء وسيلة مساعدة للتأمل؛ إذ يمكنك التأمل في أي وقت وأي مكان وباستخدام أي شيء. وثانياً، يجب أن تضفي لمسة إبداعية على تأملك، بحيث يصبح كل شيء صديقاً لعملية التأمل». وبعبارة أخرى، إذا كان هناك ضجيج مروري في الخارج، أو كان الشخص الجالس بجوارك يشاهد مقاطع فيديو على «تيك توك»، فإن الفكرة تكمن في تحويل ذلك إلى مصدر للتركيز والهدوء. ورغم أن هذا يبدو سهلاً نظرياً، فإن تطبيقه عملياً أمر مختلف؛ لذا يقترح مينغيور التدرج في الأمر من خلال الاستماع إلى الموسيقى أولاً، ثم أصوات الشلالات أو تغريد الطيور، وصولاً إلى المحادثات الصاخبة أو ضجيج أعمال البناء. ويضيف أنه في النهاية، ينبغي أن تكون قادراً على التأمل حتى وسط بكاء طفل رضيع.

قضاء الوقت مع أشخاص يهتمون لأمرك يمنحك شعوراً بالسعادة (بكسلز)

استخدم «الركائز الثلاث»

يطالب مينغيور بالتركيز على ثلاثة أمور: الرؤية، والتأمل، والتطبيق العملي. و«تتمثل الرؤية في تبني عقلية معينة؛ فنحن نؤمن بأن لدى كل إنسان سماءً داخلية؛ أي تلك السمات المتمثلة في الوعي والحب والتعاطف والحكمة. نحن نمارس التأمل، ثم ننتقل إلى مرحلة التطبيق العملي؛ أي بناء عادات جديدة. قد يكون من السهل القول: (الناس ليسوا لطفاء)، ولكن الحقيقة هي أن هناك الكثير من الصفات الرائعة لدى الكثير من البشر، وإذا أدركتَ ذلك فسيظهر هذا الجانب الإيجابي ويتجلى، لكن الأمر يتطلب اعتياداً وممارسة مستمرة؛ فالمداومة على ذلك هي السبيل للتغيير». ويقترح مينغيور القيام بذلك بخطوات بسيطة يومياً؛ فقد تحاول في أحد الأيام تقدير عائلتك، وفي اليوم التالي تبحث عن جوانب إيجابية لتذكرها بخصوص أكثر زملائك إزعاجاً.

اشعر بالامتنان لأشياء محددة للغاية

يعتبر أحد الأساليب الفعالة للامتنان هو الانتقال من العموميات المطلقة إلى التفاصيل الدقيقة والمحددة للغاية. يقول مينغيور: «أنا ممتن لامتلاكي حواس، ولوجود سقف يظللني، ولوجود صديق واحد أو اثنين أو فرد من العائلة في حياتي». وأضاف: «عندما تبدأ في تقدير هذه الأشياء، فإنك تبدأ في تقدير جودة حياتك وكل ما يحيط بك».

السماء لا تتغير حتى في ظل العاصفة

يقول مينغيور: «كنت أعاني من نوبات الهلع في صغري. وعندما بدأت تعلم التأمل على يد والدي، سألته عن كيفية محاربتها، فأجابني: (لا تحاربها). والسبب الأول هو أنك إذا قاومت تزداد حدة نوبة الهلع؛ فالأمر يشبه أن تقول لنفسك (لا تفكر في اللون البرتقالي)، فتجد فجأة أن هذا اللون هو كل ما يشغل تفكيرك». أما الأمر الثاني الذي ذكره والده فهو أنه «لا داعي لمحاولة دفع نوبة الهلع بعيداً؛ لأنها تشبه سحابة عاصفة في السماء؛ فالسحابة لا يمكنها تغيير طبيعة السماء؛ إذ إنها تأتي ثم تزول. كل ما عليك فعله هو التواصل مع (السماء الداخلية)». وبعبارة أخرى، مهما كان الاضطراب الداخلي الذي تمر به، ذكّر نفسك بأنه لا يغير شيئاً جوهرياً في دماغك؛ فهذا الشعور سيمضي وستتحسن الأمور.

تنفس لتصل إلى سعادة دائمة

يقول مينغيور: «تتحقق السعادة الحقيقية عندما نتخلى عن ذلك الشعور بعدم الرضا، أو النقص، أو الإحساس بأن هناك شيئاً مفقوداً، ولكن إذا كان بحثك مقتصراً على السعادة فقط، فستحصل على النقيض. غالباً ما يظن الناس: (سأكون سعيداً إذا كسبت المزيد من المال، أو انتقلت إلى بلد جديد، أو حصلت على وظيفة جديدة، أو ربحت اليانصيب)، لكن هذه الأمور لا تغير مستوى سعادتك إلا قليلاً، ثم سرعان ما تعود إلى مستواك المعتاد، أليس كذلك؟ أما إذا مارست التنفس ومشاعر الحب والتعاطف، فيمكنك تغيير ذلك المستوى الأساسي بمرور الوقت». للبدء، ما عليك سوى الجلوس والتنفس بشكل طبيعي، مع التركيز على ارتفاع وانخفاض بطنك أو الإحساس بمرور الهواء عبر جسدك. وأثناء قيامك بذلك، يمكنك تجربة تكرار عبارة بسيطة في ذهنك مثل «لأكن سعيداً ومتحرراً من المعاناة» لتنمية مشاعر الحب تجاه نفسك، ثم توسيع نطاق هذا التعاطف ليشمل أحباءك وجميع الأشخاص الآخرين في حياتك.

الغضب يشبه الصقيع على العشب

يقول مينغيور: «ما نسميه (الوعي) يشبه ضوء الشمس، في حين تشبه أنماطنا العاطفية الصقيع الذي يغطي العشب في الصباح. فعندما يظهر ضوء الشمس يذوب الصقيع تلقائياً دون الحاجة إلى صراع. أتحدث أحياناً مع قادة أعمال يعانون من ضغوط شديدة؛ إذ يتحتم عليهم إنجاز مهام متعددة في آن واحد، مما يرسخ لديهم عادة التوتر أو الغضب المستمر. يأتون إليّ قائلين: (علاقتي ليست جيدة...)، أو (هناك مشكلة بيني وبين رئيسي في العمل). فأقول لهم: (فقط التقط لحظة الغضب. كن حاضراً مع شعور الغضب. ولو للحظة واحدة). فبمجرد أن تدرك وجود الغضب يصبح لديك خيار، ويمكن لهذا الشعور أن يتحول». وبعبارة أخرى، عندما تشعر بغضب مفاجئ تجاه شخص ما - سواء في العمل أو في المنزل - لستَ بحاجة إلى التأمل لمدة عشر دقائق، بل يكفي أن تتجنب رد الفعل التلقائي المتمثل في الانفجار غضباً في وجوههم، وذلك من خلال ملاحظة حقيقة أنك غاضب، ثم مراقبة تلاشي هذا الشعور واختفائه. ومن واقع تجربتي أقول إن هذا الأمر يتطلب ممارسة، لكنه بالتأكيد يستحق الجهد المبذول.

مساعدة الآخرين أمر مفيد

يقول مينغيور: «إذا تمكنت حقاً من مساعدة الآخرين، فستشعر بمستوى من السعادة يختلف تماماً عن السعادة التي تشعر بها عند تناول الآيس كريم أو القهوة». نحن نعلم ذلك جميعاً بالطبع، ولكن كم مرة نقوم بذلك فعلياً؟ اطمئن اليوم على جارٍ بحاجة إلى المساعدة.


جودة عضلات الظهر والصدر قد تكشف خطر الإصابة بالنوبات القلبية

وجدت دراسة حديثة ارتباطاً بين ارتفاع جودة وكثافة عضلات الظهر والصدر وانخفاض خطر الإصابة بالنوبات القلبية والوفاة بغض النظر إلى حد كبير عن حجم العضلات (بيكسلز)
وجدت دراسة حديثة ارتباطاً بين ارتفاع جودة وكثافة عضلات الظهر والصدر وانخفاض خطر الإصابة بالنوبات القلبية والوفاة بغض النظر إلى حد كبير عن حجم العضلات (بيكسلز)
TT

جودة عضلات الظهر والصدر قد تكشف خطر الإصابة بالنوبات القلبية

وجدت دراسة حديثة ارتباطاً بين ارتفاع جودة وكثافة عضلات الظهر والصدر وانخفاض خطر الإصابة بالنوبات القلبية والوفاة بغض النظر إلى حد كبير عن حجم العضلات (بيكسلز)
وجدت دراسة حديثة ارتباطاً بين ارتفاع جودة وكثافة عضلات الظهر والصدر وانخفاض خطر الإصابة بالنوبات القلبية والوفاة بغض النظر إلى حد كبير عن حجم العضلات (بيكسلز)

كشفت دراسة حديثة قادها باحثون من جامعة إدنبرة في اسكوتلندا، ونُشرت في مجلة «Radiology»، وجود ارتباط بين ارتفاع جودة عضلات الظهر والصدر وانخفاض خطر الإصابة بالنوبات القلبية والوفاة، بغض النظر إلى حد كبير عن حجم الكتلة العضلية، وفق ما نقله موقع «هيلث» الطبي.

انخفاض خطر النوبات القلبية

حلّل باحثون صور الأشعة المقطعية الروتينية للقلب والأوعية الدموية لدى 1722 بالغاً، بلغ متوسط أعمارهم نحو 58 عاماً، باستخدام أداة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتقييم 25 جزءاً ونظاماً في الجسم، بينها العضلات والدهون والعظام والقلب والرئتان.

وبعد متابعة استمرت 10 سنوات، وجد الباحثون أن زيادة كثافة عضلات الجذع ارتبطت بانخفاض خطر الإصابة بالنوبات القلبية بنحو 31 في المائة مقابل كل زيادة بمقدار 10 نقاط في كثافة العضلات. كما ارتبطت العضلات الأعلى كثافة بانخفاض خطر الوفاة خلال فترة المتابعة.

وأظهرت النتائج أيضاً أن المصابين بمرض الشريان التاجي كانوا يميلون إلى امتلاك دهون أكثر حول الجذع وعضلات أقل كثافة.

قد تساعد ممارسة التمارين الرياضية بانتظام في تحسين جودة العضلات وتقليل الدهون المتراكمة داخلها فيما يوصي الخبراء بتمارين المقاومة إلى جانب الأنشطة الهوائية (بيكسلز)

الجودة أهم من الحجم

ويقصد بجودة العضلات انخفاض كمية الدهون المتراكمة بين أليافها وداخلها. وترتبط زيادة هذه الدهون بمقاومة الإنسولين والالتهابات وتراجع الأداء البدني، فيما تكون العضلات الأقل احتواءً على الدهون أكثر نشاطاً من الناحية الأيضية.

ولفت الباحثون إلى أن كمية العضلات بحد ذاتها لم تكن العامل الأبرز، بل جودتها. لكن الدراسة أثبتت وجود ارتباط فقط، ولم تثبت أن زيادة كثافة العضلات تمنع النوبات القلبية مباشرة.

كيف تتحسن جودة العضلات؟

يوصي الخبراء بتمارين المقاومة التدريجية لكامل الجسم مرتين إلى ثلاث مرات أسبوعياً، مع زيادة الأوزان أو المقاومة تدريجياً. كما قد يساعد تناول كمية كافية من البروتين، وممارسة التمارين الهوائية مثل المشي والسباحة، والحصول على نوم كافٍ وتقليل التوتر في تحسين جودة العضلات على المدى الطويل.


شيخوخة الجسم قد تبدأ من داخل العظام

لا تقتصر وظيفة العظام على دعم الجسم وإبقائه منتصباً فحسب (رويترز)
لا تقتصر وظيفة العظام على دعم الجسم وإبقائه منتصباً فحسب (رويترز)
TT

شيخوخة الجسم قد تبدأ من داخل العظام

لا تقتصر وظيفة العظام على دعم الجسم وإبقائه منتصباً فحسب (رويترز)
لا تقتصر وظيفة العظام على دعم الجسم وإبقائه منتصباً فحسب (رويترز)

لا تقتصر وظيفة العظام على دعم الجسم وإبقائه منتصباً فحسب، فداخل العديد منها مصنع حيوي يُنتج باستمرار الخلايا المكونة للدم والجهاز المناعي، وهو نخاع العظم.

وتدخل الخلايا المناعية المُنتجة هناك إلى مجرى الدم وتنتقل إلى العضلات والرئتين والدماغ وأعضاء أخرى.

وهذا يعني أنه عندما تتقدم الخلايا الجذعية المنتجة لهذه الخلايا في العمر، قد لا تقتصر آثارها على العظام فقط، بل يمكن أن تسهم في ظهور علامات التقدم في العمر في أعضاء مختلفة من الجسم.

وتوصلت دراسة جديدة نقلها موقع «ساينس آليرت» العلمي إلى أن هذه الخلايا الجذعية الدموية المتقدمة في العمر قد تُسهم في ظهور علامات الشيخوخة في أماكن أخرى من الجسم عن طريق إنتاج خلايا مناعية تُحفز الالتهاب.

يُعد الالتهاب عادةً آلية دفاعية قصيرة الأمد ضد العدوى والإصابات، لكن عندما يستمر بمستوى منخفض لسنوات، فإنه يُمكن أن يُلحق الضرر بالأنسجة السليمة.

وأُجريت الدراسة على الفئران، وركز الباحثون على بروتين يُعرف باسم «SIRT3 سيرت 3»، والذي يُساعد الهياكل المُنتجة للطاقة داخل الخلايا على العمل بشكل سليم ومواجهة الإجهاد. وتنخفض مستويات هذا البروتين مع التقدم في العمر في الخلايا الجذعية الدموية لدى كل من الفئران والبشر.

وعدّل العلماء خلايا دم جذعية لدى فئران وراثياً بحيث تنتج كميات أكبر من هذا البروتين، ثم قاموا بزرع هذه الخلايا إلى فئران صغيرة السن تعاني من خلل في جهاز المناعة، حيث أسهمت عمليات الزرع في إعادة بناء الدم وجهاز المناعة لدى هذه الفئران.

وعندما تقدمت الفئران في العمر، أظهرت تلك التي حملت الخلايا المعدلة انخفاضاً في عدد الخلايا المناعية المحفزة للالتهاب. ولم تقتصر الاختلافات على الدم؛ إذ تمكنت هذه الفئران من الجري لمسافات أطول، وحققت أداءً أفضل في اختبار الذاكرة، كما أظهرت قدرة أفضل على تنظيم سكر الدم، وبدت رئتاها أكثر صحة.

وقالت دانِيكا تشِن، الباحثة الرئيسية وعالمة الأحياء في جامعة كاليفورنيا في بيركلي: «أقوى الأدلة تأتي من تجارب زرع الخلايا ونقلها بين الحيوانات أو القوارض».

وأضافت: «تشير نتائجنا إلى أن التغيرات التي تبدأ في الخلايا الجذعية للدم قد تصل إلى أعضاء بعيدة عبر الخلايا المناعية التي تنتجها».

ويرى الباحثون أن النتائج تضيف إلى أدلة متزايدة على أن الجهاز المسؤول عن إنتاج الدم قد يكون له دور أوسع في عملية الشيخوخة مما كان يُعتقد سابقاً، خصوصاً أن الالتهاب المزمن منخفض الدرجة يمكن أن يستمر لسنوات، ويسهم في إتلاف الأنسجة السليمة.

وأكد الباحثون الحاجة لدراسات أوسع على البشر للتأكد من النتائج.