الأمعاء الصحية تنظم ضغط الدم

«الميكروبيوتا» تلعب دوراً مهماً في حماية القلب والأوعية الدموية

الأمعاء الصحية تنظم ضغط الدم
TT

الأمعاء الصحية تنظم ضغط الدم

الأمعاء الصحية تنظم ضغط الدم

تلعب «الميكروبيوتا» المعوية، أو ميكروبات الأمعاء -تريليونات من البكتيريا والفيروسات والفطريات الدقيقة التي تعيش في أعماق القناة الهضمية- دوراً مهماً في حياتك الصحية؛ إذ إن هذه الكائنات الدقيقة وإلى جانب المساعدة في عملية الهضم، تُنتج بعض العناصر الغذائية، وتفرز مواد تؤثر على نطاق واسع في جميع أنحاء الجسم، بما في ذلك الجهاز القلبي الوعائي.

الميكروبيوتا المعوية وضغط الدم

وتكشف مجموعة كبيرة من الأدلة عن وجود علاقة قوية بين الميكروبيوتا Microbiota المعوية وضغط الدم، حسب توصية علمية صدرت عن «جمعية القلب الأميركية» نُشرت في 17 يوليو (تموز) 2025 في دورية «Hypertension».

بوجه عام، تدعم النتائج ما دأب خبراء التغذية على تأكيده منذ أمد بعيد: ينبغي اتباع نظام غذائي غني بالأطعمة النباتية الكاملة، منخفضة الصوديوم والغنية بالألياف، حسبما قال الدكتور فرنك هو، أستاذ التغذية وعلم الأوبئة في كلية «تي إتش تشان» للصحة العامة، التابعة لجامعة هارفارد.

وأضاف الدكتور هو: «النظام الغذائي العالي في محتوى الصوديوم يُعد من الأسباب الرئيسة لارتفاع ضغط الدم، وقد يكون من الآليات المسببة لذلك خلال الميكروبيوم المعوي». وتُظهر بعض الأبحاث أن النظام الغذائي الغني بالملح يزيد انتشار البكتيريا الضارة ويقلل عدد البكتيريا المفيدة. وعندما تتراكم البكتيريا الضارة في الأمعاء، فإنها تشكل نواتج تحلل، وسموماً تفاقم الالتهاب.

البريبيوتك

عندما تسود البكتيريا المفيدة، فإنها تحتاج إلى التغذّي على الألياف، خصوصاً الألياف البريبيوتيكية prebiotic fiber، وهو نوع من الألياف لا يُهضم داخل الجسم، بل يتحلل في الأمعاء الغليظة. وعليه، فإن النظام الغذائي الذي يوفر مزيجاً من الألياف الصحية من الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات والمكسرات والبذور يحمل أهمية بالغة، حسب الدكتور هو، الذي يشغل عضوية لجنة هارفارد تشان للميكروبيوم الاستشارية، التابعة لمركز الصحة العامة.

وأضاف الدكتور هو أن مصدراً جيداً آخر للألياف البريبيوتيكية أو الحيوية، يكمن في النشا المقاوم، الذي يتكوّن في الأطعمة النشوية مثل البطاطا والأرز والمعكرونة عند طهيها، ثم تبريدها طوال الليل. وتسفر عملية التبريد عن تحويل بعض النشا، الذي يٌهضم عادةً داخل الأمعاء الدقيقة، إلى شكل يُغذي، بدلاً من ذلك، بكتيريا الأمعاء الغليظة.

وتنتج البكتيريا المفيدة، التي تتلقى تغذية جيدة في الأمعاء، أحماضاً دهنية قصيرة السلسلة، بما في ذلك الأسيتات acetate، والبروبيونات propionate، والبيوتيريات butyrate. وتنتقل هذه المركبات في مجرى الدم، حيث يُعتقد أنها تتفاعل مع مستقبلات معينة على الخلايا تُسهم في تنظيم ضغط الدم، حسبما شرح الدكتور هو.

الميكروبيوتا (إلى اليسار): كائنات حية دقيقة فردية مثل البكتيريا والفيروسات والفطريات الموجودة في بيئة محددة في حين أن الميكروبيوم هو مجموعة من جميع جينوماتها الجماعية إلى جانب نشاطها الوظيفي والظروف البيئية

قوة البوليفينولات

يتميز كثير من الأطعمة النباتية -خصوصاً التوت والشاي والقهوة والكاكاو وزيت الزيتون البكر الممتاز- بكونها غنية بمركبات تُعرف باسم البوليفينولات polyphenols. هنا، أوضح الدكتور هو: «لهذه المركبات تأثير إيجابي على تكوين ووظيفة الميكروبيوم في الجسم»؛ فعندما تُستقلب البوليفينولات في الأمعاء، فإنها تُكوّن جزيئات صغيرة متنوعة تُؤثر على وظائف الجهازين المناعي والعصبي. والنتيجة انحسار الالتهابات وتحسن وظيفة الأوعية الدموية، وكلاهما يُحسّن ضبط ضغط الدم.

البروبيوتيك

بمقدور البروبيوتيك Probiotics الموجودة في الأطعمة والمشروبات المخمرة كذلك دعم صحة الميكروبيوتا المعوية. ويُنصح بإضافة مجموعة متنوعة من المنتجات الآتية إلى نظامك الغذائي، حسبما يقترح الدكتور هو.

* الزبادي والكفير: ابحث عن عبارة «يحتوي على بكتيريا حية»، عند اختيار الزبادي أو الكفير kefir (مشروب يُشبه الزبادي بنكهة لاذعة وقوام أخف).

* الكومبوتشا kombucha: هذا المشروب الفوار، اللاذع، ذو الحلاوة الخفيفة، مصنوع من الشاي المُخمّر، وغالباً ما يُنكّه بالفواكه والأعشاب. ابحث عن علامات تجارية خالية من السكر المضاف.

* المخللات ومخلل الملفوف: تجدها في قسم الأطعمة المبردة في المتاجر الكبرى، وتحقق من عبارة «مُخمّر طبيعياً» على العبوة.

* الكيمتشي kimchi: طبق الملفوف المُخمّر الحار، ذو اللون الأحمر، من كوريا، مصنوع من مزيج من الثوم والملح والخل والفلفل الحار.

* الميسو miso: معجون قوي ومالح مصنوع من فول الصويا المُخمّر مع الأرز البني -شائع في المطبخ الياباني.

* التيمبيه tempeh: هذا المنتج المتماسك والمطاطي المصنوع من فول الصويا المُخمّر يتميز بقوام أكثر تماسكاً من التوفو.

تجنب المكملات الغذائية

والآن، ماذا عن مكملات البروبيوتيك التي تُباع دون وصفة طبية، في صورة حبوب أو كبسولات أو مساحيق؟ حذر الدكتور هو من أنها غير مُنظّمة بدقة، وقد تختلف كمية البكتيريا الحية اختلافاً كبيراً من منتج لآخر. وفي حين تحمل بعض مكملات البروبيوتيك فوائد متواضعة في حالات محددة تتعلق بالجهاز الهضمي، فإن الأدلة على فاعليتها في الوقاية من أمراض مزمنة، مثل ارتفاع ضغط الدم، ضئيلة. بدلاً من ذلك، من الأجدى إنفاق الأموال على نظام غذائي صحي غني بصورة طبيعية بالبريبيوتيك والبروبيوتيك، حسبما نصح الدكتور هو.

* رسالة هارفارد للقلب، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

تريَّثْ في شراء مكملات صحة الدماغ

صحتك تريَّثْ في شراء مكملات صحة الدماغ

تريَّثْ في شراء مكملات صحة الدماغ

كشف مسح وطني شامل عن أنَّ نحو ربع البالغين الأميركيين فوق سن الخمسين، يتناولون مكمِّلاً غذائياً واحداً، على الأقل، بغية تحسين صحة الدماغ.

«الشرق الأوسط» (كمبردج - ولاية ماساشوستس الأميركية)
صحتك أعراض قصور القلب لدى النساء... كيف تختلف عن الرجال؟

أعراض قصور القلب لدى النساء... كيف تختلف عن الرجال؟

في الصراع بين الجنسين، لا تُعتبر الإصابة بأمراض القلب نصراً بأي حال من الأحوال؛ ففي الوقت الذي يتقدم الرجال في الإصابة بها مبكراً، تُقلص النساء هذه الفجوة

«الشرق الأوسط» (كمبريدج - ولاية ماساشوستس الأميركية)
صحتك ما يجب أن تعرفه عن الإرشادات الغذائية الأميركية الجديدة

ما يجب أن تعرفه عن الإرشادات الغذائية الأميركية الجديدة

عندما أصدرت الحكومة الأميركية أحدث المراجعات لـ«الإرشادات الغذائية للأميركيين»، بدت بعض التوصيات وكأنها تقلب النصائح الغذائية الراسخة منذ زمن طويل رأساً على عقب

«الشرق الأوسط» (كمبردج - ولاية ماساشوستس الأميركية)
صحتك الالتهاب... خطر كامن يرتبط بأمراض القلب

الالتهاب... خطر كامن يرتبط بأمراض القلب

أفاد بيان علمي أصدرته «الكلية الأميركية لأمراض القلب» (American College of Cardiology) عام 2025، بأن الأدلة التي تربط الالتهاب بأمراض القلب

«الشرق الأوسط» (كمبردج - ولاية ماساتشوستس الأميركية)
صحتك هرمون الألدوستيرون عامل مساهم في ارتفاع ضغط الدم

هرمون الألدوستيرون عامل مساهم في ارتفاع ضغط الدم

إذا كنت تعاني من ارتفاع ضغط الدم، توصي الإرشادات الجديدة الصادرة عن «جمعية الغدد الصماء» بإجراء فحص دم للكشف عن ارتفاع مستويات هرمون ألدوستيرون.

«الشرق الأوسط» (كمبردج - ولاية ماساتشوستس الأميركية)

6 أطعمة تعزز الذاكرة مع التقدم في العمر

أغذية تساعد في الحفاظ على القدرات الذهنية (مجلة تايم)
أغذية تساعد في الحفاظ على القدرات الذهنية (مجلة تايم)
TT

6 أطعمة تعزز الذاكرة مع التقدم في العمر

أغذية تساعد في الحفاظ على القدرات الذهنية (مجلة تايم)
أغذية تساعد في الحفاظ على القدرات الذهنية (مجلة تايم)

أكد خبراء تغذية أن بعض الأطعمة قد تؤدي دوراً مهماً في الحفاظ على صحة الدماغ، وتعزيز الذاكرة، والحد من التراجع المعرفي المرتبط بالتقدم في العمر، مؤكدين أن النظام الغذائي هو من أبرز العوامل القابلة للتعديل للحفاظ على القدرات الذهنية.

وقالت ليز ويناندي، اختصاصية التغذية والأستاذة في جامعة ولاية أوهايو الأميركية، إن النظام الغذائي الداعم لصحة الدماغ يجب أن يركز على تقليل الالتهابات والإجهاد التأكسدي، إلى جانب توفير الأحماض الدهنية المفيدة، مثل «أوميغا-3»، و«أوميغا-6»، التي تُسهم في دعم وظائف الدماغ، حسب مجلة «تايم» الأميركية.

وسلَّط الخبراء الضوء على 6 أطعمة رئيسية تدعم صحة الدماغ وتحمي الذاكرة، خصوصاً مع التقدم في العمر.

الخضراوات الورقية

أكدت جينيفر فينتريل، اختصاصية التغذية والأستاذة المساعدة في جامعة راش الأميركية، أن الخضراوات الورقية الداكنة، مثل الكيل، والسبانخ، والجرجير، والسلق، تُعد من أكثر الأطعمة التي تدعم صحة الدماغ استناداً إلى الأدلة العلمية المتاحة.

وأشارت إلى أن أبحاثاً أظهرت أن الأشخاص الذين يتناولون أكثر من حصة يومية من هذه الخضراوات يعانون تراجعاً معرفياً أبطأ مقارنة بمن يندر تناولهم لها.

التوت

وأشار الخبراء إلى أن جميع أنواع الفاكهة مفيدة للصحة، إلا أن التوت، بمختلف أنواعه مثل التوت الأزرق، والفراولة، وتوت العليق، يتميز بغناه بمركبات الفلافونويد النباتية.

وأوضحت فينتريل أن هذه المركبات ترتبط بتحسين صحة الدماغ وتقليل خطر الإصابة بالخرف.

كما بيَّنت دراسة أُجريت على أكثر من 16 ألف ممرضة أن تناول التوت الأزرق والفراولة بانتظام ارتبط بإبطاء الشيخوخة المعرفية بما يصل إلى عامين ونصف العام.

الأسماك الدهنية

شدَّدت ويناندي على أهمية أحماض «أوميغا-3» لصحة الدِّماغ، موضحة أنها تدخل في تكوين الأغشية المحيطة بالخلايا العصبية وتساعد في الحفاظ على كفاءتها.

وتعد الأسماك الدهنية، مثل السلمون، والتونة، والماكريل، والسردين، والرنجة، من أغنى المصادر الغذائية لهذه الأحماض، لا سيما حمض «دي إتش إيه»، الذي ارتبط بانخفاض خطر الإصابة بالخرف والتراجع المعرفي.

وأضافت فينتريل أن فوائد المأكولات البحرية لا تقتصر على الأسماك الدهنية فقط، إذ أظهرت بعض الدراسات أن مختلف أنواع الأسماك والمأكولات البحرية ترتبط بتحسين صحة الدماغ.

المكسرات والبذور

ويوصي الخبراء أيضاً بتناول المكسرات والبذور، مثل الجوز، وبذور الكتان والشيا والقنب واليقطين، لاحتوائها على حمض «ألفا لينولينيك»، وهو أحد أشكال «أوميغا-3» النباتية.

زيت الزيتون

وأكد الخبراء أن زيت الزيتون، خصوصاً البكر الممتاز، يُعد من أهم مكونات النظام الغذائي الداعم لصحة الدماغ، لاحتوائه على دهون غير مشبعة ومضادات أكسدة قوية ذات خصائص مضادة للالتهاب.

وأظهرت أبحاث واسعة النطاق أن الأشخاص الذين تناولوا ما لا يقل عن 7 غرامات يومياً من زيت الزيتون كانوا أقل عرضة للوفاة المرتبطة بالخرف بنسبة 28 في المائة خلال 28 عاماً من المتابعة.

البيض

وتُشير أبحاث حديثة إلى أن البيض قد يسهم في تعزيز الذاكرة وخفض خطر الإصابة بمرض ألزهايمر. وأظهرت الدراسات أن تناول بيضتين على الأقل أسبوعياً ارتبط بانخفاض خطر الإصابة بالخرف.

وأرجعت فينتريل هذه الفوائد إلى مادة الكولين الموجودة بوفرة في صفار البيض، إلى جانب احتوائه على فيتامين «د» وكمِّيات من حمض «دي إتش إيه». لذلك ينصح الخبراء بعدم الاكتفاء ببياض البيض، بل تناول الصفار أيضاً للحصول على أقصى فائدة ممكنة لصحة الدماغ.


دراسة: مكمل غذائي لعلاج آلام المفاصل مرتبط بتفاقم الخرف

استخدام مكمل الجلوكوزامين الذي يُستخدم لعلاج آلام المفاصل مرتبط بارتفاع احتمالية تطور الضعف الإدراكي (رويترز)
استخدام مكمل الجلوكوزامين الذي يُستخدم لعلاج آلام المفاصل مرتبط بارتفاع احتمالية تطور الضعف الإدراكي (رويترز)
TT

دراسة: مكمل غذائي لعلاج آلام المفاصل مرتبط بتفاقم الخرف

استخدام مكمل الجلوكوزامين الذي يُستخدم لعلاج آلام المفاصل مرتبط بارتفاع احتمالية تطور الضعف الإدراكي (رويترز)
استخدام مكمل الجلوكوزامين الذي يُستخدم لعلاج آلام المفاصل مرتبط بارتفاع احتمالية تطور الضعف الإدراكي (رويترز)

خلص تحليل واسع النطاق إلى أن الاستخدام المنتظم للجلوكوزامين، وهو مكمل شائع متاح دون وصفة طبية ويستخدم لعلاج آلام المفاصل، مرتبط بارتفاع احتمالية تطور الضعف الإدراكي الخفيف إلى الخرف.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز»، فقد حلل باحثون سجلات طبية جُمعت بين عامي 2012 و2024 لنحو 60 ألف مريض يعانون درجات متفاوتة من الضعف الإدراكي، ووجدوا أن الاستخدام المنتظم لمكمل الجلوكوزامين ارتبط بزيادة 25 في المائة في احتمال تطور الحالة من ضعف إدراكي خفيف إلى خرف.

وأظهر التحليل المنشور في دورية «نيتشر ميتابوليزم» أن استخدام الجلوكوزامين ارتبط بزيادة 25 في المائة في احتمالات الوفاة خلال فترة الدراسة لدى المرضى الذين كانوا يعانون بالفعل من الخرف.

وقال الباحثون إن هذا التأثير لم يلاحظ في المرضى الذين يعانون فقط من ضعف إدراكي خفيف، مما يشير إلى أن تأثير الجلوكوزامين قد يكون أكبر لدى من لديهم خرف بالفعل.

وفي تجارب على الحيوانات، تبين أن الجلوكوزامين يفاقم عملية ضارة في الدماغ تعرف بفرط الارتباط بالجليكوزيل، إذ يؤدي الارتباط غير الطبيعي لجزيئات السكر بالبروتينات في الدماغ إلى تعطيل وظائف عصبية حيوية.

وقال مات جينتري المشارك في إعداد الدراسة من جامعة فلوريدا، في بيان: «البيانات المستخلصة من السجلات الصحية الإلكترونية لافتة للغاية... رغم أنها تظهر ارتباطاً وليس دليلاً على علاقة سببية، فإنها تطرح سؤالاً مهماً يستحق اهتماماً كبيراً على الجانب السريري».

وجاء في تعليق نشر بالتزامن مع الدراسة أن تدهور الخرف المرتبط بزيادة الارتباط السكري نتيجة تناول الجلوكوزامين يشير إلى أن هذه العملية «يمكن أن تكون مساراً يمكن استهدافه لمكافحة هذا المرض».


لماذا يجعلك سوء النوم تشعر بأنك أكبر سناً؟

لماذا يجعلك سوء النوم تشعر بأنك أكبر سناً؟
TT

لماذا يجعلك سوء النوم تشعر بأنك أكبر سناً؟

لماذا يجعلك سوء النوم تشعر بأنك أكبر سناً؟

قد يبدو الأمر مجرد شكوى عابرة تتكرر في نهاية يوم طويل: «أشعر أنني أصبحت أكبر سناً». غير أن دراسة حديثة تكشف أن هذا الإحساس قد لا يكون مجرد انطباع نفسي عابر، بل مؤشر مرتبط مباشرة بجودة النوم وصحة الجسم.

الدراسة التي شملت أكثر من 3100 بالغ، بحثت في ما يُعرف بـ«العمر الذاتي»، أي العمر الذي يشعر به الإنسان، مقارنة بعمره الحقيقي، وعلاقته بعدة مؤشرات لصحة النوم. وتوصلت النتائج إلى أن الفجوة بين العمرين قد تحمل دلالات أعمق مما يُعتقد، وتنعكس على جودة النوم والاستيقاظ والأداء اليومي. وفقاً لموقع «مايند بدي غرين».

بين العمر الحقيقي والعمر المُدرَك

اعتمد الباحثون على مفهوم «العمر الذاتي» بوصفه أحد المقاييس المستخدمة في الدراسات الصحية إلى جانب العمر الزمني، نظراً لارتباطه المحتمل بالصحة العامة وطول العمر.

وشملت الدراسة 3177 مشاركاً بمتوسط عمر يقارب 42.8 سنة، مع تقارب في نسبة النساء والرجال. وطلب من المشاركين الإجابة عن سؤال بسيط: «كم عمرك فيما تشعر؟»، إلى جانب مجموعة من المقاييس العلمية الخاصة بالنوم، مثل مؤشر شدة الأرق، وانتظام النوم، وتأثير اضطراباته على الأداء اليومي.

كما جرى تقييم حالات القلق والاكتئاب والصحة الجسدية المُبلَّغ عنها ذاتياً، قبل حساب الفارق بين العمر الحقيقي والعمر المُدرَك، حيث يشير الرقم الإيجابي إلى الشعور بأن الشخص أكبر من عمره الفعلي.

الشعور بالشيخوخة يرتبط بنوم أقل جودة

أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين يشعرون بأنهم أكبر سناً من أعمارهم الحقيقية يعانون من مستويات أعلى من الأرق، واضطراب أكبر في النوم، وتراجع في جودة النوم، إضافة إلى عدم انتظام مواعيده.

واللافت أن هذه النتائج بقيت ثابتة حتى بعد ضبط عوامل مثل العمر الفعلي والجنس والحالة النفسية، بما في ذلك القلق والاكتئاب.

وتشير التحليلات إلى احتمال وجود مسار وسطي يتمثل في النوم، بحيث تسهم اضطرابات النوم في تعزيز الشعور بالتقدم في العمر، والذي بدوره يرتبط بتدهور الصحة الجسدية.

علاقة متبادلة لا تُهمَل

رغم أن الدراسة تشير إلى أن الشعور بأنك أكبر سناً قد يؤثر سلباً على النوم، فإنها لا تستبعد الاتجاه العكسي. فالنوم السيئ، بحسب الباحثين، قد يجعل الإنسان أكثر عرضة للشعور بالإرهاق، وتراجع الطاقة، وزيادة الإحساس بالألم، وهو ما قد يُترجم نفسياً على أنه تقدم في العمر.

وبذلك، تبدو العلاقة بين الطرفين متبادلة، حيث يغذي كل منهما الآخر في حلقة قد يصعب كسرها ما لم يتم التدخل لتحسين أحدهما.

كيف يمكن كسر الحلقة؟

تشير النتائج إلى أن تحسين جودة النوم قد يكون أحد أكثر الطرق فعالية لتعديل هذا الشعور.

ومن أبرز ما توصلت إليه الدراسة أن انتظام مواعيد النوم والاستيقاظ يلعب دوراً محورياً في تحسين جودة النوم والشعور بالعمر، حتى أكثر من عدد ساعات النوم نفسه.

كما تحذر من فكرة شائعة مفادها أن تراجع النوم جزء طبيعي من التقدم في السن، إذ تؤكد النتائج أن الأرق واضطرابات النوم قابلة للتحسن والعلاج، ولا ينبغي التعامل معها كأمر حتمي.

وتوصي الدراسة أيضاً بعدد من السلوكيات الداعمة للنوم، من بينها ممارسة الرياضة بانتظام، وإدارة التوتر، والتعرض لضوء الصباح، لما لها من تأثير مباشر على جودة النوم والطاقة اليومية.

خلاصة

ما يبدو شعوراً عابراً عند الاستيقاظ متعباً قد يكون في الواقع إشارة أعمق مما نظن. فالعمر الذي نشعر به لا يعكس الحالة النفسية فقط، بل يرتبط أيضاً بجودة النوم والصحة الجسدية.

وتخلص الدراسة إلى أن تحسين النوم قد لا يمنح فقط راحة ليلية أفضل، بل قد يغيّر أيضاً الطريقة التي نرى بها أعمارنا... وربما أنفسنا.