رائحة الفم الكريهة... حين يشخّصها الذكاء الاصطناعي قبل الطبيب

جهاز تحليل فوري للنَفَس ولاصقة ذكية لرصد ميكروبيوم الفم وتحليل جيني للعاب

الذكاء الاصطناعي يشخّص رائحة النفس
الذكاء الاصطناعي يشخّص رائحة النفس
TT

رائحة الفم الكريهة... حين يشخّصها الذكاء الاصطناعي قبل الطبيب

الذكاء الاصطناعي يشخّص رائحة النفس
الذكاء الاصطناعي يشخّص رائحة النفس

لم تعد رائحة الفم الكريهة مجرّد حرج اجتماعي، بل تحوّلت إلى مؤشّر حيوي دقيق يكشف اضطرابات خفية في الفم أو الجهازين الهضمي والتنفسي.

انزعاج جماعي من رائحة الفم

أكثر من ثلث البالغين يعانون منها

تشير الدراسات الحديثة إلى أن أكثر من ثلث البالغين حول العالم يعانون منها بدرجات متفاوتة، بينما تصل النسبة في بعض الدول العربية إلى نحو 40 في المائة، خصوصاً بين المدخنين ومرضى السكري وجفاف الفم. أما التحوّل اللافت اليوم فيكمن في دخول الذكاء الاصطناعي (AI) على خط التشخيص، ليحوّل «رائحة النفس» إلى بصمة رقمية يمكنها قراءة إشارات الجسم وتشخيص الخلل خلال دقائق.

من البكتيريا إلى الخوارزميات

تُعرف الحالة طبياً باسم الخلوف أو Halitosis، وتنشأ في نحو 85 في المائة من الحالات من الفم ذاته، لا من المعدة كما يُعتقد شائعاً. ويُعدّ النشاط المفرط للبكتيريا اللاهوائية في مؤخرة اللسان والجيوب اللثوية السبب الأبرز، إذ تُنتج مركّبات كبريتية طيّارة (VSCs) مثل كبريتيد الهيدروجين والميثيل ميركابتان، المسؤولة عن الرائحة النفاذة.

الهالوميتر والجهاز الذكي وجهاً لوجه

منذ التسعينيات، استخدم الأطباء جهاز الهالوميتر (Halimeter) لقياس هذه المركّبات في هواء الزفير كمّياً، في أول نقلة علمية من التقدير الذاتي إلى التشخيص الدقيق. واليوم، انتقل المشهد من المختبر إلى الجيب، حيث أصبحت خوارزميات الذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل أنفاس الإنسان وتحديد مصدر الرائحة بدقة تفوق أنف الطبيب نفسه.

تشخيص ذكي في نصف دقيقة

في عام 2025، طوّر باحثون من جامعة طوكيو ومعهد فوكودا الياباني جهازاً محمولاً مزوّداً بخوارزميات تعلّم آلي متقدّمة، قادراً على تحليل عيّنة من النفس خلال أقل من 30 ثانية. ولا يكتفي هذا الابتكار بقياس الغازات الكبريتية فحسب، بل يحدّد بدقة المصدر البيولوجي للرائحة - هل تنبع من اللسان، أم اللثة، أم المعدة، أم الجيوب الأنفية - ثم يُصدر تقريراً فورياً يتضمّن توصيات علاجية مخصّصة.

وقد بدأ استخدام هذه التقنية فعلياً في عيادات متقدمة في اليابان وألمانيا والسعودية، لتشكّل نواة ما يُعرف اليوم بـ«التحليل الحيوي للأنفاس» (Breathomics)، الذي يعتمد على بصمة مكوّنات النفس الخارجة في الكشف المبكر عن الأمراض بدقّة غير مسبوقة.

اللسان منصة استشعار حية

في مارس (آذار) 2025، نشرت مجلة Nature Biomedical Engineering دراسة رائدة لجامعة ستانفورد كشفت عن لاصقة ذكية تُثبَّت على اللسان تحتوي على مجسّات نانوية تراقب التغيّرات في الميكروبيوم الفموي لحظة بلحظة. تنقل اللاصقة بياناتها مباشرة إلى تطبيق على الهاتف الذكي، لتنبيه المستخدم عند ارتفاع مؤشرات البكتيريا المسببة للرائحة.

تمثل هذه التقنية جيلاً جديداً من الرعاية الفموية الرقمية التي تجمع بين الطب الوقائي والذكاء التنبؤي، إذ تتيح للطبيب متابعة حالة الفم عن بُعد، وضبط العلاج وفق التغيرات الدقيقة في بيئته الميكروبية. إنها خطوة نحو فم ذكي يراقب صحته بنفسه قبل أن يطلب النجدة.

تحليل جيني للعاب... الطبّ الشخصي يصل إلى الفم

لم يعد تشخيص رائحة الفم مقتصراً على تحليل الغازات المنبعثة، بل امتد إلى دراسة الحمض النووي «دي إن إيه» للبكتيريا الدقيقة في الفم. فقد أظهرت دراسة نُشرت في مجلة Microbiome (2025)، أجراها فريق من معهد كارولينسكا السويدي بالتعاون مع جامعة سنغافورة الوطنية، أن تحليل تسلسل الحمض النووي للعاب أو سطح اللسان يتيح تحديد هوية البكتيريا المسببة للرائحة، بل التنبؤ بظهورها قبل حدوثها سريرياً.

وتفتح هذه التقنية الباب أمام الطبّ الشخصي في صحة الفم، من خلال تصميم خطط علاج دقيقة تشمل تعديل النظام الغذائي، ودعم التوازن الميكروبي بمكملات البروبيوتيك الفموية التي أثبتت الدراسات قدرتها على خفض نشاط البكتيريا الضارة بنسبة تصل إلى 60 في المائة خلال أربعة أسابيع فقط.

العالم العربي يدخل سباق التشخيص الذكي

يشهد العالم العربي تسارعاً ملحوظاً في تبنّي تقنيات تشخيص رائحة الفم بالذكاء الاصطناعي، خاصة في الرياض ونيوم وأبوظبي وجدة، حيث بدأت عيادات متقدمة تستخدم أجهزة تحليل النفس المحمولة واختبارات الميكروبيوم الفموي المعتمدة على الحمض النووي، وتدمج نتائجها ضمن أنظمة ذكية لتحديد العلاج الأنسب لكل مريض.

وفي موازاة التطور التقني، أطلقت جامعات ومؤسسات صحية عربية حملات توعوية تهدف إلى كسر حاجز الخجل من مناقشة رائحة الفم وتحويلها من موضوع اجتماعي محرج إلى مؤشر صحي قابل للقياس.

ويُتوقّع خلال السنوات الخمس المقبلة أن يصبح تحليل النفس الذكي جزءاً أساسياً من الفحوص الروتينية في طب الأسنان، ليضع المنطقة في قلب التحول العالمي نحو طب وقائي ذكي وشخصي.

حين تكون الرائحة وهماً

في نحو 10 في المائة من الحالات، لا تكون هناك رائحة فعلية رغم اقتناع المريض بوجودها، وهي حالة تُعرف طبياً باسم متلازمة الهاليتوفوبيا (Halitophobia). وتنشأ هذه المتلازمة من قلقٍ وسواسي مزمن يدفع المريض إلى الاعتقاد بأنه يعاني من رائحة فم كريهة، رغم سلامة فمه سريرياً.

ويتطلّب علاج هذه الحالة تعاوناً بين طبيب الأسنان والاختصاصي النفسي لتخفيف المعاناة الحقيقية عبر العلاج السلوكي المعرفي (CBT) وتقنيات الاسترخاء وإعادة بناء الصورة الذاتية، إلى جانب تصحيح المفاهيم الخاطئة حول الرائحة. فالمشكلة هنا لا تكمن في الفم... بل في الإدراك الذي يضخّم الإحساس بها.

من الإخفاء إلى الفهم

لم تعد رائحة الفم الكريهة مجرّد «تفصيله تجميلية»، بل غدت أداة تشخيص رقمية تكشف لغة الجسد الكيميائية وتوازناته الخفية. فبفضل الذكاء الاصطناعي، والتحليل الجيني، والمستشعرات الدقيقة، أصبح بالإمكان اليوم فهم الرائحة بدلاً من إخفائها، وتشخيص أسبابها خلال دقائق لا أيام.

ومع تطوّر «طبّ الأنفاس الذكي»، يتحوّل الفم إلى مرآة رقمية للصحة بأكملها، يُحدّث الخوارزميات بلغة لا يسمعها الطبيب، لكنها تُنقذ الإنسان قبل أن يشعر بالمرض.

وكما قال امرؤ القيس:

تفوحُ رياها حينَ تجلو فمَها

كأنّها نَفَحَاتُ المسكِ والعَنبرِ

وهكذا... يعود النَّفَس البشري من رمزٍ للحرج إلى علامة على العافية، ومن سرٍّ مخفي إلى رسالةٍ يفهمها الذكاء الاصطناعي... بلغة الحياة نفسها.

حقائق

في نحو 10%

من الحالات، لا تكون هناك رائحة فعلية رغم اقتناع المريض بوجودها


مقالات ذات صلة

سلاسل الإمداد أمام اختبار الذكاء الاصطناعي... المرونة تتجاوز دقة التنبؤ

خاص يُعد التنبؤ بالطلب باستخدام تعلم الآلة أكثر تطبيقات الذكاء الاصطناعي انتشاراً في سلاسل الإمداد وتستخدمه 45 % من المؤسسات (أدوبي)

سلاسل الإمداد أمام اختبار الذكاء الاصطناعي... المرونة تتجاوز دقة التنبؤ

يكشف توسع الذكاء الاصطناعي في سلاسل الإمداد عن أن المرونة تعتمد على تكامل الأنظمة والبيانات، وتحويل التوصيات إلى قرارات تشغيلية سريعة.

نسيم رمضان (لندن)
العالم استراتيجية الرئيس ترمب التكنولوجية: تعزيز الجيش وردع الصين وتحديد مستقبل الذكاء الاصطناعي

استراتيجية الرئيس ترمب التكنولوجية: تعزيز الجيش وردع الصين وتحديد مستقبل الذكاء الاصطناعي

مزيج أمثل من المنصات الجوية الحربية من النظم الذاتية والمأهولة منخفضة التكلفة

باتريك تاكر (واشنطن)
تكنولوجيا تعتمد «أنثروبيك» على بصمة نصية خفية تُنشأ في أثناء التوليد عبر أنماط إحصائية في اختيار الكلمات وليست علامة مرئية داخل النص ( أدوبي)

كيف تعمل البصمة النصية في «Claude»... ومتى يمكن أن تختفي؟

تزداد قابلية اكتشاف البصمة في النصوص الأطول، في حين تكون الإشارة أضعف في المقاطع القصيرة أو المحتوى الذي يفرض صياغات محددة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص أحد مشاريع الطاقة الشمسية في الجوف شمال السعودية (واس)

خاص الخليج يهيئ بنيته التحتية لاستقطاب رؤوس الأموال الطويلة الأجل

تستعرض السعودية والخليج فرصاً استثمارية واعدة في الطاقة المتجددة والبنية الرقمية، مع توجه متزايد نحو تمويل المشاريع بالشراكة مع القطاع الخاص.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد رقاقة إلكترونية معروضة في جناح شركة «إس كيه هاينكس» في غوانغجو بكوريا الجنوبية (رويترز)

«إس كيه هاينكس» الكورية تعلن أكبر عملية لإعادة شراء أسهمها بـ28.9 مليار دولار

أعلنت شركة «إس كيه هاينكس»، إحدى أبرز شركات صناعة الرقائق في كوريا الجنوبية، الأربعاء، أنها ستعيد شراء أسهم بقيمة قياسية تبلغ 40 تريليون وون.

«الشرق الأوسط» (سيول)

دراسة تحذر: المشروبات المحلاة بالسكر قد تزيد خطر سرطان المعدة 3 أضعاف

وجد الباحثون أن تناول مشروب محلى واحد أو أكثر يومياً ارتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان المعدة إلى نحو ثلاثة أضعاف (أرشيفية - رويترز)
وجد الباحثون أن تناول مشروب محلى واحد أو أكثر يومياً ارتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان المعدة إلى نحو ثلاثة أضعاف (أرشيفية - رويترز)
TT

دراسة تحذر: المشروبات المحلاة بالسكر قد تزيد خطر سرطان المعدة 3 أضعاف

وجد الباحثون أن تناول مشروب محلى واحد أو أكثر يومياً ارتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان المعدة إلى نحو ثلاثة أضعاف (أرشيفية - رويترز)
وجد الباحثون أن تناول مشروب محلى واحد أو أكثر يومياً ارتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان المعدة إلى نحو ثلاثة أضعاف (أرشيفية - رويترز)

كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون في «Mass General Brigham» عن أن تناول مشروب محلى بالسكر يومياً قد يرتبط بارتفاع كبير في خطر الإصابة بسرطان المعدة.

وبعد أخذ عوامل الخطر الأخرى في الاعتبار، وجد الباحثون أن تناول مشروب محلى واحد أو أكثر يومياً ارتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان المعدة إلى نحو ثلاثة أضعاف مقارنة بمن يتناولون أقل من مشروب واحد شهرياً.

وتكتسب النتائج أهمية في ظل الانتشار الواسع لاستهلاك هذه المشروبات، إذ تشير بيانات المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) إلى أن نحو 63 في المائة من البالغين الأميركيين يتناولون المشروبات المحلاة بالسكر مرة واحدة على الأقل يومياً.

وفي حين ربطت دراسات سابقة المشروبات المحلاة بالسكر بارتفاع معدلات الإصابة بسرطانات الكبد والثدي والقولون والمستقيم، ظل تأثيرها المباشر على أنسجة المعدة غير واضح.

وحللت الدراسة الجديدة بيانات أكثر من 100 ألف مشارك ضمن دراستي «Nurses' Health Study» و«Health Professionals Follow-Up Study»، بهدف بحث العلاقة بين استهلاك المشروبات المحلاة بالسكر وخطر الإصابة بسرطان المعدة.

وتُعد الدراستان من الدراسات الاستباقية طويلة الأمد، وأشرف عليهما باحثون تابعون لجامعة هارفارد، بهدف تحليل العلاقة بين نمط الحياة والنظام الغذائي والأمراض المزمنة لدى العاملين في مجال الرعاية الصحية.

وقال كبير الباحثين أندرو تي. تشان، اختصاصي أمراض الجهاز الهضمي وعلم الأوبئة في معهد «Mass General Brigham» للسرطان في بوسطن، إن النتائج تثير القلق في ظل تسجيل زيادة في سرطانات الجهاز الهضمي، خصوصاً بين الأشخاص دون سن الخمسين.

وأضاف أن تزايد استهلاك المشروبات المحلاة بالسكر والأطعمة فائقة المعالجة «من المرجح أن يسهم في بعض هذه الاتجاهات المتعلقة بالسرطان».

ويرتبط سرطان المعدة بشكل وثيق ببكتيريا «الملوية البوابية» (H. pylori)، وهي نوع من البكتيريا التي تعيش في بطانة المعدة وتُعد من عوامل الخطر الرئيسية للإصابة بالمرض.

لكن الباحثين لم يجدوا، لدى مجموعة فرعية من المشاركين في الدراسة، علاقة بين استهلاك المشروبات المحلاة بالسكر والإصابة بهذه البكتيريا، ما يدعم فرضية أن السكر، وتحديداً الفركتوز، قد يؤدي دوراً مستقلاً في زيادة خطر الإصابة بسرطان المعدة.

وحدد الباحثون المشروبات المحلاة بالسكر بأنها تشمل المشروبات الغازية العادية، ومشروبات الفاكهة، والليمونادة، والمشروبات الرياضية، التي يُستخدم فيها الفركتوز مُحلّياً رئيسياً. وارتبط استهلاك كميات أكبر من الفركتوز بارتفاع خطر الإصابة بسرطان المعدة.

في المقابل، لم يجد الباحثون ارتباطاً بين المشروبات المحلاة صناعياً، بما فيها المشروبات الغازية المخصصة للحمية وغيرها من المشروبات الغازية منخفضة السعرات الحرارية، وزيادة خطر الإصابة بسرطان المعدة لدى أكثر من 100 ألف مشارك.

وأشار الباحثون إلى أن الدراسة قائمة على الملاحظة، ما يعني أنها أظهرت ارتباطاً بين استهلاك المشروبات المحلاة بالسكر وسرطان المعدة، لكنها لا تثبت وجود علاقة سببية مباشرة.

كما أن المشاركين كانوا في غالبيتهم من العاملين البيض في مجال الرعاية الصحية، ما يستدعي تأكيد النتائج من خلال دراسات تشمل مجموعات سكانية أكثر تنوعاً.

وقال تشان: «لا تستطيع الدراسة إثبات علاقة السبب والنتيجة بشكل فعلي. ما رصدناه هو وجود ارتباط، ونحتاج بالتأكيد إلى مزيد من الأبحاث لمعرفة ما إذا كانت العلاقة بين المشروبات المحلاة بالسكر وسرطان المعدة سببية بالفعل».


فيتامين «د» أم «سي»... أيهما يدعم المناعة بشكل أفضل؟

تناول مكملات فيتامين «د» يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بالعدوى لدى الأشخاص الذين يعانون من نقص هذا الفيتامين (بيكسلز)
تناول مكملات فيتامين «د» يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بالعدوى لدى الأشخاص الذين يعانون من نقص هذا الفيتامين (بيكسلز)
TT

فيتامين «د» أم «سي»... أيهما يدعم المناعة بشكل أفضل؟

تناول مكملات فيتامين «د» يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بالعدوى لدى الأشخاص الذين يعانون من نقص هذا الفيتامين (بيكسلز)
تناول مكملات فيتامين «د» يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بالعدوى لدى الأشخاص الذين يعانون من نقص هذا الفيتامين (بيكسلز)

مع اقتراب موسم البرد والإنفلونزا، يعود السؤال المعتاد إلى الواجهة: أيهما أكثر فائدة لدعم جهاز المناعة، فيتامين «سي» أم فيتامين «د»؟ وقد يبدو من السهل اختيار أحدهما بوصفه «الأفضل»، إلا أن الصورة أكثر تعقيداً من ذلك.

فكلا الفيتامينين يؤدي أدواراً مهمة في الحفاظ على عمل جهاز المناعة بصورة طبيعية، لكن لا يمكن القول إن أحدهما يتفوق على الآخر بشكل مطلق. كما أن الحصول على كميات كافية منهما لا يعني بالضرورة أنك لن تُصاب بالعدوى أو أنك ستتجنب نزلات البرد والإنفلونزا.

وحسب موقع «هيلث»، فإن فهم الدور الحقيقي لكل فيتامين وحدوده يمكن أن يساعد في تكوين صورة أكثر دقة عن العلاقة بين التغذية وصحة المناعة.

فيتامين «سي» يساعد جهاز المناعة على العمل بكفاءة

يؤدي فيتامين «سي» مجموعة واسعة من الوظائف في الجسم، من بينها دعم جهاز المناعة ومساعدته على العمل بكفاءة بما يكفي لحماية الجسم من الأمراض.

ويدعم هذا الفيتامين الوظائف الخلوية لكل من جهاز المناعة الفطري والمكتسب؛ أي أنه يساهم في عمل الدفاعات المناعية التي يولد الإنسان بها، وكذلك تلك التي يطورها مع مرور الوقت نتيجة التعرض للعدوى أو الحصول على اللقاحات.

كما يعمل فيتامين «سي» بوصفه مضاداً للأكسدة، ويساعد على حماية الخلايا من التلف الناتج عن الجذور الحرة، وهي جزيئات يمكن أن يؤدي تراكمها إلى أضرار في الخلايا، وقد يرتبط ارتفاعها بزيادة خطر الإصابة بالسرطان وأمراض أخرى.

وقالت الدكتورة كاثرين دي جورج، أخصائية طب الأسرة في أميركا: «فيتامين سي ضروري لوظيفة المناعة الطبيعية».

لكن أهمية فيتامين «سي» لا تعني أنه يشكل درعاً واقياً من الجراثيم أو يمنع الإصابة بالعدوى. ومن المهم فهم حدوده وعدم النظر إليه على أنه وسيلة مضمونة لتجنب المرض.

وقالت دي جورج لمجلة «هيلث»: «في البالغين الأصحاء عموماً، لا يمنع تناول فيتامين سي الإصابة بالمرض. في أفضل الأحوال، إذا بدأت بتناوله في غضون يوم من الشعور بأعراض البرد، فقد يقلل من مدة الأعراض بشكل طفيف، ولكن ليس بشكل كبير».

وتشير الأبحاث إلى أن فيتامين «سي» قد يقلل من حدة نزلات البرد بنحو 15 في المائة مقارنةً بالدواء الوهمي.

فيتامين «سي» يدعم مجموعة واسعة من الوظائف في الجسم من بينها جهاز المناعة ومساعدته على العمل بكفاءة (بيكسلز)

فيتامين «د» ينظم جهاز المناعة

أما فيتامين «د»، فيؤدي دوراً مختلفاً إلى حد ما، إذ لا يقتصر تأثيره على دعم وظائف المناعة، بل يشارك أيضاً في تنظيم طريقة استجابة الجهاز المناعي.

وأوضح أدريان مارتينو، وهو أستاذ سريري في أمراض الجهاز التنفسي والمناعة في لندن، أن فيتامين «د» يلعب «دوراً تنظيمياً» في جهاز المناعة.

وأشار مارتينو إلى أن فيتامين «د»، من بين وظائف أخرى، يبدو أنه يساعد على التحكم في الالتهابات، كما يساهم في منع جهاز المناعة من مهاجمة أنسجة الجسم السليمة.

وتشير الأدلة أيضاً إلى أن الأشخاص الذين يعانون من نقص فيتامين «د» قد يكونون أكثر عرضة للإصابة بالعدوى، وهو ما يدعم أهمية الحصول على مستويات كافية من هذا الفيتامين للحفاظ على صحة جهاز المناعة.

وبناءً على هذه العلاقة، قد يبدو منطقياً الاعتقاد بأن تناول مكملات فيتامين «د» يمكن أن يساعد على الوقاية من الأمراض، وخصوصاً لدى الأشخاص الذين تكون مستويات الفيتامين لديهم منخفضة. لكن نتائج الدراسات في هذا المجال ليست بهذه البساطة.

فقد وجدت بعض الدراسات أن تناول مكملات فيتامين «د» يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بالعدوى لدى الأشخاص الذين يعانون من نقص هذا الفيتامين.

لكن في عام 2025، راجع مارتينو وزملاؤه أكثر من 40 دراسة منشورة سابقاً حول هذه المسألة. وعند تحليل مجمل الأدلة المتاحة، وجد الباحثون أن «فيتامين د لم يكن أفضل من الدواء الوهمي في تقليل خطر الإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي الحادة»، وفقاً لما صرّح به مارتينو.

إذاً، أيهما أفضل للمناعة؟

لا توجد إجابة بسيطة تقوم على اختيار فيتامين «سي» أو فيتامين «د» بوصفه الأفضل للمناعة. فكلاهما ضروري للحفاظ على عمل جهاز المناعة بكفاءة، ولكل منهما وظائف مختلفة ومهمة في الجسم.

وفي الوقت نفسه، لا يُعد أي من الفيتامينين حلاً سحرياً للوقاية من الأمراض الشائعة أو علاجها. لذلك، فإن الحصول على كميات كافية منهما مهم، لكن الاعتماد على المكملات الغذائية وحدها ليس استراتيجية كافية للحفاظ على الصحة خلال موسم البرد والإنفلونزا.

والنهج الأفضل هو الحفاظ على نظام غذائي متوازن وتجنب نقص أي من الفيتامينين، بدلاً من التركيز على أحدهما وإهمال الآخر.

وتلخص دي جورج الأمر بوضوح قائلة: «الأمر لا يتعلق بأيهما أكثر أهمية، بل بتجنب نقص أي منهما».


15 دقيقة يومياً... حيلة بسيطة لإنجاز المهام المؤجلة

لا يتطلب إنجاز المشاريع بالضرورة إيجاد ساعات إضافية في اليوم (أرشيفية - رويترز)
لا يتطلب إنجاز المشاريع بالضرورة إيجاد ساعات إضافية في اليوم (أرشيفية - رويترز)
TT

15 دقيقة يومياً... حيلة بسيطة لإنجاز المهام المؤجلة

لا يتطلب إنجاز المشاريع بالضرورة إيجاد ساعات إضافية في اليوم (أرشيفية - رويترز)
لا يتطلب إنجاز المشاريع بالضرورة إيجاد ساعات إضافية في اليوم (أرشيفية - رويترز)

في ظل تسارع إيقاع الحياة وكثرة مصادر التشتيت، قد يصبح إيجاد الوقت لإنجاز المهام والمشاريع المؤجلة تحدياً يومياً. لكن تخصيص 15 دقيقة فقط يومياً لمهمة واحدة قد يكون كافياً لإحراز تقدم ملموس بمرور الوقت.

ووفق تقرير نشرته شبكة «سي إن إن»، تقوم الفكرة على تحديد مجموعة صغيرة من الأهداف أو المشاريع التي يرغب الشخص في إنجازها، ثم تخصيص 15 دقيقة من التركيز الكامل لكل منها يومياً، بعيداً عن البريد الإلكتروني والرسائل والهاتف وغيرها من مصادر التشتيت.

وتستند هذه الطريقة إلى فكرة مشابهة لـ«تقنية بومودورو» التي ابتكرها الإيطالي فرانشيسكو سيريلو في ثمانينات القرن الماضي. وتعتمد التقنية الأصلية على العمل بتركيز لمدة 25 دقيقة، تليها استراحة لمدة خمس دقائق، ثم أخذ استراحة أطول بعد إتمام أربع جولات.

لكن تقليص المدة إلى 15 دقيقة قد يجعل تطبيقها أكثر سهولة ومرونة، خصوصاً مع تغير جداول العمل وكثرة المقاطعات اليومية. ويمكن تخصيص هذه الفترة في الصباح، أو خلال استراحة الغداء، أو قبل النوم.

ويمكن استثمار هذه الدقائق في القراءة أو الكتابة أو ترتيب الملفات القديمة أو التواصل مع الأصدقاء والعائلة، أو في أي مشروع طويل الأمد يصعب إيجاد وقت كافٍ له دفعة واحدة.

وتكمن الفكرة الأساسية في التركيز على مهمة واحدة خلال هذه الفترة. فالانتقال المستمر بين المهام يستنزف الانتباه ويقلل الكفاءة، بينما يساعد حجب مصادر التشتيت والتركيز على نشاط واحد في الاستفادة بشكل أفضل من الوقت.

وقد تبدو 15 دقيقة فترة قصيرة، لكن الاستمرار عليها يومياً يعني تخصيص أكثر من 90 ساعة خلال عام كامل لمهمة واحدة.

وبالتالي، لا يتطلب إنجاز المشاريع بالضرورة إيجاد ساعات إضافية في اليوم، بل قد يبدأ باستثمار الفترات القصيرة المتاحة وتحويلها إلى عادة منتظمة تسمح بتحقيق تقدم تدريجي ومتراكم.