سرطان البنكرياس... عدوانية أشد وتشخيص أصعب

علاجات مناعية حديثة لمستقبلٍ وحياةٍ أفضل

سرطان البنكرياس... عدوانية أشد وتشخيص أصعب
TT

سرطان البنكرياس... عدوانية أشد وتشخيص أصعب

سرطان البنكرياس... عدوانية أشد وتشخيص أصعب

يُعدّ سرطان البنكرياس أحد أكثر الأورام الخبيثة فتكاً، حيث ينشأ من البنكرياس، وهو عضو حيوي مسؤول عن إنتاج الإنزيمات الهاضمة التي تساعد في تفتيت الطعام، وتحويله إلى عناصر غذائية قابلة للامتصاص، كما أنه يلعب دوراً أساسياً في تنظيم مستويات السكر بالدم من خلال إنتاج هرمونات مثل الإنسولين والجلوكاجون.

سرطان خطير

ورغم أن معدل الإصابة بسرطان البنكرياس أقل مقارنةً بأنواع السرطان الأخرى؛ مثل سرطان الثدي أو الرئة، فإن خطورته تكمن في طبيعته العدوانية التي تجعله من أكثر السرطانات المميتة. ويتميز هذا النوع من السرطان بنمو سريع للخلايا الخبيثة، التي غالباً ما تنتشر إلى الأعضاء المجاورة في مراحل مبكرة قبل ظهور أي أعراض واضحة، مما يؤدي إلى تأخر التشخيص وتقليل فرص نجاح العلاج.

ومن بين التحديات الرئيسية المرتبطة بسرطان البنكرياس عدم وجود فحوصاتِ كشفٍ مبكر دقيقةٍ، مثل المتوفرة لأنواع السرطان الأخرى، كسرطان الثدي أو القولون. بالإضافة إلى ذلك، فإن الأعراض المبكرة غالباً ما تكون غير محددة، حيث تشمل آلاماً في البطن، وفقداناً غير مبرر للوزن، وتغيرات في الهضم، وهي أعراض قد تتشابه مع أمراض الجهاز الهضمي الأخرى، ما يؤدي إلى تجاهلها أو تأخير تشخيصها.

ونتيجة لهذه العوامل، يتم تشخيص معظم الحالات في مراحل متقدمة، حيث يكون السرطان قد انتشر إلى الكبد أو الرئتين أو الغدد الليمفاوية، ما يجعل التدخل الجراحي مستحيلاً ويحد من فاعلية العلاجات التقليدية مثل العلاج الكيميائي أو الإشعاعي. ولذلك، فإن معدل البقاء على قيد الحياة لمرضى سرطان البنكرياس، لا يزال منخفضاً مقارنة بأنواع السرطان الأخرى، حيث تشير الإحصائيات إلى أن نسبة البقاء لخمس سنوات بعد التشخيص لا تتجاوز 10 في المائة في معظم الحالات.

وبسبب هذا الواقع القاتم، تركز الأبحاث الطبية الحديثة على تطوير وسائل جديدة للكشف المبكر، بالإضافة إلى علاجات مبتكرة مثل العلاج المناعي والعلاج الجيني، والتي قد تسهم في تحسين نتائج العلاج وزيادة فرص البقاء على قيد الحياة في المستقبل.

عوامل الخطر والأعراض

• طفرات جينية. يتطور سرطان البنكرياس عادةً من آفات ما قبل سرطانية، وأكثرها شيوعاً هو التنشؤ الظهاري داخل القنوات البنكرياسية (Pancreatic Intraepithelial Neoplasia (PanIN)). تلعب الطفرات الجينية دوراً أساسياً في تحول هذه الآفات إلى سرطان خبيث. وتشمل الطفرات الرئيسية:

-طفرة KRAS: تظهر في 90 في المائة من الحالات.

-طفرة CDKN2A: موجودة في 95 في المائة من الحالات.

-طفرة TP53: تحدث في نحو 75 في المائة من الحالات.

-طفرة SMAD4: توجد في 55 في المائة من الحالات، وترتبط بتوقعات سيئة للبقاء.

يتميز سرطان البنكرياس أيضاً بوجود بيئة ورمية ميكروية (tumor microenvironment) معقدة، تتكون من نسيج ليفي كثيف وخلايا مثبطة للمناعة، مما يعزز نمو الورم ويمنحه مقاومة قوية للعلاج.

• عوامل الخطر. في عام 2021، تم تسجيل نحو 60430 حالة جديدة من سرطان البنكرياس في الولايات المتحدة. وتشير الإحصائيات إلى أن معدل الإصابة بسرطان البنكرياس يزداد بنسبة تتراوح بين 0.5 و1.0 في المائة سنوياً، ومن المتوقع أن يصبح ثاني أكثر الأسباب شيوعاً لوفيات السرطان بحلول عام 2030، بحسب شبكة «جاما» الطبية (Jama Network).

وتشمل عوامل الخطر المعروفة لسرطان البنكرياس ما يلي:

-العمر: غالبية الحالات تُشخَّص بعد سن 65 عاماً.

-التدخين: وفقاً للجمعية الأميركية للسرطان، يزيد التدخين من خطر الإصابة بسرطان البنكرياس بمقدار الضعف مقارنةً بغير المدخنين.

-السمنة والخمول البدني: يزيدان من احتمالية الإصابة.

-مرض السكري: خصوصاً مرض السكري الجديد، الذي قد يكون عامل خطر، وأيضاً عرضاً مبكراً.

-التهاب البنكرياس المزمن: يسبب التهابات طويلة الأمد تزيد من خطر الإصابة.

-التاريخ العائلي والطفرات الجينية: الطفرات في الجينات مثل «BRCA2» تزيد من القابلية للإصابة.

• الأعراض السريرية. يصعب اكتشاف سرطان البنكرياس في مراحله المبكرة بسبب غياب الأعراض الواضحة. تشمل الأعراض الأكثر شيوعاً:

-آلام البطن: غالباً ما تمتد إلى الظهر.

-فقدان الوزن غير المبرر: علامة شائعة في الحالات المتقدمة.

-اليرقان (اصفرار الجلد والعينين): بسبب انسداد القنوات الصفراوية.

-مرض السكري المفاجئ: خصوصاً عند غير المصابين بالسمنة.

-اضطرابات الجهاز الهضمي: مثل الغثيان، والتقيؤ، وفقدان الشهية.

التشخيص والعلاج

• التشخيص، ويشمل:

+ أولاً: وسائل تقليدية. نظراً لموقع البنكرياس العميق في الجسم، وعدم وضوح الأعراض في البداية، فإن تشخيص سرطان البنكرياس يمثل تحدياً كبيراً. تشمل الفحوصات التشخيصية:

-التصوير الطبي: مثل التصوير المقطعي المحوسب (CT)، والتصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)، للحصول على صور واضحة للبنكرياس.

-التصوير بالموجات فوق الصوتية بالمنظار (EUS): يوفر دقة تشخيصية عالية ويسمح بأخذ خزعات نسيجية.

-اختبارات الدم: مثل قياس مستضد السرطان (CA 19-9)، والذي يستخدم علامة بيولوجية، لكنه ليس دقيقاً بدرجة كافية للكشف المبكر.

+ثانياً: تطورات جديدة في التشخيص، وتشمل:

-اختبار «PAC-MANN-1» تقنية مبتكرة للكشف المبكر عن سرطان البنكرياس.

-«الإنتاج الإنزيمي للبروتياز كمؤشر لتطور السرطان».

-وتم حديثاً تطوير اختبار اسمه «PAC-MANN-1» قائم على تحليل الدم، وقد أظهر دقة تصل إلى 98 في المائة في التمييز بين سرطان البنكرياس والحالات غير السرطانية، بالإضافة إلى دقته بنسبة 85 في المائة في الكشف عن المراحل المبكرة للمرض.

ويقول البروفسور هولدن ثورب (Holden Thorp, Ph.D.) أستاذ الكيمياء في جامعة جورج واشنطن، إن إنتاج البروتياز (proteases) يُعدّ إحدى العلامات المميزة لتطور السرطان، حيث يمكن أن توفر نشاطات البروتياز المنتشرة في الجسم معلومات تشخيصية لأنواع معينة من السرطانات.

ويعد سرطان البنكرياس الغدي القنوي (PDAC) من أكثر أنواع السرطانات عدوانية، ويفتقر إلى طرق كشف مبكر فعالة، مما يجعل خيارات العلاج محدودة عند اكتشاف المرض في مراحله المتأخرة كما جاء في مجلة «Science Translational Medicine».

في هذا السياق، قام الباحث مونتويا ميرا (Montoya Mira et al) وزملاؤه بتصميم اختبار سريع وغير جراحي يعتمد على ببتيد حساس للبروتياز مرتبط بمجس نانوي مغناطيسي مُعَلَّم بصبغة فلورية. ويهدف هذا الاختبار إلى الكشف عن نشاط البروتياز في عينة دم صغيرة.

تم تحسين هذا الاختبار المبتكر، المسمى «PAC-MANN-1»، ليتمكن من اكتشاف جميع مراحل سرطان البنكرياس الغدي القنوي (PDAC) بأداء فائق مقارنةً بالمؤشر البيولوجي السريري التقليدي (CA 19-9). إضافةً إلى ذلك، استطاع اختبار «PAC-MANN-1» التمييز بين عينات سرطان البنكرياس وعينات الأفراد الأصحاء، بل وتمكن أيضاً من التفريق بين سرطان البنكرياس وأمراض البنكرياس الأخرى، مما يعزز دقته في التشخيص السريري.

ولا يقتصر دور هذا الاختبار على الكشف المبكر؛ بل يمكن استخدامه أيضاً لمراقبة تطور العلاج لدى المرضى المصابين بسرطان البنكرياس. ويمثل اختبار «PAC-MANN-1» أداة واعدة تستدعي مزيداً من التطوير السريري، إذ يمكن أن يسهم بشكل كبير في زيادة معدلات التشخيص المبكر، وتحسين فرص البقاء على قيد الحياة للمرضى المصابين بسرطان البنكرياس الغدي القنوي (PDAC).

• خيارات العلاج. يعتمد العلاج على مرحلة السرطان عند التشخيص:

-أولاً: الاستئصال الجراحي. يعد الخيار العلاجي الوحيد القابل للشفاء، لكنه متاح فقط لـ20 في المائة من المرضى الذين يتم تشخيصهم في مراحل مبكرة، وفقاً للمعاهد الوطنية للصحة.

-ثانياً: العلاج الكيميائي. يُستخدم قبل الجراحة وبعدها، وأيضاً لعلاج الحالات المتقدمة. وقد أظهر بروتوكول «FOLFIRINOX» تحسناً في معدل البقاء مقارنة بعلاج الجمسيتابين (gemcitabine) التقليدي.

-ثالثاً: العلاج الإشعاعي. يُستخدم في بعض الحالات المتقدمة بالتزامن مع العلاج الكيميائي.

-رابعاً: الرعاية التلطيفية. تهدف إلى تخفيف الأعراض وتحسين جودة الحياة لدى المرضى في المراحل النهائية.

عدم ظهور أي أعراض واضحة له يؤدي إلى تأخر التشخيص وتقليل فرص نجاح العلاج

توقعات مستقبلية

أما حول التوقعات المستقبلية وأبحاث السرطان، فوفقاً لشبكة «جاما» الطبية، فإن البحث مستمر في عدة اتجاهات لتطوير طرق تشخيص وعلاج أكثر كفاءة، من أبرزها:

-تحليل الجينات والطب الشخصي: يعمل الباحثون على فهم الطفرات الجينية المرتبطة بسرطان البنكرياس، مما يسمح بتطوير علاجات مستهدفة تتناسب مع التركيبة الجينية لكل مريض. يساعد هذا النهج في تحسين استجابة المرضى للعلاج، وتقليل الآثار الجانبية مقارنةً بالعلاج التقليدي.

-المناعة والعلاج المناعي: أحد أبرز المجالات المتقدمة في أبحاث السرطان هو تثبيط نقاط التفتيش المناعية، وهي تقنيات تهدف إلى تحفيز الجهاز المناعي لمهاجمة الخلايا السرطانية بشكل أكثر فاعلية. تعمل هذه العلاجات على تعطيل البروتينات التي تستخدمها الخلايا السرطانية للهروب من الجهاز المناعي، مما يسمح لجهاز المناعة بمكافحتها بكفاءة أكبر.

-زراعة الأعضاء المصغرة: يشهد مجال الهندسة البيولوجية تطوراً ملحوظاً، حيث يعمل العلماء على تطوير خلايا بنكرياسية اصطناعية قادرة على إنتاج الإنسولين بشكل ذاتي. ومن المتوقع أن تسهم هذه الأبحاث في إيجاد علاجات مبتكرة، لا تقتصر على سرطان البنكرياس فحسب؛ بل تشمل أيضاً مرض السكري وأمراض البنكرياس المزمنة.

-استخدام الذكاء الاصطناعي في التشخيص: تعتمد الأبحاث الحديثة على تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل الصور الطبية وعينات الأنسجة لاكتشاف العلامات المبكرة للسرطان بدقة أعلى من الطرق التقليدية. يمكن لهذه التقنيات أن تسهم في تقليل معدلات التشخيص الخاطئ وزيادة فرص الاكتشاف المبكر.

-العلاج الجيني وتحرير الحمض النووي: تعمل الفرق البحثية على تطوير تقنيات تعديل الجينات مثل «CRISPR» لاستهداف الطفرات الوراثية المسببة للسرطان. ويُعدّ هذا المجال واعداً، حيث يمكن أن يسمح مستقبلاً بتعديل الخلايا المصابة أو استبدال خلايا سليمة بها.

وهذه الابتكارات تعكس مستقبلاً أكثر إشراقاً في علاج وتشخيص السرطان، حيث يهدف العلماء إلى تحسين معدلات البقاء على قيد الحياة والحد من تطور المرض من خلال تقنيات متقدمة ومستهدفة.

نستخلص، في النهاية، أن سرطان البنكرياس هو من أصعب الأورام الخبيثة في التشخيص والعلاج، مما يجعله من أولويات الأبحاث الطبية العالمية. ومع ذلك، فإن الاكتشاف المبكر وتطوير العلاجات المستهدفة والمناعية قد يُحدثان فرقاً كبيراً في المستقبل.

* استشاري طب المجتمع.


مقالات ذات صلة

«العاصمة الطبية»... مشروع مصري لـ«نقلة نوعية» في الخدمات الصحية

شمال افريقيا وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)

«العاصمة الطبية»... مشروع مصري لـ«نقلة نوعية» في الخدمات الصحية

بدأت الحكومة المصرية خطوات إنشاء مشروع «مدينة العاصمة الطبية للمستشفيات والمعاهد التعليمية للبحوث والتدريب»، وسط تطلعات بأن تُحدث نقلة نوعية في المنظومة الصحية.

عصام فضل (القاهرة)
صحتك مرض السكري قد يُسبب مشاكل في النوم (بيكساباي)

تأثير قلة النوم على مرضى السكري

يرتبط داء السكري والنوم ارتباطاً وثيقاً، ويعاني كثير من مرضى السكري من النوع الثاني سوء جودة النوم أو الأرق.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يمتلك الزنك خصائص مضادة للالتهاب والأكسدة مما يجعله عنصراً مهماً في تهدئة التفاعلات الالتهابية داخل أنسجة البروستاتا (بيكساباي)

ما تأثير الزنك على التهاب البروستاتا؟

تشير دراسات حديثة إلى أن توازن الزنك داخل البروستاتا عنصر أساسي في الوقاية من أمراض البروستاتا المختلفة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك يمكنك تناول الماء من خلال العديد من المشروبات (غيتي)

كم يجب أن تشرب من الماء يومياً؟ الإجابة تختلف باختلاف العمر

اقتنى كثيرون أكواب «ستانلي» الضخمة بنوايا حسنة، غير أن واقع الاستهلاك اليومي للسوائل لا يزال، في الغالب، يقتصر على الشاي، وعلبة أو اثنتين من المشروبات الغازية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك لطالما انقسم عشّاق الرياضة بين مؤيد لتمارين القوة وآخر يفضّل تمارين الكارديو (أرشيفية - رويترز)

لصحة القلب وإطالة العمر... هل نختار تمارين القوة أم «الكارديو»؟

لطالما انقسم عشّاق الرياضة بين مؤيد لتمارين القوة وآخر يفضّل تمارين الكارديو (مثل المشي والجري والدراجة). لكن أيهما الأفضل فعلاً لصحة القلب وإطالة العمر؟

«الشرق الأوسط» (لندن)

تأثير قلة النوم على مرضى السكري

مرض السكري قد يُسبب مشاكل في النوم (بيكساباي)
مرض السكري قد يُسبب مشاكل في النوم (بيكساباي)
TT

تأثير قلة النوم على مرضى السكري

مرض السكري قد يُسبب مشاكل في النوم (بيكساباي)
مرض السكري قد يُسبب مشاكل في النوم (بيكساباي)

يُعدّ داء السكري من النوع الثاني، مرضاً مزمناً ينشأ نتيجة مقاومة الأنسولين، وهو الشكل الأكثر شيوعاً على مستوى العالم.

والأنسولين هرمون يُساعد على نقل الغلوكوز من الدم إلى العضلات والدهون والكبد، وغيرها من الخلايا، حيث يُستخدم مصدراً للطاقة. وتحدث مقاومة الأنسولين عندما يُواجه الجسم صعوبة في إنتاج الأنسولين، أو عندما يفشل الأنسولين في نقل الغلوكوز إلى هذه الخلايا.

ويؤدي ذلك إلى تراكم الغلوكوز في الدم، وهو ما يُعرف بارتفاع نسبة السكر في الدم، ويُعدّ العرض الرئيسي لداء السكري. إذا لم تتم السيطرة على هذه الحالة بشكل صحيح، فقد تُؤدي إلى عواقب وخيمة على القلب والكلى والأعضاء الأخرى.

يرتبط داء السكري والنوم ارتباطاً وثيقاً، ويعاني كثير من مرضى السكري من النوع الثاني سوء جودة النوم أو الأرق. والخبر السار هو أن الاهتمام الدقيق بالنظام الغذائي والتمارين الرياضية ومستويات السكر في الدم يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً في جودة النوم، وبالتالي في الصحة العامة، وفقاً لما ذكره موقع «سليب فونديشن» وهي مؤسسة مستقلة غير ربحية مقرها واشنطن تهتم بجودة وصحة النوم.

كيف يؤثر مرض السكري على النوم؟

يعاني المصابون بداء السكري من النوع الثاني مشاكل في النوم نتيجةً لعدم استقرار مستويات السكر في الدم والأعراض المصاحبة له. يمكن أن يؤدي ارتفاع مستوى السكر في الدم (فرط سكر الدم) وانخفاضه (نقص سكر الدم) أثناء الليل إلى الأرق والتعب في اليوم التالي. وكما هو الحال مع كثير من الأمراض المزمنة، فإن الشعور بالاكتئاب أو التوتر بشأن المرض نفسه قد يُبقي الشخص مستيقظاً طوال الليل.

عندما ترتفع مستويات السكر في الدم، تُبالغ الكليتان في تعويض ذلك؛ ما يؤدي إلى زيادة التبول. وخلال الليل، تؤدي هذه الزيارات المتكررة إلى الحمام إلى اضطراب النوم. كما قد يُسبب ارتفاع مستوى السكر في الدم الصداع، وزيادة العطش، والتعب؛ ما قد يُعيق عملية النوم.

على النقيض، قد يؤدي الصيام لساعات طويلة أو تناول جرعات غير متوازنة من أدوية السكري إلى انخفاض مستوى السكر في الدم.

وفي أثناء الليل. قد تُعاني الكوابيس، أو تعرّقاً شديداً، أو تشعر بالانزعاج أو الارتباك عند الاستيقاظ. تحدث إلى طبيبك إذا كنت تُعاني التعب، أو صعوبة في النوم، أو أي أعراض أخرى مُقلقة؛ يُمكنه مساعدتك في تحليل السبب والعمل معك للحفاظ على استقرار مستوى السكر في الدم.

كيف تؤثر قلة النوم على مستوى السكر في الدم؟

مرض السكري قد يُسبب مشاكل في النوم، يبدو أن مشاكل النوم تلعب دوراً في الإصابة به. وقد رُبطت قلة النوم أو عدم الحصول على نوم عميق ومريح (نوم الموجة البطيئة) بارتفاع مستويات السكر في الدم لدى مرضى السكري ومرحلة ما قبل السكري.

وتشير بعض الدراسات التي أجريت مؤخراً إلى أن ربع مرضى السكري يفيدون بأنهم ينامون أقل من ست ساعات أو أكثر من ثماني ساعات ليلاً؛ ما يزيد من خطر ارتفاع مستوى السكر في الدم لديهم.

يرتبط تأخر مواعيد النوم أو عدم انتظامها بارتفاع نسبة السكر في الدم، حتى لدى غير المصابين بالسكري. ومع ذلك، قد توجد عوامل أخرى تفسر ذلك، مثل ميل الأشخاص الذين يعانون عدم انتظام مواعيد النوم إلى اتباع نظام غذائي غير منتظم.

ويؤدي الحرمان من النوم إلى ارتفاع مستويات هرمون الغريلين، هرمون الجوع، وانخفاض مستويات هرمون اللبتين، هرمون الشبع. وللتعويض عن انخفاض مستويات الطاقة، وقد يلجأ الأشخاص الذين يعانون قلة النوم إلى تناول الأطعمة التي ترفع نسبة السكر في الدم؛ ما يعرضهم لخطر السمنة، وهي عامل خطر للإصابة بالسكري.

وقد يكون البالغون المصابون بداء السكري من النوع الثاني والذين يعانون اضطرابات النوم أو الاستيقاظ المتكرر ليلاً أقل التزاماً بمعايير الرعاية الذاتية الأخرى لمرض السكري، مثل ممارسة الرياضة بانتظام ومراقبة مستويات السكر في الدم بدقة.

إضافةً إلى تأثيراته المباشرة على مستويات السكر في الدم، يُمكن أن تؤثر قلة النوم سلباً على صحة مرضى السكري من النوع الثاني على المدى الطويل. فالذين يلجأون إلى أدوية النوم أو يجدون صعوبة في البقاء نائمين هم أكثر عرضةً للإبلاغ عن شعورهم بضيق نفسي شديد. كما توجد أدلة أولية تُشير إلى أن مرضى السكري الذين لا يحصلون على قسط كافٍ من النوم قد يكونون أكثر عرضةً لخطر التدهور المعرفي.

اضطرابات النوم الشائعة لدى مرضى السكري

متلازمة تململ الساقين: يُعاني ما يقارب واحد من كل خمسة أشخاص مصابين بالسكري من النوع الثاني متلازمة تململ الساقين، والتي تتميز بتنميل أو أحاسيس مزعجة أخرى في الساقين قد تُعيق النوم.

كما يُعدّ مرضى السكري عرضةً لخطر الإصابة بحالة أخرى تُسمى الاعتلال العصبي المحيطي. وينتج هذا الاعتلال من تلف الأعصاب، وتتشابه أعراضه إلى حد كبير مع أعراض متلازمة تململ الساقين، وتشمل الخدر والتنميل والألم في الأطراف. ينبغي على الأشخاص الذين يُعانون هذه الأعراض استشارة الطبيب؛ إذ يتطلب الاعتلال العصبي المحيطي علاجاً للحد من تلف الأعصاب على المدى الطويل.

انقطاع النفس الانسدادي النومي: هو اضطراب في النوم يتوقف فيه التنفس بشكل متقطع ومتكرر طوال الليل. في معظم الحالات، لا يدرك الشخص حدوث ذلك، مع أن شريكه في الفراش قد يلاحظ الشخير واللهاث. تُسبب هذه الانقطاعات في التنفس استيقاظات قصيرة جداً تُعيق التدرج الطبيعي لمراحل النوم وتُؤثر سلباً على جودته. يُصيب انقطاع النفس الانسدادي النومي عادةً الأشخاص الذين يعانون زيادة الوزن أو السمنة؛ نظراً لزيادة محيط رقبتهم التي تُعيق مجرى الهواء.

ويُمكن علاج هذه الحالة باستخدام جهاز ضغط مجرى الهواء الإيجابي المستمر (CPAP) الذي يُبقي مجرى الهواء مفتوحاً لاستعادة التنفس الطبيعي وتقليل انقطاعات النوم.

كيف يمكن لمرضى السكري التعامل مع مشاكل النوم؟

يمكن أن يُسهِم ضبط مستويات السكر في الدم بدقة في تحسين جودة النوم لدى مرضى السكري من النوع الثاني. بالإضافة إلى ذلك، ونظراً للعلاقة الوثيقة بين مرض السكري والنوم، تُعدّ عادات النوم الصحية بالغة الأهمية. وتشمل هذه العادات عادات النهار والليل، مثل:

اتباع نظام غذائي مناسب يُساعد في ضبط مستوى السكر في الدم.

ممارسة الرياضة بانتظام.

الحفاظ على جدول نوم منتظم.

تجنب المنبهات مثل الكافيين والنيكوتين قبل النوم.

الحفاظ على غرفة نوم باردة ومظلمة وهادئة.

وبناءً على حالتك الصحية، قد يُوصي طبيبك بأدوية مُساعدة على النوم لمرضى السكري أو بطرق إضافية لتحسين جودة النوم. وقد يختار إجراء تخطيط النوم (دراسة النوم) لتحديد ما إذا كان اضطراب النوم هو سبب مشاكل النوم. ويمكن حينها علاج اضطرابات النوم الثانوية بعلاجات مُخصصة مثل جهاز ضغط مجرى الهواء الإيجابي المستمر (CPAP).


تقنية مبتكرة تُميّز مرضى الربو المعرضين للخطر

الربو من أكثر الأمراض المزمنة شيوعاً في العالم (معهد كارولينسكا السويدي)
الربو من أكثر الأمراض المزمنة شيوعاً في العالم (معهد كارولينسكا السويدي)
TT

تقنية مبتكرة تُميّز مرضى الربو المعرضين للخطر

الربو من أكثر الأمراض المزمنة شيوعاً في العالم (معهد كارولينسكا السويدي)
الربو من أكثر الأمراض المزمنة شيوعاً في العالم (معهد كارولينسكا السويدي)

كشف فريق بحثي مشترك من معهد «كارولينسكا» السويدي ومؤسسة «ماس جنرال بريغهام» الأميركية عن طريقة جديدة قادرة على التنبؤ بنوبات الربو المستقبلية قبل حدوثها بما يصل إلى 5 سنوات، بدقة تصل إلى 90 في المائة.

وأوضح الباحثون أن هذه التقنية المبتكرة تُمثل للمرة الأولى مؤشراً حيوياً موثوقاً نسبياً يمكنه التنبؤ بنوبات الربو قبل وقوعها بسنوات، وليس فقط قبل أسابيع أو أشهر. ونُشرت نتائج الدراسة، الاثنين، في دورية (Nature Communications).

ويُعد الربو من أكثر الأمراض المزمنة شيوعاً في العالم، إذ يؤثر على أكثر من 500 مليون شخص. وتمثل النوبات الحادة للربو عبئاً كبيراً على المرضى وأنظمة الرعاية الصحية، سواء من حيث المضاعفات الطبية أو التكاليف العلاجية. ورغم الانتشار الواسع للمرض، لا تتوافر حالياً مؤشرات حيوية دقيقة تمكّن الأطباء من تحديد المرضى الأكثر عرضة للإصابة بنوبات مستقبلية خطيرة، حيث تفشل الأساليب التقليدية في التمييز بين الحالات المستقرة وتلك المعرضة للتفاقم.

واستندت الدراسة إلى تحليل بيانات 3 مجموعات كبيرة من مرضى الربو، ضمَّت أكثر من 2500 مشارك، مدعومةً بسجلات طبية إلكترونية تمتد لعقود. واستخدم الباحثون تقنية متقدمة عالية الإنتاجية تُعرف بـ«علم المستقلبات» (Metabolomics)، لقياس الجزيئات الصغيرة في الدم لدى المصابين بالربو.

وتمكَّن الفريق من اكتشاف علاقة محورية بين فئتين من المستقلبات الحيوية، هما «السفينغوليبيدات» و«الستيرويدات»، وبين مستوى السيطرة على مرض الربو.

وأظهرت النتائج أن نسبة «السفينغوليبيدات» إلى «الستيرويدات» في الدم تُعد مؤشراً قوياً للتنبؤ بخطر النوبات على مدى 5 سنوات بدقة تصل إلى 90 في المائة.

وفي بعض الحالات، استطاع النموذج التنبؤي التفرقة بين توقيت أول نوبة لدى المرضى ذوي الخطورة العالية والمنخفضة بفارق يقارب عاماً كاملاً.

وأشار الباحثون إلى أن أحد أكبر التحديات في علاج الربو يتمثَّل في صعوبة التنبؤ بالنوبات الشديدة.

وأكدوا أن قياس التوازن بين «السفينغوليبيدات» و«الستيرويدات» يتيح تحديد المرضى الأكثر عرضة للخطر والتدخل المبكر قبل وقوع النوبة.

وأضاف الفريق أن التركيز على نسبة التفاعل بين «السفينغوليبيدات» و«الستيرويدات» يمنح النموذج دقة تنبؤية عالية، كما يتيح تطوير اختبار سريري عملي ومنخفض التكلفة يمكن تطبيقه بسهولة في المختبرات التقليدية.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تُمثِّل خطوة مهمة نحو تطبيق مفهوم الطب الدقيق في علاج الربو، إذ يمكن تطوير فحص دموي بسيط يكشف عن الاختلالات الأيضية الخفية لدى المرضى الذين تبدو حالتهم مستقرة ظاهرياً.

ومع ذلك، شدَّد الفريق على الحاجة إلى إجراء دراسات إضافية وتجارب سريرية مباشرة لتأكيد النتائج وتقييم الجدوى الاقتصادية قبل اعتماد الاختبار رسمياً في الممارسة الطبية.


ما تأثير الزنك على التهاب البروستاتا؟

يمتلك الزنك خصائص مضادة للالتهاب والأكسدة مما يجعله عنصراً مهماً في تهدئة التفاعلات الالتهابية داخل أنسجة البروستاتا (بيكساباي)
يمتلك الزنك خصائص مضادة للالتهاب والأكسدة مما يجعله عنصراً مهماً في تهدئة التفاعلات الالتهابية داخل أنسجة البروستاتا (بيكساباي)
TT

ما تأثير الزنك على التهاب البروستاتا؟

يمتلك الزنك خصائص مضادة للالتهاب والأكسدة مما يجعله عنصراً مهماً في تهدئة التفاعلات الالتهابية داخل أنسجة البروستاتا (بيكساباي)
يمتلك الزنك خصائص مضادة للالتهاب والأكسدة مما يجعله عنصراً مهماً في تهدئة التفاعلات الالتهابية داخل أنسجة البروستاتا (بيكساباي)

تُعدّ غدة البروستاتا من أكثر أعضاء الجسم احتواءً على الزنك، إذ تصل تركيزاته فيها إلى ما يعادل 5 - 10 أضعاف تركيزه في معظم الأنسجة الأخرى. هذا الارتفاع ليس عشوائياً، بل يعكس الدور الحيوي للزنك في الحفاظ على الوظيفة الطبيعية للبروستاتا. وتشير الدراسات الحديثة، ومنها مراجعة علمية نُشرت عام 2025 في مجلة «جورنال أوف ترايس إليمنتس إن ميديسين آند بيولوجي» الطبية، إلى أن توازن الزنك داخل البروستاتا عنصر أساسي في الوقاية من أمراض البروستاتا المختلفة، بما فيها التهاب البروستاتا.

تقليل الالتهاب

يمتلك الزنك خصائص مضادة للالتهاب والأكسدة، مما يجعله عنصراً مهماً في تهدئة التفاعلات الالتهابية داخل أنسجة البروستاتا. فهو يساعد على تقليل الإجهاد التأكسدي الذي يفاقم تلف الخلايا، كما يدعم آليات «الموت الخلوي المبرمج» للخلايا غير الطبيعية، مما يمنع تحولها إلى خلايا مريضة أو خبيثة. هذه الخصائص تجعل الزنك عاملاً وقائياً مهماً في حالات التهاب البروستاتا، وخصوصاً المزمن منها.

دعم المناعة ومقاومة البكتيريا

يلعب الزنك دوراً محورياً في تقوية الجهاز المناعي، إذ يشارك في تنشيط الخلايا المناعية وتنظيم استجابتها. كما أنه يسهم في تقليل نمو بعض أنواع البكتيريا، وهو أمر بالغ الأهمية في حالات التهاب البروستاتا الجرثومي. هذا التأثير المناعي والمضاد للميكروبات قد يخفف من حدة الأعراض، ويقلل من تكرار الالتهابات.

يعدّ الزنك عنصراً محورياً في صحة البروستاتا إذ يسهم في تقليل الالتهاب وتعزيز المناعة والحد من نمو البكتيريا (بيكساباي)

تخفيف أعراض التهاب البروستاتا المزمن

يعاني مرضى التهاب البروستاتا المزمن غالباً من أعراض مزعجة مثل الألم في منطقة الحوض، والحرقان في أثناء التبول، واضطرابات التبول. وتشير الأبحاث إلى أن اختلال توازن الزنك داخل البروستاتا يرتبط بتفاقم هذه الأعراض. بالمقابل، فإن استعادة هذا التوازن قد تساعد على تخفيف الألم وتحسين وظيفة الغدة، مما ينعكس إيجاباً على جودة حياة المريض.

هل يُنصح بتناول مكملات الزنك؟

على الرغم من الفوائد المحتملة للزنك، فإن الإفراط في تناوله قد يسبب آثاراً جانبية مثل الغثيان، والإسهال، واضطرابات الجهاز الهضمي. لذلك، يُنصح دائماً باستشارة الطبيب قبل استخدام مكملات الزنك، لتحديد الجرعة المناسبة حسب الحالة الصحية واحتياجات الجسم، وضمان تحقيق الفائدة دون التعرض لمخاطر الجرعات الزائدة.

يُعدّ الزنك عنصراً محورياً في صحة البروستاتا، إذ يسهم في تقليل الالتهاب، وتعزيز المناعة، والحد من نمو البكتيريا، وقد يساعد على تخفيف أعراض التهاب البروستاتا المزمن. غير أن التوازن هو الأساس، فالحفاظ على مستويات طبيعية من الزنك -سواء عبر الغذاء أو المكملات بإشراف طبي- يمثل خطوة مهمة في دعم صحة البروستاتا والوقاية من أمراضها.