6 أطعمة صحية تقي من أمراض القلب والأوعية الدموية

دراسة عالمية تثبت العلاقة والارتباط الوطيد بينهما

6 أطعمة صحية تقي من أمراض القلب والأوعية الدموية
TT

6 أطعمة صحية تقي من أمراض القلب والأوعية الدموية

6 أطعمة صحية تقي من أمراض القلب والأوعية الدموية

تناول الفاكهة والخضراوات والبقوليات والمكسرات والأسماك ومنتجات الألبان كاملة الدسم يُعد عاملاً أساسياً في تقليل مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية تقدر منظمة الصحة العالمية أن ما يقرب من 18 مليون شخص ماتوا بسبب الأمراض القلبية الوعائية في عام 2019، أي ما يمثل 32 في المائة من جميع الوفيات العالمية. ومن بين هذه الوفيات، حدثت 85 في المائة بسبب النوبات القلبية والسكتات الدماغية.

دراسة عالمية

أجرى باحثون من جامعة «ماكماستر» وباحثون من العلوم الصحية في هاميلتون في معهد أبحاث صحة السكان (Population Health Research Institute) (PHRI)، والمتعاونون معهم حول العالم، دراسة حديثة، تم فيها تحليل بيانات دراسات متعددة لـ245 ألف شخص في 80 دولة. ونشرت النتائج في مجلة القلب الأوروبية في 6 يوليو (تموز) من هذا العام، 2023. وأظهرت أن عدم تناول ما يكفي من 6 أطعمة رئيسية مجتمعة يرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية (CVD) عند البالغين.

مشاركة السعودية في الدراسة

تحدث إلى «صحتك» الأستاذ الدكتور خالد بن فايز الحبيب، استشاري أمراض وقسطرة القلب للكبار، بمركز الملك فهد لأمراض وجراحة القلب، كلية الطب جامعة الملك سعود، ورئيس جمعية مكافحة أمراض القلب (نبضات)، لتسليط مزيد من الضوء على هذه الدراسة، بصفته الباحث الرئيسي بها في المملكة العربية السعودية، وأحد الباحثين في الدراسة العالمية.

أوضح الدكتور الحبيب أن الأبحاث السابقة والأبحاث المماثلة ركزت على الدول الغربية والأنظمة الغذائية التي تجمع بين الأطعمة الضارة فائقة المعالجة والأطعمة الغنية بالعناصر الغذائية، بينما كان هذا البحث الحديث عالمي النطاق، وركز على الأطعمة التي تعد صحية بشكل عام، وُجد فيه أن تناول الفاكهة، والخضراوات، والبقوليات، والمكسرات، والأسماك، ومنتجات الألبان كاملة الدسم، يُعد عاملاً أساسياً في تقليل مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، بما في ذلك النوبات القلبية والسكتات الدماغية.

ووجدت الدراسة أيضاً أنه يمكن تحقيق نظام غذائي صحي بطرق مختلفة، مثل تضمين كميات معتدلة من الحبوب الكاملة أو اللحوم غير المصنعة.

وأضاف الأستاذ الدكتور خالد الحبيب، أن الباحثين استخلصوا درجة النظام الغذائي من دراسة «PHRI» المستمرة والواسعة النطاق للوبائيات الحضرية والريفية المستقبلية (PURE)، ثم قاموا بتكرار ذلك في 5 دراسات مستقلة، لقياس النتائج الصحية في مناطق مختلفة من العالم وفي الأشخاص المصابين بأمراض قلبية وعائية سابقة، أو لا يعانون منها.

اختبرت نتائج النظام الغذائي السابقة -بما في ذلك نظام EAT-Lancet Planetary الغذائي ونظام البحر الأبيض المتوسط الغذائي- العلاقة بين النظام الغذائي والأمراض القلبية الوعائية والموت بشكل رئيسي في الدول الغربية.

أضاف الدكتور الحبيب أن هناك تركيزاً متزايداً في الآونة الأخيرة على زيادة استهلاك الأطعمة الوقائية للوقاية من الأمراض، فقد أظهر الباحثون أن الاعتدال هو المفتاح في استهلاك الأطعمة الطبيعية، وأن الكميات المعتدلة من الأسماك ومنتجات الألبان كاملة الدسم ترتبط بانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والوفيات. يمكن تحقيق النتائج الصحية نفسها من خلال الاستهلاك المعتدل للحبوب واللحوم؛ ما دامت حبوباً كاملة غير مكررة، ولحوماً غير مصنعة.

حقائق حول الدراسة

أكد البروفسور خالد الحبيب أن هذه الدراسة تعد الأكثر تنوعاً لنتائج التغذية والصحة في العالم، والوحيدة التي تحتوي أعداداً كافية، مع تمثيل من البلدان المرتفعة والمتوسطة والمنخفضة الدخل، من جميع القارات المأهولة بالسكان في العالم.

كما أن التوصيات الحالية لنظام غذائي عالي الجودة لتجنب أمراض القلب والأوعية الدموية (CVD) تستند إلى حد بعيد على دراسات بدأت منذ عدة عقود، في البلدان ذات الدخل المرتفع، مع معلومات محدودة حول ما يأكله الناس اليوم في جميع أنحاء العالم.

تختلف الأنماط الغذائية بشكل ملحوظ باختلاف مناطق العالم، ولذا فمن غير المعروف ما إذا كانت الاستنتاجات المتعلقة بالنظم الغذائية المستمدة من الدراسات في البلدان ذات الدخل المرتفع والدول الغربية (حيث قد يكون الإفراط في تناول بعض الأطعمة الرئيسية هو المشكلة السائدة) تنطبق على البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط (حيث يعد عدم تناول بعض الأطعمة الرئيسية مصدر قلق كبير).

نتائج رئيسية

النتائج الرئيسية التي نركز عليها هنا أربع، وهي:

> درجة أعلى في النظام الغذائي الصحي المبني على نتائج دراسة «PURE» الذي يشمل الأطعمة التي تشكل جزءاً من درجات النظام الغذائي الأخرى (أي كميات أعلى من الفواكه والخضراوات والمكسرات والبقوليات والأسماك) ولكن هناك عنصراً واحداً لا تحتويه درجات النظام الغذائي الأخرى (الألبان كاملة الدسم) يرتبط بانخفاض مخاطر الوفيات والأمراض القلبية والنوبات القلبية والسكتات الدماغية في جميع أنحاء العالم.

> من المحتمل تحقيق تحسن بنسبة 20 في المائة في جودة النظام الغذائي لدى السكان، وسيصاحب ذلك انخفاض في معدل الوفيات بنسبة 8 في المائة، وخفض في الأمراض القلبية الوعائية بنسبة 6 في المائة.

> تحقق درجة «PURE» أداء أفضل قليلاً من كثير من درجات جودة النظام الغذائي الشائعة الأخرى، مثل درجة النظام الغذائي للبحر الأبيض المتوسط، ومؤشر الأكل الصحي، والنُّهج الغذائية لوقف ارتفاع ضغط الدم (DASH)، ولكنها أفضل بكثير من درجة النظام الغذائي الكوكبي (the Planetary diet score). الأهم من ذلك، على عكس درجات النظام الغذائي السابقة، تم تطوير درجة النظام الغذائي (PURE) وتكرارها في الأشخاص من مناطق متعددة من العالم.

> يتم تكرار النتائج من «PURE» في 5 دراسات أخرى ذات تصميمات ومجموعات مختلفة على مستوى العالم، لدى أولئك الذين يعانون من أمراض الأوعية الدموية أو مرض السكري، وفي غير المصابين به، وفي جميع مناطق العالم، ولكن مع ارتباطات أكثر حدة في المناطق الأفقر من العالم (على سبيل المثال: جنوب آسيا والصين وأفريقيا)؛ حيث تكون درجة النظام الغذائي (PURE) منخفضة. تثير هذه النتائج مفهوم أن تناول كميات منخفضة من الأطعمة الطبيعية الرئيسية (وربما نقص التغذية) بدلاً من تناول كميات كبيرة أو الإفراط في التغذية، قد يكون هو المشكلة الرئيسية في النظام الغذائي فيما يتعلق بالوفيات والأمراض القلبية الوعائية على مستوى العالم. هذا يتحدى المعتقدات الحالية.

نظام غذائي عالمي

إن لهذه الدراسة آثاراً عميقة على النظم الغذائية على مستوى العالم. ويُشار إلى أنه من المتوقع أن تحدث أكبر المكاسب في تجنب الأمراض القلبية الوعائية والوفيات المبكرة على مستوى العالم، من خلال زيادة تناول الأطعمة الصحية إلى درجة معتدلة؛ خصوصاً في مناطق العالم الفقيرة. على هذا الأساس، فإن النصيحة الحالية لتقييد منتجات الألبان (خصوصاً الألبان الكاملة الدسم) بكميات منخفضة جداً في السكان على مستوى العالم، ليست ضرورية أو مناسبة. ومن المرجح أن تكون الزيادة المتواضعة في استهلاكها في البلدان المنخفضة الدخل والبلدان المتوسطة الدخل مفيدة. من المحتمل أن يكون النظام الغذائي المثالي لكل مجموعة سكانية متنوعاً ومعتدلاً، وهي من سمات نظام «PURE» الغذائي.

يوصى بنظام «PURE» على مستوى سكان العالم، ويمكن استخدامه أساساً للتوصيات المتعلقة بما يجب أن يكون عليه النظام الغذائي الصحي على مستوى العالم، ثم تعديله لكل منطقة بناءً على الأنواع المحددة من الأطعمة المتوفرة، وبأسعار معقولة في كل منطقة. ويمكن أن يعالج هذا أيضاً المشكلة الكبيرة المستمرة لنقص التغذية في كثير من البلدان أو حتى الشرائح الأفقر في البلدان ذات الدخل المرتفع.

> كيف يمكن تحقيق نظام غذائي صحي في الأماكن التي يكون فيها الحصول على أقصى درجات جودة النظام الغذائي أمراً صعباً؟

يجيب البروفسور الحبيب بأنه من المتوقع أن يكون للتحسن المتواضع في جودة النظام الغذائي تأثير كبير على صحة السكان، لا سيما البلدان الفقيرة. في الواقع، تُلاحظ أكبر المكاسب في الصحة عندما يتم تحقيق درجة نظام غذائي 4، مع مكاسب صحية إضافية متواضعة مع درجات نظام غذائي أعلى من 4.

يمكن تحقيق درجة النظام الغذائي هذه بعدة طرق يمكن أن تتناسب مع الشخصية أو الثقافة والتفضيلات، ولا يتطلب بالضرورة تضمين أو استبعاد الأطعمة الحيوانية من النظام الغذائي. على سبيل المثال، يمكن للنباتيين الوصول إلى درجة 4 في النظام الغذائي عن طريق استهلاك كثير من الفواكه والخضراوات والبقوليات والمكسرات والحبوب الكاملة ومنتجات الألبان. على العكس من ذلك، يمكن لغير النباتيين تحقيق النتيجة نفسها من خلال استهلاك كثير من الفواكه والخضراوات والبقوليات مع أي من منتجات الألبان أو الأسماك، أو حتى كميات معتدلة من اللحوم الحمراء أو الدواجن.

> إلى أي مدى تتشابه أو تتعارض نتائج هذه الدراسة مع التبني الحالي للنظام الغذائي المتوسطي؟

أوضح البروفسور الحبيب أن النتائج التي تم التوصل إليها حول النظام الغذائي الصحي تتشابه مع نتائج النظام الغذائي الشائعة الأخرى، بما في ذلك النظام الغذائي للبحر الأبيض المتوسط الذي يركز على زيادة الفاكهة والخضراوات والبقوليات والمكسرات والأسماك، مع بعض الاختلافات في تركيزها على أنواع مختلفة من الدهون، واستهلاك منتجات الألبان أو اللحم الأحمر.

تُظهر النتائج التي توصلنا إليها أن نمطاً غذائياً مشابهاً، ولكنه يتضمن أيضاً أغذية الألبان المستهلكة في الغالب كمنتجات ألبان كاملة الدسم، قد يكون له ارتباطات مواتية مع نتائج صحية في سكان العالم.

حمية البحر الأبيض المتوسط مماثلة، باستثناء أنها تشمل منتجات الألبان الكاملة. لقد تضمنت بعض درجات النظام الغذائي الأخرى بما في ذلك البحر الأبيض المتوسط أيضاً الحبوب الكاملة، التي أظهرت في كثير من الدراسات الجماعية ارتباطاً إيجابياً بقلة أحداث الأمراض القلبية الوعائية. في دراستنا، لم تساهم الحبوب الكاملة في فائدة نتيجة النظام الغذائي في التنبؤ بخطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية أو الوفاة. لذلك فإن تضمين كمية معتدلة من الحبوب الكاملة أمر اختياري لاتباع نظام غذائي صحي.

أخيرا، وجه البروفسور خالد الحبيب رسالة إلى عامة الناس، ولصانعي السياسات، بالتوصية الشديدة بتناول كثير من الفواكه والخضراوات والمكسرات والبقوليات، وكمية معتدلة من الأسماك ومنتجات الألبان كاملة الدسم، لتقليل مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والوفيات في جميع مناطق العالم.

وبالنسبة لمناطق العالم الأفقر؛ حيث يكون تناول هذه الأطعمة الطبيعية في أدنى مستوياته، أفاد بأن تحسين تناول حتى 3 أو 4 من هذه الأطعمة من شأنه أن يؤدي إلى حماية ملحوظة. وأكد مرة أخرى أن النتائج التي تم التوصل إليها تشير إلى أن مخاطر الوفيات والأحداث الوعائية لدى البالغين على مستوى العالم، تكون أعلى مع عدم كفاية تناول الأطعمة الواقية.

 

توصيات الدراسة الغذائية

توصي نقاط النظام الغذائي الصحي PURE بمتوسط تناول يومي بمعدل: حصتين إلى ثلاث حصص من الفواكه؛ حصتين إلى ثلاث حصص من الخضار؛ وجبة واحدة من المكسرات؛ وجبتين من منتجات الألبان؛ ثلاث إلى أربع حصص أسبوعية من البقوليات؛ و 2 إلى 3 حصص أسبوعية من الأسماك. تشمل البدائل الممكنة الحبوب الكاملة في وجبة واحدة يوميًا، واللحوم الحمراء أو الدواجن غير المصنعة في حصة واحدة يوميًا.

وأعرب عن شكره وتقديره للجهات الداعمة للدراسة، وهي: جمعية القلب السعودية، وكرسي الشيخ صالح صيرفي لأبحاث أمراض الشرايين التاجية، ومستشفى الدكتور محمد الفقيه.* استشاري طب المجتمع

 


مقالات ذات صلة

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

صحتك فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

ثمة عدة عناصر في دمك تُساعد في تشخيص أي مشكلات قلبية كامنة قد تكون لديك، أو التنبؤ بمدى احتمالات خطر إصابتك بأمراض القلب.

د. حسن محمد صندقجي (الرياض)
صحتك 7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

أمّ تحمل في إحدى يديها طفلاً، وفي الأخرى ملفاً طبياً أثقل من عمره الصغير، تتنقل بين أروقة المستشفيات والعيادات حائرة، تطلق تساؤلات بلا إجابة واضحة

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

يُسوّق البلميط المنشاري بوصفه علاجاً طبيعياً لتضخم البروستاتا، وهو أحد المكملات الغذائية الأكثر مبيعاً.

«الشرق الأوسط» (كمبردج - ولاية ماساتشوستس الأميركية)
يوميات الشرق يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)

هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يمثل شهر رمضان المبارك فرصة للتأمل الروحي وتحسين العادات الغذائية، لكنه يشكل أيضاً تحدياً للجهاز الهضمي والجسم بشكل عام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق خلايا تولد كأنَّ الذاكرة اختارت أن تتأخَّر في الرحيل (شاترستوك)

«المعمّرون الخارقون» يكشفون عن سرّ الدماغ الذي لا يشيخ

يُعرَّف «المعمّر الخارق» بأنه شخص يبلغ 80 عاماً أو أكثر، ويتمتّع بوظائف إدراكية تماثل شخصاً متوسّط المستوى في منتصف العمر تقريباً...

«الشرق الأوسط» (لندن)

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب
TT

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

ثمة عدة عناصر في دمك تُساعد في تشخيص أي مشكلات قلبية كامنة قد تكون لديك، أو التنبؤ بمدى احتمالات خطر إصابتك بأمراض القلب. ولذا تُعدّ هذه العناصر في دمك بمثابة مؤشر على صحة قلبك.

نهج استباقي

ويُعتبر إجراء فحوصات الدم لفهم خطر إصابتك بمرض الشريان التاجي نهجاً استباقياً للحفاظ على صحة قلبك. ولذا من المفيد جداً التعاون مع طبيبك لفهم نتائجك وتحديد الخطوات التالية الأنسب.

ونقدم إليك هنا مزيداً من التوضيحات حول تلك الفحوصات القلبية التي يتم التعرُّف عليها من خلال تحاليل الدم:

1. التروبونين: وهو الاختبار الأكثر شيوعاً لتشخيص الإصابة بنوبة الجلطة القلبية. التروبونين Troponin مادة تُفرزها أنسجة القلب عند تعرضها للتلف، وهو ما يحدث في أثناء النوبة القلبية وحالات أخرى تتعرض فيها أنسجة عضلة القلب للتلف بفعل الالتهابات العضلية. والتروبونين مركب بروتيني موجود في عضلة القلب والعضلات الهيكلية، وهو يُنظم انقباضها.

وعند تلف عضلة القلب، تُفرز أنواع محددة من التروبونين القلبي في مجرى الدم، ما يجعل فحص الدم أداة تشخيصية أساسية للنوبات القلبية والإصابات والإجهاد. وترتفع مستويات التروبونين عادة خلال 3-4 ساعات من الإصابة، تبلغ ذروتها خلال 12- 48 ساعة، وقد تبقى مرتفعة لمدة أسبوع إلى أسبوعين. ولذا فإن الغرض من إجراء تحليل التروبونين هو قياس مدى حصول تلف في أنسجة عضلة القلب، وخصوصاً في قسم الطوارئ لتشخيص سبب الشكوى من ألم الصدر، الذي من أسبابه القلبية كل من: احتشاء عضلة القلب (نوبة الجلطة القلبية Myocardial Infarction)، والذبحة الصدرية غير المستقرة Unstable Angina، والتهاب عضلة القلب Myocarditis.

ولذا، فإن الأعراض التي تستدعي إجراء الفحص تشمل ألماً في الصدر، وضيقاً في التنفس، ودواراً، وغثياناً، وألماً ينتشر إلى الذراعين أو الظهر أو الرقبة. ويقوم الطبيب بتفسير النتيجة وفق حالة المريض. وفي حين أن المستويات المرتفعة جداً غالباً ما تشير إلى نوبة قلبية، فإن الارتفاعات المتوسطة قد تنتج عن انسداد الجلطة في الشرايين الرئوية Pulmonary Embolism، أو أمراض الكلى المزمنة، أو تسمم الدم بالالتهابات الميكروبية (الإنتان)، أو إنها نتيجة ممارسة التمارين الرياضية الشاقة. ولذا يتطلب ارتفاع التروبونين إجراء مزيد من التقييم لشرايين القلب، لتحديد ما إذا كان الضرر ناتجاً عن متلازمة الشريان التاجي الحادة Acute Coronary Syndrome أو عوامل أخرى.

2. تحليل الدم دي-دايمر D-DIMAR: ودي-دايمر هي بالأساس بروتينات معينة في الدم يتم فحص مستواها لاستبعاد حصول بعض اضطرابات التخثر الدموي، أي استبعاد وجود جلطة دموية خطيرة. وهي بالأساس شظايا من المركَّبات الكيميائية التي ترتفع نسبتها في الدم عند تحلل خثرة الجلطة الدموية. ولذا قد ترتفع مستويات دي-دايمر في الدم إذا كنت تعاني من جلطة كبيرة داخل أحد الأوعية الدموية الكبيرة في «داخل» الجسم، مثل تخثر جلطة الأوردة العميقة، وهي جلطة في الأوردة العميقة التي في الساقين أو الفخذين، ويمكن أن تؤدي إلى مشكلات خطيرة في الرئة إذا انتقلت مع الدم إلى الأوعية الدموية في الرئة (جلطة الانسداد الرئوي).

وحينما يستقبل الطبيب حالة تتضمن تورماً وألماً واحمراراً في إحدى الساقين أو الفخذين (يشتبه بجلطة أوردة عميقة)، أو حالة من الشكوى من صعوبة في التنفس مع سرعة نبضات القلب وألم في الصدر وسعال وانخفاض في نسبة الأكسجين في الدم (يشتبه بجلطة الانسداد الرئوي)، فإن الطبيب ضمن الفحوصات التي يطلبها آنذاك، قد يطلب تحليل الدم لمعرفة مستوى دي-دايمر. وإذا كانت النتيجة منخفضة أو طبيعية، فهذا يعني أن دمك يحتوي على مستويات منخفضة من بروتين دي-دايمر. ولذا فمن «غير المُرجح» أن تكون مصاباً باضطراب تخثر في مكان ما من جسمك. وإذا كانت النتيجة مرتفعة أو إيجابية، فهذا يعني وجود مستويات عالية من بروتين دي-دايمر في دمك. وسيحتاج الطبيب حينئذ إلى إجراء مزيد من الفحوصات والتصوير لمعرفة ما إذا كانت ثمة جلطة دموية، ومكانها، وسببها.

ومع ذلك سيُراعي الطبيب احتمالات وجود حالات وعوامل قد تؤثر على نتائج اختبار دي-دايمر؛ حيث من الممكن أن يكون مستوى دي-دايمر مرتفعاً دون وجود جلطة دموية. أو قد تكون النتيجة المرتفعة أيضاً نتيجة التقدم في السن، أو الحمل، أو وجود عدوى ميكروبية في الجسم، أو أمراض مزمنة في الكبد، أو ارتفاع مستوى الكوليسترول والدهون في الدم، أو تناول أدوية ترفع من نسبته في الدم، مثل الأدوية المضادة للصفيحات مثل الأسبرين، وكلوبيدوغريل (بلافيكس)، وبراسوغريل (إفيينت)، وتيكاجريلور (بريلينتا).

مؤشرات خطر

3. الكوليسترول والدهون الثلاثية: توصي النصائح الطبية ببدء إجراء تحليل الدم لفحص الكوليسترول بين سن 20 و35 عاماً، وذلك اعتماداً على عوامل الخطر الخاصة بك للإصابة بأمراض القلب. ولذا يجب إجراء اختبار الكوليسترول المتكرر أو إجراء مراقبة إضافية أخرى:

- إجراء الاختبار مرة كل 5 سنوات للرجال الذين لديهم مستويات كوليسترول طبيعية.

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا حدثت تغييرات في نمط الحياة (بما في ذلك زيادة الوزن والنظام الغذائي).

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا كنت تعاني من مرض السكري، أو ارتفاع ضغط الدم، أو أمراض القلب، أو السكتة الدماغية، أو مشكلات تدفق الدم في الساقين أو القدمين أو بعض الحالات الأخرى.

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا كنت تتناول أدوية للتحكم في ارتفاع الكوليسترول.

ويقدم تحليل الدم المعتاد للكوليسترول والدهون، نتائج 4 عناصر، هي:

- الكوليسترول الثقيل HDL: وهو الكوليسترول الحميد؛ لأنه كلما ارتفع في الدم انخفضت احتمالات الإصابة بأمراض الشرايين القلبية.

- الكوليسترول الخفيف LDL: وهو الكوليسترول الضار؛ لأنه كلما ارتفع في الدم، ارتفعت احتمالات الإصابة بأمراض الشرايين القلبية.

- الدهون الثلاثية TG: وعند ارتفاعها مع ارتفاع الكوليسترول الخفيف أو انخفاض الكوليسترول الثقيل، ترتفع احتمالات تراكم الكوليسترول والدهون في جدران الشرايين.

- الكوليسترول الكلي TC: وهو محصلة قياس تلك العناصر الثلاثة في نتائج تحليل الكوليسترول.

وفي تقييم عموم الناس، يُجرى تحليل الدم للكوليسترول دون الحاجة للصوم Non-Fasting. ولكن في متابعة مرضى الشرايين القلبية، والمرضى الذين يعانون من متلازمة التمثيل الغذائي Metabolic Syndrome (عند وجود 3 من المؤشرات التالية: زيادة محيط البطن- ارتفاع الدهون الثلاثية- انخفاض الكوليسترول الثقيل- ارتفاع ضغط الدم- ارتفاع السكر A=في الدم) أو مرض السكري، أو مرضى اضطرابات الكوليسترول، يجب أخذ عينة الدم للتحليل بعد الصوم (لمدة تتراوح ما بين 9 و12 ساعة).

4. الببتيد الدماغي المدر للصوديوم BNP: وهذا نوع من البروتينات التي ينتجها القلب والأوعية الدموية، ويُعرف أيضاً بـ«النوع (بي) من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم». والأساس في عمله أنه يساعد الجسم على التخلص من السوائل المتراكمة فيه، وكذلك على إرخاء الأوعية الدموية، وتسهيل نقل الصوديوم إلى البول (كي يسحب معه مزيداً من الماء الخارج في سائل البول).

وفي حال تضرر القلب -وخصوصاً ضعف قوة القلب- يفرز الجسم نِسَباً عالية من النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم في مجرى الدم، وذلك في محاولة لتخفيف الضغط على القلب. ويتمثل أحد أهم استخدامات فحص النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم في محاولة تحديد ما إذا كان ضيق النَّفَس ناجماً عن فشل القلب أم لا.

تختلف مستويات النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم حسب السن ونوع الجنس والوزن. وبالنسبة للأشخاص المصابين بفشل القلب، يمكن أن يكون إرساء قيمة قاعدية للنوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم نافعاً جداً. وبالتالي، يمكن للاختبارات المستقبلية أن تساعد على تقدير مدى نجاح العلاج، أو مدى الانتكاس في التحكم في تداعيات حالة ضعف القلب. وأهم تلك التداعيات هو تراكم كثير من السوائل في الجسم، وخصوصاً الرئتين والساقين.

أدوات تشخيصية أساسية للنوبات القلبية أو وجود جلطة دموية خطيرة

رصد الالتهابات

5. البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية us-CRP: وهو بروتين يفرزه الكبد ضمن استجابة الجسم للإصابة أو العدوى. وتؤدي هذه الاستجابة إلى حدوث تورُّم داخل الجسم يُطلق عليه الالتهاب. ويؤدي الالتهاب دوراً رئيسياً في تراكم اللويحات (المحتوية على الكوليسترول والدهون) في الشرايين القلبية، مسبباً ما يُطلق عليه مرض تصلب الشرايين الذي من مظاهره تضيقات الشرايين القلبية وتداعياتها. ويساعد اختبار تحديد معدل البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية في تحديد مدى خطر الإصابة بأمراض القلب، قبل ظهور الأعراض بشكل واضح لدى المريض.

ويرتبط ارتفاع مستويات البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية بزيادة خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتة الدماغية والأمراض القلبية.

ولكن قد تُسبب أشياء عدة (مثل الإصابة بنزلة زكام، أو الركض لمسافة طويلة) ارتفاع مستويات البروتين المتفاعل «سي» لفترة وجيزة. ولذا، ينبغي إجراء الاختبار مرتين، على أن يفصل بينهما أسبوعان. ويُشير ارتفاع مستوى البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية عن 2.0 ملِّيغرام لكل لتر (ملغم/ لتر) إلى زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب.

6. تحاليل أخرى: في حالات معينة، قد يطلب الطبيب إجراء تحليل الدم لوظائف الغدة الدرقية TSH، عند الشكوى من الخفقان أو تراكم السوائل حول القلب.

كما قد يطلب تحليل تراكم السكر في الهيموغلوبين HbA1c، لمعرفة مدى انضباط مستويات سكر الدم لدى مرضى السكري.

وقد يطلب الطبيب قياس مستويات السيراميد Homocysteine في الدم الذي قد يرتبط ارتفاعه بتصلب الشرايين. وأيضاً يتابع طبيب القلب نتائج تحليل وظائف الكلى؛ خصوصاً عند وصفه للمريض أدوية إدرار البول.

وفي حالات المرضى الذين يتلقون دواء منع تجلط الدم، مثل الوارفارين، يتابع الطبيب نتائج تحليل نسبة التخثر الدولية INR لتحديد الجرعة المناسبة من هذا الدواء.وأيضاً إجراء تحليل الدم CBC لمعرفة نسبة الهيموغلوبين ومدى وجود فقر الدم.

وينظم فيتامين «دي» مستويات الكالسيوم والفوسفات في الجسم. ولكن ترتبط المستويات المنخفضة من فيتامين «دي» بمخاطر متنوعة على صحة القلب. كما قد تشير المستويات المنخفضة إلى صعوبة تحمل أدوية الستاتين (أدوية خفض الكوليسترول) وإلى احتمال ارتفاع ضغط الدم.


لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟
TT

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

كشفت دراسة جديدة لباحثين من كلية الطب بجامعة ستانفورد بالولايات المتحدة، ونُشرت في 9 فبراير (شباط) الحالي في مجلة علم الأعصاب «Journal of Neuroscience»، عن احتمالية أن يكون السبب في صعوبة تعلم الرياضيات math راجعاً إلى أسباب عصبية في الأساس تؤدي إلى اختلاف الطريقة التي يعمل بها المخ في كل طفل.

«عُسر الحساب»: مشكلة شائعة

من المعروف أن صعوبة تعلم الرياضيات تُعد من المشكلات الشائعة في التعليم، وعلى وجه التقريب في معظم المجتمعات، تعاني نسبة من السكان تتراوح بين 3 إلى 7 في المائة من صعوبة تعلم مادة الرياضيات، أو ما يُسمى عسر الحساب dyscalculia، الذي يشمل صعوبات في فهم ومقارنة الكميات، وتعلم العدّ، وفهم رموز الأرقام، وتعلم المهارات الرياضية المختلفة مهما كانت بسيطة.

أوضح الباحثون أن القدرة على حل المسائل الرياضية، والتعامل مع الأرقام يحتاجان إلى مهارات عصبية متعددة، مثل المعالجة البصرية (من خلال إرسال الإشارات إلى المخ لترجمة الأرقام إلى كميات معينة، وأيضاً ترجمة الرموز المختلفة، مثل الجمع، والطرح، والضرب)، والذاكرة قصيرة المدى (للاحتفاظ بتفاصيل المسألة الرياضية أثناء حلها).

قام الباحثون بإجراء الدراسة على 87 طفلاً من أطفال الصفين الثاني والثالث في المدارس الأميركية يتراوح متوسط أعمارهم بين 7 و9 أعوام. ومنهم 34 طفلاً يعانون من صعوبات في تعلم الرياضيات، إذ حصلوا على متوسط درجات أقل من أقرانهم بشكل ملحوظ في اختبار لقياس قدرة الطالب العادي على حل المسائل الرياضية. أما بقية الأطفال الآخرين فقد حصلوا على درجات أعلى، مما يشير إلى قدرة طبيعية على تعلم الرياضيات.

اختار الباحثون مهمة معينة لاختبار القدرة على التعامل مع الأرقام، حيث طُلب من الأطفال إكمال سلسلة من المقارنات البسيطة لحل مسائل حسابية، وفي كل محاولة تتم المقارنة بين كميتين، وكان عليهم تحديد أي الكميتين أكبر، وذلك لتقييم الاختلافات في نشاط المخ أثناء تعاملهم مع الأرقام، وتم عمل أشعة رنين مغناطيسي لكل الأطفال المشاركين، لرصد نشاط المخ أثناء قيام الأطفال بحل المسائل.

في كل محاولة كانت الكميات تُعرض بشكل مختلف، وعلى سبيل المثال تُعرض على صورة أرقام مكتوبة، وفي أحيان أخرى كانت تُعرض على شكل مجموعات من النقاط، ما يتطلب من الطفل تقدير المجموعة التي تحتوي على عدد أكبر من العناصر بسرعة. وكان هدف العلماء من التبديل بين مجموعة الأرقام ومجموعات النقاط تقييم قدرة الطفل على التعامل مع الحسابات، وتوقع الإجابة بمجرد الرؤية.

قام الباحثون بتصميم المسائل بحيث تتضمن مسائل سهلة (التي يوجد بها فارق كبير بين الأرقام، وبالتالي تكون الإجابة واضحة، مثل 7 مقابل 2)، وأخرى صعبة (التي يوجد بها فارق بسيط يفصل بين الأرقام مثل 6 مقابل 7)، وبالتالي تكون الإجابة أكثر صعوبة.

دراسة أداء الأطفال

بدلاً من التركيز فقط على صحة الإجابات، أو خطئها، ركز الفريق البحثي على معرفة الكيفية التي تغير بها أداء كل طفل، في المحاولات المختلفة، عن طريق مراقبة هل يقوم الطفل بتعديل أسلوبه بعد ارتكاب الأخطاء من عدمه؟ ومدى حرصه على تحديد الرقم الأكبر، سواء في المسائل السهلة، أو الصعبة، ومدى سرعة اكتشافه لأخطائه، وإبطاء وتيرة الحل في المسألة التالية بعد ارتكاب الخطأ، وهي كلها أمور أساسية في تعلم الرياضيات، أو التعامل مع الأرقام بشكل عام.

وفي المسائل المتعلقة بالرموز العددية، كان الأطفال من ذوي القدرات الرياضية الطبيعية أكثر تباطؤاً عند إجراء المقارنات الصعبة بين الأرقام المتقاربة، مقارنة بالمقارنات السهلة. وفي المقابل لم يقم الأطفال الذين يعانون من صعوبات في تعلم الرياضيات بتغيير طريقة تفكيرهم بنفس القدر أثناء حل المسائل، بمعنى أنهم لم يحاولوا التباطؤ، أو تغيير سلوكهم في المسائل الصعبة، وبالتالي ساهم ذلك في ارتكابهم للأخطاء.

أظهرت النتائج نمطاً ثابتاً للمجموعتين، حيث كان الأطفال الذين يواجهون صعوبة في الرياضيات أقل ميلاً لتغيير طريقة حلهم بعد الخطأ في حل المسألة، حتى عندما ارتكبوا أنواعاً مختلفة من الأخطاء، ولم يقوموا بتغيير طريقة تفكيرهم استجابة لهذه الأخطاء. وكانت هذه الصعوبة في تعديل السلوك بمرور الوقت فرقاً جوهرياً بين الأطفال ذوي القدرات الرياضية الطبيعية، والذين يواجهون صعوبات في تعلم الرياضيات.

وأوضحت فحوصات أشعة الرنين المغناطيسي أن الأطفال الذين واجهوا صعوبة أكبر في تعلم مادة الرياضيات أظهروا نشاطاً أضعف في المناطق المسؤولة عن مراقبة الأداء، وتعديل السلوك في القشرة المخية، وفي الأغلب ترتبط هذه المناطق العصبية بالتحكم المعرفي، ما يعني القدرة على تقييم الأخطاء، وتغيير طرق التفكير، والمساعدة في اتخاذ القرارات، والتحكم في الاندفاع، والتكيف مع المعلومات الجديدة.

تشير النتائج إلى أن صعوبات الرياضيات قد لا تنبع فقط من مشكلات في مجرد التعامل مع الأرقام، بل قد يواجه بعض الأطفال صعوبة في مراجعة عمليات تفكيرهم أثناء حلّهم للمسائل، لأن القدرة على إدراك الخطأ وتجربة أسلوب جديد تُعد أمراً أساسياً في حل المسائل الرياضية.

في النهاية، أكد الباحثون على ضرورة الاهتمام بمشكلة صعوبة تعلم الرياضيات على وجه التحديد، وعدم التعامل معها كما لو كانت مجرد تراخٍ، وإهمال دراسي، خاصة في الطفولة المبكرة، لأن مخ الأطفال لا يزال في طور النمو، ما يُتيح لهؤلاء الأطفال اكتساب المهارات، وتطوير القدرات اللازمة للتكيف مع هذه الحالة من خلال برامج تعليمية فردية.

• استشاري طب الأطفال


حين يكتشف الذكاء الاصطناعي تسوّس الأسنان

حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
TT

حين يكتشف الذكاء الاصطناعي تسوّس الأسنان

حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته

في عيادة أسنان رقمية حديثة، تظهر صورة أشعة جانبية للأسنان الخلفية على الشاشة. وخلال ثوانٍ، يحدد النظام المدعوم بالذكاء الاصطناعي منطقة مظللة ويعرض تقديراً رقمياً: «احتمال تسوّس 87 في المائة». وفي تلك اللحظة القصيرة، يتحول الرقم من نتيجة تحليل بصري إلى عنصر مؤثر في القرار العلاجي.

لم يعد التشخيص قائماً على قراءة الطبيب وحده، بل أصبح نتيجة تفاعل بين الخوارزمية والخبرة السريرية والسياق الصحي للمريض. وهنا لا نتعامل مع أداة تشخيصية إضافية فحسب، بل مع تحول هادئ في بنية اتخاذ القرار داخل العيادة.

بماذا تخبرنا أبحاث 2026؟

شهدت السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً في استخدام نماذج التعلم العميق لتحليل الصور الشعاعية للأسنان، ففي دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «المراجعة اليابانية لعلم الأسنان» (Japanese Dental Science Review)، أظهر باحثون أن أنظمة تعتمد على التصوير بالهواتف الذكية المدعوم بالذكاء الاصطناعي استطاعت تحسين معدلات كشف التسوّس، خصوصاً في البيئات محدودة الموارد الصحية.

غير أن الدراسة نفسها أشارت إلى أن الأداء التشخيصي لا يعتمد على الخوارزمية وحدها، بل يتأثر بجودة الصورة، ومستوى الإضاءة، ونوع الجهاز المستخدم، وخبرة من يلتقط الصورة. وهو ما يؤكد أن الدقة المعلنة ليست قيمة ثابتة، بل نتيجة تفاعل معقد بين التقنية والبيئة السريرية.

وفي دراسة حديثة اخرى نُشرت مطلع عام 2026 في مجلة «الطب الرقمي» (npj Digital Medicine) الصادرة عن مجموعة «نيتشر»، حذّر باحثون من «يونيفرسيتي كوليدج لندن» من الاعتماد غير المشروط على نماذج تحليل الصور الطبية دون مراقبة مستمرة لأدائها بعد التطبيق السريري، مؤكدين أن فاعلية الأنظمة قد تتغير مع اختلاف السكان وأنماط المرض.

تحوّل التوزيع: التحدي الصامت

يصف علماء الذكاء الاصطناعي هذه الظاهرة بما يُعرف بتحول التوزيع (Distribution Shift)، حيث يتعلم النموذج من بيانات ذات خصائص محددة، ثم يُستخدم لاحقاً في بيئات تختلف من حيث الأجهزة أو خصائص المرضى أو انتشار الأمراض.

قد يُدرَّب النظام على صور عالية الجودة في مركز أكاديمي متقدم، ثم يُستخدم في عيادة مجتمعية بإمكانات تصوير مختلفة. في هذه الحالة، قد تنخفض الدقة تدريجياً دون ظهور إنذار واضح، مما يجعل الخطأ يتسلل بصمت إلى الممارسة اليومية.

الخطر هنا لا يكمن في الخطأ المفاجئ، بل في الثقة المستمرة بنظام تغيّر أدائه دون أن نلاحظ.

حين تحاط الخوارزميات بسياج الأخلاق

انحياز البيانات وعدالة التشخيص

تناولت مراجعات حديثة في «مجلة طب الأسنان البريطانية المفتوحة» (BDJ Open) قضية انحياز البيانات في أنظمة كشف التسوّس. فالخوارزميات تتعلم مما يُقدَّم لها؛ وإذا جاءت بيانات التدريب من مجموعات سكانية محدودة، فقد لا يكون الأداء متكافئاً عند تطبيقها على مجتمعات مختلفة.

وهنا يظهر سؤال أخلاقي جوهري: هل يحصل جميع المرضى على جودة تشخيص متساوية؟ أم أن الفوارق غير المرئية داخل البيانات قد تعيد إنتاج تفاوتات صحية قائمة؟

الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على توسيع الوصول إلى الرعاية، لكنه قد يعكس تحيزاتنا البشرية إن لم يُصمم ويُختبر بعناية.

الصندوق الأسود ومسؤولية الطبيب

لا يزال كثير من نماذج التعلم العميق تعمل بوصفها «صناديق سوداء»، تقدم توصيات دون تفسير واضح لمسار القرار. وعندما يشير النظام إلى تسوّس غير موجود أو يفشل في اكتشاف آفة مبكرة، تبقى المسؤولية المهنية والقانونية في نهاية المطاف على عاتق الطبيب.

إن دخول الخوارزمية إلى صلب القرار لا يلغي الحكم السريري، لكنه يعيد توزيع مصادر النفوذ المعرفي داخل العيادة، مما يجعل الحاجة ملحّة لتطوير أنظمة تفسيرية تدعم القرار البشري بدل أن تستبدله.

مَن يتحمل الخطأ عندما تصمت الخوارزمية؟

الخطر ليس في الخطأ... بل في التصميم

الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان ليس منافساً للطبيب، بل أداة قد تعزز دقة التشخيص وتحسن الوصول إلى الرعاية. غير أن الخطر الحقيقي يظهر عندما تُعامل نتائج الدراسات بوصفها ضماناً مطلقاً للأداء في كل سياق سريري.

ما نحتاج إليه ليس خوارزمية معصومة، بل منظومة تجعل الخطأ مرئياً، وحدود الاستخدام واضحة، وآليات المراجعة مستمرة.

إن القرار العلاجي يظل فعلاً إنسانياً يتحمل تبعاته من يتخذه، عندما تصبح التقنية شريكاً وليس بديلاً.

يبقى التسوّس مرضاً بيولوجياً، لكن التعامل معه قرار سريري وأخلاقي في آن واحد. والذكاء الحقيقي لا يتمثل في الثقة العمياء بالخوارزمية، بل في القدرة على استخدامها بوعي نقدي، ومعرفة متى نتفق معها... ومتى نعيد النظر في توصياتها.. في النهاية، قد تقرأ الآلة الصورة بدقة متزايدة، لكن مسؤولية فهم الإنسان الذي خلف الصورة ستبقى مهمة الطبيب.