إيران تستبعد نجاح التفاوض مع أميركا في ظل «الضغوط والتهديدات»

بوتين يعلن استعداد موسكو للمساعدة في التوسط لإنهاء الحرب

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان (أ.ف.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان (أ.ف.ب)
TT

إيران تستبعد نجاح التفاوض مع أميركا في ظل «الضغوط والتهديدات»

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان (أ.ف.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان (أ.ف.ب)

اعتبر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الجمعة، أن نجاح المباحثات الرامية إلى إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة يبقى رهناً بغياب «الضغط والتهديدات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال بزشكيان، في كلمته خلال قمة رابطة الدول المستقلة في تركمانستان: «إن الحوار لا يكتسب معنى، ولا تتوافر له فرص النجاح إلا إذا قام على الاحترام المتبادل والالتزامات المتبادلة، وإذا كان خالياً من الضغوط والتهديدات».

وكان بزشكيان قد التقى، الخميس، نظيره الروسي فلاديمير بوتين بعد وصولهما إلى تركمانستان للمشاركة في قمة رابطة الدول المستقلة، وهي منظمة تضم جمهوريات سوفياتية سابقة. وانطلقت القمة، الجمعة، في منتجع أفازا المطل على بحر قزوين. وتُعد إيران وروسيا من أكثر دول العالم خضوعاً للعقوبات.

وقال بوتين، وفق ما نقلت وكالات أنباء روسية: «نحن مستعدون لبذل كل ما في وسعنا للإسهام في تسوية هذا الوضع»، معتبراً أن إيران بذلت «جهوداً حقيقية لإنهاء الحرب» التي اندلعت مع ضربات أميركية-إسرائيلية عليها في 28 فبراير (شباط).

وأشاد بـ«التطور الإيجابي» في العلاقات بين روسيا وإيران اللتين عززتا روابطهما الدبلوماسية والعسكرية منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022.

جمود وتعثّر

واتهمت كييف والدول الغربية إيران بتزويد روسيا بطائرات «شاهد» المسيّرة وصواريخ قصيرة المدى استخدمتها لضرب أوكرانيا، في حين اتُّهمت روسيا بتزويد طهران ببيانات لتحديد الأهداف من أجل ضرب المصالح الأميركية في الشرق الأوسط.

وسبق أن التقى الرئيسان في سبتمبر (أيلول) على هامش قمة «منظمة شنغهاي للتعاون» في قرغيزستان، وقبل ذلك في تركمانستان في ديسمبر (كانون الأول) 2025.

وكان الرئيس الروسي أبلغ نظيره الإيراني خلال اتصال هاتفي، الأربعاء، استعداد بلاده للمساعدة في التوسط لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، حسب وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا).

وجاء الاتصال وتالياً اللقاء بين الرئيسَين في ظلّ جمود يخيّم على المحادثات بين إيران والولايات المتحدة، وبعدما صرّح بزشكيان هذا الأسبوع بأن المفاوضات مع واشنطن أصبحت «بلا معنى».

كما أن الجهود الدبلوماسية لتسوية النزاع في أوكرانيا متعثرة، وسط تصعيد الطرفين ضرباتهما المتبادلة، في حين أبلغ مصدران أميركيان «وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس، أن مبعوثَي الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيبحثان مع المفاوضين الأوكرانيين في ميامي، الجمعة، «أفكاراً جديدة» لإنهاء الحرب.

«مناقشات مثمرة» أم لا؟

ونقلت وسائل إعلام رسمية إيرانية عن بزشكيان قوله خلال لقائه بوتين إن بلاده «منخرطة في الحوار، لكن الولايات المتحدة تعاود الهجوم في كل مرة نتفاوض معها».

واستبعد ترمب، الخميس، شنّ هجوم جديد على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقرّرة في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)، قائلاً إن واشنطن تُجري «مناقشات مثمرة» مع طهران.

وقال بزشكيان إن طهران ترغب في رؤية «إطار نهائي» لإنهاء الحرب، لكنه اتهم الولايات المتحدة بـ«السعي إلى فرض سياساتها ورؤيتها على جميع الدول». وأضاف: «إذا أصرت واشنطن على اتباع نهج أحادي الجانب، فلن يكون التوصل إلى حل ممكناً».

وقال مستشار الكرملين يوري أوشاكوف إن لقاء بوتين وبزشكيان خلال قمة رابطة الدول المستقلة يشكّل واحداً من عدة اجتماعات ثنائية مقرّرة على هامش القمة.

وفضلاً عن بوتين وبزشكيان، يشارك في القمة قادة أرمينيا وأذربيجان وبيلاروسيا وتركمانستان ودول أخرى من آسيا الوسطى.

دائرة نفوذ

وأُنشئت «رابطة الدول المستقلة» في 1991، بهدف الحدّ من تداعيات انهيار الاتحاد السوفياتي والحفاظ على الروابط بين جمهورياته السابقة.

وقال جانيبيك أرينوف، الباحث في المسائل الجيوسياسية في آسيا الوسطى والمقيم في كازاخستان، إن «الهدف كان تسوية المشكلات» بين هذه الجمهوريات «على غرار المسائل الاقتصادية وبعض المشكلات السياسية ومسائل الحكم»، مشيراً إلى أن الرابطة «أدت دوراً مهماً في التسعينات، لكنها لم تتطور فعلياً منذ ذلك الحين».

وانسحبت عدة دول منها لاحقاً، فغادرتها جورجيا بعد حربها مع روسيا (2008)، وعلّقت أوكرانيا مشاركتها عقب ضم موسكو شبه جزيرة القرم في عام 2014، فيما انسحبت مولدوفا عام 2023، سعياً لتعزيز علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي.

وأوضح تيمور عمروف، الباحث في مركز كارنيغي لروسيا وأوراسيا في برلين، أن موسكو التي لا تزال تضطلع بدور مهيمن في المنطقة، تعتبر أن «رابطة الدول المستقلة تظهر أن لروسيا دائرة نفوذها الخاصة التي تعززها هذه المنظمة وتضفي عليها طابعاً مؤسساتياً».

إلا أن عدداً من دول الرابطة تسعى لتنويع شراكاتها الاقتصادية والدبلوماسية، ولا سيما عبر تعزيز علاقاتها مع بكين والدول الغربية.

وقال أرينوف: «حتى لو قررت روسيا استخدام هذه المنصة لبث خطاب معادٍ للغرب أو معادٍ لأوكرانيا، فهذا لا يعني أن الأعضاء الآخرين سيؤيدون موقفها تلقائياً».


مقالات ذات صلة

قاليباف: ليس ممكناً إحراز تقدم إلا عند تلبية شروط إيران السبعة

شؤون إقليمية قاليباف يترأس اجتماعاً للمشرعين عبر الإنترنت نهاية سبتمبر الماضي (البرلمان الإيراني)

قاليباف: ليس ممكناً إحراز تقدم إلا عند تلبية شروط إيران السبعة

قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إن طهران ‌أبلغت شروطها إلى الوسطاء مراراً وبوضوح، وإنه لا يمكن إحراز تقدم ‌إلا ‌إذا تمت تلبية ‌شروطها ‌السبعة.

شؤون إقليمية قائد الجيش الإيراني أمير حاتمي خلال مقابلة صحافية من مصنع للطائرات المسيّرة في موقع مجهول (أرنا)

شبكة عسكرية إيرانية تجلب سراً العتاد لتجاوز الحصار

سخّرت إيران شبكة عسكرية ومالية تضم 5000 كيان لجلب مكونات ومتفجرات وشاحنات ثقيلة ضرورية لبرامجها للطائرات المسيرة والصواريخ، حتى خلال الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينزل من طائرة الرئاسة في مطار مدينة شارلوت في ولاية كارولاينا الشمالية يوم 29 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

ترمب: فانس تواصل مع إيران لمساعدتها في الحصول على إمدادات طبية

قال ‌الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن تواصل نائبه جي دي فانس مع إيران كان بهدف مساعدة طهران في الحصول على إمدادات طبية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية حركة المرور تظهر أمام صور للمرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي في طهران (أ.ف.ب) p-circle

ضغوط على إيران لتقديم تنازلات نووية وسط تلويح بضربات واسعة بعد الانتخابات النصفية الأميركية

كشفت ثلاثة مصادر أميركية وإسرائيلية وإقليمية عن أن وسطاء إقليميين، تقودهم قطر، يكثفون جهودهم للتوصل لاتفاق دبلوماسي يمهّد لاستئناف المفاوضات بين واشنطن وطهران

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الخليج نائب وزير الخارجية الكويتي حمد المشعان خلال استقباله السفير الإيراني محمد توتونجي الأربعاء (الخارجية الكويتية)

الكويت تحتج على تدخل إيران في أحكام قضائية بإعدام 3 متهمين

استدعت وزارة الخارجية الكويتية السفير الإيراني لدى البلاد محمد توتونجي، وسلمته مذكرة احتجاج رسمية على بيان أصدرته السفارة بشأن أحكام قضائية بإعدام 3 متهمين.

ميرزا الخويلدي (الكويت)

نتنياهو يكثف تحريضه على الأحزاب العربية


إسرائيليون متشددون يحتجون أمس ضد تجنيدهم في الجيش ويتصادمون مع الشرطة  (أ.ف.ب)
إسرائيليون متشددون يحتجون أمس ضد تجنيدهم في الجيش ويتصادمون مع الشرطة (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو يكثف تحريضه على الأحزاب العربية


إسرائيليون متشددون يحتجون أمس ضد تجنيدهم في الجيش ويتصادمون مع الشرطة  (أ.ف.ب)
إسرائيليون متشددون يحتجون أمس ضد تجنيدهم في الجيش ويتصادمون مع الشرطة (أ.ف.ب)

كثف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أمس (الخميس)، من التصعيد ضد الناخبين العرب الحاملين للجنسية الإسرائيلية وأحزابهم، وكال لهم اتهامات بتلقي رشى وأموال انتخابية من الخارج، مشككاً في إنجاز أحزابهم التاريخي في انتخابات الكنيست، وزاعماً أنهم «سرقوا الانتخابات»، في ادعاءات قوبلت برفض واسع.

وذكرت مصادر سياسية أن حملة نتنياهو تستهدف في المقام الأول إبعاد منافسه قائد الجيش السابق وزعيم حزب «يشار»، غادي آيزنكوت، عن التعويل على تشكيل حكومة مع الأحزاب العربية التي ضاعفت مقاعدها تقريباً مقارنةً بانتخابات عام 2022.

ودعا وزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير إلى اعتقال رؤساء الأحزاب العربية، مستنداً إلى مزاعم بتلقي تمويل قطري، وهو ما نفته الدوحة بشكل قاطع. وشدد المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، على أن هذه الاتهامات الباطلة «تجمع بين العبثية والخطورة»، وأن بلاده ترفض أن تكون «كبش فداء لإخفاقات بعض السياسيين الإسرائيليين».


قاليباف: ليس ممكناً إحراز تقدم إلا عند تلبية شروط إيران السبعة

قاليباف يترأس اجتماعاً للمشرعين عبر الإنترنت نهاية سبتمبر الماضي (البرلمان الإيراني)
قاليباف يترأس اجتماعاً للمشرعين عبر الإنترنت نهاية سبتمبر الماضي (البرلمان الإيراني)
TT

قاليباف: ليس ممكناً إحراز تقدم إلا عند تلبية شروط إيران السبعة

قاليباف يترأس اجتماعاً للمشرعين عبر الإنترنت نهاية سبتمبر الماضي (البرلمان الإيراني)
قاليباف يترأس اجتماعاً للمشرعين عبر الإنترنت نهاية سبتمبر الماضي (البرلمان الإيراني)

قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، اليوم ‌الخميس، ‌إن ​طهران ‌أبلغت شروطها إلى ​الوسطاء مراراً وبوضوح، وإنه لا يمكن إحراز تقدم ‌إلا ‌إذا ​تمت تلبية ‌شروطها ‌السبعة.

وأضاف رئيس البرلمان الإيراني، عبر منصة «إكس»، أن «سياسة العصا والجزرة لن تُجدي ‌نفعاً مع إيران»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وقدمت إيران مقترحها في منتصف سبتمبر (أيلول)، بعد انهيار وقف مؤقت لإطلاق النار. وتشمل شروطها، إلى جانب مطالب أخرى، رفع الحصار الأميركي عن موانئها، وإلغاء العقوبات على صادراتها النفطية، ووقف الأعمال القتالية على جميع الجبهات في المنطقة.


شبكة عسكرية إيرانية تجلب سراً العتاد لتجاوز الحصار

قائد الجيش الإيراني أمير حاتمي خلال مقابلة صحافية من مصنع للطائرات المسيّرة في موقع مجهول (أرنا)
قائد الجيش الإيراني أمير حاتمي خلال مقابلة صحافية من مصنع للطائرات المسيّرة في موقع مجهول (أرنا)
TT

شبكة عسكرية إيرانية تجلب سراً العتاد لتجاوز الحصار

قائد الجيش الإيراني أمير حاتمي خلال مقابلة صحافية من مصنع للطائرات المسيّرة في موقع مجهول (أرنا)
قائد الجيش الإيراني أمير حاتمي خلال مقابلة صحافية من مصنع للطائرات المسيّرة في موقع مجهول (أرنا)

سخّرت إيران شبكة عسكرية ومالية تضم 5000 كيان لجلب مكونات ومتفجرات وشاحنات ثقيلة ضرورية لبرامجها للطائرات المسيّرة والصواريخ، حتى خلال الحرب، ووصلت الشحنات إلى إيران براً وبحراً وجواً.

وخلص تحقيق أجرته «رويترز» إلى أن إيران أنشأت شبكة من الكيانات العسكرية السرية ذات امتداد عالمي لاستيراد معدات ومتفجرات وشاحنات ثقيلة بما لا يقل عن مليارَي دولار منذ يناير (كانون الثاني) 2025، متجاوزة الحصار البحري الأميركي والعقوبات الغربية. وتحمل تلك الكيانات التي تعمل في الخفاء أسماء تبدأ بحروف «ودجا»، وهي اختصار لوزارة الدفاع الإيرانية.

ويشكل ما يربو على 5000 كيان منظومة مالية وعسكرية ضخمة. ويمكن تتبع معاملاتها المالية في بوالص الشحن وغيرها من بيانات الاستيراد التي تعود لعام 2016. ويرتبط بعضها بـ«الحرس الثوري» الإيراني، وبمجموعات تجارية تُعرف باسم «البُنياد» وتخضع لسيطرة النخبة الإيرانية.

وتكشف نتائج التحقيق أحد أكبر ألغاز الحرب: كيف يعزز «الحرس الثوري» ترساناته من الصواريخ والطائرات المسيّرة في حين يطلقها بالآلاف؟ وفي الأشهر الـ18 من يناير 2025 إلى يونيو (حزيران) 2026، وهي فترة تشمل الأشهر الأربعة الأولى من حرب هذا العام، استوردت جهة واحدة فقط من هذه الكيانات، وهي «ودجا 346428»، كميات ضخمة من وقود الصواريخ والمتفجرات ومكونات الأسلحة الضرورية لتصنيع الطائرات المسيّرة والصواريخ، فضلاً عن شاحنات ثقيلة يمكن استخدامها كمنصات لإطلاق الصواريخ. ووصلت هذه المعدات إلى إيران براً وبحراً وجواً، وأظهرت سجلات أن جزءاً كبيراً منها جاء من الصين وروسيا وألمانيا.

ويستند هذا التحقيق حول شبكة وزارة الدفاع الإيرانية إلى آلاف السجلات المصرفية والحكومية الإيرانية، ووثائق تسجيل الشركات، وبيانات الاستيراد.

«الأمناء»... وعنوان واحد

صواريخ إيرانية معروضة بأحد شوارع طهران في سبتمبر 2026 (رويترز)

وتتخذ جميع الكيانات السرية عنواناً واحداً في طهران هو نفسه عنوان وزارة الدفاع وإسناد القوات المسلحة الإيرانية، وتدرج هذه الوكالات تاريخ تأسيسها في 11 فبراير (شباط) 1979، وهو اليوم الذي تولى فيه المرشد الأول الخميني السلطة في إيران بعد الإطاحة بنظام الشاه. لكن السجلات تظهر أن معظم هذه الكيانات تأسست فعلياً في عام 2013، في حين كانت إيران ترزح تحت وطأة العقوبات التي أدت إلى تراجع صادراتها من النفط الخام وانهيار عملتها.

وتشكل هذه الكيانات، التي حددتها «رويترز» للمرة الأولى بالتعاون مع شركة «240 أناليتكس» الإسرائيلية - الأميركية لاستشارات المخاطر، العمود الفقري لمنظومة إيران للمشتريات العسكرية والتحايل على العقوبات. وتدير هذه الكيانات شبكة من أشخاص يعملون كواجهات وشركات صورية أجنبية، يُعرفون باسم «الأمناء»، ويستخدمون عائدات مبيعات النفط غير المشروعة لشراء سلع لصالح إيران.

ويستخدم الشبكة قادة عسكريون كبار منخرطون في برامج إيران للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة. كما تظهر أرقام هواتف مسجلة باسم 91 من هذه الكيانات في سجلات «بنك سبه» الحكومي الخاصة بأفراد من «الحرس الثوري» لديهم حسابات في البنك. ومن بين هؤلاء قائدان على الأقل اتهمتهما الولايات المتحدة بارتكاب انتهاكات بحق محتجين مدنيين.

وفي حين يخضع الجيش الإيراني منذ عقود لعقوبات أميركية متعددة، لم تجد «رويترز» أي دليل على أن أياً من الكيانات المذكورة في الوثائق قد تم إدراجها على قوائم العقوبات الغربية.

وقال مياد مالكي، المسؤول الكبير السابق في وزارة الخزانة الأميركية، والذي ساعد في وضع برنامج العقوبات الأميركية على إيران: «ما نراه هنا هو شريان الحياة العسكري للنظام خلال هذا الصراع ولسنوات عديدة قبله. هذه هي المنظومة المتكاملة بأكملها للأعمال التجارية للجيش الإيراني».

هجمات إيران الدقيقة

المسيّرة الإيرانية «شاهد» (أ.ب)

ووفرت شبكة استيراد الأسلحة كثيراً من المواد الخام التي تحتاجها طهران لصنع الصواريخ والطائرات المسيّرة. وهذه الأسلحة مسؤولة عن هجمات إيران الدقيقة المتواصلة على منشآت للطاقة في الخليج، مما أتاح لإيران الحد من تأثير الهجوم العسكري الأميركي.

وفي تقارير أخرى هذا العام، أظهرت «رويترز» كيف صمدت إيران أمام الضغوط الأميركية من خلال استغلال منصات تداول العملات المشفرة وشبكات المقامرة غير القانونية للحصول على إيرادات غير مشروعة والتحايل على العقوبات، وكيف عزّز «الحرس الثوري» الإيراني سيطرته على مضيق هرمز، وكيف دشنت الحرب حقبة جديدة من القمع في إيران.

وكان مالكي واحداً من أربعة خبراء في العقوبات على إيران والأسلحة اطلعوا على نتائج تحقيق «رويترز»، وأكدوا أن كثيراً من هذه المواد يمكن استخدامها في برامج إيران للصواريخ والطائرات المسيّرة.

وفي إطار تتبعها للواردات، راجعت «رويترز» جزءاً من نحو 19 ألف سجل استيراد بمقارنتها بوثائق الشحن، ومقاطع مصورة من وسائل التواصل الاجتماعي وتقارير وسائل الإعلام الرسمية. وتظهر البيانات أن جميع المواد التي استوردتها إيران تقريباً كانت معفاة من الرسوم الجمركية ومصنفة على وجه التحديد على أنها معدات عسكرية. وأشار الخبراء إلى أن كثيراً من الواردات، حتى المتفجرات، يمكن اعتبارها مزدوجة الاستخدام، ومن ثم يمكن أن تكون لها أيضاً استخدامات مدنية.

ونشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» تقريراً عن بعض الشحنات القادمة من الصين في 23 سبتمبر (أيلول). وقال مالكي، الذي كان حتى العام الماضي المدير المساعد لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية بوزارة الخزانة الأميركية، إن الكيانات العسكرية السرية تشكل نظاماً للتجارة الخارجية موازياً للاقتصاد العالمي الرسمي، يتيح لإيران إنفاق الأموال التي تجنيها في الخارج من مبيعات النفط غير المشروعة على المعدات العسكرية.

ونادراً ما تعبر الأموال الحدود؛ إذ قد يؤدي ذلك إلى إطلاق إنذار بشأن انتهاك العقوبات. وبدلاً من ذلك، أظهرت بيانات الاستيراد أن معاملات 97 في المائة من الشحنات التي راجعتها «رويترز» جرت تسويتها «من دون تحويل أموال». وكان وسطاء موثوق بهم من الإيرانيين المقيمين في الخارج يشترون السلع باستخدام أموال مودعة في بنوك أجنبية، ثم يشحنونها إلى إيران.

برامج الصواريخ الباليستية

ومن بين الجهات التي تحصل على احتياجاتها عبر هذه الشبكة، الوحدة العسكرية المشرفة على برامج إيران للصواريخ الباليستية. ومن بينها أيضاً شركة «رعد الصحراء»، التي فرضت عليها واشنطن عقوبات في عام 2024 لتصنيع وتوريد طائرات مسيّرة إلى روسيا أحدثت دماراً في أوكرانيا.

وتوصلت «رويترز» وشركة «240 أناليتكس» إلى الوحدات العسكرية الإيرانية من خلال مطابقة بيانات الاستيراد مع سجلات الشركات ورسائل بريد إلكتروني ووثائق جمعها موقع «ويكي إيران». ولم تتمكن «رويترز» من تحديد هوية القائمين على «ويكي إيران»، وهو موقع إلكتروني يستقبل وثائق مسربة من إيران، ويقول إن إيرانيين معارضين للحكومة «أُجبروا على العيش في المنفى» هم من يديرونه.

ووفقاً لقواعد بيانات الواردات خلال الأشهر الستة الأولى من هذا العام، فقد شملت الشحنات صواعق تفجير بقيمة 1.9 مليون دولار، وأطناناً من المتفجرات وأجزاء لمحركات طائرات ومكونات لوقود الصواريخ ومركبات إطلاق ثقيلة.

وقال خبراء في الأسلحة والعقوبات إن جميع هذه المواد يمكن استخدامها كمكونات رئيسية لصنع وإطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، بما في ذلك طائرات «شاهد».

وقال بيتر سالزبري، الأستاذ المساعد غير المتفرغ في جامعة كولومبيا الذي أمضى السنوات القليلة الماضية في دراسة عمليات نقل الأسلحة الإيرانية وسلاسل توريدها: «يبدو أن هذا جهد واسع النطاق لإعادة بناء أو توسيع ترسانة إيران الحالية» من الطائرات المسيّرة والصواريخ. وأضاف: «تُظهر هذه البيانات بوضوح قدرة المنظومة الإيرانية على التكيّف وإيجاد مسارات جديدة».

وقال سالزبري وأحد خبراء الأسلحة إنهما استخدما بيانات «ويكي إيران» في السابق ووجدا أنها دقيقة.

بحر قزوين

صواريخ إيرانية وصور للمرشد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين قُتلوا في الحرب خلال معرض عسكري بطهران في سبتمبر 2026 (أ.ب)

ودخلت الواردات إلى إيران على متن سفن شحن عبر بحر قزوين من روسيا، وبالشاحنات من آسيا الوسطى، وعلى متن طائرات شحن من الصين، وفقاً لبيانات الاستيراد ووثائق حصلت عليها «رويترز».

ورداً على أسئلة مفصلة بشأن ما توصلت إليه «رويترز»، قالت وزارة الخارجية الصينية، في بيان أرسلته بالفاكس: «نرفض بشدة محاولات الربط بسوء نية بين الأعمال القتالية في المنطقة وبين الصين، أو تشويه سمعة الصين».

وعلاوة على المكونات المنفردة، تشتري إيران آلات دقيقة يمكن استخدامها لتصنيع معداتها العسكرية بنفسها. وتشمل المشتريات مواد مصنفة على أنها مخارط متطورة تعمل بالتحكم الحاسوبي، وأفراناً تعمل بحزم الإلكترونات ومسرعات جسيمات، وفقاً لبيانات الاستيراد التي تغطي الفترة حتى يونيو. ولكل هذه المعدات استخدامات صناعية، ويمكن استخدامها أيضاً في تصنيع معدات عسكرية، بما في ذلك هياكل الطائرات المسيّرة والصواريخ.

وفي 12 أكتوبر (تشرين الأول) قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه لا يعتقد أن الصين وروسيا تقدمان دعماً لطهران. وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي: «إذا كانتا تفعلان ذلك، فهو على مستوى محدود جداً، لكنني لا أعتقد أنهما تفعلان ذلك على الإطلاق». وأضاف: «لديهما الكثير لخسارته، وسنعلم بذلك، وسنعلم به سريعاً جداً».