واشنطن ترسم ميزان القوة وطهران تبحث عن مركز قرار

مقاتلة شبحية من طراز «إف-35 سي» تابعة لمشاة البحرية الأميركية تستعد للإقلاع من حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب (سنتكوم)
مقاتلة شبحية من طراز «إف-35 سي» تابعة لمشاة البحرية الأميركية تستعد للإقلاع من حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب (سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم ميزان القوة وطهران تبحث عن مركز قرار

مقاتلة شبحية من طراز «إف-35 سي» تابعة لمشاة البحرية الأميركية تستعد للإقلاع من حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب (سنتكوم)
مقاتلة شبحية من طراز «إف-35 سي» تابعة لمشاة البحرية الأميركية تستعد للإقلاع من حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب (سنتكوم)

لم يعد السؤال، بعد التصعيد الأخير بين إيران والولايات المتحدة، يدور حول ما إذا كانت المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود. فقد بات أعمق من ذلك: هل توجد أصلاً سلطة إيرانية قادرة على إنتاج اتفاق يمكن الركون إليه؟ فتهديد الملاحة في مضيق هرمز، والرد الأميركي بضربات عقابية، ثم إلغاء الترخيص الذي كان يتيح لإيران بيع نفطها، كشفت جميعها عن أن مذكرة التفاهم كانت هدنة معلقة بين حرب لم تنتهِ وتسوية لم تولد.

وبينما تحاول طهران الظهور بمظهر من يمسك بسردية الحرب وما بعدها، تبدو واشنطن أكثر قدرة على فرض ميزان القوة الجديد: من يعرقل هرمز يدفع الثمن عسكرياً واقتصادياً، ومن يريد اتفاقاً عليه أن يثبت أن قراره موحد وقابل للتنفيذ.

قرار بلا رأس

وتبدو المفارقة أن إيران عالية الصوت في الميدان، لكنها أقل وضوحاً في مركز القرار. فغياب المرشد الجديد مجتبى خامنئي عن المشهد، حتى برسالة أو تسجيل، يفتح الباب أمام قراءة مختلفة لطبيعة السلطة بعد مقتل المرشد السابق علي خامنئي.

ويرى باتريك كلاوسن، مدير الأبحاث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الغياب يوحي بأن مجتبى لا يؤدي الدور النشط الذي كان يؤديه والده، وأن القرار في طهران بات أقرب إلى عملية جماعية داخل دوائر الحكم، بعيداً عن قيادة رأسية حاسمة.

دخان يتصاعد من موقع غير محدد في لقطة من فيديو نشرته «سنتكوم» عقب إعلانها تنفيذ ضربات جديدة على إيران رداً على هجمات استهدفت ناقلات في مضيق هرمز (رويترز)

ويضيف أن هذه الملاحظة مفتاح لفهم هشاشة التفاهم مع واشنطن. ولا تتعامل الإدارة الأميركية مع مفاوض واحد قادر على إلزام الدولة، بل مع شبكة قوى تشمل «الحرس الثوري»، والبرلمان، والمؤسسة الأمنية، ومراكز شرعية تحاول ترميم صورتها بعد الضربات. لذلك يصبح أي اتفاق مع إيران مؤقتاً بطبيعته، إلى أن يتضح أن له دعماً واسعاً داخل بنية الحكم، وليس مجرد موافقة من طرف تفاوضي أو تصريح من مسؤول.

وعليه، لا تبدو الضربات المتبادلة مجرد خرق عسكري للهدنة، بل اختباراً سياسياً لقابلية إيران لأن تكون طرفاً موثوقاً. فإذا كانت طهران غير قادرة على ضبط سلوكها في مضيق هرمز، أو غير راغبة في ذلك، فإن واشنطن ستتعامل مع الاتفاق بوصفه ورقة انتهت صلاحيتها، لا أساساً لتسوية أوسع.

«هرمز» بوصفه سلاحاً وسردية

ورأت صحف أميركية عدة أن إصرار طهران على تهديد الملاحة في مضيق هرمز يعكس رغبة في الضغط الاقتصادي، ومحاولة لإعادة امتلاك سردية الحرب. فبعد تلقي ضربات قاسية وفقدان رأس النظام، تحتاج إيران إلى القول إنها لم تنكسر، وأنها ما زالت قادرة على إرباك سوق الطاقة وتهديد مصالح واشنطن وحلفائها. لذلك يتحول المضيق إلى ساحة رمزية: من يتحكم بالمرور، يتحكم بإيقاع الأزمة.

لكن هذه السردية تنقلب بسهولة على صاحبها. فكلما استخدمت إيران مضيق هرمز لإثبات قدرتها، منحت واشنطن الذريعة لتوسيع الضربات تحت عنوان حماية الملاحة الدولية. ولا تحتاج الولايات المتحدة، في هذه اللحظة، إلى إعلان حرب شاملة لتغيير قواعد اللعبة؛ إذ يكفي أن تضرب قدرات بحرية ورادارية وصاروخية مرتبطة بـ«الحرس الثوري»، وأن تسحب الامتيازات النفطية التي جعلت الهدنة قابلة للبيع داخل طهران.

إلغاء الترخيص الذي يجيز لإيران بيع النفط ليس إجراء اقتصادياً معزولاً، وإنما رسالة سياسية بأن أي مكسب تمنحه واشنطن يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط إذا استخدمت طهران مضيق هرمز سلاحاً. بهذا المعنى، ينجح التهديد الإيراني جزئياً. فهو يرفع أسعار النفط ويحرج ترمب أمام هاجس السوق والانتخابات النصفية، وفي الوقت نفسه يضع إيران في موقع الطرف الذي يهدد إمدادات الطاقة ويعطل التجارة، وهي صورة تمنح واشنطن مجالاً أوسع لتبرير التصعيد.

وعود لا تصنع سلاماً

وفيما كان يُراهن على أن تكون خطة الإعمار والتنمية، البالغة 300 مليار دولار، حافزاً لإقناع النظام بتغيير سلوكه، يقول كلاوسن إنها تبدو كذلك على الورق، لكنها في الواقع لا تكفي لصنع تحول سياسي أو اقتصادي. ويرى أن التوقعات بشأن أثر هذه الأموال مبالغ فيها، لأن معظم العوائق التي منعت الاستثمار الأجنبي في إيران سابقاً ما زالت قائمة: تغلغل «الحرس الثوري» في الاقتصاد، وغموض الملكية، والفساد البنيوي، والسياسات الاقتصادية السيئة، والعداء الآيديولوجي للاستثمار الأجنبي.

الأهم أن المشكلة تتعلق بقابلية إيران لاستقبال هذه التعهدات، أكثر من حجمها. فالتجارب السابقة، من الوعود الصينية الضخمة إلى مرحلة ما بعد الاتفاق النووي، أظهرت أن المستثمرين لا يدخلون بيئة لا يعرفون فيها من يملك الشركات، ومن يسيطر على القرار، وما إذا كانت العقوبات أو الفساد أو «الحرس الثوري» ستلتهم العائد. لذلك تبدو خطة الـ300 مليار دولار، حسب كلاوسن، أقرب إلى أداة سياسية لبيع أفق ما بعد الحرب منها إلى مشروع قادر على إعادة تشكيل إيران في المدى القريب.

وهذا يعيد الأزمة إلى أصلها: لا تستطيع واشنطن بناء تسوية على وعد اقتصادي إذا كان الطرف الآخر عاجزاً عن إنتاج قرار موحد، ولا تستطيع طهران إقناع الداخل بأنها انتزعت نصراً إذا كانت واشنطن قادرة على ضربها عسكرياً وسحب الامتيازات النفطية في اللحظة نفسها.

الخلاصة أن الحرب قد تكون دخلت مرحلة انتظار، لكنها لم تنته. ترمب لا يغلق باب التفاوض تماماً، لكنه يستخدم الوقت والضغط لتحديد شروط النهاية قبل الانتخابات النصفية. أما إيران، فتحاول أن تثبت أنها ما زالت قادرة على التعطيل، من دون أن تثبت قدرتها على الالتزام. وبين هذين المسارين يبقى مضيق هرمز عنوان المرحلة: ليس مجرد ممر للطاقة، وإنما المكان الذي تتكشف فيه حدود القوة الإيرانية، وحدود صبر واشنطن، وحدود أي هدنة لا يسندها مركز قرار واضح في طهران.


مقالات ذات صلة

إسلام آباد توظّف وساطتها في حرب إيران لانتزاع مكاسب من واشنطن

آسيا الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير في واشنطن (البيت الأبيض) p-circle

إسلام آباد توظّف وساطتها في حرب إيران لانتزاع مكاسب من واشنطن

تسعى باكستان إلى تحويل المكاسب الدبلوماسية التي حققتها بفضل وساطتها في حرب إيران إلى تعاون أمني أوسع واستثمارات أميركية في قطاع المعادن.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
شؤون إقليمية إطلاق صاروخ إيراني باتجاه أهداف أميركية في المنطقة (أ.ف.ب) p-circle

القصف الأميركي يتواصل على إيران... وطهران توسّع دائرة الرد

صعّدت الولايات المتحدة، الجمعة، ضرباتها على إيران لليلة السادسة توالياً، فيما أعلنت طهران مقتل ثمانية أشخاص في قصف طال بنى تحتية مدنية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية مدخل أحد مقرات حزب «كومله» الإيراني المعارض في كردستان العراق (موقع يسار التركي)

«كومله»... هدف متكرر للهجمات الإيرانية في كردستان العراق

قال مسؤول في جماعة كردية إيرانية معارضة إن تسعة أشخاص على الأقل قتلوا وأصيب آخرون، الجمعة، في هجوم صاروخي يُشتبه بأن إيران نفذته ضد الجماعة في كردستان العراق.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

العقود الآجلة الأميركية تتراجع مع هبوط أسهم الرقائق وضغط توقعات «نتفليكس»

تراجعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية يوم الجمعة، مع استمرار موجة البيع في أسهم شركات أشباه الموصلات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شؤون إقليمية رجل يسير بجوار نموذج رمزي لصاروخ إيراني وعلم إيراني في ساحة الإمام الحسين في طهران - إيران 12 يوليو 2026 (رويترز)

إيران تدعو مواطنيها إلى خفض استهلاك الكهرباء بعد الضربات الأميركية

دعت وزارة الطاقة الإيرانية، المواطنين، الجمعة، إلى خفض استهلاك الكهرباء، بعدما تعرّضت الشبكة لضغوط إثر ضربات أميركية على منشآت للطاقة في جنوب البلاد.

«الشرق الأوسط» (لندن)

انطلاق المعركة الانتخابية في إسرائيل... ونتنياهو قلق على مصيره

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الكنيست الخميس (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الكنيست الخميس (أ.ف.ب)
TT

انطلاق المعركة الانتخابية في إسرائيل... ونتنياهو قلق على مصيره

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الكنيست الخميس (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الكنيست الخميس (أ.ف.ب)

انطلقت معركة الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية بشكل رسمي، الجمعة، لمدة 101 يوم، لتُجرى في موعدها الأصلي في 27 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. ويُجمع الإسرائيليون على أنها أصعب المعارك الانتخابية، ويساور القلق الحلبة السياسية من خطر أن تكون الأشد عنفاً في تاريخها. فالاستطلاعات تشير إلى أن اليمين بقيادة بنيامين نتنياهو سيخسر الحكم. والمتطرفون يتصرفون بطريقة تدل على أنهم لن يسلموه. والخبراء يحذرون من مغبة كسر القوالب والدخول في صدامات دامية. والعديد من قادة الأحزاب السياسية المعارضة يحذرون من أن تفجر الحكومة الأوضاع الأمنية وتشعل حرباً أو أكثر في سبيل إعلان حالة طوارئ لتأجيل الانتخابات.

وكان الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) قد صدّق على قانون حل نفسه لإجراء الانتخابات، في ساعات الفجر الأولى من الجمعة، وأقر منظومة لتمويل الأحزاب التي ستخوضها. وكُلفت لجنة الانتخابات المركزية برئاسة نائب رئيس المحكمة العليا، القاضي نوعام سولبرغ، بوضع برنامج وجدول زمني للمحطات الانتخابية التي ينص عليها القانون، مثل تقديم قوائم المرشحين وإقرارها، وتشكيل اللجان الانتخابية المحلية، وضمان نزاهة الانتخابات، ومنع تزويرها محلياً ومنع التدخل الأجنبي للتأثير عليها، ووضع القيود على الدعاية الانتخابية، وغير ذلك.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يستمع لوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير خلال جلسة الكنيست الخميس (رويترز)

والقاضي سولبرغ نفسه هو من الجناح اليميني المحافظ في المحكمة العليا، لكن هذا لم يمنع نشطاء في اليمين المتطرف من مهاجمته وتنفيذ اعتداء مفزع على بيته وعائلته في الشهر الماضي. وكان هذا الاعتداء مؤشراً على العنف المتوقع في هذه المعركة الانتخابية. فاليمين عموماً قلق إزاء النتائج المتوقعة. فالاستطلاعات تنذر بخسارة فادحة له؛ إذ أشارت أربعة استطلاعات أُجريت في الأسبوع الأخير إلى أن المعارضة اليهودية ستفوز بأكثرية 61 مقعداً؛ أي من دون أن تحتاج لأي حزب عربي مساند.

وقد نُشر آخر هذه الاستطلاعات، الجمعة، في صحيفة «معاريف». وقد دلت نتائجه على أنه في حال جرت الانتخابات اليوم، فإن الأحزاب اليهودية المعارضة ستحصل مجتمعة على 62 مقعداً من مجموع 120 مقعداً، مقابل 48 مقعداً لأحزاب الائتلاف، و10 مقاعد للأحزاب العربية. وتعني هذه النتيجة أن الائتلاف بقيادة نتنياهو سيخسر 18 مقعداً من رصيده الحالي؛ فهو ممثل في الكنيست اليوم بـ68 مقعداً. وستكون النتائج على النحو التالي:

حزب «يشار» الجديد برئاسة غادي آيزنكوت: 22 مقعداً.

حزب «الليكود» برئاسة بنيامين نتنياهو: 22 مقعداً (ممثل اليوم بـ36 مقعداً).

قائمة «بِياحد» برئاسة نفتالي بنيت ويائير لبيد: 16 مقعداً (ممثلة اليوم بـ24 مقعداً لحزب لبيد وحده).

حزب «الديمقراطيين» اليساري بقيادة الجنرال يائير جولان: 11 مقعداً (ممثل اليوم بأربعة مقاعد).

حزب «يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان: 9 مقاعد (له اليوم 6 مقاعد).

كتلة «يهدوت هتوراة» لليهود المتدينين الأشكناز: 8 مقاعد (لها اليوم 7 مقاعد).

حزب «عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير: 8 مقاعد (له اليوم 6 مقاعد).

حزب «شاس» لليهود الشرقيين المتدينين: 7 مقاعد (له اليوم 11 مقعداً).

الجبهة العربية للتغيير بقيادة النائبين أيمن عودة وأحمد الطيبي: 5 مقاعد (لها اليوم العدد نفسه).

القائمة الموحدة للحركة الإسلامية بقيادة النائب منصور عباس: 5 مقاعد (لها العدد نفسه).

حزب «الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش: 4 مقاعد (له اليوم 8 مقاعد).

حزب جديد برئاسة حيلي تروبير ويوعاز هندل: 4 مقاعد.

جلسة الكنيست الخميس قبل بدء العطلة الانتخابية التي تسبق الانتخابات العامة المقرر إجراؤها في 27 أكتوبر (أ.ف.ب)

ومن نتائج الاستطلاع الأخرى أن 83 في المائة من ناخبي أحزاب المعارضة الصهيونية يعارضون ضم الأحزاب الحريدية، «شاس» و«يهدوت هتوراة»، إلى حكومة تتشكل بعد الانتخابات، و8 في المائة فقط يوافقون على ذلك. و70 في المائة من ناخبي الأحزاب العربية يؤيدون ضم حزب عربي إلى حكومة تتشكل بعد الانتخابات، و10 في المائة من الناخبين العرب يعارضون ذلك، و16 في المائة قالوا إن هذا ليس مهماً، و4 في المائة لا رأي لديهم حيال ذلك.

وحاول الاستطلاع معرفة سبب هذا الهبوط الكاسح في تأييد حكومة نتنياهو، فقال 55 في المائة من الجمهور إنهم لا يثقون بقدرة الحكومة على اتخاذ قرارات سوية حتى يوم الانتخابات، في حين اعتبر 38 في المائة أن بإمكان الحكومة اتخاذ قرارات صحيحة، و7 بالمائة لا رأي لديهم حيال ذلك.


القصف الأميركي يتواصل على إيران... وطهران توسّع دائرة الرد

إطلاق صاروخ إيراني باتجاه أهداف أميركية في المنطقة (أ.ف.ب)
إطلاق صاروخ إيراني باتجاه أهداف أميركية في المنطقة (أ.ف.ب)
TT

القصف الأميركي يتواصل على إيران... وطهران توسّع دائرة الرد

إطلاق صاروخ إيراني باتجاه أهداف أميركية في المنطقة (أ.ف.ب)
إطلاق صاروخ إيراني باتجاه أهداف أميركية في المنطقة (أ.ف.ب)

صعّدت الولايات المتحدة، الجمعة، ضرباتها على إيران لليلة السادسة توالياً، فيما أعلنت طهران مقتل ثمانية أشخاص في قصف طال بنى تحتية مدنية، تزامناً مع تعرّض دول خليجية لهجمات، بينها قصف على محطة كهرباء، في اتساع جديد لرقعة النزاع.

وقال الجيش الأميركي، عبر منصة «إكس»، إنه هاجم ليل الخميس إلى الجمعة «عشرات الأهداف العسكرية الإيرانية، بينها مواقع للمراقبة الساحلية والدفاع الجوي، وبنى تحتية لوجستية عسكرية ومنشآت بحرية».

وأعلنت إيران تعرّض شبكة الكهرباء في الجنوب لأضرار من الغارات، ودعت السكان إلى الاقتصاد في استهلاك التيار. كما أفادت بتعرض جسور وميناء ومطار ومحطة للقطارات للقصف.

وأعلنت وكالة الأنباء الرسمية (إرنا) مقتل ثمانية أشخاص وإصابة 20 آخرين في هجمات استهدفت هذه المنشآت خلال الليل.

البنى التحتية

وتوعّد قائد القوة الجوفضائية في «الحرس الثوري» الإيراني، مجيد موسوي، الجمعة، بأن طهران لن توقف هجماتها في المنطقة قبل أن توقف الولايات المتحدة ضرباتها على الساحل الجنوبي لإيران ومضيق هرمز، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال مجيد موسوي، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: «في حساباتنا، كل شبر من أرض إيران هو إيران، فطهران والجنوب يشكلان وحدة واحدة»، مضيفاً: «ستستمر ضرباتنا الفعّالة والدقيقة المنطلقة من مختلف أنحاء إيران ضد العدو حتى يعود الهدوء إلى الساحل الجنوبي ومضيق هرمز».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب هدّد خلال الأسبوع بضرب الجسور ومحطات توليد الكهرباء في إيران في حال عدم التوصل إلى اتفاق.

رداً على ذلك، نقل التلفزيون الرسمي عن متحدث باسم الجيش الإيراني قوله: «إن استهدف الأميركيون البنى التحتية، فستصبح جميع البنى التحتية في المنطقة أهدافاً مشروعة لإيران».

وكان مفوّض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك أكّد، خلال النزاع، أن استهداف البنى التحتية المدنية يشكّل جريمة حرب.

ترشيد استهلاك الطاقة

وأعلنت الكويت، الجمعة، أن إحدى محطاتها لتوليد الكهرباء وتقطير المياه تعرّضت لهجوم إيراني، أسفر عن اندلاع حريق وأضرار، داعية المواطنين إلى «ترشيد استهلاك الكهرباء في هذه المرحلة الاستثنائية».

وبلغت الحرارة، الجمعة، 48 درجة مئوية في الكويت، و45 درجة مئوية في جنوب غربي إيران.

وفي وقت سابق، أعلنت القوات المسلحة في الكويت والأردن والبحرين وقطر أنها تصدّت لهجمات جوية فجر الجمعة.

وفي قطر، أُصيب طفل بجروح جراء شظايا، فيما أعلن «الحرس الثوري» الإيراني أنه استهدف قاعدة العديد الأميركية، مؤكداً تدمير أنظمة رادار وطائرات عسكرية فيها.

وقالت القوات المسلحة الإيرانية إنها استهدفت مواقع عسكرية أميركية في الكويت بطائرات مسيّرة مفخخة، وإنها قصفت طائرات أميركية في الأردن باستخدام صواريخ باليستية ومسيّرات، رداً على القصف الأميركي الليلي.

وكانت طهران قد قالت في وقت سابق إن الضربات الأميركية منذ 22 يونيو (حزيران) أوقعت 38 قتيلاً وأكثر من 400 جريح.

مضيق هرمز

واندلعت الحرب في الشرق الأوسط في 28 فبراير (شباط) الماضي إثر ضربات إسرائيلية-أميركية على إيران، ولا تزال تهز الاقتصاد العالمي.

ودعا وزيرا خارجية الصين وباكستان، الجمعة، الأطراف المتحاربة إلى استئناف المفاوضات في إطار مذكرة التفاهم الموقعة منتصف يونيو (حزيران) التي انهارت لاحقاً.

وكان رئيس مجلس الشورى كبير المفاوضين الإيرانيين، محمد باقر قاليباف، قال في وقت سابق إن «مذكرة التفاهم لا تكتسب معناها إلا عندما تكون بنودها سارية المفعول وموضع تنفيذ».

ودعت إسلام آباد كذلك إلى «عودة الأوضاع إلى طبيعتها سريعاً في مضيق هرمز» الذي أغلقته إيران مجدداً في نهاية الأسبوع الماضي. ورداً على ذلك، أعادت الولايات المتحدة فرض حصارها على الموانئ الإيرانية.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، الخميس، إن ترمب «لا يزال منفتحاً على الدبلوماسية في الوقت نفسه».

وأضافت أن الإيرانيين «أبلغوا الرئيس بأنهم ما زالوا يريدون التوصل إلى اتفاق. نحن نتحدث إليهم، لكن الرئيس لن يسمح لهم بإطلاق النار على السفن في المضيق من دون عواقب».

إصابة سفينة

وتراجعت حركة الملاحة في مضيق هرمز الذي كان يمر فيه قبل الحرب خُمس النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

وأُصيبت سفينة بـ«مقذوف غير محدد» قبالة سواحل عُمان بالقرب من مضيق هرمز، وفق ما أفادت وكالة الأمن البحري البريطانية (يو كاي إم تي أو).

وأسفر الهجوم الذي وقع، الخميس، على مسافة 19 ميلاً بحرياً عن مدينة خصب العُمانية، عن «أضرار بسيطة في الهيكلية»، بحسب بيان الوكالة الذي أشار إلى أن الطاقم «سالم» والسفينة «تواصل مسارها نحو محطتها المقبلة».

في المقابل، ظلت أسعار النفط مستقرة نسبياً رغم التطورات، إذ بلغ سعر برميل برنت نحو 85 دولاراً، الجمعة.


«كومله»... هدف متكرر للهجمات الإيرانية في كردستان العراق

مدخل أحد مقرات حزب «كومله» الإيراني المعارض في كردستان العراق (موقع يسار التركي)
مدخل أحد مقرات حزب «كومله» الإيراني المعارض في كردستان العراق (موقع يسار التركي)
TT

«كومله»... هدف متكرر للهجمات الإيرانية في كردستان العراق

مدخل أحد مقرات حزب «كومله» الإيراني المعارض في كردستان العراق (موقع يسار التركي)
مدخل أحد مقرات حزب «كومله» الإيراني المعارض في كردستان العراق (موقع يسار التركي)

قال مسؤول في جماعة كردية إيرانية معارضة إن تسعة أشخاص على الأقل قتلوا وأصيب آخرون، الجمعة، في هجوم صاروخي يُشتبه بأن إيران نفذته ضد الجماعة في محافظة السليمانية بإقليم كردستان العراق.

وقال المسؤول في جمعية كادحي كردستان إيران المعروفة باسم «كومله»، طلب عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، إن الهجوم استهدف مواقع للجماعة في منطقة زركويزلة قرب السليمانية، مستخدماً صواريخ وطائرات مسيرة. وأضاف أنهم يعتقدون أن إيران تقف وراء الهجوم، فيما لم تعلن طهران مسؤوليتها عنه على الفور.

وكانت إيران قد نفذت في السابق ضربات استهدفت جماعات كردية إيرانية معارضة تتمركز في إقليم كردستان العراق.

وقال عبد الله آذربار، عضو المكتب السياسي ومسؤول لجنة التنظيم في جمعية كادحي كردستان إيران، إن الهجوم وقع نحو الساعة السادسة صباحاً، مشيراً إلى أن ثمانية صواريخ كبيرة خارقة للتحصينات استهدفت مواقع للجماعة في منطقة زركويزلة.

وأضاف آذربار أن الحصيلة النهائية للهجوم بلغت مقتل تسعة من عناصر البيشمركة التابعة للجماعة، وإصابة ثلاثة آخرين بجروح خطيرة، موضحاً أن ثلاثة صواريخ أصابت المقر الذي سقط فيه الضحايا.

وكان مصدر أمني قد أفاد في وقت سابق بأن مقراً تابعاً للحزب تعرض لهجوم صاروخي في ناحية سورداش بمحافظة السليمانية، موضحاً أن التحقيقات بدأت لتحديد ملابسات الحادث والجهة المسؤولة عنه.

وقال جهاز أمن إقليم كردستان إن ثلاث مناطق في محافظة السليمانية تعرضت، فجر الجمعة، لهجوم بسبعة صواريخ. وأوضح أن أربعة صواريخ سقطت في قرية زركويزلة، وصاروخاً واحداً في قرية قسردي، فيما سقط صاروخان قرب تل كوباني في منطقة قرداغ. وأضاف أن فِرقه تواصل تقييم الأضرار البشرية والمادية الناجمة عن الهجمات.

وكان جهاز مكافحة الإرهاب في إقليم كردستان أعلن في وقت سابق أن قوات التحالف اعترضت ودمرت ثماني طائرات مسيرة مفخخة في أجواء أربيل، فجر الجمعة، دون تسجيل خسائر بشرية.

وأفاد سكان في محافظتي السليمانية وحلبجة بسماع دوي انفجارات قوية خلال ساعات الصباح الأولى.

وأدانت رئاسة إقليم كردستان الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة التي استهدفت محافظتي السليمانية وأربيل، ووصفتها بأنها «تطور خطير وانتهاك صارخ» لسيادة العراق.

وحذرت الرئاسة من أن استمرار هذه الهجمات قد يهدد استقرار العراق ويقوض الجهود الرامية إلى تعزيز الأمن والسلام في المنطقة.

لقطة مأخوذة من بث مباشر لقناة «روداو» الكردية في أعقاب الهجوم على مقر «كومله» في السليمانية يوم 17 يوليو 2026

«كومله»... هدف متكرر

حزب «كادحي كردستان» الإيراني أحد أقدم الأحزاب الإيرانية المعارضة، تأسس في أواخر ستينات القرن العشرين كحركة يسارية كردية في إيران، وبرز خلال الاضطرابات التي أعقبت الثورة الإيرانية عام 1979 عندما دخل في مواجهة مسلحة مع النظام الجديد بسبب الخلافات حول الحكم الذاتي الكردي والحريات السياسية.

وبعد سنوات من القتال داخل إيران، نقل الحزب جزءاً كبيراً من نشاطه وقواعده إلى إقليم كردستان العراق، حيث أقام معسكرات ومقار سياسية وعسكرية. ومنذ ذلك الحين ظل هدفاً متكرراً لهجمات إيرانية، خصوصاً من «الحرس الثوري» الإيراني، الذي يتهم الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة بالسعي لزعزعة الأمن داخل إيران

ويتبنى الحزب خطاباً يجمع بين المعارضة السياسية للجمهورية الإسلامية والدفاع عن حقوق الكرد في إيران، بينما تؤكد طهران أن هذه الجماعات تمثل تهديداً أمنياً.

وخلال السنوات الأخيرة، أعادت احتجاجات «المرأة، الحياة، الحرية» عام 2022 تسليط الضوء على دور الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة، رغم أن معظمها حافظ على وجوده خارج الحدود الإيرانية.

وخلال الحرب بين إيران والولايات المتحدة منذ مارس (آذار) 2025، لم تظهر حصيلة مستقلة تؤكد رقماً نهائياً لعدد الهجمات التي تعرضت لها قواعد حزب «كادحي كردستان» الإيراني وحده 2025. لكن التقارير المتاحة تشير إلى أن مقار الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة في إقليم كردستان العراق تعرضت لموجة من الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة خلال التصعيد العسكري بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها.

وبحسب بيانات الحزب وحلفائه، تعرضت مواقع الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة لهجمات متكررة، شملت قواعد مرتبطة بكوملە وأحزاب أخرى في محافظتي أربيل والسليمانية. كما أعلن تحالف الأحزاب السياسية لكردستان إيران أن هجمات صاروخية استهدفت مواقع البيشمركة التابعة للأحزاب الكردية الإيرانية.

وتشير تقارير حقوقية ومصادر كردية إلى أن قواعد الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة، بما فيها «كوملە»، كانت ضمن أهداف عشرات الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة خلال فترة الحرب والتصعيد.