صعّدت إيران لهجتها تجاه حلف شمال الأطلسي (ناتو)، متهمةً إياه بـ«التواطؤ الفعلي» في الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل عليها، بعدما كشف الأمين العام للحلف مارك روته عن استخدام قواعد عسكرية في دول أوروبية لدعم العمليات الأميركية خلال الحرب.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، الخميس، إن تصريحات روته تمثل «اعترافاً واضحاً ومديناً بالتواطؤ الفعلي لـ(ناتو) في حرب عدوانية غير مشروعة» ضد دولة ذات سيادة وعضوة في الأمم المتحدة، عادّاً أنها تشكل انتهاكاً للقواعد الآمرة في القانون الدولي وللمبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة.
وأضاف بقائي، في منشور على منصة «إكس»، أن «ناتو» والدول الأعضاء التي شاركت في اتخاذ قرار دعم العمليات العسكرية «يجب أن تتحمل المسؤولية عن جميع العواقب المترتبة على ذلك».
وأشار إلى أن روته «سمّى صراحةً إيطاليا ورومانيا» بصفتهما من الدول التي شاركت في العدوان على إيران، مطالباً البلدين، إلى جانب «كل دولة أوروبية أخرى» قدمت دعماً للهجوم الأميركي - الإسرائيلي، بتوضيح أسباب مشاركتها فيما وصفه بـ«العدوان الصارخ» و«الفظائع الجماعية» التي قال إنها ارتُكبت بحق الإيرانيين في مدن عدة، بينها ميناب، ولامرد، وطهران، وأصفهان، وسنندج، وهمدان، وتبريز، وشيراز وبندر عباس.
وجاء الموقف الإيراني بعد تصريحات أدلى بها روته لشبكة «فوكس نيوز»، سعى فيها إلى إبراز حجم الدعم الذي وفَّره أعضاء في الحلف للولايات المتحدة خلال الحرب، في معرض رده على انتقادات الرئيس الأميركي دونالد ترمب لبعض دول «ناتو» بسبب ما عدّه ضعف مساهمتها في العمليات العسكرية.
وجاءت تصريحات روته في أعقاب اجتماع عقده مع ترمب في المكتب البيضاوي، سعى خلاله إلى احتواء التوتر المتصاعد بين الرئيس الأميركي والحلف بشأن الحرب على إيران، وقبل أسابيع من قمة قادة «ناتو» المقررة في يوليو (تموز) في أنقرة.
وخلال اللقاء، استخدم روته رسوماً بيانية لعرض الزيادة في الإنفاق الدفاعي لدول الحلف منذ الولاية الأولى لترمب عام 2017، كما استشهد بالدعم اللوجستي الذي قدمه الحلفاء الأوروبيون خلال الحرب، مؤكداً أن آلاف الطائرات العسكرية الأميركية عملت انطلاقاً من قواعد في أوروبا.
وقال روته مخاطباً ترمب: «أعلم أنه كانت هناك حالات منفردة سببت لك خيبة أمل كبيرة، لكن بصورة عامة وقف حلفاؤك الأوروبيون إلى جانبك»، في إشارة إلى الانتقادات التي وجهها الرئيس الأميركي لبعض أعضاء الحلف بسبب إحجامهم عن دعم العمليات العسكرية ضد إيران أو المشاركة في جهود إعادة فتح مضيق هرمز.
لكن ترمب بدا غير مقتنع بالكامل بهذا التفسير، رغم إشادته بروته، وقال: «قمت بعمل جيد حقاً... ولولا وجودك في هذا المنصب لما كنا نجتمع اليوم، لأننا شعرنا بخيبة أمل». وأضاف أن الولايات المتحدة «لم تكن في حاجة إلى أي مساعدة في هذا الشأن على الإطلاق».
وتقول «رويترز» إن أحد أبرز أدوار روته منذ توليه الأمانة العامة للحلف كان احتواء التوتر المتكرر بين ترمب و«ناتو»، ومنع تحوله أزمة أوسع، في ظل انتقادات الرئيس الأميركي المستمرة للحلف وتهديداته المتكررة بإعادة النظر في الوجود العسكري الأميركي في أوروبا.
وقال روته إن نحو 500 طائرة أميركية أقلعت من قواعد في إيطاليا دعماً لعملية «الغضب الملحمي»، مضيفاً أن ما بين أربعة آلاف وخمسة آلاف طلعة عسكرية أميركية انطلقت من قواعد في أوروبا خلال الحرب، في تأكيد منه على حجم المساندة التي وفرها الحلفاء الأوروبيون للولايات المتحدة.
كما كشف عن أن رومانيا خفضت حركة بعض الرحلات التجارية لإتاحة استخدام مطاراتها في عمليات التزود بالوقود جواً للطائرات المشاركة في الحملة العسكرية.
غير أن تصريحات الأمين العام لـ«ناتو» قوبلت برفض سريع من روما. فقد أكدت وزارة الدفاع الإيطالية أن حديثه حمل «رسالة مضللة تماماً»، مشددة على أن السماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد الإيطالية اقتصر على الرحلات اللوجستية والفنية، تنفيذاً للاتفاقات الثنائية بين البلدين، وأن الأراضي الإيطالية لم تُستخدم لتنفيذ عمليات هجومية ضد إيران.
وأعادت هذه التصريحات تسليط الضوء على الانقسامات التي ظهرت داخل المعسكر الغربي خلال الحرب. فبينما عارضت دول أوروبية، من بينها إيطاليا وإسبانيا، العمليات العسكرية بصورة علنية، فضلت دول أخرى، مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا، تبني موقف أكثر تحفظاً، مع تجنب الانخراط المباشر في الحرب؛ وهو ما أثار انتقادات متكررة من الرئيس الأميركي.
ويأتي السجال في وقت تحاول فيه طهران توظيف تصريحات مسؤولي الحلف لتأكيد روايتها بأن الحرب لم تكن عملاً أميركياً - إسرائيلياً فحسب، بل حظيت أيضاً بدعم من دول أعضاء في «ناتو»، في حين تتمسك عواصم أوروبية، وفي مقدمتها روما، بأن مساهمتها اقتصرت على الجوانب اللوجستية ولم تشمل أي مشاركة في العمليات القتالية.


