واشنطن وطهران تتصارعان على الخطوة الأولى

ترمب أمام تحدٍ إيراني في «لعبة شطرنج»... وإسلام آباد تكثف الاتصالات

مجسم لطائرة مقاتلة إيرانية من طراز «إف-4 فانتوم» في ميدان بمدينة بندر عباس جنوب إيران الاثنين (أ.ف.ب)
مجسم لطائرة مقاتلة إيرانية من طراز «إف-4 فانتوم» في ميدان بمدينة بندر عباس جنوب إيران الاثنين (أ.ف.ب)
TT

واشنطن وطهران تتصارعان على الخطوة الأولى

مجسم لطائرة مقاتلة إيرانية من طراز «إف-4 فانتوم» في ميدان بمدينة بندر عباس جنوب إيران الاثنين (أ.ف.ب)
مجسم لطائرة مقاتلة إيرانية من طراز «إف-4 فانتوم» في ميدان بمدينة بندر عباس جنوب إيران الاثنين (أ.ف.ب)

أصبح التفاهم المرتقب بشأن مضيق هرمز مهدداً بالتعثر، في «لعبة شطرنج» تتمسك فيها واشنطن وطهران بأوراق الضغط وتنتظر كل منهما خطوة من الأخرى قبل تقديم أي تنازل، بين حصار وضغوط اقتصادية أميركية، واستمرار إغلاق الممر وربط إعادة فتحه بشروط إيرانية.

وقالت وزارة الخارجية الإيرانية، الاثنين، إن المفاوضات مع سلطنة عُمان أحرزت تقدماً وتوصلت إلى تفاهم بشأن خريطة حركة السفن في المضيق، لكنها جددت تمسك طهران بشروطها لإعادة فتحه، وردت على رهان الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الضغوط الاقتصادية بالقول إن الإيرانيين أثبتوا أنهم «لاعبو شطرنج محترفون».

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي، خلال مؤتمره الصحافي الأسبوعي، إن المفاوضات مع مسقط «تسير بسلاسة وبشكل بنّاء»، وإن الجانبين توصلا إلى تفاهم بشأن خريطة حركة السفن، فيما لا تزال بعض المسائل الفنية المتعلقة بالبيان المشترك قيد البحث.

وأضاف أن الترتيبات الجاري إعدادها تشمل آليات لمراقبة الملاحة الآمنة والتعاون في القضايا البيئية والخدمات البحرية ومكافحة الجرائم. ورداً على سؤال بشأن احتمال فرض رسوم على السفن، قال إن هذه التفاصيل لا تناقش في المرحلة الحالية، لكنه أشار إلى أن تقديم الخدمات البحرية يستتبع عادة الحصول على مقابل مالي.

وأوضح بقائي أن جميع المفاوضات التي تجريها وزارة الخارجية تخضع لإشراف المجلس الأعلى للأمن القومي، وأن الوزارة ترفع تقارير عن سيرها وفق آلية اتخاذ القرار المعتمدة.

وجدد في الوقت نفسه نفي وجود مفاوضات مع الولايات المتحدة، قائلاً إن ما يجري يقتصر على تبادل رسائل عبر الوسطاء بشأن القضايا المطروحة، وإن الخطوة التالية بين الجانبين «تعتمد على الظروف».

«لعبة الشطرنج»

وجاءت تصريحات بقائي غداة تأكيد ترمب أن إدارته تتعامل مع إيران بـ«هدوء» وتراقب الضغوط الاقتصادية المتزايدة عليها؛ في إشارة إلى تفضيله في المرحلة الحالية مواصلة الضغط بدلاً من العودة إلى حملة عسكرية واسعة.

وقال ترمب في اتصال هاتفي قصير مع موقع «أكسيوس»: «لا نجري سوى شبه مفاوضات معهم. نحن نراقب إيران فحسب، في ظل التضخم الهائل الذي تعاني منه وحقيقة أنها لا تملك أي أموال».

ووصف الوضع الاقتصادي الإيراني بأنه «سيئ للغاية»، وقال إن طهران لا تملك الأموال الكافية لدفع رواتب قواتها، معتبراً أن الحصار البحري الأميركي أدى إلى زيادة الضغوط الاقتصادية عليها.

وأضاف ترمب عن المواجهة: «الأمر سينجح. إنه ينجح دائماً. الأمر أشبه بلعبة شطرنج».

ورد بقائي، الاثنين، قائلاً إن «الإيرانيين أظهروا أنهم لاعبو شطرنج محترفون»، سواء في المداولات العلنية أو غير العلنية.

وكان مسؤولون أميركيون قد أبلغوا «أكسيوس» بأن ترمب كان يميل قبل نحو أسبوع إلى استئناف عمليات قتالية واسعة ضد إيران، قبل أن يُقنع بخفض التصعيد مؤقتاً.

وقال مسؤول أميركي إن توقف القتال يفرض على السلطات الإيرانية مواجهة آثار الحرب والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والأزمة الاقتصادية، فيما تواصل واشنطن استخدام الحصار والعقوبات والضغط العسكري.

وشدد المسؤول على أولوية الطاقة في حسابات الإدارة الأميركية، قائلاً إن نحو ثمانية ملايين برميل من النفط تخرج يومياً من الخليج عبر الممر الجنوبي لمضيق هرمز بالتنسيق مع الجيش الأميركي، وإن واشنطن ستسعى إلى زيادة الكميات ما لم يتم التوصل إلى اتفاق.

وبقيت أسعار النفط مرتفعة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، لكنها تراجعت عن القمم التي سجلتها في الأشهر الماضية، بينما يراقب البيت الأبيض انعكاسات اضطراب الملاحة في مضيق هرمز على المستهلك الأميركي.

وكان نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس قد وصف، السبت، المواجهة بأنها لا تزال في «منتصف اللعبة»، قائلاً إن واشنطن تستخدم مزيجاً من الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية للوصول إلى النتيجة التي تريدها.

وأعلن فانس أن الولايات المتحدة أحرزت «بعض التقدم» في اتصالاتها مع إيران، لكنها لم تحصل بعد على كل ما تطلبه إدارة ترمب. وقال إن واشنطن «لا تثق» بالتعهدات الإيرانية وستتحقق من الأفعال، مشيراً إلى أن المحادثات تركز على تأمين الملاحة في المضيق وإزالة الألغام ووقف استهداف السفن التجارية.

وأضاف أن الإيرانيين أبلغوا الإدارة الأميركية بأنهم لا يعتزمون فرض رسوم على عبور السفن، رغم تصريحات إيرانية أخرى تناولت إمكان الحصول على مقابل لقاء خدمات بحرية.

سفينة قرب مضيق هرمز كما تبدو من مسندم في سلطنة عُمان الاثنين (رويترز)

شروط ما بعد التفاهم

وتقول إيران إن التوصل إلى اتفاق مع عُمان بشأن مسارات الملاحة لا يعني تلقائياً إعادة فتح المضيق.

وكان وزير الخارجية عباس عراقجي قد أعلن، الأحد، أن المفاوضات مع مسقط بلغت «المراحل النهائية»، لكنه شدد على أن إعادة فتح الممر تتوقف على تلبية واشنطن شروطاً أخرى.

ونفى عراقجي وجود مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، موضحاً أن الرسائل تنتقل عبر الوسطاء، واشترط لاستئناف المحادثات وقف ما تعده طهران خرقاً لمذكرة تفاهم إسلام آباد والتعويض عن الالتزامات التي تقول إن واشنطن انتهكتها.

وسبق أن أعلن محمد باقر ذو القدر، الذي كان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي قبل تعيين محسن رضائي خلفاً له الأحد، قائمة مطالب لإعادة فتح المضيق.

وتشمل المطالب وقف التهديدات الأميركية لإيران، وإنهاء الحرب والعمليات العسكرية ضد إيران وحلفائها في لبنان وفلسطين واليمن والعراق، ورفع الحصار البحري وسحب القوات الأميركية البحرية والجوية من محيط إيران.

كما طالب ذو القدر بدفع تعويضات كاملة عن أضرار الحرب، ورفع العقوبات، والإفراج من دون شروط عن الأصول الإيرانية المجمدة.

وجدد بقائي، الاثنين، موقف طهران من الحصار، قائلاً إن رفعه لا يمكن أن يعتمد على الدبلوماسية وحدها، لأنه «ليس إجراء دبلوماسياً».

وقال إن الدبلوماسية تمثل جزءاً من أدوات إيران، لكن مواجهة الحصار واستخدام القوة تتطلب، بحسب قوله، «القوة والقدرة العسكرية إلى جانب الدبلوماسية».

وأضاف أنه ما دام الحصار البحري الأميركي والانتهاكات الأخرى مستمرة، فلن تتوافر الظروف التي تسمح باعتبار مضيق هرمز ممراً آمناً بصورة طبيعية.

وفي أحدث بياناتها، أعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» أن أكثر من 20 سفينة حربية أميركية تنتشر في الشرق الأوسط ضمن المهمات العسكرية، بما في ذلك تطبيق الحصار على إيران.

وأضافت أنه حتى 9 أغسطس (آب)، أعادت القوات الأميركية توجيه 55 سفينة تجارية، وعطلت سفينتين، وصعدت على متن اثنتين أخريين لضمان الامتثال للحصار.

وكان مسؤول أميركي قد قال لـ«رويترز» إن واشنطن سترفع الحصار عن الموانئ الإيرانية بمجرد الإعلان عن اتفاق يسمح باستئناف حركة الشحن التجاري من دون عوائق، مضيفاً أن الخطوات الأميركية ستظل مرتبطة بوفاء إيران بالتزاماتها.

بحارة أميركيون يجرون أعمال صيانة لمقاتلات «إف/إيه - 18 إي سوبر هورنت» على متن حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» ضمن عمليات دعم الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)

قناة باكستان

وتزامنت المفاوضات بشأن مضيق هرمز مع نشاط دبلوماسي جديد بين طهران وإسلام آباد. وأعلنت وزارة الخارجية الباكستانية أن نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية إسحاق دار أجرى اتصالاً هاتفياً مع عراقجي، بحثا خلاله التطورات الإقليمية والجهود الرامية إلى تعزيز السلام والاستقرار.

وفي طهران، أعلن بقائي أن إيران تلقت دعوتين رسميتين لعراقجي ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف لزيارة باكستان. وقال إن الزيارتين ستجريان عندما تتوافر الظروف المناسبة، وإن العلاقات الثنائية ستكون في صدارة المحادثات.

وأشار إلى أن وزراء الاقتصاد والعلوم والصناعة والتعدين والتجارة والداخلية الإيرانيين زاروا باكستان خلال الأيام العشرة الماضية، وأجروا مباحثات في الملفات المرتبطة باختصاصاتهم.

وباكستان، إلى جانب قطر وعُمان، من الدول التي نشطت في نقل الرسائل بين طهران وواشنطن خلال مراحل مختلفة من الحرب والمفاوضات.

تحرك برلماني

وبالتوازي مع المسار الدبلوماسي، يواصل البرلمان الإيراني إعداد إطار تشريعي بشأن مضيق هرمز. وأعلن المتحدث باسم لجنة الإعمار عبد الجلال إيري إقرار الخطوط العامة لمشروع «العمل الاستراتيجي لتأمين أمن وتنمية مضيق هرمز والخليج العربي»، على أن تخضع تفاصيله لمزيد من الدراسة قبل إحالته إلى الجلسة العامة.

وكانت لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية قد أقرت الخطوط العامة للمشروع أيضاً. ويتناول المشروع تنظيم حركة السفن والقيود التي تريد طهران تطبيقها في المضيق، بالتزامن مع المفاوضات الجارية مع عُمان بشأن ترتيبات جديدة للملاحة.

وجاءت هذه التحركات بعد أيام من خلافات داخلية إيرانية بشأن كيفية إدارة ملف المضيق والمفاوضات مع واشنطن.

ونقل «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين أن الرئيس مسعود بزشكيان يدفع باتجاه التوصل إلى اتفاق بسبب مخاوف من تدهور الوضع الاقتصادي، فيما يرفض جناح داخل المؤسسة العسكرية تقديم تنازلات.

وكان بزشكيان قد قال إن الظروف الحالية تمثل «أفضل وقت» للتوصل إلى اتفاق، وإن الحرب لا يمكن أن تستمر إلى أجل غير محدد، داعياً إلى الخروج من حالة «لا حرب ولا سلام».

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة بندر عباس جنوب إيران الاثنين (أ.ف.ب)

وفي المقابل، أعلن «الحرس الثوري» أن المضيق سيظل مغلقاً حتى تقبل الولايات المتحدة جميع الشروط الإيرانية، ووصف المتحدث باسمه حسين محبي المضيق بأنه أصبح «ساحة جغرافية للمعركة».

وقال نائب رئيس البرلمان الإيراني علي نيكزاد، الاثنين، إن مضيق هرمز «لن يعود إلى الظروف التي كانت قائمة قبل الحرب»، معتبراً أن الولايات المتحدة وإسرائيل أدركتا، بعد المواجهة مع القوات الإيرانية، أن إعادة فتح المضيق «ليس لها حل عسكري»، وأن عليهما القبول بما وصفه بـ«النظام الجديد في المنطقة».

ونقل موقع البرلمان الإيراني عن نيكزاد قوله في اجتماع أن طهران «لا تعترف بأي مسار» للملاحة غير الذي يجري الاتفاق عليه مع سلطنة عُمان، وقال إن المسار الذي تحدده القوات المسلحة الإيرانية سيكون «المسار الوحيد الممكن» لعبور السفن، على أن تلتزم بالشروط التي تحددها الحكومة الإيرانية.


مقالات ذات صلة

واشنطن بين «إغراء الضربة» و«مكاسب التفاوض»

شؤون إقليمية مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)

واشنطن بين «إغراء الضربة» و«مكاسب التفاوض»

تتأرجح واشنطن بين إغراء توجيه ضربة عسكرية خاطفة لإيران ومكاسب التفاوض معها، في وقت لا تزال فيه فرص التسوية معلّقة على تنازلات إيرانية في الملف النووي، وفق طلب

«الشرق الأوسط» (لندن- واشنطن- طهران)
أوروبا رئيس وزراء البرتغال لويس مونتينيغرو (يمين) يصافح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (إ.ب.أ) p-circle

رئيس وزراء البرتغال يحذر القضاء من تسييس استخدام أميركا قاعدة جوية

دافع رئيس وزراء البرتغال، الجمعة، عن استخدام أميركا قاعدة لاغيس الجوية خلال الحرب على إيران، وقال إنه قانوني تماماً، وحث القضاء على عدم إصدار أحكام سياسية.

«الشرق الأوسط» (لشبونة)
شؤون إقليمية مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)

واشنطن توازن بين التصعيد العسكري وفرص التفاوض مع طهران

تتأرجح واشنطن بين إغراء توجيه ضربة عسكرية خاطفة لإيران ومكاسب التفاوض معها، في وقت لا تزال فيه فرص التسوية معلّقة على تنازلات إيرانية في الملف النووي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - طهران)
شؤون إقليمية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان (أ.ف.ب) p-circle

إيران تستبعد نجاح التفاوض مع أميركا في ظل «الضغوط والتهديدات»

اعتبر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الجمعة، أن نجاح المباحثات الرامية إلى إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، يبقى رهناً بغياب «الضغط والتهديدات».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» تبحر باتجاه ميناء لايم تشابانغ في محافظة تشونبوري بتايلاند للتوقف والاستراحة عقب انتشار طويل في الشرق الأوسط، يوم 2 سبتمبر 2026 (رويترز)

البنتاغون يعدّ خططاً لضرب إيران لـ«3 أيام» وترمب يؤجل القرار

يعدّ البنتاغون خيارات لضرب إيران خلال حملة تستمر ثلاثة أيام، فيما يؤجل ترمب أي هجوم إلى ما بعد الانتخابات، وسط حشد عسكري ومفاوضات مستمرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

واشنطن بين «إغراء الضربة» و«مكاسب التفاوض»

مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)
مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)
TT

واشنطن بين «إغراء الضربة» و«مكاسب التفاوض»

مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)
مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)

تتأرجح واشنطن بين إغراء توجيه ضربة عسكرية خاطفة لإيران ومكاسب التفاوض معها، في وقت لا تزال فيه فرص التسوية معلّقة على تنازلات إيرانية في الملف النووي، وفق طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعدما رفض خطة طهران لحصر التفاوض في قضية هرمز وفتح المضيق خلال 7 أيام.

وبينما يدرس الجيش الأميركي خيارات لشن حملة عسكرية مكثفة تستغرق 3 أيام، حسب مسؤولين أميركيين نقلت عنهم صحيفة «نيويورك تايمز»، يراهن تيار داخل الإدارة على الضغوط الاقتصادية ومنحها مزيداً من الوقت لإجبار طهران على تقديم تنازلات ملموسة.

وجاء تراجع ترمب عن شن هجوم وشيك ليطرح تساؤلات حول ما إذا كان قراره مرتبطاً بارتفاع أسعار النفط، أو بقناعة أن طهران تريد العودة الجادة إلى التفاوض.


واشنطن توازن بين التصعيد العسكري وفرص التفاوض مع طهران

مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)
مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)
TT

واشنطن توازن بين التصعيد العسكري وفرص التفاوض مع طهران

مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)
مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)

تتأرجح واشنطن بين إغراء توجيه ضربة عسكرية خاطفة لإيران ومكاسب التفاوض معها، في وقت لا تزال فيه فرص التسوية معلّقة على تنازلات إيرانية في الملف النووي، وسط خلافات بشأن شروط استئناف المحادثات وترتيب أولوياتها.

وبينما يدرس الجيش الأميركي خيارات لشن حملة عسكرية مكثفة تستغرق 3 أيام وتستهدف ترسانة الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، يراهن تيار داخل الإدارة الأميركية على أن الضغوط الاقتصادية تحتاج إلى مزيد من الوقت لإجبار طهران على تقديم تنازلات ملموسة.

وجاء تراجع الرئيس دونالد ترمب عن شن هجوم وشيك ليطرح تساؤلات بشأن ما إذا كان مرتبطاً بارتفاع أسعار النفط أو بمؤشرات على استعداد إيران للعودة إلى التفاوض.

وفي المقابل، يشترط الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان استبعاد الضغوط والتهديدات، فيما ينتظر الوسطاء القطريون رد طهران على مقترح أميركي يتضمن مطالب تتعلق ببرنامجها النووي، لتبقى احتمالات التسوية مفتوحة على مسارين متنافسين: التفاوض تحت ضغط التصعيد، أو العودة إلى المواجهة العسكرية.

مسارات متعثرة ومخاطر التصعيد

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

تجري هذه التطورات في وقت تواجه فيه الدبلوماسية صعوبات على أكثر من جبهة؛ فالمحادثات الأميركية - الإيرانية لا تزال عالقة بسبب الخلافات حول شروط التسوية والملف النووي. أما داخل الشرق الأوسط، فتبدو الخيارات الأميركية محكومة بتوازن دقيق بين الرغبة في إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، والخشية من الانجرار إلى مواجهة أوسع قد تستنزف الدفاعات الأميركية وتعرض الملاحة والمنشآت الإقليمية لمزيد من المخاطر.

وبينما تراهن طهران على رفع كلفة أي هجوم جديد، تسعى واشنطن إلى استخدام الضغط العسكري والاقتصادي لانتزاع تنازلات. لكن استمرار التصعيد البحري، إلى جانب اتساع الحشد العسكري وتباعد المواقف بشأن شروط التفاوض، يبقي احتمالات التوصل إلى تسوية سريعة محدودة، ويجعل المرحلة المقبلة اختباراً لقدرة الطرفين على احتواء المواجهة قبل انزلاقها إلى حرب أوسع.

وتزايدت مؤخراً مؤشرات التصعيد في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، على الرغم من استمرار الاتصالات الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب. ففي حين يدرس الجيش الأميركي خيارات لشن حملة عسكرية مكثفة تستغرق 3 أيام وتستهدف القدرات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية، صعّد «الحرس الثوري» تحركاته البحرية في مضيق هرمز، بينما شدّد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على أن أي اتفاق لن يكون ممكناً في ظل ما وصفه بالضغوط والتهديدات الأميركية.

وتأتي هذه التطورات وسط حشد عسكري أميركي متزايد في الشرق الأوسط، بينما تتباين التقديرات داخل الإدارة الأميركية بشأن جدوى استئناف العمليات العسكرية ومخاطرها.

خطط أميركية لحملة عسكرية مكثفة

حاملة الطائرات الأميركية «جورج واشنطن» خلال مشاركتها في فرض حصار بحري على إيران (رويترز)

وأعدّ الجيش الأميركي خيارات لاستئناف عمليات قتالية واسعة ضد إيران، تتضمن حملة مكثفة قد تستمر نحو ثلاثة أيام، وفق مسؤولين أميركيين نقلت عنهم صحيفة «نيويورك تايمز».

وتركز الخطط، التي أُعدّت بتوجيه من الرئيس دونالد ترمب، على استهداف ترسانة الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، التي أعاد «الحرس الثوري» بناء جزء كبير منها منذ المرحلة الأولى من الحرب. وقد تشمل الأهداف أيضاً منشآت للطاقة ومقار للقيادة العسكرية الإيرانية.

وناقش مسؤولون كبار، بقيادة نائب الرئيس جي دي فانس، الخيارات العسكرية خلال اجتماع في كامب ديفيد. وسبق أن رفض ترمب خمسة مقترحات لشن عمليات واسعة ضد إيران أو الحوثيين المدعومين منها في اليمن، في مؤشر على استمرار التردد داخل الإدارة بشأن الانتقال إلى مواجهة عسكرية أوسع.

ورغم الاستعدادات، لم يُحسم قرار استئناف الهجمات. فبينما يرى بعض المسؤولين أن الضغوط الاقتصادية تحتاج إلى مزيد من الوقت لدفع طهران إلى تقديم تنازلات، يدعو آخرون إلى حملة عسكرية محدودة تزيد الضغط عليها وتضعف قدرتها على التأثير في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.

وكان ترمب قد قال، الخميس، إن الولايات المتحدة لن تشن هجوماً جديداً على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)، مشيراً إلى أن الجانبين يجريان «مناقشات مثمرة».

3 حاملات طائرات أميركية

حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس ثيودور روزفلت» خلال تدريبات في 19 يونيو 2026 (البحرية الأميركية)

بالتوازي مع دراسة الخيارات الهجومية، تستعد الولايات المتحدة لتعزيز وجودها العسكري في المنطقة. ومن المتوقع أن تنضم حاملة الطائرات «ثيودور روزفلت» إلى حاملتين أخريين، في تجمّع بحري سيكون الأول من نوعه لثلاث حاملات طائرات أميركية في الشرق الأوسط منذ عام 2003.

وبحسب التقديرات الواردة في التقارير الأميركية، قد يتجاوز الحشد البحري بحلول نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 20 ألف بحار وعنصر من مشاة البحرية، إلى جانب مئات الطائرات، في إطار إعادة ترتيب القوات مع عودة حاملة الطائرات «جورج واشنطن» إلى قاعدتها في اليابان.

لكن توسيع الانتشار العسكري لا يخلو من تحديات؛ إذ يخشى مسؤولون أميركيون أن تكون إيران قد حسّنت تكتيكاتها الهجومية وقدرتها على استهداف القواعد والمنشآت الأميركية في المنطقة، بما قد يفرض استخدام كميات أكبر من الصواريخ الاعتراضية لحماية القوات والأصول العسكرية.

وأفادت معلومات استخباراتية، وفق أشخاص مطلعين عليها، بأن صوراً التقطتها أقمار اصطناعية تابعة لشركات صينية ساعدت إيران على تحسين استهداف القواعد الأميركية. وقد يزيد ذلك المخاوف من استنزاف مخزونات الأسلحة الدفاعية الأميركية في حال تجدد المواجهة على نطاق واسع.

مهاجمة ناقلة غاز عملاقة

أرشيفية لقارب حربي إيراني لـ«الحرس الثوري» خلال مناورة عسكرية في مضيق هرمز (إ.ب.أ)

على الجبهة البحرية، أعلن «الحرس الثوري» الإيراني، الجمعة، مهاجمة ناقلة الغاز العملاقة «إن في سانشاين» في بيان نقلته وسائل إعلام رسمية إيرانية، وأن قواته البحرية نفذت الهجوم في إطار ما وصفه بممارسة السيادة الإيرانية على المضيق، استناداً إلى أوامر القيادة العسكرية العليا.

وأضاف أن أي سفن ترتكب مخالفات خارج مضيق هرمز ستواجه العقاب أيضاً، في تهديد يوسّع نطاق التحذيرات الإيرانية من التعامل مع حركة الملاحة البحرية.

وتشير تقارير إلى أن إيران هاجمت ما لا يقل عن 13 سفينة منذ سبتمبر (أيلول)، وفق مجموعة مراقبة تابعة للبحرية البريطانية، بينما تقترب تقديرات استخباراتية أخرى من 20 سفينة. ولم تؤدِّ هذه الهجمات، بحسب التقارير، إلى رد عسكري أميركي واسع حتى الآن.

ويضع التصعيد البحري واشنطن أمام معادلة صعبة: فاستمرار الهجمات يهدد الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية للطاقة والتجارة العالمية، بينما قد يؤدي الرد العسكري إلى توسيع نطاق الحرب ورفع كلفتها على القوات الأميركية وشركائها الإقليميين.

بزشكيان: لا مفاوضات تحت التهديد

في المقابل، تمسكت طهران بشروطها السياسية للتوصل إلى تسوية. وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الجمعة، إن نجاح المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة يتوقف على غياب «الضغط والتهديدات»، مؤكداً أن الحوار لا يكتسب معنى ولا تتوافر له فرص النجاح إلا إذا استند إلى الاحترام والالتزامات المتبادلة.

وجاءت تصريحات بزشكيان خلال قمة رابطة الدول المستقلة في منتجع أفازا بتركمانستان، حيث التقى نظيره الروسي فلاديمير بوتين على هامش الاجتماعات.

ونقلت وسائل إعلام رسمية إيرانية عن الرئيس الإيراني قوله إن بلاده منخرطة في الحوار، لكن الولايات المتحدة «تعاود الهجوم في كل مرة نتفاوض معها». كما أكد أن طهران تريد التوصل إلى إطار نهائي لإنهاء الحرب، متهماً واشنطن بمحاولة فرض سياساتها ورؤيتها على الدول الأخرى.

وأضاف أن التوصل إلى حل سيكون مستحيلاً إذا أصرت الولايات المتحدة على اتباع نهج أحادي الجانب.

وتتمحور إحدى أبرز نقاط الخلاف حول ترتيب مناقشة الملف النووي. ففي حين تريد واشنطن بحثه أولاً، تصر طهران على تأجيله إلى المرحلة الأخيرة من المفاوضات، وهو خلاف يعقّد الجهود الرامية إلى تثبيت مسار تفاوضي قابل للاستمرار.

موسكو تعرض الوساطة

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان يوم 8 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وفي مسعى لإبراز دورها الدبلوماسي، جدّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعداد بلاده للمساعدة في تسوية الحرب في الشرق الأوسط، قائلاً إن موسكو مستعدة لبذل كل ما في وسعها للمساهمة في إنهاء النزاع.

واعتبر بوتين أن إيران بذلت «جهوداً حقيقية» لإنهاء الحرب التي اندلعت مع الضربات الأميركية والإسرائيلية عليها في 28 فبراير (شباط)، كما أشاد بما وصفه بالتطور الإيجابي في العلاقات الروسية - الإيرانية.

وعزز البلدان علاقاتهما الدبلوماسية والعسكرية منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022. وفي المقابل، تتهم كييف ودول غربية طهران بتزويد موسكو بطائرات «شاهد» المسيّرة وصواريخ قصيرة المدى استخدمت في الحرب الأوكرانية، فيما وُجهت إلى روسيا اتهامات بتزويد إيران ببيانات لتحديد الأهداف بغرض استهداف المصالح الأميركية في الشرق الأوسط.

وجاء اللقاء بين بوتين وبزشكيان بعد اتصال هاتفي بينهما، الأربعاء، قالت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية إنه تناول استعداد موسكو للتوسط من أجل إنهاء الحرب. وكان الرئيسان قد التقيا في سبتمبر على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في قرغيزستان، بعدما اجتمعا في تركمانستان في ديسمبر (كانون الأول) 2025.

ويعكس التحرك الروسي محاولة لتعزيز حضور موسكو في مسار التسوية، في وقت تتعثر فيه الاتصالات بين واشنطن وطهران، وتبقى فيه فرص التوصل إلى اتفاق رهناً بتجاوز الخلافات بشأن شروط التفاوض وترتيب الملفات المطروحة.


«الحرس الثوري» الإيراني يعلن مهاجمة ناقلة خلال عبورها مضيق «هرمز»

قارب يمر بجانب ناقلة نفط في مضيق «هرمز» قبالة بندر عباس يوم 6 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
قارب يمر بجانب ناقلة نفط في مضيق «هرمز» قبالة بندر عباس يوم 6 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

«الحرس الثوري» الإيراني يعلن مهاجمة ناقلة خلال عبورها مضيق «هرمز»

قارب يمر بجانب ناقلة نفط في مضيق «هرمز» قبالة بندر عباس يوم 6 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
قارب يمر بجانب ناقلة نفط في مضيق «هرمز» قبالة بندر عباس يوم 6 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

أعلن «الحرس الثوري» الإيراني، الجمعة، مهاجمة ناقلة غاز في أثناء محاولتها عبور مضيق «هرمز» عبر «مسار غير قانوني»، في حين تسعى طهران إلى فرض سيطرتها على المضيق منذ بدء الحرب في الشرق الأوسط.

كما أفادت جهات تتبّع حركة الملاحة البحرية، الجمعة، بأن مقذوفاً مجهول المصدر تسبَّب في اندلاع حريق على متن سفينة قبالة سواحل الإمارات، لكنها أشارت إلى سفينة مختلفة.

وأوضح «الحرس الثوري»، في بيان أوردته وسائل إعلام رسمية إيرانية، أن قواته البحرية تلبي «أوامر القائد الأعلى للقوات المسلحة ورغبة الشعب الإيراني بممارسة السيادة على مضيق هرمز».

وأضاف، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنه قام في هذا الإطار «قبل ساعات، بضرب ناقلة الغاز العملاقة إن في سانشاين (NV Sunshine)... خلال محاولتها المرور عبر المسار غير القانوني جنوب مضيق هرمز».

وتصرُّ إيران على أن تطلب السفن إذنها لسلوك المسار الذي تفضِّله في المضيق الحيوي لصادرات المحروقات من الخليج.

لكن عدداً متزايداً من السفن أبدى مخاطرة بسلوك مسار بديل يمرُّ بمحاذاة الساحل الجنوبي للمضيق المحاذي لسواحل سلطنة عمان.

وقالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كيه إم تي أو) إن سفينة تعرَّضت لضربة بمقذوف؛ ما أدى إلى نشوب حريق على متنها، خلال وجودها على بعد 13 ميلاً بحرياً (24 كيلومتراً) قبالة الجزيرة الحمراء في الإمارات، وإلى الجنوب الغربي من المضيق.

وأضافت الهيئة، في بيان، أن «وضع الطاقم وحجم الأضرار والأثر البيئي غير معروفة في الوقت الراهن، وأن السلطات تحقق في الأمر».

كما أبلغت شركة الأمن البريطانية «فانغارد» عن الحادثة، وحدَّدت هوية السفينة بوصفها ناقلة النفط الخام «جيم إن أو 2 (GEM NO 2)» التي ترفع علم بنما.

تأتي هذه الحادثة بعد أيام من استهداف ناقلة قبالة سواحل قطر، على بُعد نحو 500 كيلومتر غرب المضيق الحيوي.

تعرَّضت السفن الموجودة في الخليج وتلك التي تحاول عبور المضيق إلى هجمات متكررة منذ بدء الحرب بضربات أميركية - إسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط).

وتعطل إيران الملاحة في المضيق منذ ذلك الحين، رغم أن عدداً من السفن ينجح في العبور، كما أفادت وسائل إعلام أميركية بجهود عسكرية أميركية لحماية السفن التي تسلك المسار الجنوبي في «هرمز».

وفرضت الولايات المتحدة حصاراً مضاداً على الموانئ الإيرانية، وفتحت مراراً النار على سفن مرتبطة بطهران.

يؤدي مضيق «هرمز» دوراً حيوياً في الاقتصاد العالمي، إذ كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال قبل اندلاع الحرب.