غروسي: تفتيش المنشآت الإيرانية «سيحدث لا محالة»

طهران ترهن مناقشة الوصول للمواد النووية باتفاق نهائي مع واشنطن

مدير عام ​الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي (د.ب.أ)
مدير عام ​الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي (د.ب.أ)
TT

غروسي: تفتيش المنشآت الإيرانية «سيحدث لا محالة»

مدير عام ​الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي (د.ب.أ)
مدير عام ​الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي (د.ب.أ)

قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، الأربعاء، إن مفتشي الوكالة سيزورون المواقع النووية الإيرانية في إطار الاتفاق المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، في أقوى إشارة تصدر حتى الآن من الوكالة الأممية إلى أن عمليات التفتيش ستستأنف رغم الجدل القائم بين واشنطن وطهران بشأن نطاقها، وتوقيتها.

وتُعد الوكالة الدولية للطاقة الذرية الجهة الرئيسة المكلفة التحقق من وضع البرنامج النووي الإيراني، ومخزون اليورانيوم المخصب، وهو ما يجعل موقفها محورياً في تنفيذ التفاهم الذي توصلت إليه الولايات المتحدة وإيران الأسبوع الماضي لإنهاء الحرب، وفتح مسار تفاوضي يمتد 60 يوماً.

وقال غروسي خلال مؤتمر صحافي عقده في محطة فوكوشيما داييتشي للطاقة النووية في اليابان إن هناك «مذكرة تفاهم وقعها رئيسا البلدين»، مشيراً إلى أن الاتفاق «ينص صراحة على أن الأنشطة النووية المتعلقة بالمواد والمنشآت النووية ستخضع لإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالكامل».

وأضاف: «من الواضح أننا سنحتاج إلى إجراء عمليات تفتيش. وسواء حدث ذلك بعد غد، أو خلال أسبوع، أو بعد عشرة أيام، فهذا أمر مهم، لكنه ليس جوهرياً. ما أستطيع قوله هو أن ذلك سيحدث».

ووصف غروسي التناقض القائم حالياً بين المواقف الأميركية والإيرانية بشأن عمليات التفتيش بأنه «حرب كلمات»، في إشارة إلى التصريحات المتضاربة التي صدرت الثلاثاء من الجانبين حول ما إذا كانت المواقع النووية الإيرانية ستفتح أبوابها أمام مفتشي الوكالة.

وجاء توصيف غروسي بعد يوم من تباين واضح بين واشنطن وطهران؛ إذ قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن إيران وافقت على عمليات تفتيش «على أعلى مستوى»، ولفترة طويلة، بينما قالت الخارجية الإيرانية إن أي تفتيش جديد للمنشآت النووية المتضررة غير مطروح حالياً.

ونقلت وكالة «رويترز»، عن غروسي قوله إن الوكالة ستجري عمليات تفتيش في إيران «بالفعل»، موضحاً أن المناقشات الجارية مع طهران تتركز حالياً على الجوانب التنفيذية للعملية.

وأضاف: «سنعمل قريباً جداً على تحديد الآليات، والتفاصيل العملية، بما في ذلك المواعيد، والإجراءات، والأماكن».

واستند غروسي إلى مذكرة التفاهم الموقعة بين واشنطن وطهران، قائلاً إن الفقرة الثامنة منها تنص صراحة على أن الأنشطة المتعلقة بالمواد والمنشآت النووية ستخضع لإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وأضاف أن إجراء عمليات التفتيش «سيحدث حتماً» إذا كانت إيران تعتزم الالتزام بالاتفاق.

وكانت الولايات المتحدة وإيران قد وقعتا الأسبوع الماضي مذكرة تفاهم من 14 بنداً تضمنت مبادئ عامة لإنهاء الحرب، ومهدت الطريق أمام مفاوضات تمتد 60 يوماً للتوصل إلى تفاهمات أكثر تفصيلاً بشأن القضايا الخلافية، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، وآليات الرقابة الدولية، والعقوبات.

وقالت طهران إن المحادثات الفنية التي أعقبت لقاء بورغنستوك انتهت إلى تشكيل أربع مجموعات عمل لتنفيذ تفاهم إسلام آباد، تشمل رفع العقوبات، والملف النووي، وإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، والرقابة على التنفيذ، على أن تعمل تحت إشراف اللجنة العليا للمفاوضات.

وتكتسب تصريحات غروسي أهمية خاصة، لأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تتمكن منذ حرب الـ12 يوماً بين إيران وإسرائيل في يونيو (حزيران) 2025 من الوصول إلى مواقع التخصيب الرئيسة التي يُعتقد أن إيران تحتفظ فيها بمخزون من اليورانيوم عالي التخصيب.

ومنذ تلك الحرب، سمحت طهران لمفتشي الوكالة بزيارة عدد من المنشآت النووية الأخرى، بينها محطة بوشهر للطاقة النووية، لكنها منعتهم من دخول مواقع التخصيب التي تعتبر الأكثر حساسية في البرنامج النووي.

صورة من القمر الاصطناعي تُظهر حفراً في منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم عقب غارات جوية أميركية في يونيو الماضي (رويترز)

وتقول الوكالة إن عدم الوصول إلى تلك المواقع يحول دون التحقق من وضع مخزون اليورانيوم الإيراني، أو فحص سلاسل أجهزة الطرد المركزي المستخدمة في عمليات التخصيب.

كما تقول الوكالة إنها لم تتلق حتى الآن معلومات من إيران بشأن مصير الكميات التي نجت من الضربات الأميركية، والإسرائيلية، أو أماكن وجودها الحالية، وهو ما يجعل استئناف عمليات التفتيش عنصراً أساسياً في أي ترتيبات رقابية مقبلة.

وكانت الوكالة قدّرت قبل اندلاع الحرب أن إيران تمتلك 440.9 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60 في المائة. ووفق معايير الوكالة، فإن هذه الكمية تكفي نظرياً لإنتاج نحو عشرة أسلحة نووية إذا جرى رفع مستوى التخصيب إلى نحو 90 في المائة.

كما أن إيران تبقى الدولة الوحيدة غير المالكة لسلاح نووي وتقوم بتخصيب اليورانيوم حتى مستوى 60 في المائة، وهي نسبة تقل عن مستوى الاستخدام العسكري، لكنها تتجاوز بكثير احتياجات البرامج النووية المدنية التقليدية.

وقال غروسي إن الوكالة تعتقد أن أكثر من 200 كيلوغرام من هذا المخزون كانت محفوظة داخل مجمع أنفاق في أصفهان بوسط إيران، وهو موقع تعرض لهجمات خلال الحرب، لكنه لم يتعرض، وفق تقديرات الوكالة، لأضرار جسيمة.

وتنص إحدى الركائز الأساسية للاتفاق المؤقت بين واشنطن وطهران على خفض مستوى تخصيب مخزون اليورانيوم الإيراني من المستويات المرتفعة الحالية، وهو ما يجعل عودة المفتشين الدوليين شرطاً عملياً للتحقق من تنفيذ هذا الالتزام.

ورد كاظم غريب آبادي، نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون الدولية والقانونية، على تصريحات غروسي قائلاً إنه لا توجد أي خطة حالياً للسماح بالوصول إلى المنشآت التي تعرضت للهجوم، أو إلى المواد النووية.

وقال غريب آبادي، الذي يقود فريق الخبراء الإيرانيين في المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة، إن محادثات سويسرا لم تشهد أي اجتماع مع غروسي، «رغم طلبه»، مضيفاً أن مسائل الوصول إلى المنشآت المتضررة والمواد النووية لن تُبحث إلا في إطار الاتفاق النهائي، وبعد تنفيذ الطرف المقابل خطوات عملية لإنهاء جميع العقوبات.

وأضاف أن طهران لن تقبل ما وصفه بسياسة «افعلها ثم اجعلها أمراً واقعاً» عبر الضجيج الإعلامي.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، الثلاثاء، إن مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ليسوا مدعوين حالياً لتفتيش المواقع النووية التي تعرضت للقصف الأميركي، والإسرائيلي، نافياً وجود خطط في الوقت الراهن للسماح بمثل هذه الزيارات.

وقد رد ترمب على الموقف الإيراني قائلاً إن طهران «مخطئة» في حديثها عن عدم وجود خطط للسماح لمفتشي الوكالة بتفتيش المواقع النووية المتضررة، مضيفاً أن مفتشي الوكالة سيكونون «على الأرض» في إيران «في الوقت المناسب».

وكان بقائي يرد بذلك على تصريحات أدلى بها نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس الذي قال إن إيران وافقت خلال محادثات سويسرا على السماح بعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ويأتي هذا الجدل في وقت بدأت فيه الأطراف تنفيذ أول بنود الاتفاق المؤقت الذي يقضي بخفض مستوى تخصيب اليورانيوم الإيراني مقابل إعفاءات مرتبطة بالعقوبات على صادرات النفط الإيرانية، مع منح الجانبين مهلة شهرين للتفاوض على اتفاق أشمل.

غير أن الهدنة التي أتاحتها مذكرة التفاهم تعرضت بالفعل لاختبارات مبكرة، مع استمرار التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، وتجدد أعمال العنف في لبنان بين إسرائيل و«حزب الله»، وإن لم تتطور حتى الآن إلى مواجهة واسعة.

وتزامنت تصريحات غروسي مع جولة إقليمية لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في الخليج العربي. وبدأ روبيو جولته بزيارة أبوظبي، حيث عقد اجتماعاً مغلقاً، وغداء عمل مع رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، قبل أن يتوجه إلى الكويت، ثم البحرين، لإجراء مباحثات مع قادة البلدين حول تنفيذ التفاهم الأميركي-الإيراني، وتداعياته الإقليمية.


مقالات ذات صلة

اتفاق «هرمز» يقترب وسط خلاف على السيطرة

شؤون إقليمية عناصر وطائرات تابعة لمشاة البحرية الأميركية على متن السفينة الهجومية البرمائية «يو إس إس بوكسر» خلال عمليات دعم تطبيق الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
p-circle

اتفاق «هرمز» يقترب وسط خلاف على السيطرة

قال مسؤول أميركي إن واشنطن تتوقع التوصل قريباً إلى اتفاق بين إيران وسلطنة عُمان بشأن مضيق هرمز، وإن الولايات المتحدة سترفع حصارها عن الموانئ الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية صورة التقطها قمر اصطناعي وقدّمتها شركة «فانتور» تُظهر مجمع أصفهان النووي حيث تخزّن إيران معظم مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب (رويترز)

حرب إيران... هل أوقفت البرنامج النووي أم أبطأته فقط؟

على الرغم من الضربات التي استهدفت ثلاثة مواقع نووية رئيسية في عامي 2025 و2026، يبدو أن طهران احتفظت بمخزون كافٍ من الوقود القريب من درجة صنع الأسلحة.

شؤون إقليمية طائرة مقاتلة أميركية من طراز «إف - 16» تتزود بالوقود جواً خلال دورية فوق مياه الشرق الأوسط (سنتكوم) p-circle

ماذا نعرف عن تفاصيل مسارات العبور بين عُمان وإيران؟ وهل من رسوم؟

أبطأت الخلافات حول السيادة على مضيق هرمز والآلية المستقبلية لإدارته مسار الاتفاق المرتقب بين إيران وسلطنة عُمان، رغم دخول المفاوضات مرحلة متقدمة.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران - واشنطن)
شؤون إقليمية فانس يتحدث خلال اجتماع مائدة مستديرة في مبنى آيزنهاور التنفيذي التابع للبيت الأبيض في واشنطن الأربعاء (أ.ب) p-circle 01:00

فانس: مفاوضات إيران معقدة ونظامها منقسم

قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن المفاوضات مع إيران ستكون «معقدة وشائكة»، وستستغرق وقتاً، عادّاً أن التقدم فيها لا يسير في خط مستقيم.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
شؤون إقليمية غريب آبادي (يسار الصورة) ينظر إلى وثيقة بيد محمد باقر قاليباف كبير المفاوضين مع الولايات المتحدة ورئيس البرلمان الإيراني وعبد الناصر همتي رئيس البنك المركزي الإيراني على هامش محادثات سويسرا (البرلمان الإيراني) p-circle

طهران: لا فتح لـ«هرمز» قبل تنفيذ الالتزامات

قال مسؤول إيراني كبير إن التفاهم بين طهران ومسقط بشأن الترتيبات الجديدة لعبور السفن التجارية في مضيق هرمز بات قريباً من مرحلته النهائية.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)