ماذا وراء إقالة هنغبي من مجلس الأمن القومي الإسرائيلي؟

عائلة نتنياهو كانت ترى ولاءه «منقوصاً»

رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي المقال تساحي هنغبي (وسائل إعلام إسرائيلية)
رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي المقال تساحي هنغبي (وسائل إعلام إسرائيلية)
TT

ماذا وراء إقالة هنغبي من مجلس الأمن القومي الإسرائيلي؟

رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي المقال تساحي هنغبي (وسائل إعلام إسرائيلية)
رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي المقال تساحي هنغبي (وسائل إعلام إسرائيلية)

أثار صدور قرار بإقالة رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنغبي ومطالبته بأن يترك منصبه فوراً ابتداءً من الأربعاء، بلا إنذار مسبق، تساؤلات عديدة حول الأسباب الكامنة وراء هذا التحرك المفاجئ، وعما إذا كانت هذه الخطوة نتاج خلاف سياسي محض.

فقد كانت مواقف هنغبي المعلنة تنُمّ عن ولاء شديد لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وقد وقف معه في السراء والضراء، ودافع عنه في قضية الفساد، بل ورافقه إلى المحكمة، وكان من المفترض أن يكون «آخر من ينبغي التفكير في فصله».

لكنَّ هذا لم يكن كافياً في نظر عائلة نتنياهو، بحسب تقارير منشورة في وسائل إعلام عبرية، منها صحيفة «يديعوت أحرونوت»، أشارت إلى أن الزوجة سارة كانت تعتبر ولاءه منقوصاً، وأن ابنه يائير كان يرى أنه «ضعيف الإيمان» بوالده، واتهمه بأنه لا يقف معه بـ«إخلاص».

وتقول مصادر سياسية في إسرائيل، وفقاً لما ذكرته هيئة البث «كان 11»، إن هنغبي شعر بأجواء غير مريحة من حوله في الأيام الأخيرة، فتوجه إلى نتنياهو يوم الأحد الماضي وسأله عن وضعه، فأجابه: «هذه شائعات مغرضة... اطمئن. أنت مستمر في رئاسة مجلس الأمن القومي لفترة طويلة».

ولكنه، وبعد يومين فقط، أبلغه أنه قرر تعيين شخص آخر في المنصب.

وأصدر هنغبي، مساء الثلاثاء، بياناً أعلن فيه انتهاء ولايته، قبل أن يصدر نتنياهو بياناً بهذا الصدد.

وقال هنغبي في بيانه: «أُبلغت اليوم بنيّة رئيس الحكومة تعيين رئيس جديد لمجلس الأمن القومي، وبناءً على ذلك ستنتهي ولايتي اليوم كمستشار للأمن القومي ورئيس للمجلس. وقد شكرتُ رئيس الحكومة على الفرصة في سنوات صعبة لصياغة سياسة إسرائيل الخارجية والأمنية، وعلى إمكانية إبداء موقف مستقل في نقاشات حسّاسة».

وتر حساس

شدد هنغبي في بيانه على أن «المعركة المتعددة الجبهات لم تنتهِ»، وعلى أن مهمة إعادة جميع الأسرى «لم تكتمل بعد». وأضاف أن «الواجب لم يتحقق أيضاً لضمان إبعاد فصائل غزة عن الحكم ونزع سلاحها -سواء بوسائل سياسية أو عسكرية- وضمان ألا تنعكس من غزة أي تهديدات على إسرائيل».

متظاهرون إسرائيليون يطالبون في تل أبيب بالإفراج عن جميع جثث الرهائن المحتجزين في غزة يوم 14 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

لكن هنغبي مسَّ وتراً حساساً عندما دعا في بيانه إلى إجراء تحقيق شامل في إخفاقات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، قائلاً: «أنا شريك في الإخفاقات؛ يجب إجراء تحقيق جذري لضمان استخلاص العِبَر واستعادة الثقة التي تصدّعت».

كما شدد على ضرورة «الحفاظ على الإنجازات العسكرية والسياسية وتعزيزها»، مضيفاً: «الأولوية رعاية العائلات الثكلى والمصابين جسدياً ونفسياً». وختم بقوله: «الأهم هو مداواة جراح المجتمع الإسرائيلي وتعزيز الوحدة».

وفي أعقاب هذا البيان، أعلنت رئاسة الحكومة الإسرائيلية أن نتنياهو «يشكر» هنغبي على خدمته خلال الأعوام الثلاثة الماضية في رئاسة مجلس الأمن القومي، ويتمنى له «النجاح في مسيرته المقبلة». وأضافت أن نتنياهو قرر تعيين نائب رئيس المجلس، غيل رايخ، قائماً بأعمال رئيس مجلس الأمن القومي اعتباراً من الأربعاء.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بمكتبه في القدس يوم الأربعاء (أ.ب)

وهنغبي واحد من عدد من الوزراء الذين يؤيدون تشكيل لجنة تحقيق رسمية في «إخفاقات» السابع من أكتوبر، ومن بينهم أيضاً وزير الزراعة آفي ديختر.

ويخشى نتنياهو تشكيل لجنة كهذه؛ فهي بموجب القانون تابعة لرئاسة المحكمة العليا، خصمه اللدود. كما أن هذه اللجنة لها صلاحيات من بينها توجيه اتهامات جنائية والتوصية بإقالة مسؤولين سياسيين وعسكريين. وهو يخشى أن توصي بمحاكمته بسبب إخفاقات السابع من أكتوبر. ولذلك، ولكي لا تنتشر هذه الظاهرة في «الليكود»، قرر إقالة أهم شخصية تؤيد إقامة لجنة تحقيق رسمية، حسبما أشار بعض التقارير.

«تكميم أفواه»

وانطلقت موجة عاصفة من ردود الفعل، إذ إن هذه الإقالة لم تأتِ صدفة في هذا الوقت بالذات، الذي يشهد حالة من عدم الرضا عن نتنياهو في اليمين عموماً، وفي حزب «الليكود» خصوصاً.

فبعض النواب وبعض الوزراء يتذمرون من قبول نتنياهو بخطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، واشتكوا من أنه وافق على «تدويل قضية الصراع» بعد 77 عاماً رفضت فيها إسرائيل مثل هذا التدويل.

كما يرصد البعض كيف يتجول مسلحو حركة «حماس» في غزة، ويقولون إن «حكومة اليمين الكامل» لم تفشل فقط في القضاء على الحركة، بل سكتت عن بقاء «حماس» كقوة عسكرية وبقوة «الحاكم» هناك.

ورغم منصب هنغبي العالي، فإن إقالته هو تحديداً كانت الأهون بالنسبة إلى نتنياهو؛ إذ لا ظهير سياسياً له في «الليكود». فقد ترك الحزب وذهب مع آرئيل شارون في سنة 2003 عندما انفصل عن «الليكود» لإقامة حزب «كديما». ثم عاد إلى «الليكود» قبل بضع سنوات. وفي الانتخابات الداخلية لقيادة الحزب وُضع في موقع متأخر، ولم يُنتخب للكنيست. لكن نتنياهو جلبه إلى جانبه، وعندما فاز بالحكم عينه رئيساً لمجلس الأمن القومي.

وخلال فترته، ضعفت مكانة المجلس في الحكومة ومؤسساتها. وعندما كان خبراؤه يختلفون مع نتنياهو، كان هنغبي يعرب عن موقف مؤيد لهم بهمس وبلا ضجيج.

ولأن هنغبي عاد إلى «الليكود» وحيداً، لم يكن له ظهير يستند إليه ولا مجموعة مقربين. لذلك اختير ليكون «درساً» لمن يفكرون في التمرد. وقد حذرت وسائل إعلام من أن هذه الإقالة ستؤدي إلى «تكميم أفواه» مسؤولين كبار قد يترددون في إبداء مواقف مخالفة لنتنياهو.

ونُشرت في إسرائيل تقارير أفادت بأن توجُّه نتنياهو للإطاحة بهنغبي بدا واضحاً في الأسابيع الأخيرة، بعد معارضته احتلال مدينة غزة في إطار عملية «عربات جدعون 2»، وتأييده «صفقة على مراحل» لتبادل الأسرى، ورفضه الهجوم الإسرائيلي على قطر لتصفية من تبقوا من قادة حركة «حماس» في وفد المفاوضات.

وقال هنغبي إن المواقف الإسرائيلية تثير موجة انتقادات في الولايات المتحدة، وقد عاقبه نتنياهو حين لم يدعُه لمرافقته في زيارته الأخيرة إلى واشنطن.

وقد حذر مراقبون من أن هذه الإقالة قد تدفع قادة الأجهزة والهيئات الأمنية إلى التردد في إعلان آرائهم المهنية إن هي خالفت توجّهات نتنياهو، بما يمسّ نقاشات غرف اتخاذ القرار.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تنشر نقاطاً على «الخط الأصفر» لجمع سلاح «حماس»

شؤون إقليمية مقاتلون من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» في خان يونس 20 فبراير 2025 (د.ب.أ)

إسرائيل تنشر نقاطاً على «الخط الأصفر» لجمع سلاح «حماس»

أقام الجيش الإسرائيلي على طول «الخط الأصفر» في قطاع غزة نقاطاً مخصصة لجمع الأسلحة من قطاع غزة، على الرغم من أن حركة «حماس» لم تقل أبداً إنها ستسلم السلاح.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي نجاة روبائي (وسط) تعانق أحد أحفادها بعد وصولهم مع والدتهم ضمن مجموعة تضم نحو اثني عشر فلسطينياً سُمح لهم بدخول غزة عقب إعادة فتح معبر رفح الحدودي (أ.ب)

عقب إعادة فتح معبر رفح...عناق ودموع بغزّة مع وصول عائدين للقطاع

بالدموع والعناق، استقبل سكان في غزة أقاربهم العائدين إلى القطاع المدمّر، ضمن دفعة أولى ضمّت 12 شخصاً عبر معبر رفح الحدودي مع مصر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية الشعار الجديد للجنة الوطنية لإدارة غزة المنشور على صفحتها على «إكس»

إسرائيل غاضبة بعد اعتماد «لجنة إدارة غزة» شعار السلطة الفلسطينية

أعربت إسرائيل عن غضبها، مساء الاثنين، بعد أن قامت «لجنة تكنوقراط قطاع غزة»، بتغيير شعارها إلى الشعار المستخدم من قِبل السلطة الفلسطينية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
أوروبا شاحنات محملة بالمواد الغذائية دخلت قطاع غزة عبر معبر كرم أبو سالم (أ.ب) play-circle

فرنسا: إصدار مذكرتَي جلب بحق ناشطتين بتهمة «التواطؤ في إبادة جماعية»

أصدر القضاء الفرنسي مذكرتَي جلب بشبهة «التواطؤ في إبادة جماعية» بحق ناشطتَين فرنسيتين - إسرائيليتين يُشتبه بمشاركتهما في تحركات لعرقلة دخول المساعدات إلى غزة.

«الشرق الأوسط» (باريس )
المشرق العربي رجل يسكب مشروباً ساخناً خارج خيمة في مخيم النصيرات للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«لجنة تكنوقراط غزة» للعبور إلى القطاع وسط تحديات «تسليم المهام»

تترقّب «لجنة تكنوقراط قطاع غزة» عملها في القطاع، بجانب تسلّم المهام من «حماس»، تنفيذاً لاتفاق وقف إطلاق النار المبرم قبل نحو 3 أشهر بين الحركة وإسرائيل.

محمد محمود (القاهرة)

طهران أمام اختبار دبلوماسي على وقع التهديدات

 حريق هائل اندلع الثلاثاء في سوق في غرب طهران، من دون أن تتضح أسبابه (إ.ب.أ)
حريق هائل اندلع الثلاثاء في سوق في غرب طهران، من دون أن تتضح أسبابه (إ.ب.أ)
TT

طهران أمام اختبار دبلوماسي على وقع التهديدات

 حريق هائل اندلع الثلاثاء في سوق في غرب طهران، من دون أن تتضح أسبابه (إ.ب.أ)
حريق هائل اندلع الثلاثاء في سوق في غرب طهران، من دون أن تتضح أسبابه (إ.ب.أ)

تواجه إيران اختباراً دبلوماسياً حساساً مع اقتراب موعد محادثات محتملة مع الولايات المتحدة، ووسط تصاعد التحذيرات العسكرية.

وتؤكد طهران استعدادها لكل السيناريوهات، مع الإبقاء على باب الدبلوماسية مفتوحاً.

وأعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أنه وجّه وزير الخارجية عباس عراقجي للسعي إلى تفاوض «عادل ومنصف» إذا توفرت بيئة خالية من التهديدات والتوقعات غير المعقولة، استجابة لطلبات حكومات إقليمية.

في غضون ذلك، أسقط الجيش الأميركي مسيّرة إيرانية من طراز «شاهد - 139»، قائلاً إنها اقتربت «بشكل عدائي» من حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»، وقال البيت الأبيض إن الإجراء كان مناسباً، مؤكداً الإبقاء على المحادثات المقررة. كما أفادت جهات بحرية بأن زوارق تابعة لـ«الحرس الثوري» اقتربت من ناقلة نفط أميركية في مضيق هرمز قبل أن تواصل السفينة مسارها، متجاهلة طلب تفتيشها من قبل السلطات الإيرانية.

من جهة أخرى، أفاد موقع «أكسيوس» بأن إيران طلبت نقل المحادثات من إسطنبول إلى سلطنة عُمان، وحصرها في الملف النووي وبصيغة ثنائية.

وأجرى المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، محادثات موسّعة في إسرائيل. وقال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي إن بنيامين نتنياهو أبلغ ويتكوف أن «إيران أثبتت مراراً أن وعودها غير موثوقة».


نتنياهو يبلغ ويتكوف أن السلطة الفلسطينية لن تكون جزءاً من إدارة غزة

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ب)
TT

نتنياهو يبلغ ويتكوف أن السلطة الفلسطينية لن تكون جزءاً من إدارة غزة

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ب)

أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف في القدس، الثلاثاء، أن السلطة الفلسطينية لن تكون «بأي شكل من الأشكال» جزءاً من إدارة قطاع غزة بعد الحرب.

وقال مكتب نتنياهو، في بيان عقب انتهاء الاجتماع، إن «رئيس الوزراء أوضح أن السلطة الفلسطينية لن تشارك في إدارة قطاع (غزة) بأي شكل من الأشكال».

وبموجب خطة وقف إطلاق النار في غزة التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لم يُحسم دور السلطة الفلسطينية بعد الحرب.


استبعاد «الترويكا الأوروبية» من محادثات إسطنبول حول الملف الإيراني

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو متحدثاً لمسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي بمناسبة اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل 29 يناير (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو متحدثاً لمسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي بمناسبة اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل 29 يناير (إ.ب.أ)
TT

استبعاد «الترويكا الأوروبية» من محادثات إسطنبول حول الملف الإيراني

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو متحدثاً لمسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي بمناسبة اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل 29 يناير (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو متحدثاً لمسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي بمناسبة اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل 29 يناير (إ.ب.أ)

إذا لم يطرأ أي تطور حتى الجمعة المقبل، الموعد المرتقب للمفاوضات الأميركية الإيرانية في إسطنبول، بمشاركة أطراف إقليمية، فإن الاتحاد الأوروبي سيكون غائباً عن هذا الاستحقاق الحاسم.

ويعوّل على محادثات إسطنبول أن تُبعد شبح الحرب المحتملة بين الولايات المتحدة وإيران عن منطقة الخليج الحسّاسة. وتجد «الترويكا الأوروبية» - فرنسا وبريطانيا وألمانيا - التي لعبت دوراً أساسياً لسنوات طويلة في مفاوضات الملف النووي الإيراني، نفسها، اليوم، خارج المشهد، بعدما كانت طهران ترفض الجلوس وجهاً لوجه مع مُوفدي «الشيطان الأكبر». غير أن المعطيات تغيّرت، ولم يعد التفاوض المباشر مع واشنطن، من المنظور الإيراني، محرَّماً كما كان في السابق.

وللتذكير، فإن جولات التفاوض الخمس المتنقلة التي جرت بين الطرفين بين أبريل (نيسان) ويونيو (حزيران) الماضيين، وقبيل حرب الـ12 يوماً، كانت تُعقد دائماً بحضور «الوسيط» العُماني.

وخلال الأشهر الثمانية المنقضية، رفض الطرف الإيراني استئناف المفاوضات مع نظيره الأميركي، سواء أكانت مباشرة أم غير مباشرة. في المقابل، عُقدت جلسة تفاوض واحدة على المستوى الوزاري مع «الترويكا الأوروبية»، في أواخر يوليو (تموز) الماضي، بإسطنبول.

ورغم توافق الطرفين آنذاك على استمرار التواصل، فإن الدور الذي اضطلعت به «الترويكا» داخل مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، خلال الصيف الماضي، ثم طلبها لاحقاً من مجلس الأمن إعادةَ تفعيل آلية «سناب باك» (الضغط على الزناد)، التي أُعيد، بموجبها، فرض حزم العقوبات الدولية الست على إيران، بعد أن كانت مجمّدة بموجب اتفاق عام 2015، أحدث قطيعة بين الجانبين.

المرشد الأعلى علي خامنئي متحدثاً خلال اجتماع بطهران في بداية فبراير (رويترز)

فإيران، التي سعت طويلاً إلى استمالة «الترويكا» إلى جانبها وحثّها على تبنّي مواقف أقل تشدداً من الموقف الأميركي، بدأت تنظر إليها بوصفها «تابعة» لواشنطن، وبالتالي «عديمة الفائدة» بالنسبة لها. وجاء قرار الاتحاد الأوروبي، الأسبوع الماضي، إدراج «الحرس الثوري» الإيراني على اللائحة الأوروبية للمنظمات الإرهابية، وفرض عقوبات على وزراء وشخصيات محورية في النظام الإيراني، ليكرّس هذا الطلاق مع «الترويكا»، وهو ما يفسّر عدم طلب طهران، مطلقاً، مشاركة أوروبية في الاجتماع المرتقب.

«سلم أولويات»

مِن بين أطراف «الترويكا» الثلاثية، تبدو فرنسا الأكثر «هجومية» في مقاربتها للملف الإيراني. فقبيل انطلاق محادثات الجمعة، طرحت باريس، بلسان وزير خارجيتها جان نويل بارو، رؤيتها لما ينبغي أن تفضي إليه هذه المحادثات، وما تتوقعه من الطرف الأميركي أن يتمسك به، علماً بأن الرئيس دونالد ترمب كان قد حدّد سلفاً ما يريد الحصول عليه مقابل الامتناع عن قصف إيران.

وفي حديث إلى صحيفة «ليبراسيون» نُشر الأحد الماضي، رأى بارو أنه «يتعين على النظام اغتنام الفرصة، عبر القبول بتنازلات كبرى، وإحداث تغيير جذري في نهجه». وطالب بأن «تتوقف إيران عن كونها مصدراً للتهديد لجوارها الإقليمي ولمصالحنا الأمنية»، داعياً، في الوقت نفسه، إلى أن «يستعيد الشعب الإيراني حريته، وأن يوضع حد للقمع، وأن يُطلق سراح السجناء، وأن تتوقف الإعدامات، وأن تُعاد خدمة الإنترنت».

وفي مقابلة صباحية مع القناة الثانية في التلفزيون الفرنسي، الثلاثاء، حدّد بارو سُلّم الأولويات الذي يرى أن على الطرف الأميركي الالتزام به، مشدداً على أن الأولوية الأولى يجب أن تكون وضع حد للقمع الدموي. وقال حرفياً: «إن القرار الأول يجب، بطبيعة الحال، أن يكون وضع حدٍّ لهذا القمع الدموي، ثم بعد ذلك فعلاً معالجة القضايا المتعلقة بالملف النووي، ومسائل الصواريخ الباليستية، ودعم المنظمات الإرهابية في المنطقة، وهي أمور تثير مشكلات أمنية كبرى للمنطقة، ولكن أيضاً لأوروبا».

وبرأيه، فإن «الجرائم الجماعية التي ارتكبها النظام يجب ألا تبقى بلا عقاب»، مضيفاً أن الإجراءات التي «اتخذناها، الأسبوع الماضي، كأوروبيين» تندرج في هذا الإطار. وخلص إلى أنه «يتعين على النظام أن يقبل تقديم تنازلات كبرى، وأن يغيّر بشكل جذري موقفه تجاه شعبه، وكذلك تجاه دول المنطقة، وتجاهنا نحن أيضاً؛ لأن سلوكه، منذ سنوات طويلة، يثير مخاوف أمنية جسيمة».

تراجع الدور الأوروبي

يريد بارو، من خلال ما يطرحه، أن ينزع من النظام الإيراني أنيابه في الداخل والخارج، بحيث إن ما تطالب به باريس لا يغيّر فحسب الأولويات الأميركية، بل يتجاوزها. فالرئيس الأميركي نسي، أو تناسى، الوضع الداخلي في إيران، الذي كان في الأساس الدافع الأول لعزمه التدخل عسكرياً لوقف «المجازر». ويشدد ترمب، اليوم، حصراً على المطالب الثلاثة الاستراتيجية التي باتت معروفة: سحب ورقة البرنامج النووي من إيران، عبر حرمانها من تخصيب اليورانيوم ومن الكميات المخصبة بنسبة 60 في المائة، وتحجيم برنامجها الصاروخي، وأخيراً تقليم أذرعها الإقليمية. وكأن باريس تسعى إلى فرض أجندة جديدة على ترمب تمس طبيعة وجوهر النظام الإيراني.

في ضوء ما سبق، وما تعدُّه طهران تهديداً مباشراً للنظام، لم يتأخر ردها على المواقف الفرنسية. فقد عدَّ إسماعيل بقائي، الناطق باسم «الخارجية» الإيرانية، في مؤتمره الصحافي، الاثنين، أن فرنسا تتصرف «كعامل مُخرِّب في أي مسار دبلوماسي»، وبالتالي «لا تملك أي مكانة قانونية أو أخلاقية للتدخل أو الإدلاء بأي تصريح في أي مسار دبلوماسي».

الدخان يتصاعد خلال حريق في سوق جنت آباد بطهران بإيران 3 فبراير (رويترز)

وأضاف بقائي، وفق ما نقلت عنه «وكالة إرنا» الرسمية، أن فرنسا «لعبت دوراً مخرِّباً فيما يتعلق بالقرار غير القانوني وغير اللائق للاتحاد الأوروبي بتصنيف (الحرس الثوري) تنظيماً إرهابياً». ودعا «الأطراف الفرنسية إلى العمل من أجل استعادة مصداقية ومكانة الاتحاد الأوروبي المتدهورة كفاعل كان يمكن أن يلعب دوراً إيجابياً وفعالاً في التفاعلات الدولية».

وتفسر الفقرة الأخيرة معنى الغياب الأوروبي عن اجتماع إسطنبول، المرتقب يوم الجمعة المقبل، إذ تعكس بوضوحٍ قناعة إيرانية بأن «الترويكا» والاتحاد الأوروبي تخلّيا عن لعب دور «إيجابي»؛ أيْ دور متوافق مع المصالح الإيرانية.

ورغم ذلك، لم تفقد فرنسا، ومعها الشريكتان الأخريان في «الترويكا»، الأمل في الاضطلاع بدورٍ ما، ولو في الحد الأدنى، دفاعاً عن مصالحها. وفي هذا السياق، قال بارو إن «الترويكا على اتصال وثيق مع الدول التي تقوم بالوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، ونحن ندعمها في هذا الجهد». كما يراهن على عامل آخر يتمثل في ملف رفع العقوبات عن إيران. فبعد تذكيره بأن «الترويكا» كانت في طليعة المفاوضات مع طهران، رأى أنه «في أي حال، إذا جاء الوقت الذي يغيّر فيه النظام موقفه بشكل جذري، وطُرحت مسألة رفع محتمل للحظر أو للعقوبات، فإن ذلك لا بد أن يمر عبر أوروبا»، باعتبار أنها فرضت سلسلة طويلة من العقوبات على إيران، كان آخِرها استهداف مسؤولين كبار وآخرين في «الحرس الثوري»، فضلاً عن التزامها بالعقوبات الدولية. وخلاصة موقفه أن «أوروبا ستشارك، بطريقة أو بأخرى، في هذه المباحثات».