الرئيس الإيراني يحذر أوروبا من «تعقيد التوتر» ويدعو لحلول دبلوماسية

بزشكيان لدول «منظمة شنغهاي»: نحتاج دعمكم ضد الضغوط الغربية

بزشكيان يلقي كلمة أمام قمة مجموعة «شنغهاي للتعاون» في تيانجين بشمال الصين (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان يلقي كلمة أمام قمة مجموعة «شنغهاي للتعاون» في تيانجين بشمال الصين (الرئاسة الإيرانية)
TT

الرئيس الإيراني يحذر أوروبا من «تعقيد التوتر» ويدعو لحلول دبلوماسية

بزشكيان يلقي كلمة أمام قمة مجموعة «شنغهاي للتعاون» في تيانجين بشمال الصين (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان يلقي كلمة أمام قمة مجموعة «شنغهاي للتعاون» في تيانجين بشمال الصين (الرئاسة الإيرانية)

حذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، القوى الأوروبية، من «تعقيد الأوضاع وزيادة التوتر»، إذا أصرت على اللجوء لآلية «سناب باك»، مشيراً إلى أن بلاده «مستعدة دائماً لإيجاد حل دبلوماسي لتسوية ملفها النووي».

ودعا بزشكيان دول «منظمة شنغهاي للتعاون»، إلى لعب دور «فعّال ومسؤول» في مواجهة ما وصفه بـ«الظلم والضغوط غير العادلة» المفروضة على إيران.

وأوضح في كلمته أمام قمة المنظمة، أن «الشعب الإيراني عانى على مدى السنوات الماضية، لا سيما في الأشهر الأخيرة، من محاولات فرض السلام بالقوة عبر العقوبات المتنوعة والاعتداءات العسكرية»، حسبما أوردت الرئاسة الإيرانية.

ودافع بزشكيان عن برنامج إيران النووي، قائلاً إن بلاده «تحركت خلال العقدين الماضيين ضمن إطار حقوقها القانونية، وسعت دائماً إلى إزالة أي غموض عبر الحوار والمفاوضات».

وقال بزشكيان إن إيران «تعرضت لاعتداء في يونيو (حزيران) الماضي، بينما كانت الولايات المتحدة تجلس إلى طاولة المفاوضات»، موضحاً أن التهديدات الأوروبية الحالية بإعادة فرض العقوبات الدولية، تأتي رغم «عدم التزام هذه الدول بتعهداتها»، ورغم خضوع الأنشطة النووية الإيرانية «لأشد الرقابات الدولية».

وأضاف أن «اللجوء إلى الخيار العسكري فشل في الماضي، وسيقابل بمقاومة بطولية من الشعب الإيراني»، محذراً من أن تفعيل آلية «سناب باك» لن يؤدي إلا إلى «تعقيد الأوضاع وزيادة التوتر».

بزشكيان يلقي كلمة أمام قمة مجموعة «شنغهاي للتعاون» في تيانجين بشمال الصين (الرئاسة الإيرانية)

وفعلت دول «الترويكا» الأوروبية، الخميس الماضي، مسار آلية «سناب باك»، لإعادة فرض العقوبات الأممية قبل أن تفقد قدرتها في منتصف أكتوبر (تشرين الأول)، على اتخاذ الخطوة.

وتستغرق العملية 30 يوماً، ويأمل الأوروبيون في أن تدفع هذه الخطوة، طهران، إلى تقديم التزامات بشأن برنامجها النووي بنهاية سبتمبر (أيلول)، تقنعهم بتأجيل اتخاذ إجراء ملموس.

وأشار بزشكيان إلى أن إيران توصي الولايات المتحدة وأوروبا بـ«التخلي عن سياسات المواجهة، والعودة إلى طاولة الدبلوماسية، للوصول إلى حل متوازن وعادل للأزمة النووية».

جاء ذلك في وقت قال فيه نائب وزير الخارجية الإيرانية كاظم غريب آبادي، إن لدى 3 قوى أوروبية فترة زمنية تتراوح بين 20 و30 يوماً، لمراجعة موقفها من تفعيل آلية «سناب باك»، مشيراً إلى أن أي تحرك لإعادة فرض العقوبات الأممية قد يقابله رد إيراني «متناسب».

وأجرت «الترويكا» الأوروبية عدة جولات من المحادثات مع طهران، بهدف الاتفاق على تأجيل الآلية منذ أن ضربت إسرائيل والولايات المتحدة منشآت إيران النووية في منتصف يونيو، لكن الدول الثلاث اعتبرت أن المحادثات التي جرت جولتها الأخيرة في جنيف الثلاثاء الماضي، لم تسفر عن التزامات ملموسة بما فيه الكفاية من إيران.

وقال الوزراء: «تلتزم (الترويكا) الأوروبية باستخدام كل أداة دبلوماسية متاحة لضمان عدم تطوير إيران سلاحاً نووياً. ويشمل ذلك قرارنا تفعيل آلية (إعادة فرض العقوبات) اليوم من خلال هذا الإخطار». وأضافوا: «ومع ذلك، يظل التزام (الترويكا) الأوروبية بالحل الدبلوماسي ثابتاً. وستستفيد (الترويكا) الأوروبية بشكل كامل من فترة الثلاثين يوماً التي تلي الإخطار من أجل حل المشكلة التي أدت إلى هذا الإخطار». وهددت إيران من قبل، باتخاذ «رد قاسٍ» في حال إعادة فرض العقوبات. ولوّحت في وقت سابق، بالانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي إذا فعّلت الدول الأوروبية الآلية.

وكان وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي، قد أعلن الخميس، استعداد طهران لاستئناف مفاوضات «عادلة»، إذا أبدى الغرب حسن النية. ودعا مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس، التي تعد منسقة للاتفاق النووي، إلى أن تتجنب القوى الغربية «الإجراءات التي تقوض فرص النجاح».

وقالت كالاس الجمعة، إن الأسابيع المقبلة تشكّل «فرصة» للتوصل إلى حل دبلوماسي لملف إيران النووي.

في هذا السياق، أوضح غريب آبادي أن طهران أبلغت العواصم الأوروبية، بأن إخطار تفعيل الآلية «غير قانوني، ولا يستند إلى أساس حقوقي»، مضيفاً أن بعض المنظمات الدولية «تتعامل مع الملف ضمن اعتبارات سياسية»، بحسب وسائل إعلام إيرانية.

وقال غريب آبادي إن الفترة الحالية «ليست فرصة لإيران وحدها، بل للأوروبيين أيضاً، لإعادة تقييم مواقفهم في هذا الملف».

والأحد، اتهم نائب الرئيس الإيراني، محمد رضا عارف، وسائل الإعلام الغربية، بـ«السعي إلى المبالغة» في تقييم آلية «سناب باك»، مضيفاً أن الدول الأوروبية الثلاث «لا تملك المؤهلات لبدء عملية استعادة العقوبات».

وقال عارف: «إذا تم تنفيذ آلية الاستعادة، فسيتم اتخاذ القرارات اللازمة بما يتناسب مع هذا الإجراء». وأضاف: «لسنا متطوعين للعقوبات، لكن تجربة العقود الأربعة الماضية أظهرت أن الأمة الإيرانية أكبر من أن تستسلم للعقوبات».

الوفد الإيراني خلال قمة مجموعة شنغهاي للتعاون في تيانجين بشمال الصين (الرئاسة الإيرانية)

وتجري طهران مشاورات مع الدول الأعضاء في «منظمة شنغهاي» للتعاون، خصوصاً روسيا والصين، في مسعى لعرقلة تحرك القوى الأوروبية بتفعيل آلية «سناب باك».

ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن غريب آبادي، قوله إن الصين وروسيا وباكستان تعارض آلية «سناب باك»، وعودة القرارات التي سبق أن ألغاها مجلس الأمن، في إشارة إلى 6 قرارات أممية مجمدة بموجب القرار 2231 الذي تبنى الاتفاق النووي.

ولفت غريب آبادي إلى أن الصين وروسيا عضوان دائمان في مجلس الأمن، بينما تشغل باكستان عضوية غير دائمة. كما ذكر أن مشاورات بلاده مع الدول الأعضاء في «منظمة شنغهاي للتعاون» أسفرت عن إدراج بنود في البيان الختامي للقمة الأخيرة، من بينها إدانة الهجمات الإسرائيلية والأميركية على إيران، بما في ذلك استهداف منشآت نووية، وهو ما عدّته المنظمة «مخالفاً للقانون الدولي».

وأضاف أن البيان تضمن أيضاً بنداً يؤكد أهمية التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن 2231، ورفض تطبيقه بشكل «انتقائي».

واقترحت روسيا والصين مشروع قرار لمجلس الأمن الدولي يمدد الاتفاق النووي الإيراني المبرم عام 2015 لمدة 6 أشهر، ويحث جميع الأطراف على استئناف المفاوضات فوراً. لكنهما لم تطلبا التصويت عليه بعد. وحذفت الدولتان، وهما حليفتان استراتيجيتان لإيران، عبارات مثيرة للجدل من مشروع القرار الذي اقترحتاه في البداية يوم الأحد، والذي كان من شأنه أن يمنع الدول الأوروبية الثلاث من إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة على إيران.

ومن المقرر أن يلتقي الرئيسان الصيني شي جينبينغ والروسي فلاديمير بوتين، نظيرهما الإيراني مسعود بزشكيان الاثنين، على هامش قمة في الصين.

وحضّت وزارة الخارجية الروسية، الأوروبيين، على مراجعة قرار إعادة فرض العقوبات، محذرة من أنه قد يؤدي إلى «عواقب لا يمكن إصلاحها».


مقالات ذات صلة

باكستان ترى «زخماً» لإعادة فتح «هرمز»

شؤون إقليمية بزشكيان يستقبل عاصم منير في طهران (الرئاسة الإيرانية)

باكستان ترى «زخماً» لإعادة فتح «هرمز»

قالت باكستان، الخميس، إنها ترى «زخماً» بالجهود الدبلوماسية لإعادة فتح مضيق «هرمز»، لكنها شددت على أن القرار النهائي بشأن استئناف الملاحة يعود إلى طهران وواشنطن.

«الشرق الأوسط» (لندن - إسلام آباد)
شؤون إقليمية صورة نشرها غروسي على منصة «إكس» من لقائه مع وزير الطاقة الأميركي كريس رايت في واشنطن

غروسي: المفاوضات النووية مع إيران في مأزق

قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي إن المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني متوقفة حالياً.

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن)
شؤون إقليمية الدخان يتصاعد في طهران بعد غارة جوية

6 تداعيات لـ6 أشهر من حرب إيران

بعد ستة أشهر على بدء الولايات المتحدة وإسرائيل شن ضربات على إيران تحولت الحرب التي وصفها الرئيس دونالد ترمب بأنها «نزهة صغيرة» إلى مأزق يلقى رفضاً واسعاً

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية عراقجي يستقبل نظيره القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في طهران (الخارجية الإيرانية)

مباحثات قطرية - إيرانية حول التهدئة و«هرمز»

يبدأ رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، الخميس، زيارة إلى طهران لمواصلة جهود الوساطة بين إيران والولايات المتحدة، وخفض التوتر.

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)
شؤون إقليمية إيرانية تحمل أكياس تسوق إلى جانب لافتة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في شمال طهران الثلاثاء 25 أغسطس الحالي (إ.ب.أ)

بزشكيان يدافع عن التفاوض: الحرب ليست حلاً

دافع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأربعاء، عن مواصلة المسار التفاوضي مع الولايات المتحدة، قائلاً إن الحرب «ليست دائماً طريقاً لتجاوز المشكلات».

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران - واشنطن)

البيت الأبيض: لا مفاوضات حالياً مع إيران وكل الخيارات مطروحة

تستمع المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء حديثه إلى الصحافيين في قاعدة أندروز بولاية ماريلاند يوم 21 أغسطس 2026 (أ.ب)
تستمع المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء حديثه إلى الصحافيين في قاعدة أندروز بولاية ماريلاند يوم 21 أغسطس 2026 (أ.ب)
TT

البيت الأبيض: لا مفاوضات حالياً مع إيران وكل الخيارات مطروحة

تستمع المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء حديثه إلى الصحافيين في قاعدة أندروز بولاية ماريلاند يوم 21 أغسطس 2026 (أ.ب)
تستمع المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء حديثه إلى الصحافيين في قاعدة أندروز بولاية ماريلاند يوم 21 أغسطس 2026 (أ.ب)

قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت، الخميس، إن الولايات المتحدة وإيران لا تجريان حالياً أي مفاوضات لإنهاء الحرب، في ظل تركيز واشنطن على تكثيف الضغط الاقتصادي على طهران، مشددة على أن جميع الخيارات لا تزال «مطروحة على الطاولة».

وأضافت ليفيت، في تصريحات لبرنامج «فوكس أند فريندز» على شبكة «فوكس نيوز»: «الهدف الأول للرئيس دونالد ترمب هو ضمان ألا تتمكن إيران من امتلاك سلاح نووي، وسيظل كذلك».

وتابعت: «لهذا نفذنا عملية (الغضب الملحمي) لتدمير جيشهم. والآن لدينا عملية (...) لتدمير اقتصادهم».

وقالت ليفيت: «لا توجد أي مفاوضات في الوقت الراهن، وسيستمر هذا الوضع إلى أن يشعر الرئيس بأنهم قد يجلسون إلى طاولة المفاوضات بهدف التوصل إلى نتائج. لم نرَ ذلك بعد».

وأضافت: «بالطبع، لا يزال يحتفظ بجميع الخيارات، كما أن الحصار البحري لا يزال سارياً».

وكان وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، قد حذر، الاثنين، من أن الدول قد تواجه عقوبات ما لم تقطع علاقاتها المالية مع إيران، ضمن حملة أطلق عليها «عملية المنبوذ الاقتصادي»، ووصفها أيضاً بأنها «يوم الإنزال الاقتصادي».

ولم تفرض وزارة الخزانة حتى الآن العقوبات الثانوية التي لوحت بها على الدول والشركات التي تواصل التعامل مع إيران.

ووصل رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى طهران، الخميس، في مسعى لإحياء الحوار الدبلوماسي، بعد تبادل الاتهامات بين الولايات المتحدة وإيران على خلفية تعهد واشنطن بتصعيد الضغوط الاقتصادية، التي عدّها مسؤول إيراني «حرباً اقتصادية شاملة».


6 أشهر من الحرب: أميركا تبحث عن انتصار... وإيران لمخرج من الحصار

أرشيفية لحاملة طائرات أميركية وسرب من المقاتلات في منطقة الخليج (أ.ف.ب)
أرشيفية لحاملة طائرات أميركية وسرب من المقاتلات في منطقة الخليج (أ.ف.ب)
TT

6 أشهر من الحرب: أميركا تبحث عن انتصار... وإيران لمخرج من الحصار

أرشيفية لحاملة طائرات أميركية وسرب من المقاتلات في منطقة الخليج (أ.ف.ب)
أرشيفية لحاملة طائرات أميركية وسرب من المقاتلات في منطقة الخليج (أ.ف.ب)

يعيش الشرق الأوسط على وقع معادلة أكثر تعقيداً مما كانت عليه عند بدء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران قبل ستة أشهر، فيما أطلقت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ما سمته «يوم حساب» اقتصادي لا سابق له منذ الحرب العالمية الثانية، وسط ضغوط متواصلة لإيجاد مخرج دبلوماسي لنزاع لم يؤدِّ بوضوح حتى الآن إلى نصر أميركي أو إلى هزيمة إيرانية.

وأدت الحرب، من جملة أمور كثيرة، إلى تعديل أولويات الضغوط الأميركية، سعياً إلى إرغام النظام الإيراني على الانصياع لمطالب إدارة الرئيس ترمب في ملفات تمتد من مضيق هرمز والبرنامج النووي مروراً بالصواريخ الباليستية والمسيَّرات ووصولاً إلى الجماعات والميليشيات الموالية لإيران في كلٍّ من العراق واليمن ولبنان.

ويعتقد الزميل الرفيع لدى معهد الشرق الأوسط في واشنطن، أليكس فاتانكا، أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في استمرار القتال، بل في غياب رؤية استراتيجية واضحة لدى الطرفين بشأن ما يريدان تحقيقه وكيفية الوصول إليه. وقال في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «واقع الذهاب إلى حرب كبرى من دون إطار استراتيجي واضح» بدأ الآن «يُلحق ضرراً بإدارة ترمب»، مضيفاً أن إدارة ترمب، بعد ستة أشهر من الصراع، تبدو كأنها «تحاول يومياً معرفة كيفية التنقل» في مسار شديد التعقيد والخطورة.

لافتة تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بجوار منظومة صواريخ إيرانية في ساحة آزادي بطهران (رويترز)

غير أن هذه الاستراتيجية تواجه معضلة أساسية، طبقاً للمدير المساعد لمشروع التهديدات الحرجة بين معهد «أميركان إنتربرايز إنستيتيوت» ومعهد دراسات الحرب الأميركي نيكولاس كارل، الذي لا يرى حتى الآن مؤشرات إلى استعداد النظام الإيراني للتراجع.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الحرب «دخلت ما يبدو أنها مرحلة جديدة» تتميز بمحاولة الولايات المتحدة «تطبيق ضغط اقتصادي أكبر حتى من السابق» أملاً في أن يدفع ذلك القادة الإيرانيين إلى تقديم تنازلات والتخلي عن «مطالبهم القصوى» في المفاوضات. ولكنه يضيف أن الإجراءات الأميركية «مؤثرة بالفعل»، وأن الاقتصاد الإيراني «يتخبط» تحت وطأة العقوبات، إلى جانب «مجموعة كاملة من المشكلات الهيكلية» التي يعانيها منذ سنوات.

عامل الوقت

ويوافقه مدير برنامجي الاستراتيجية والأمن القومي لدى مؤسسة «راند» البروفسور رافاييل كوهين، في أن تأثير العقوبات لن يظهر سريعاً، محذراً من أن نجاحها المحتمل يتوقف بدرجة كبيرة على قدرة إدارة ترمب على الإبقاء عليها لفترة طويلة بما يكفي لإحداث تغيير في حسابات القيادة الإيرانية.

ويقول في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن العقوبات «تحتاج إلى بعض الوقت حتى تصبح فعالة»، مضيفاً أن أي تأثير على النظام الإيراني «من المرجح ألا يحدث خلال أيام، أو حتى ربما أسابيع». وبدلاً من ذلك، تحتاج العقوبات إلى «فترات زمنية كبيرة» حتى تصبح مؤلمة بما يكفي لدفع القيادة الإيرانية إلى «تغيير مسار السياسة، إذا حدث ذلك أصلاً».

طائرة تابعة لمشاة البحرية الأميركية على متن السفينة «بوكسر» خلال عمليات دعم تطبيق الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)

هذه النقطة تضع ما تسميه الإدارة الأميركية «يوم الحساب الاقتصادي» أمام اختبار طويل الأمد. فالعقوبات قد تزيد الضغط على الاقتصاد الإيراني، لكن تحويل هذا الضغط إلى تنازل سياسي ليس أمراً مضموناً.

ويلاحظ كارل أنه «حتى الآن لا يبدو أن الضغط الاقتصادي الذي تفرضه الولايات المتحدة دفع كبار القادة في طهران إلى تغيير موقفهم التفاوضي». غير أن ذلك ربما يتغير مستقبلاً، مضيفاً أن أحد أسباب صعوبة المفاوضات هو أن القيادة الإيرانية الجديدة «تشعر بأنها مُمكّنة ومتعززة»، لأنها «نجت من حرب تقليدية عالية الكثافة مع الولايات المتحدة». وهذا الشعور، حسب تحليله، دفعها إلى إصدار مواقف أكثر تشدداً، ومنها القول إنها ستخرج من الحرب «في وضع استراتيجي أقوى» مع السيطرة على مضيق هرمز.

نقاط اصطدام

وهنا تكمن إحدى كبرى نقاط الاصطدام مع واشنطن، لأن إدارة ترمب رفضت قطعاً السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز بوصفه «خطاً أحمر» غير مستعدة للتنازل عنه. وهذه النتيجة أوصلت المفاوضات إلى «مأزق»، إذ «لا يبدو أن أي طرف مستعد للتنازل عن مطالب الطرف الآخر في الوقت الحالي».

ويستند كوهين إلى السجل «المختلط» للعقوبات الدولية. ففي بعض الحالات، نجحت في تحقيق أهدافها، بينما لم تؤدِّ حتى الجزاءات «الشديدة للغاية»، كما في الحال مع كوريا الشمالية وكوبا، إلى النتائج المرجوة. ويستنتج من ذلك أن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بما إذا كانت العقوبات مؤلمة، وإنما ما إذا كانت إدارة ترمب مستعدة «للاستمرار فيها على المدى الطويل» لمنحها الوقت الكافي حتى تؤثر في حسابات طهران. ويرى أن العقوبات هي «الخيار المفضل» لإدارة ترمب على المدى القصير، مقارنةً باستخدام القوة العسكرية على نطاق أوسع، لأسباب عديدة، منها الاعتقاد بأن الإدارة «لا تشعر بأن الحملة العسكرية أوصلتها إلى المكان الذي أرادت الوصول إليه».

ومن هذا المنظور، تصبح العقوبات محاولة لتحقيق أهداف واشنطن من دون العودة مباشرةً إلى الحرب الواسعة النطاق.

غياب التصور السياسي

يذهب فاتانكا إلى انتقاد ما سماه «غياب التصور السياسي الأوسع» لإدارة ترمب. فلا يتوقع «عودة فورية» إلى الحرب الشاملة، غير أنه لا يستبعد جولات جديدة من القتال خلال الأسابيع والأشهر المقبلة. وفي الوقت نفسه، يرى أن «الباب أمام اتفاق دبلوماسي مؤقت لا يزال مفتوحاً، بما في ذلك احتمال إحياء مذكرة التفاهم» التي جرى التوصل إليها في يونيو (حزيران) الماضي. ويستدرك أن الاتفاق المؤقت لن يكون كافياً وحده، كما أن «اتفاقاً آخر في حد ذاته ليس ضمانة للسلام الدائم»، لأن المطلوب هو «التزام جدي بعملية طويلة الأمد».

ويقترح مساراً يقوم على حوار مفتوح وتدريجي بدلاً من محاولة فرض مطالب قصوى على الطرف الآخر. ويقول إن على واشنطن وطهران «وضع أحلام اليقظة جانباً» والتركيز على ما هو «واقعي» و«مرئي وقابل للتنفيذ».

وهو كان يشير بذلك إلى مطالبة إدارة ترمب بإعلان النظام الإيراني استسلامه، مقابل دعوات إيران إلى خروج الولايات المتحدة من الشرق الأوسط.

ولدان يلهوان على الشاطئ فيما تعبر سفن تجارية بمضيق هرمز عند بندر عباس في إيران (أ.ب)

ويرى فاتانكا أن نقطة البداية الأكثر واقعية هي مضيق هرمز، الذي يمثل مصلحة مشتركة للطرفين، وإن اختلفت الأسباب. وبعد حل أزمة المضيق، يأتي الملف النووي، ثم قضايا أخرى يمكن التعامل معها وفق ترتيب الأولويات.

أما تغيير النظام بالقوة، فيتطلب استعداداً لعملية عسكرية واحتلال طويل الأمد لا يبدو أن الولايات المتحدة مستعدة له، ملاحظاً أن هناك «مقاومة مؤسسية للحرب» داخل وزارتي الحرب «البنتاغون» والخارجية ومؤسسات الأمن والسياسة الخارجية الأميركية.

ويعود كارل إلى التأكيد على أن المطالب الإيرانية «بالتأكيد غير واقعية». فهي لا تتعلق فقط بمضيق هرمز، وإنما تشمل أيضاً انسحاب القوات الأميركية من مواقع عسكرية حول الخليج، ورفع العقوبات، وتقديم مجموعة واسعة من التنازلات التي لم تكن أي إدارة أميركية سابقة مستعدة بجدية لتقديمها. أما الأهداف الأميركية، فيراها أكثر ارتباطاً بالمصالح الأمنية التقليدية لواشنطن. ويقول إنه «لا ينبغي أن يكون مقبولاً لأي شخص أن ينتهك طرف مارق مثل إيران القانون البحري الدولي بشكل صارخ» وأن يفرض مثل هذه الادعاءات بشأن دوره في مضيق هرمز.

وحتى الاتفاق النووي أصبح أكثر صعوبة من السابق، لكنه يرى أن الدفاع عن «حرية الملاحة وحرية التجارة» عبر هذا الممر الدولي «يجب أن يبقى أولوية».

«انزلاق» إلى الحرب

لكن الخطر الذي يُقلق كوهين أكثر لا يتعلق فقط بالتأثير الاقتصادي أو أسعار الطاقة، وإنما بسهولة تحول المواجهة الاقتصادية إلى صراع عسكري مفتوح. ويقول إن «الأمر لا يحتاج إلى الكثير للعودة إلى أعمال عدائية شاملة». فحادث واحد أو «رد فعل متسرع» يمكن أن يؤدي إلى تصعيد سريع. ويضرب مثالاً على ذلك باحتمال أن يقرر طرف ما إطلاق النار على سفينة حربية أو مهاجمة قاعدة أميركية.

ولهذا يلخص رافي الخطر في عبارة واضحة: من السهل جداً أن تنتقل المواجهة «من يوم الحساب الاقتصادي إلى شيء أكثر حركية وعسكرية، من دون الحاجة إلى قدر كبير من الخيال».

ويوافقه كارل الذي لا يرى أن خطر اندلاع حرب جديدة قد اختفى، بل هو «احتمال لا يزال كبيراً»، محذراً من أن الإدارة الأميركية قد تقرر، في مرحلة ما بعد الانتخابات النصفية، استئناف الضربات ضد إيران.

إيراني يمر أمام صورة للمرشد مجتبى خامنئي في طهران غداة توقيع اتفاق إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة (إ.ب.أ)

لكن السيناريو الذي يُقلقه أكثر هو أن تكون إيران هي التي تبدأ الجولة المقبلة.

في الوقت نفسه، لا تزال هناك قناة للتفاوض، وهو ما يثير سؤالاً حول ما إذا كانت العقوبات تهدف فعلاً إلى تغيير سلوك إيران أم إلى إجبارها على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أميركية أفضل.

وفي هذه المرحلة، يبدو أن مستقبل المواجهة سيتحدد بثلاثة عوامل مترابطة: قدرة العقوبات على إحداث ألم اقتصادي كافٍ، واستعداد واشنطن وطهران لتحمل مواجهة طويلة، وقدرة الطرفين على منع حادث محدود من التحول إلى حرب جديدة.


باكستان ترى «زخماً» لإعادة فتح «هرمز»

بزشكيان يستقبل عاصم منير في طهران (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان يستقبل عاصم منير في طهران (الرئاسة الإيرانية)
TT

باكستان ترى «زخماً» لإعادة فتح «هرمز»

بزشكيان يستقبل عاصم منير في طهران (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان يستقبل عاصم منير في طهران (الرئاسة الإيرانية)

قالت باكستان، الخميس، إنها ترى «زخماً» في الجهود الدبلوماسية لإعادة فتح مضيق «هرمز»، لكنها شدَّدت على أن القرار النهائي بشأن استئناف الملاحة يعود إلى طهران وواشنطن.

وقال المتحدث باسم «الخارجية» الباكستانية، طاهر أندرابي، خلال مؤتمر صحافي في إسلام آباد، إن زيارة قائد الجيش المشير عاصم منير إلى طهران، في وقت سابق هذا الأسبوع، جاءت في إطار «جهود متجددة» لإعادة فتح المضيق، وإحياء المسار الدبلوماسي.

وأضاف أندرابي: «نظل متفائلين بأن يتولد بعض الزخم نحو هذا الجانب المهم، أي فتح مضيق هرمز، لأنه يؤثر على الجميع من حيث اضطراب سلاسل الإمداد، لا سيما إمدادات الطاقة».

وأشار إلى استمرار التحركات بعد زيارة منير، لافتاً إلى «زيارات متابعة» واتصالات إقليمية أخرى، بينها زيارة رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى طهران، الخميس، ولقاؤه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.

وقال أندرابي إن هناك «جهوداً منسقة» للتوصل إلى تسوية، «خصوصاً فيما يتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز»، لكنه أضاف أن الأمر في نهاية المطاف يتطلب «قراراً سيادياً يجب اتخاذه في طهران وواشنطن».

وأوضح أن زيارة منير استهدفت إحياء مذكرة تفاهم يونيو (حزيران) بين إيران والولايات المتحدة، التي تضمنت ترتيبات مرتبطة بإعادة فتح المضيق قبل أن تنهار لاحقاً.

وأضاف أن وزير الخارجية الباكستاني، إسحاق دار، واصل اتصالاته الدبلوماسية بالتزامن مع زيارة منير، وأجرى محادثات مع نظرائه في تركيا ومصر ودول أخرى في المنطقة.

وتتزامن التحركات الباكستانية مع محادثات بين إيران وسلطنة عُمان بشأن ترتيبات جديدة للملاحة في مضيق «هرمز»، تشمل مقترحاً لإنشاء ممر مؤقت للسفن.

وسُئل أندرابي عمّا إذا كانت إسلام آباد ستدعم اتفاقاً بين إيران وعُمان لإعادة فتح ممر مؤقت إذا تضمَّن فرض رسوم على السفن التجارية، لكنه امتنع عن اتخاذ موقف مباشر.

وقال: «هذا جزء من النقاش الأوسع. لا أود التعليق على كل جانب محدد من هذا النقاش الكبير، سواء حق فرض الرسوم، أو حق الدول المطلة على المضيق في تحصيلها، أو الالتزامات المترتبة على الدول التي تمر سفنها عبره».