مؤتمر نيويورك أطلق حراكاً سياسياً لإحياء «حل الدولتين»

وعود الاعترافات بدولة فلسطين تتوالى

وزيرا الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان والفرنسي جان نويل بارو خلال الجلسة الإفتتاحية لمؤتمر حل الدولتين (أ.ف.ب)
وزيرا الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان والفرنسي جان نويل بارو خلال الجلسة الإفتتاحية لمؤتمر حل الدولتين (أ.ف.ب)
TT

مؤتمر نيويورك أطلق حراكاً سياسياً لإحياء «حل الدولتين»

وزيرا الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان والفرنسي جان نويل بارو خلال الجلسة الإفتتاحية لمؤتمر حل الدولتين (أ.ف.ب)
وزيرا الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان والفرنسي جان نويل بارو خلال الجلسة الإفتتاحية لمؤتمر حل الدولتين (أ.ف.ب)

أطلق مؤتمر نيويورك، الذي انعقد في الأمم المتحدة برعاية المملكة العربية السعودية ومشاركة فرنسية، حراكاً سياسياً باتجاه «حل الدولتين»؛ وبرزت معه وعود جديدة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، لحاقاً بإعلان باريس نيتها اتخاذ هذه الخطوة.

ففي بريطانيا، أعلن رئيس الوزراء كير ستارمر، بعد اجتماع استثنائي للحكومة، عزمه على اللحاق بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والاعتراف بالدولة الفلسطينية في سبتمبر (أيلول) المقبل حال لم تتخذ إسرائيل خطوات لتحسين الوضع في قطاع غزة وإحلال السلام، وهو ما كرره وزير خارجيته ديفيد لامي أمام مؤتمر نيويورك.

ومع ازدياد الضغوط في الداخل، أعلن ستارمر أنه سيُقدم على هذه الخطوة ما لم توقف إسرائيل حربها على غزة، وتفتح المعابر أمام تدفق المساعدات الإنسانية من دون عوائق، وتنخرط في محادثات سلمية جدية لوضع حد للنزاع الفلسطيني - الإسرائيلي.

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يلقي بياناً في لندن يوم الثلاثاء دعا فيه مجلس الوزراء إلى الانعقاد لبحث الوضع بغزة (رويترز)

ويبدو التجاوب الإسرائيلي مع هذه الشروط مستحيلاً، بالنظر إلى مواقف نتنياهو وفريقه الحكومي، كما يعني عملياً أن لندن -التي تتحمل مسؤولية تاريخية في قيام إسرائيل منذ «وعد بلفور» عام 1917- ستُقدم على هذا التحرك.

ولهذه الخطوة أهمية خاصة، إذ ستكون بريطانيا هي الدولة الثانية في «مجموعة السبع» التي تعترف بالدولة الفلسطينية، بعد فرنسا، والرابعة في مجلس الأمن من بين الدول الخمس دائمة العضوية. كما أن لها أهمية خاصة من حيث أنها تجعل الحراك الغربي «حراكاً جماعياً»، وهو ما كانت تراهن عليه باريس.

وجسَّد «نداء مؤتمر نيويورك» الداعي إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية والصادر عن 15 دولة غربية ما يشبه «الزلزال الأرضي»، وفق تعبير وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، إذ إنها المرة الأولى التي يُقدِم فيها الغربيون «جماعياً» على خطوة كهذه.

والدول الخمس عشرة هي: أستراليا، وكندا، وفنلندا، وفرنسا، والنرويج، وإسبانيا، والبرتغال، وآيرلندا، وسلوفينيا، ولوكسمبورغ، ومالطا، ونيوزيلندا، وآيسلندا، وسان مارينو، وأندورا.

ومن بين الدول المذكورة، أعلنت مالطا رسمياً أنها سوف تعترف بالدولة الفلسطينية؛ فيما تتأهب كندا لذلك، وكذلك فنلندا. وترى مصادر فرنسية أن البرتغال مهيَّأة بدورها لهذا الاعتراف.

وقد جاء في إحدى فقرات «النداء»: «لقد اعترفنا، أو عبَّرنا أو نعبّر عن استعداد بلداننا أو نظرتنا الإيجابية للاعتراف بدولة فلسطين، بوصفه خطوة أساسية نحو حل الدولتين؛ وندعو جميع الدول التي لم تقم بذلك بعد إلى الانضمام إلى هذا النداء».

كما ورد فيه: «نعرب عن عزمنا على العمل من أجل وضع هيكلية لليوم التالي في غزة، تضمن إعادة إعمار غزة، ونزع سلاح حركة (حماس)، واستبعادها من الحكم الفلسطيني».

العدوى الدبلوماسية

تنمّ صياغة الفقرة المذكورة عن رغبة جماعية في الإقدام وتشجيع آخرين على اللحاق بالركب. وتعترف بالدولة الفلسطينية، حتى اليوم، 149 دولة.

وتقول مصادر فرنسية إن إعلان ماكرون خطوة الاعتراف قبل أيام كان ذا هدف مزدوج: ممارسة ضغوط على الدول الأوروبية المترددة من جهة، وإعطائها الوقت الكافي حتى 21 سبتمبر، وهو الموعد المبدئي للقمة التي ستوَّجه الدعوة إليها في نيويورك حتى تبلور قرارها.

ونقلت وزارة الخارجية الفرنسية، الأربعاء، عن بارو قوله للأمين العام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إن هذا الاعتراف «يندرج ضمن ديناميكية سياسية شاملة دعمها المؤتمر، وتهدف إلى تحقيق الاعتراف بدولة فلسطين، وتطبيع العلاقات مع إسرائيل ودمجها إقليمياً، وإصلاح الحوكمة الفلسطينية، ونزع سلاح حركة (حماس) واستبعادها بالكامل، وتنفيذ ضمانات أمنية جماعية».

الأمين العام للأمم المتحدة يصافح وزير الخارجية الفرنسي خلال مؤتمر «حل الدولتين» في نيويورك (أ.ف.ب)

ولعل الفقرة الأخيرة من خريطة الطريق تختصر الهدف الأسمى للمؤتمر: «إنها فرصة تاريخية. لقد حان وقت العمل الحاسم والجماعي لإنهاء الحرب، وتحقيق إقامة الدولة الفلسطينية، وضمان السلام والكرامة لكلا الشعبين».

رغم الضغوط والتحذيرات

حظي المؤتمر بحضور واسع، إذ شاركت فيه 125 دولة، وكثير من المنظمات الدولية والإقليمية؛ كالاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، وما لا يقل عن 40 وزيراً للخارجية، رغم الضغوط الإسرائيلية والأميركية.

وإلى جانب تلك الضغوط، حذرت حملة داخلية استهدفت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بعد إعلانه العزم على الاعتراف بالدولة الفلسطينية رسمياً في «أسبوع الرؤساء والقادة» في الجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر سبتمبر، من تنفيذ بادرة «لن يكون لها أي تأثير» على مسار الأحداث في الشرق الأوسط؛ كما نبّهته من «العزلة الدبلوماسية» التي سيقع فيها لأنه ليست هناك أي دولة أوروبية أو غربية سوف تنضم إليه.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

واستبعد «المشككون» انبعاث «ديناميكية دبلوماسية - سياسية» لصالح حل الدولتين الذي أصبح، وفق رؤيتهم، «جزءاً من الماضي»، ليس فقط بسبب التغيرات السياسية والميدانية، ولكن أيضاً بسبب رفض إسرائيل الجذري قيام دولة فلسطينية.

وصوَّت الكنيست العام الماضي على قرار يرفض قيام دولة فلسطينية، كما تبنى الأسبوع الماضي قراراً يدعو الحكومة إلى ضم الضفة الغربية بأغلبية 71 صوتاً. وباختصار، فإن المشككين رأوا في «مؤتمر الدولتين» ضرباً من «الأوهام».

ودأبت السردية الإسرائيلية على التنديد بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، معتبرةً إياه «مكافأة لحماس وللإرهاب»، زاعمةً أنه سيؤول إلى «نسف مساعي الحل السلمي» و«الجهود المبذولة لوضع حد للحرب» في غزة.

لكن كل ما سبق لم يتحقق، بل حدث العكس تماماً.

فالرياض وباريس نجحتا في مسعيهما الهادف إلى إعادة إحياء «حل الدولتين» الذي غاب طويلاً.

وخلال يومين فقط، كان تركيز ثلثي بلدان العالم على «خريطة الطريق» التي تمت بلورتها طيلة أسابيع طويلة بفضل جهود ثماني مجموعات عمل مزدوجة الرئاسة، عربية ودولية، انكبَّت على صياغة مقترحات عامة وشاملة وعملية حول كيفية وضع حد للنزاع والذهاب نحو شرق أوسط مندمج أمنياً واقتصادياً وإنسانياً.

وبرز ذلك في «الوثيقة النهائية» المكونة من 7 صفحات والتي صدرت مع انتهاء أعمال المؤتمر، يوم الثلاثاء.

وقال وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، إن الوثيقة «تتضمن مقترحات شاملة للمحاور السياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية والقانونية والسردية الاستراتيجية، وهي تشكل إطاراً متكاملاً وقابلاً للتنفيذ من أجل تطبيق حل الدولتين وتحقيق السلم والأمن للجميع».

ودعا الوزير السعودي إلى «تأييد الوثيقة الختامية» قبل اختتام الدورة التاسعة والسبعين للجمعية العامة عن طريق إبلاغ البعثة السعودية أو الفرنسية في نيويورك بذلك.


مقالات ذات صلة

فرنسا تستضيف اجتماعاً مخصصاً لحل الدولتين في يونيو

أوروبا وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رويترز)

فرنسا تستضيف اجتماعاً مخصصاً لحل الدولتين في يونيو

أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الخميس، أن باريس ستستضيف اجتماعاً دولياً في 12 يونيو (حزيران) مخصصاً لحل الدولتين للنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الخليج شددت السعودية على حق الدول الأطراف في الاستخدام السلمي للطاقة النووية دون قيود إضافية (الشرق الأوسط)

السعودية تُشدد على أهمية التنفيذ الكامل لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية

شدَّدت السعودية على أهمية التنفيذ الكامل لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، مؤكدة في الوقت ذاته أن تحقيق السلام في المنطقة يتطلب وقف إطلاق النار في غزة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي عرب البرغوثي نجل القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي خلال مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) p-circle

عرب البرغوثي: والدي مروان يمكنه قيادة «تجديد ديمقراطي» في فلسطين

لا يزال مروان البرغوثي، رغم مُضيّ 24 عاماً على اعتقاله، يشكّل رمزاً جامعاً للشعب الفلسطيني وقضيّته، كما يقول نجله عرب، في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس خلال اجتماع للتحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين في بروكسل الاثنين (إ.ب.أ) p-circle

السلطة الفلسطينية ماضية في «إصلاح شامل»... لكنها تخشى مخططات إسرائيل

قال رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، إن السلطة تعمل على إصلاح شامل استعداداً للدولة الفلسطينية المرجوة، لكن «إسرائيل تقوض الدولة والسلطة معاً بشكل منهجي».

كفاح زبون (رام الله)
أوروبا نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو (يسار) والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية نائبة الرئيس كايا كالاس (وسط) ورئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى (يمين) خلال الاجتماع التاسع للتحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين ببروكسل (أ.ف.ب)

الاتحاد الأوروبي يؤكّد دعمه للسلطة الفلسطينية وحل الدولتين

أكّد الأوروبيون دعمهم للسلطة الفلسطينية وحل الدولتين، اليوم الاثنين، في وقتٍ تصرف الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران الأنظار عن غزة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

بوادر اقتراب من اتفاق ينهي الحرب

صورة نشرتها قيادة "سنتكوم" أمس ستظهر حاملة الطائرات "جورج إتش دبليو بوش" لدى إبحارها قرب بحر العرب (سنتكوم) وفي الإطار وزيرا الخارجية الصيني والإيراني لدى لقائهما في بكين أمس (أ.ب)
صورة نشرتها قيادة "سنتكوم" أمس ستظهر حاملة الطائرات "جورج إتش دبليو بوش" لدى إبحارها قرب بحر العرب (سنتكوم) وفي الإطار وزيرا الخارجية الصيني والإيراني لدى لقائهما في بكين أمس (أ.ب)
TT

بوادر اقتراب من اتفاق ينهي الحرب

صورة نشرتها قيادة "سنتكوم" أمس ستظهر حاملة الطائرات "جورج إتش دبليو بوش" لدى إبحارها قرب بحر العرب (سنتكوم) وفي الإطار وزيرا الخارجية الصيني والإيراني لدى لقائهما في بكين أمس (أ.ب)
صورة نشرتها قيادة "سنتكوم" أمس ستظهر حاملة الطائرات "جورج إتش دبليو بوش" لدى إبحارها قرب بحر العرب (سنتكوم) وفي الإطار وزيرا الخارجية الصيني والإيراني لدى لقائهما في بكين أمس (أ.ب)

برزت بوادر انفراجة في الحرب الأميركية - الإيرانية، بعدما اقترب الطرفان من التوافق على مذكرة تفاهم من صفحة واحدة لإنهاء الصراع. وجاء هذا بعدما اتخذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطوة مفاجئة بتجميد عملية «مشروع الحرية» في مضيق هرمز مع إبقاء الحصار البحري على إيران.

وأفاد موقع «أكسيوس» أن الصيغة المطروحة تشمل وقفاً مؤقتاً للتخصيب، ورفعاً تدريجياً للعقوبات، والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة، ورفع القيود عن مضيق هرمز ضمن مفاوضات تمتد 30 يوماً.

وأعرب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف عن أمله في أن يمهّد تعليق العملية الأميركية في المضيق إلى اتفاق طويل الأمد، شاكراً ترمب على «استجابته الكريمة» لطلب باكستان ودول شقيقة، خصوصاً السعودية وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لتعزيز السلام والاستقرار الإقليمي.

لكن رغم ذلك، حذّر ترمب، طهران، من ضربات «أقوى وأشد» إذا فشل الاتفاق.

في المقابل، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إصرار بلاده على «اتفاق عادل وشامل»، فيما حذر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف من أن «العدو» يسعى لضرب وحدة البلاد ودفعها إلى الاستسلام.

وأدّت بوادر الانفراجة إلى هبوط في أسواق الطاقة، إذ تراجع خام برنت إلى ما دون 100 دولار للبرميل، بينما ارتفعت شهية المخاطر في البورصات العالمية.


التحالف الدولي «مستعجل» لإرسال قوة تحفظ الأمن في «هرمز»

صورة نشرتها البحرية الوطنية الفرنسية في 6 مايو 2026 تُظهر سطح الطيران لحاملة الطائرات «شارل ديغول» خلال عبورها قناة السويس في طريقها إلى جنوب البحر الأحمر
صورة نشرتها البحرية الوطنية الفرنسية في 6 مايو 2026 تُظهر سطح الطيران لحاملة الطائرات «شارل ديغول» خلال عبورها قناة السويس في طريقها إلى جنوب البحر الأحمر
TT

التحالف الدولي «مستعجل» لإرسال قوة تحفظ الأمن في «هرمز»

صورة نشرتها البحرية الوطنية الفرنسية في 6 مايو 2026 تُظهر سطح الطيران لحاملة الطائرات «شارل ديغول» خلال عبورها قناة السويس في طريقها إلى جنوب البحر الأحمر
صورة نشرتها البحرية الوطنية الفرنسية في 6 مايو 2026 تُظهر سطح الطيران لحاملة الطائرات «شارل ديغول» خلال عبورها قناة السويس في طريقها إلى جنوب البحر الأحمر

أمران رئيسيان دفعا باريس إلى الاستعجال في طرح تفعيل المبادرة المشتركة التي أطلقتها مع بريطانيا، والقائمة على تشكيل «تحالف دولي» لضمان حرية الإبحار في مضيق هرمز والتي جسدتها قمة الإليزيه يوم 17 أبريل (نيسان) الماضي التي تمت حضورياً ومن بُعد وبمشاركة 50 دولة، ثلاثون منها تمثلت برؤساء الدول والحكومات.

ويتمثل الأمر الأول في الصعوبات التي واجهتها مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب «مشروع الحرية» التي بدا سريعاً أن العمل بها مقرون بكثير من المخاطر. والثاني، مشروع القرار المشترك المقدَّم إلى مجلس الأمن الدولي الذي يُتوقع أن تطول المناقشات بشأنه أياماً طويلة.

وقال الرئيس ​الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأربعاء، إنه أجرى مزيداً من المحادثات مع الرئيس ‌الإيراني ‌مسعود ​بزشكيان، ‌أكد ⁠خلالها ​مجدداً على ⁠أهمية السماح بحرية الملاحة في مضيق هرمز. وأضاف ماكرون أنه ⁠شجّع الرئيس ‌الإيراني ‌على ​النظر ‌في خطط ‌فرنسا وبريطانيا لتشكيل بعثة دولية لوضع الأسس اللازمة ‌للمرور الآمن عبر مضيق هرمز.

وعمدت باريس، بالتوافق مع شركائها، وعبر مسؤول كبير في الرئاسة، إلى طرح مبادرة «عملية» تقوم أساساً على الفصل بين ملف مضيق هرمز من جهة والمسائل الرئيسية موضع التفاوض بين طهران وواشنطن، أي البرامج النووية والباليستية، وسياسة طهران الإقليمية وعلاقاتها بوكلائها في المنطقة.

ولإظهار جديتها، عمدت باريس إلى توجيه حاملة الطائرات «شارل ديغول» التي كانت تُبحر مقابل الشواطئ القبرصية إلى منطقة الخليج وقد قطعت قناة السويس، وكانت الثلاثاء تُبحر في البحر الأحمر.

بيد أن التحالف الدولي لن ينخرط في مهمة كهذه من غير الحصول على ضمانات من الجانبين الإيراني والأميركي. ولهذا الغرض، تُكثر الدبلوماسية الفرنسية من مشاوراتها، إنْ عبر الاتصالات المباشرة التي يقوم بها الرئيس ماكرون مع نظيريه الأميركي والإيراني، أو عبر وزير خارجيته جان نويل بارو، الذي أجرى جولة خليجية نهاية الأسبوع الماضي شملت المملكة السعودية وسلطنة عمان ودولة الإمارات، فضلاً عن التواصل مع نظيره عباس عراقجي.

وتقترح باريس باسم التحالف «تمكين إيران من عبور مضيق هرمز مقابل التزامها بالدخول في مفاوضات بشأن القضايا الجوهرية مع الأميركيين وأن يلتزم الأميركيون برفع الحصار عن مضيق هرمز مقابل الالتزام الإيراني بقبول التفاوض».

ولا تشير باريس إلى فترة زمنية محددة ولا إلى ما قد يحصل في حال لم يتوصل الطرفان، في نهاية المفاوضات إلى اتفاق. بالإضافة إلى ذلك، تريد باريس التزاماً إيرانياً بعدم استهداف البواخر وناقلات النفط العابرة في المضيق، وأن «تتوافر لديها الوسائل الكفيلة بطمأنة الفاعلين في مجال الملاحة، أي مالكي السفن وشركات التأمين وغيرها، حتى نتمكن من العودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل اندلاع الحرب. هذا هو الهدف، وهو هدف يمكن تحقيقه». وحسب باريس، فإن مبادرة كهذه «تصب في مصلحة الجميع، كما أنها تتمتع بالصدقية، وتستند إلى قرارات واضحة والتزامات محددة».

عقبات أفشلت التفاوض

يرى الجانب الفرنسي أن تجزئة العقبات التي أفشلت حتى اليوم التفاوض بين طهران وواشنطن، مفيدة من عدة أوجه: الأول، التعاطي المباشر مع الأزمة الحادة التي تصيب الاقتصاد الدولي بسبب تعثر سلاسل إمداد الطاقة من النفط والغاز، فضلاً عن الأسمدة الضرورية للزراعة. والثاني، تجنب اشتعال الحرب مجدداً بما لها من تداعيات إقليمية ودولية.

والثالث، استعادة الثقة اللازمة لتهدئة أسواق النفط، وكذلك خفض أقساط التأمين واستعادة التدفقات الطبيعية للتجارة. فيما يرتبط الرابع بتخوف فرنسي - أوروبي من رغبة الجانب الأميركي في التوصل إلى اتفاق مع إيران حول المسائل الأساسية لا يكون «منسوجاً بدقة»، خصوصاً بشأن البرنامج النووي.

لذا، فإن تهدئة الأمور بفضل عودة حرية الملاحة في المضيق ستتيح الوقت الكافي لمناقشة مسائل بالغة التعقيد لا تتناول فقط «النووي» ولكن أيضاً كل ما يترتب عليه لاحقاً من رفع العقوبات وتحرير الأموال الإيرانية المحجوزة في العواصم الأوروبية وغير الأوروبية.

وإسراع باريس في تحويل حضور «شارل ديغول» ترى فيه مصادر الإليزيه «إشارة مفادها بأننا لسنا فقط مستعدين لتأمين مضيق هرمز، بل إننا قادرون على ذلك أيضاً». وتتوقع باريس أن تعمد دول أخرى، أوروبية، مثل ألمانيا وبريطانيا وهولندا، وآسيوية، مثل الهند وإندونيسيا وربما الصين، وأفريقية وخليجية إلى إرسال قطع بحرية للمشاركة في هذه العملية التي يريدها أطراف التحالف الدولي «دفاعية فقط» و«بعيدة عن أطراف المواجهة»، ما من شأنه أن يضمن لها حيادها وصدقيتها وتقبل الطرفين لوجودها ولمهمتها. ومنذ البداية حرص التحالف على الالتزام بالحيادية والابتعاد قدر الإمكان عمّا تقوم به أميركا في المنطقة.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (في الوسط إلى اليمين) يزور حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» خلال زيارته قبرص 9 مارس 2026 (أ.ب)

ما يميّز التحالف البحري...

إذا توافرت هذه الشروط، فإن التحالف البحري، وفق ما يؤكده المصدر الرئاسي، «قادر على توفير ونشر الوسائل (القطع البحرية وما تحتاج إليه) القادرة على ضمان أمن البواخر والناقلات التي تعبر المضيق».

والسمة البارزة لما يطرحه التحالف أن مهمته تتم بالتفاهم والتعاون مع الجانب الإيراني، الأمر الذي يميزها عن «مشروع الحرية» الأميركي الذي أرادت الإدارة الأميركية أن تلجأ إلى فرضه بالقوة والإكراه، الأمر الذي كاد يشعل مجدداً الحرب.

واستعان المصدر الرئاسي بالحادثة التي تعرضت لها ناقلة الحاويات الفرنسية المملوكة لشركة «سي إم آي ـ سي جي إم» التي مقرها مدينة مرسيليا الفرنسية المتوسطية للتدليل على فشل المبادرة الأميركية. وقال المصدر الرئاسي إن ما حصل مساء الاثنين، من استهداف الناقلة المسجلة في جزيرة مالطا «يبرز مرة أخرى وجاهة النهج الذي اتخذناه» ويبيّن في الوقت عينه «صعوبة توصل الأميركيين والإيرانيين إلى صيغة تحافظ على حرية الملاحة» وذلك بسبب التعقيدات المترتبة على الملفات الخلافية بين طهران وواشنطن.

ما جاء على لسان المصدر الرئاسي ليس سوى «مقدمة» لما تم التوافق بشأنه في قمة باريس الشهر الماضي، أي مجموعة من المقترحات، أو في أفضل الأحوال التزامات مبدئية يتعين ترجمتها اليوم، في حال قُبل الطرح الذي يقدمه التحالف الدولي البحري، إلى خطوات إجرائية.

وأفادت باريس بأن اجتماعات تحصل لتخطيط الانتشار وإظهار أن التحالف يمتلك خطة عملانية يمكن السير بها سريعاً، وأنه قادر على تنفيذها. ولا شك أن توافر قناعة من هذا النوع سيكون لها تأثيرها على الأجواء العامة المحيطة بالصناعة النفطية. لكن قبل ذلك كله يتعين ترقب أمرين: الأول، الردود المفترض أن تصدر عن العاصمتين المعنيتين؛ واشنطن وطهران. والآخر، النقاشات التي ستدور في مجلس الأمن الدولي وكيفية التوفيق بينها وبين ما تستبطنه مبادرة التحالف.


تركيا: تأجيل نظر دعوى تهدد زعيم المعارضة

زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» لا يزال يواجه خطر فقدان منصبه على رأس الحزب (حساب الحزب في إكس)
زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» لا يزال يواجه خطر فقدان منصبه على رأس الحزب (حساب الحزب في إكس)
TT

تركيا: تأجيل نظر دعوى تهدد زعيم المعارضة

زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» لا يزال يواجه خطر فقدان منصبه على رأس الحزب (حساب الحزب في إكس)
زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» لا يزال يواجه خطر فقدان منصبه على رأس الحزب (حساب الحزب في إكس)

أجلت محكمة تركية نظر الشق الجنائي من دعوى «البطلان المطلق» التي أقامها عدد من أعضاء حزب «الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة، مطالبين بإلغاء نتائج المؤتمر العام العادي الـ38 للحزب الذي عقد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، وانتخب فيه أوزغور أوزيل رئيساً له خلفاً لرئيسه السابق كمال كليتشدار أوغلو.

ويواجه رئيس بلدية إسطنبول المحتجز، أكرم إمام أوغلو، و11 آخرون من مسؤولي وأعضاء الحزب، بينهم رئيس فرع الحزب في إسطنبول أوزغور تشيليك، ورئيس بلدية إزمير السابق، جميل توغاي، ورئيس بلدية بيشكتاش التابعة لإسطنبول، المحتجز في إطار تحقيقات فساد، ورضا أكبولات، اتهامات بالتأثير على المندوبين للتصويت لأوزيل، خلال المؤتمر العام، مقابل أموال ووعود بمناصب في البلديات التابعة للحزب.

أوزيل وكليتشدار أوغلو خلال المؤتمر العام الـ38 لحزب «الشعب الجمهوري» في 2023 (حساب الحزب في إكس)

وجاء في لائحة الادعاء المقدمة من مكتب المدعي العام للعاصمة أنقرة أن إمام أوغلو الذي ترأس هيئة مكتب المؤتمر العام لـ«الشعب الجمهوري» في دورته العادية الـ38 الذي عقد يومي 4 و5 نوفمبر 2023، هو المتهم الرئيسي، وأن المتهمين الآخرين تواطؤوا معه في تنظيم هذا الحدث.

اتهامات وعقوبات

ويواجه المتهمون عقوبة الحبس من سنة إلى 3 سنوات، مع حظر ممارستهم النشاط السياسي لمدة مماثلة. وأكد إمام أوغلو، في إفادته خلال الجلسة الثانية التي عقدت في 13 يناير (كانون الثاني) الماضي، والتي شارك فيها عبر دائرة تلفزيونية مغلقة من محبسه في سجن سيليفري، أن أعمال المؤتمر جرت بشفافية، وأن الشخص الذي عرض عليه رئاسة هيئة مكتب المؤتمر هو الرئيس السابق للحزب، كمال كليتشدار أوغلو، الذي تم تقديمه في الدعوى كـ«ضحية»، مؤكداً أن جميع الاتهامات مجرد «افتراءات».

وقررت محكمة مدنية في أنقرة في 24 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 رفض دعوى «البطلان المطلق» للمؤتمر العام الـ38 ونتائج المؤتمرين الاستثنائيين للحزب في أبريل (نيسان) وسبتمبر (أيلول) من العام ذاته، لعدم وجود وجه أو سند قانوني لإقامتها، كما رفضت عودة رئيس الحزب السابق، كمال كليتشدار أوغلو وأعضاء مجالس الحزب إلى قيادته.

أوزيل وإمام أوغلو عقب إعلان نتائج انتخابات رئيس حزب «الشعب الجمهوري» في 2023 (حساب الحزب في إكس)

إلا أن الشق الجنائي للقضية المتعلق بتهم الرشوة والوعود بتقديم حوافز ومناصب للمندوبين ظل مفتوحاً، بموجب استئناف قدمه المدعون.

وطلب المدعي العام، خلال الجلسة الخامسة للدائرة الـ26 للمحكمة الجنائية العليا في أنقرة الاستماع إلى آدم سويتكين، الذي أُفرج عنه الأسبوع الماضي من سجن سيليفري بعد استفادته من بند «التوبة الفعالة» في قضية الفساد في بلدية إسطنبول، بوصفه شاهداً. وقبلت المحكمة طلب الادعاء العام بالاستماع إلى سويتكين بوصفه شاهداً في هذه القضية، وأجلت نظرها إلى الأول من يوليو (تموز) المقبل.

ردود فعل

وعلق نائب رئيس كتلة حزب «الشعب الجمهوري» بالبرلمان، مراد أمير، على النقاشات الدائرة حول القضية، قائلاً إن «الأساس الذي نبني عليه، جميعاً، العمل السياسي هو الحياة السياسية الديمقراطية والتعددية. لذا، إذا أرادوا هزيمتنا، فعليهم هزيمة قيادة حزب (الشعب الجمهوري) المنتخبة من قبل المندوبين».

وزعم النائب السابق عن حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، شامل طيار، عشية الجلسة الخامسة، أن هيئة المحكمة أصدرت قرار البطلان المطلق، لكنها تتكتم عليه بانتظار ظرف سياسي مناسب.

وكان وزير العدل، أكين غورليك، أكد في تصريحات في 29 أبريل الماضي، أن القرار النهائي في الدعوى يعود إلى السلطة القضائية، وأنهم لا يملكون أي معلومات حول موعد صدوره أو اتجاهه.

رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي لا يرغب في حدوث اضطراب في حزب «الشعب الجمهوري» (حساب الحركة القومية في إكس)

وعبر رئيس حزب «الحركة القومية»، الشريك الرئيسي لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم في «تحالف الشعب»، دولت بهشلي، عن أمله في عدم صدور حكم بالبطلان المطلق، قائلاً إن حزب «الشعب الجمهوري» مؤسسة سياسية مهمة قائمة منذ تأسيس الجمهورية التركية.

وأضاف بهشلي، في تصريح عقب اجتماع المجموعة البرلمانية لحزبه، الثلاثاء: «نأمل ألا يُسمح بتعطيل هذه المؤسسة أو تجزئتها أو الإضرار بها قانونياً أو استخدامها لأغراض أخرى».

وانتخب أوزيل رئيساً لحزب «الشعب الجمهوري»، للمرة الأولى، في المؤتمر العام الـ38 العادي في 2023، ثم أعيد انتخابه مرتين في مؤتمرين استثئنائيين عقدا في 6 أبريل و21 سبتمبر 2025، واللذين عقدا لتحصين قيادة الحزب في مواجهة دعوى «البطلان المطلق».

وأعيد انتخابه للمرة الرابعة في المؤتمر العام العادي الـ39 الذي عقد في 28 نوفمبر 2025، وذلك بعدما رفضت المحكمة المدنية الابتدائية دعوى البطلان المطلق في 24 أكتوبر.

أوزيل مصافحاً قيادات وأعضاء حزب «الشعب الجمهوري» عقب إعلان فوزه برئاسته للمرة الرابعة في المؤتمر العام الـ39 في نوفمبر 2025 (حساب الحزب في إكس)

ويقول حقوقيون إن عقد هذه المؤتمرات وإعادة انتخاب أوزيل يحصنان رئاسته للحزب، حتى في حال صدور حكم البطلان المطلق، لأن المؤتمرات الاستثنائية، ثم المؤتمر العادي، الذي يعقد كل عامين، يلغيان أثر المؤتمر الـ38.

وفي تعليق جديد على قضية البطلان المطلق، قال أوزيل خلال اجتماع الكتلة البرلمانية لحزبه، الثلاثاء الماضي: «أتوجه بحديثي إلى أولئك الذين يلتمسون العون من القصر (في إشارة إلى الرئيس رجب طيب إردوغان، ويقصد بهم كليتشدار أوغلو ومن أقاموا الدعوى من أنصاره)، والذين يتوسلون: كفوا عن كونكم رخاماً للقصور، وكونوا أرضاً طيبة ليزهر الورد في قلوبكم».

وأضاف أوزيل: «ليس لدينا ما نخجل منه أو حساب ندفعه لعائلاتنا أو أمتنا».