إيران وأميركا: مفاوضات جديدة في وقت حرج

الإيرانيون بين التفاؤل والحذر إزاء التفاوض غير المباشر

إيرانيتان تسيران إلى جانب لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة على حائط سفارتها السابقة في طهران (رويترز)
إيرانيتان تسيران إلى جانب لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة على حائط سفارتها السابقة في طهران (رويترز)
TT

إيران وأميركا: مفاوضات جديدة في وقت حرج

إيرانيتان تسيران إلى جانب لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة على حائط سفارتها السابقة في طهران (رويترز)
إيرانيتان تسيران إلى جانب لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة على حائط سفارتها السابقة في طهران (رويترز)

بين التفاؤل والحذر والتحدي، تراوحت الردود الإيرانية على إعلان واشنطن وطهران، التوجه إلى القناة العمانية من جديد، لفتح ملف التفاوض بشأن برنامج إيران النووي المثير للجدل.

وسارعت الأطراف المعنية بالملف النووي والسياسة الخارجية الإيرانية، من مسؤولين سابقين ومحللين إلى وسائل إعلام، إلى تقديم تصوراتها عن التطور الدبلوماسي اللافت.

ودعا الرئيس السابق حسن روحاني إلى محادثات مباشرة مع الولايات المتحدة لتحقيق اختراق دبلوماسي في الملف النووي الشائك، بعد عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى استراتيجية «الضغوط القصوى».

وقال روحاني: «في مفاوضات الاتفاق النووي، كان التفاوض المباشر مع وزراء الخارجية هو ما فتح الطريق. ولو كانت المفاوضات غير مباشرة، لما تمكنّا من الوصول إلى الاتفاق النووي لا خلال عامين ولا خلال عشرين عاماً».

وأشار روحاني إلى أن «الظروف مختلفة»، ودعا إلى المضي قدماً بـ«الأسلوب المناسب»، وقال: «في الوضع الراهن، علينا جميعاً أن نبذل الجهد وأن نُظهر موقفاً موحداً في مواجهة الأعداء. كلما قللنا من الخلافات وزدنا من الوحدة والتلاحم الوطني، زادت فرص نجاحنا في المفاوضات، ومنعنا نتنياهو من تحقيق أهدافه».

أما محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الأسبق الذي قاد الوفد الإيراني في مفاوضات الاتفاق النووي عام 2015، فقد رحب بتكليف عباس عراقجي بالمفاوضات.

وقال ظريف في منشور على منصة «إكس» إن «الوفد الإيراني بقيادة عراقجي قد أثبت سابقاً قدرته وعزيمته على الوصول إلى اتفاقات مفيدة للطرفين. إذا استطاع الفريق الأميركي أن يتحلى بالصفات نفسها، فسيكون الاتفاق الذي يؤدي إلى مستقبل أفضل في متناول الأيدي». وكرر ظريف عبارة عراقجي، قائلاً: «الكرة الآن في ملعب أميركا».

وجاءت أبرز التعليقات من وكالة «نور نيوز»، منصة المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يتخذ القرار النهائي في الملف النووي، قبل المصادقة عليها من المرشد علي خامنئي.

وقالت الوكالة في منشور على منصة «إكس» إن «زمام المبادرة بيد طهران، وأميركا كانت بانتظار الضوء الأخضر من إيران».

وأضافت: «على خلاف ما يشاع في شبكات التواصل، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يحدد توقيت ومكان المفاوضات غير المباشرة بين عراقجي وويتكوف في عمان، بل تم تحديدهما من قبل إيران التي أعلنت عن ذلك عبر عمان للطرف الأميركي».

ورفضت الوكالة التابعة لأعلى هيئة أمنية في البلاد «تحريف الروايات الأحادية الجانب»، وأضافت: «المبادرة كانت بيد طهران».

وزارة الدفاع الإيرانية تعرض نظام الدفاع الجوي بعيد المدى «أرمان» في حفل بطهران فبراير الماضي (رويترز)

من جانبها، شككت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» في إمكانية إحداث اختراق في مفاوضات مسقط. وأشارت إلى تباين الطرفين بشأن صيغة التفاوض.

وقالت: «السؤال عن طبيعة المفاوضات – مباشرة أم غير مباشرة – ليس جوهرياً بقدر ما هو سياسي. فعندما طرح ترمب خيارَي الحرب أو التفاوض، لم يتوقع أن تختار إيران طريقاً ثالثاً عبر المفاوضات غير المباشرة».

وأضافت: «بهذه الخطوة، سحبت طهران أوراق الضغط من واشنطن، وحافظت على توازنها، وأرسلت رسالة بأنها منفتحة على الحوار دون الخضوع، مع إفشال محاولات خلق توتر داخلي بذريعة التهديد العسكري».

واتهمت الوكالة الأمنية، ترمب بـ«الكذب لأنه لم يتوقع خروج إيران من اللعبة التي صممتها واشنطن، بل وتصميمها لعبة جديدة. ومع تراجع أميركا دون تحرك ميداني، اضطر ترمب لتقديم صورة إعلامية توحي بأن إيران خضعت، وأن الضغوط الأميركية أثمرت، حفاظاً على ماء الوجه أمام العالم».

وقالت إن «التطورات الأخيرة لا تُعد تراجعاً عن مواقف إيران، بل استمرار لنهجها القائم على الحذر وعدم الثقة بالولايات المتحدة. طهران تفضّل المفاوضات غير المباشرة كرسالة دبلوماسية تعكس مواقفها الثابتة، بينما تسعى واشنطن لاستغلال اللقاءات كمكسب سياسي. الجولة الحالية ستكون تحت أنظار العالم، مما يجعلها اختباراً حقيقياً لنيات الطرفين وسط مشهد دولي سريع التغير يتطلب إدارة استراتيجية مرنة».

وقال محلل الشؤون السياسية، عبد الرضا فرجى راد، لوكالة «إيسنا» الحكومية إن «المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة قد تبدأ بشكل غير مباشر، لكنها قد تتحول إلى مباشرة إذا التزمت واشنطن بالتوازن والواقعية في التعاطي مع الملف النووي».

وأشار إلى أن تصريحات ترمب «تعكس نياته الفعلية في تهدئة الأجواء، متوقعاً استمرار المحادثات بعد يوم السبت».

ورأى أن «ترمب يتبع سياسة مدروسة لتحييد إسرائيل عن التأثير في المفاوضات». وخلص إلى أن «واشنطن تسعى لتجنّب إعطاء طهران أي انطباع بدور إسرائيلي في المفاوضات، حفاظاً على فرص التوصل إلى اتفاق».

وتساءلت بعض المواقع الإيرانية عما إذا كانت القوى الأوروبية ستقرر تفعيل آلية «سناب باك» للعودة التلقائية إلى العقوبات الأممية المجمدة بموجب الاتفاق النووي، في حال عدم التوصل لاتفاق خلال مهلة الشهرين التي حددها ترمب.

رسام إيراني يعيد طلاء جدارية شهيرة مناهضة للولايات المتحدة في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

وقال المحلل السياسي رحمان قهرمان بور لموقع «فرارو» الإخباري: «إننا حالياً نواجه ضيقاً في الوقت، إذ لم يتبقَ الكثير للتوصل إلى اتفاق، خصوصاً أنه في شهر يوليو (تموز)، سيبدأ الأوروبيون عملية تفعيل آلية (سناب باك) ولهذا يجب التوصل إلى اتفاق نووي قبل ذلك لتفادي تفعيل هذه الآلية».

وأضاف: «من الآن وحتى ذلك الحين، لدينا في أفضل الأحوال أربعة إلى خمسة أشهر فقط للتوصل إلى اتفاق يحمل تعقيداته وظروفه الخاصة. وفي ظل هذا الضغط الزمني، فإن المفاوضات غير المباشرة قد تُفقدنا فرصة الاستفادة القصوى من الوقت، بل وقد تؤدي إلى تأخير الاتفاق. والواقع هو أن هذا النوع من المفاوضات يَحرم كلا الطرفين من الوقت والفرصة المناسبة للتوصل إلى تفاهم».

وأعرب عن اعتقاده أن التصريحات بين إيران وأمريكا «متبادلة»، لكن واشنطن تواصل إطلاق تصريحات «متشددة»، مثل تهديد ترمب بقصف إيران إن لم تفاوض.

ولفت إلى سعي الطرفين لدخول المفاوضات من «موقع قوة»، وقال: «حاولت إيران في الشهرين الماضيين تعزيز موقفها، بينما عملت أميركا على منع تغيّر موازين القوى لصالح طهران، ضمن مواجهة غير مباشرة شملت اليمن ولبنان».

وأشار إلى أن التفاوض «قد يكون مباشراً أو غير مباشر، أو قد لا يحدث إطلاقاً مع تصاعد التوتر نحو مواجهة عسكرية». ورجح أن يكون «إصرار إيران على التفاوض غير المباشر يمثل أداة ضغط».

ورأى أن الانتقادات لمبدأ التفاوض غير المباشر، «صحيحة»، نظراً لضيق الوقت قبل تفعيل آلية «سناب باك» في يوليو، مما يجعل المفاوضات غير المباشرة مضيعة للوقت وفرصة قد تؤخر الاتفاق النووي.

وكتب المحلل السياسي أحمد زيد آبادي في مدونته أنه «من الواضح الآن أن كبار المسؤولين الإيرانيين والأميركيين سيلتقون يوم السبت لبدء جولة جديدة من المفاوضات».

وأضاف: «يبدو أن اللقاء سيتم تحت سقف واحد، لتأكيد مزاعم ترمب أنها مفاوضات مباشرة، لكن المسافة بين الوفدين ستكون كبيرة على نحو غير معتاد، استجابةً للمطلب الإيراني بأن تبقى المفاوضات غير مباشرة».

وخلص إلى أن هذا التطور «يعد إيجابياً ونأمل أن يُفضي إلى نتائج ملموسة تمنع الانزلاق نحو الحرب والتصعيد، على الرغم من أن الطريق لا يزال وعراً ومعقداً». وزاد: «الجدل حول شكل المفاوضات ليس مهماً، الأهم أن تكون جادة وتمنع المواجهة العسكرية وتحقق نتائج».


مقالات ذات صلة

صواريخ كروز فرط صوتية صينية تقترب من ترسانة إيران البحرية

شؤون إقليمية إيراني يمسك بيده صحيفة «وطن أمروز» المقربة من «الحرس الثوري» ويظهر صورة صاروخ على غلافها تحت عنوان «المفاجآت البحرية في طهران 19 فبراير الحالي (إ.ب.أ)

صواريخ كروز فرط صوتية صينية تقترب من ترسانة إيران البحرية

تقترب طهران من إبرام صفقة مع الصين لشراء صواريخ كروز فرط صوتية مضادة للسفن في وقت نشرت الولايات المتحدة قوة قتالية بالمياه الإقليمية تحسباً لضربات ضد إيران

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد حقل غرب القرنة النفطي في البصرة جنوب شرقي بغداد (رويترز)

النفط في أعلى مستوياته من 7 أشهر وسط توترات إيران

اقتربت أسعار النفط، يوم الثلاثاء، من أعلى مستوياتها في 7 أشهر، حيث يُقيّم المتداولون المخاطر الجيوسياسية قبيل جولة جديدة من المحادثات بين أميركا وإيران.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
شؤون إقليمية حاملة الطائرات «جيرالد فورد» تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت الاثنين (إ.ب.أ)

ماذا يريد ترمب من إيران؟

هل سيأمر ترمب بضربات جراحية تستهدف «الحرس الثوري»، أو سيحاول القضاء على برنامج الصواريخ، أو قد يسعى إلى فرض تغيير النظام في طهران؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا مؤتمر صحافي لوزير الخارجية المصري مع نظيره الإيراني في القاهرة (أرشيفية - الخارجية المصرية)

اتصالات مصرية لاحتواء أزمة طهران وواشنطن... خيار التهدئة يسابق الصدام

اتصالات مصرية مكثفة لتحقيق تهدئة بين طهران وواشنطن، وسط تحركات عسكرية من الجانب الأميركي، وتوالي نداءات الدول بمغادرة رعاياها لإيران.

محمد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية ضباط شرطة في بريطانيا (رويترز)

قناة «من و تو» الفارسية توقف البث من لندن إثر تهديدات إيرانية

قالت قناة «من و تو» التلفزيونية الناطقة بالفارسية ومقرها في لندن، الاثنين، إنها أُجبرت على وقف بثها المباشر بعدما أبلغت شرطة مكافحة الإرهاب في المملكة المتحدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الذكرى الرابعة لحرب أوكرانيا: مكاسب روسيا تتجاوز حصيلة العامين السابقين

موقع ضربة بطائرة مسيّرة روسية في وسط مدينة كراماتورسك بشرق أوكرانيا (إ.ب.أ)
موقع ضربة بطائرة مسيّرة روسية في وسط مدينة كراماتورسك بشرق أوكرانيا (إ.ب.أ)
TT

الذكرى الرابعة لحرب أوكرانيا: مكاسب روسيا تتجاوز حصيلة العامين السابقين

موقع ضربة بطائرة مسيّرة روسية في وسط مدينة كراماتورسك بشرق أوكرانيا (إ.ب.أ)
موقع ضربة بطائرة مسيّرة روسية في وسط مدينة كراماتورسك بشرق أوكرانيا (إ.ب.أ)

أظهر تحليل أجرته «وكالة الصحافة الفرنسية» لبيانات معهد دراسات الحرب (ISW) أن الجيش الروسي سيطر على مساحة أكبر من الأراضي في أوكرانيا خلال السنة الرابعة من النزاع مقارنة مع الأربعة عشر شهراً السابقة.

ومنذ 24 فبراير (شباط) 2025، تقدمت القوات الروسية وسيطرت على 4524 كيلومتراً مربعاً، أي أكثر مما تقدمت به في السنتين الثانية والثالثة من الحرب مجتمعتين.

ويضاف إلى ذلك 731 كيلومتراً مربعاً أخرى أعلنت روسيا سيطرتها عليها، ولكن معهد دراسات الحرب لم يؤكد أو ينفِ ذلك. ويعمل المعهد مع مشروع التهديدات الحرجة «Critical Threats Project» التابع لمعهد «American Enterprise Institute»، وهو مركز أبحاث أميركي آخر متخصص في دراسة النزاعات.

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في وقت سابق اليوم، إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم «يحقق أهدافه» بعد مرور أربعة أعوام على بدء غزو أوكرانيا.

وقال زيلينسكي في مقطع فيديو: «اليوم تحل ذكرى مرور أربعة أعوام منذ بدأ بوتين محاولة استمرت ثلاثة أيام للسيطرة على كييف». وأضاف: «هذا يدل على مقاومتنا وكيف قاتلت أوكرانيا طوال هذا الوقت». وتابع: «بالنظر إلى بداية الغزو والتفكر في الوضع الحالي، لدينا كل الحق في القول: لقد دافعنا عن استقلالنا، لم نفقد دولتنا، لم يحقق بوتين أهدافه».

وأكد زيلينسكي: «لم يتمكن من كسر الأوكرانيين، لم يفز في هذه الحرب». وأضاف: «لقد حافظنا على أوكرانيا، وسنبذل كل ما في وسعنا لتأمين السلام والعدالة».

وكانت روسيا قد بدأت غزواً شاملاً لأوكرانيا في 24 فبراير 2022، وأجرى الجانبان مباحثات سلام خلال الأسابيع الماضية بوساطة أميركية، ولكن لا توجد دلالات على إحراز تقدم وشيك.


صواريخ كروز فرط صوتية صينية تقترب من ترسانة إيران البحرية

إيراني يمسك بيده صحيفة «وطن أمروز» المقربة من «الحرس الثوري» ويظهر صورة صاروخ على غلافها تحت عنوان «المفاجآت البحرية في طهران 19 فبراير الحالي (إ.ب.أ)
إيراني يمسك بيده صحيفة «وطن أمروز» المقربة من «الحرس الثوري» ويظهر صورة صاروخ على غلافها تحت عنوان «المفاجآت البحرية في طهران 19 فبراير الحالي (إ.ب.أ)
TT

صواريخ كروز فرط صوتية صينية تقترب من ترسانة إيران البحرية

إيراني يمسك بيده صحيفة «وطن أمروز» المقربة من «الحرس الثوري» ويظهر صورة صاروخ على غلافها تحت عنوان «المفاجآت البحرية في طهران 19 فبراير الحالي (إ.ب.أ)
إيراني يمسك بيده صحيفة «وطن أمروز» المقربة من «الحرس الثوري» ويظهر صورة صاروخ على غلافها تحت عنوان «المفاجآت البحرية في طهران 19 فبراير الحالي (إ.ب.أ)

تقترب طهران من إبرام صفقة مع الصين لشراء صواريخ كروز فرط صوتية مضادة للسفن، في وقت نشرت الولايات المتحدة قوة قتالية بالمياه الإقليمية؛ تحسباً لضربات في عمق الأراضي الإيرانية.

ونقلت «رويترز» عن ستة أشخاص مطلعين على المفاوضات، أن الصفقة الخاصة بالصواريخ الصينية الصنع من طراز «سي إم 302» شارفت على الاكتمال، رغم عدم الاتفاق بعد على موعد للتسليم. ويبلغ مدى الصواريخ التي تفوق سرعتها سرعة الصوت نحو 290 كيلومتراً، وهي مصممة لتفادي الدفاعات البحرية عبر التحليق على ارتفاع منخفض وبسرعة عالية.

وقال خبيران في شؤون التسلح إن نشر هذه الصواريخ سيعزز بشكل كبير قدرات إيران الضاربة، ويُشكّل تهديداً للقوات البحرية الأميركية في المنطقة.

ووفقاً للمصادر الستة، ومن بينهم ثلاثة مسؤولين أُبلغوا من قبل الحكومة الإيرانية وثلاثة مسؤولين أمنيين، فإن المفاوضات مع الصين لشراء أنظمة الصواريخ، التي بدأت قبل عامين على الأقل، تسارعت بشكل ملحوظ بعد الحرب التي استمرت 12 يوماً بين إسرائيل وإيران في يونيو (حزيران).

ومع دخول المحادثات مراحلها النهائية الصيف الماضي، سافر كبار المسؤولين العسكريين والحكوميين الإيرانيين إلى الصين، ومن بينهم نائب وزير الدفاع الإيراني مسعود أورعي، وفقاً لاثنين من المسؤولين الأمنيين. ولم يُكشف سابقاً عن زيارة أورعي.

وقال داني سيترينوفيتش، الضابط السابق في الاستخبارات الإسرائيلية والباحث حالياً في شؤون إيران لدى «معهد دراسات الأمن القومي» في إسرائيل: «سيكون ذلك تغييراً جذرياً إذا امتلكت إيران قدرة تفوق سرعة الصوت لمهاجمة السفن في المنطقة. فهذه الصواريخ يصعب جداً اعتراضها».

ولم يحدد تقرير «رويترز» عدد الصواريخ المشمولة في الصفقة المحتملة، أو المبلغ الذي وافقت إيران على دفعه، أو ما إذا كانت الصين ستمضي قدماً في الاتفاق في ظل التوترات المتصاعدة في المنطقة.

وقال مسؤول في وزارة الخارجية الإيرانية لـ«رويترز»: «لدى إيران اتفاقيات عسكرية وأمنية مع حلفائها، والآن هو الوقت المناسب للاستفادة من هذه الاتفاقيات».

ورفضت وزارتا الدفاع والخارجية الصينيتان التعليق حسب «رويترز». ولم يتناول البيت الأبيض مباشرة المفاوضات بين إيران والصين بشأن منظومة الصواريخ عند سؤاله من قبل الوكالة.

سفينة حربية روسية خلال تدريبات بحرية مشتركة في بحر عمان الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)

وقال مسؤول في البيت الأبيض إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان واضحاً بأنه «إما أن نتوصل إلى اتفاق وإما سنضطر إلى اتخاذ إجراءات صارمة للغاية كما فعلنا في المرة السابقة»، في إشارة إلى المواجهة الحالية مع إيران.

وتعد هذه الصواريخ من بين أحدث المعدات العسكرية التي قد تنقلها الصين إلى إيران، وهو ما يتحدى حظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة لأول مرة عام 2006. وقد علقت العقوبات عام 2015 في إطار اتفاق نووي مع الولايات المتحدة وحلفائها، ثم أُعيد فرضها في سبتمبر (أيلول) الماضي.

حشد أميركي

من شأن الصفقة المحتملة أن تؤكد تعميق العلاقات العسكرية بين الصين وإيران في وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية، ما يعقد جهود الولايات المتحدة لاحتواء برنامج الصواريخ الإيراني والحد من أنشطتها النووية. كما تعكس استعداد الصين المتنامي لإبراز حضورها في منطقة لطالما هيمنت عليها القوة العسكرية الأميركية.

وتجري الصين وإيران وروسيا مناورات بحرية مشتركة سنوية، وفي العام الماضي فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على عدة كيانات صينية لتزويدها «الحرس الثوري» الإيراني بمواد كيميائية أولية لاستخدامها في برنامج الصواريخ الباليستية. ورفضت الصين هذه الاتهامات، مؤكدة أنها لم تكن على علم بالحالات المذكورة في العقوبات، وأنها تطبق بصرامة ضوابط التصدير على المنتجات ذات الاستخدام المزدوج.

وخلال استضافة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في عرض عسكري ببكين في سبتمبر، قال الرئيس الصيني شي جينبينغ إن «الصين تدعم إيران في حماية سيادتها وسلامة أراضيها وكرامتها الوطنية».

وانضمت الصين إلى روسيا وإيران في رسالة مشتركة بتاريخ 18 أكتوبر (تشرين الأول) عدّت أن قرار إعادة فرض العقوبات كان خاطئاً.

وقال أحد المسؤولين الذين أُبلغوا من قبل الحكومة الإيرانية بشأن مفاوضات الصواريخ: «أصبحت إيران ساحة مواجهة بين الولايات المتحدة من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى».

وتأتي الصفقة في وقت تجمع فيه الولايات المتحدة أسطولاً بحرياً على مسافة قريبة من إيران، يضم حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية، إضافة إلى «يو إس إس جيرالد آر فورد» ومرافقيها. ويمكن للحاملتين معاً حمل أكثر من خمسة آلاف فرد و150 طائرة.

وقال سيترينوفيتش: «لا تريد الصين رؤية نظام موالٍ للغرب في إيران، لأن ذلك سيشكل تهديداً لمصالحها. وهي تأمل في بقاء هذا النظام».

وكان ترمب قد أعلن في 19 فبراير (شباط) أنه يمنح إيران عشرة أيام للتوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي أو مواجهة عمل عسكري.

وتستعد الولايات المتحدة لاحتمال تنفيذ عمليات عسكرية مستمرة قد تستمر أسابيع ضد إيران إذا أمر ترمب بشن هجوم.

حاملة الطائرات «جيرالد فورد» تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت الاثنين (رويترز)

ترسانة مستنزفة

وقال بيتر وايزمان، الباحث الأول في «معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام»، إن شراء صواريخ «سي إم 302» سيمثل تحسناً كبيراً في ترسانة إيران التي استنزفتها حرب العام الماضي.

وتسوق «شركة الصين لعلوم وصناعة الفضاء»، المملوكة للدولة، صاروخ «سي إم 302» على أنه أفضل صاروخ مضاد للسفن في العالم، وقادر على إغراق حاملة طائرات أو مدمرة. ويمكن تركيب نظام الأسلحة على السفن أو الطائرات أو المركبات البرية المتحركة، كما يمكنه استهداف أهداف برية. ولم ترد الشركة على طلب للتعليق.

وقال الأشخاص الستة إن إيران تجري أيضاً محادثات لشراء أنظمة صواريخ أرض - جو صينية محمولة، وأسلحة مضادة للصواريخ الباليستية، وأسلحة مضادة للأقمار الاصطناعية.

وكانت الصين مورداً رئيسياً للأسلحة إلى إيران في ثمانينات القرن الماضي، غير أن عمليات نقل الأسلحة على نطاق واسع تراجعت في أواخر التسعينات تحت ضغط دولي. وفي السنوات الأخيرة، اتهم مسؤولون أميركيون شركات صينية بتزويد إيران بمواد مرتبطة بالصواريخ، لكنهم لم يتهموا بكين علناً بتزويدها بأنظمة صاروخية كاملة.


الحكومة الإيرانية: سنستخدم كل وسائل الردع لمنع أي سوء تقدير

حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جيرالد فورد» تتوقف في جزيرة كريت اليونانية بالبحر المتوسط (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جيرالد فورد» تتوقف في جزيرة كريت اليونانية بالبحر المتوسط (أ.ف.ب)
TT

الحكومة الإيرانية: سنستخدم كل وسائل الردع لمنع أي سوء تقدير

حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جيرالد فورد» تتوقف في جزيرة كريت اليونانية بالبحر المتوسط (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جيرالد فورد» تتوقف في جزيرة كريت اليونانية بالبحر المتوسط (أ.ف.ب)

شددت الحكومة الإيرانية، الثلاثاء، على أنها تفضل الدبلوماسية على الحرب؛ لكن على استعداد للخيارين، وأنها ستستخدم كل وسائل الردع لمنع أي سوء تقدير.

وأكدت المتحدثة باسم الحكومة أن لطلاب الجامعات الحق في الاحتجاج، لكن يجب على الجميع عدم تجاوز «الخطوط الحمر»، وذلك في أول رد فعل رسمي على تجدد الاحتجاجات في الجامعات الإيرانية منذ نهاية الأسبوع.

وقالت فاطمة مهاجراني إن «المقدسات والعلم مثالان على هذه الخطوط الحمر التي تجب علينا حمايتها وعدم تجاوزها أو الانحراف عنها، حتى في ذروة الغضب».

ونظم طلاب احتجاجات مناهضة للحكومة في الجامعات بجميع أنحاء العاصمة الإيرانية، وفقاً لشهود ومقاطع فيديو متداولة عبر الإنترنت، في علامة جديدة على وجود اضطرابات مع حشد القوات الأميركية في المنطقة لشن هجمات محتملة.

صورة من مقطع فيديو تظهر طالبات يتجمعن في مسيرة مناهضة للحكومة أمام جامعة الزهراء للفتيات بطهران (أ.ف.ب)

وانطلقت الاحتجاجات الأخيرة في نهاية ديسمبر (كانون الأول) على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية، وسرعان ما تحولت إلى حراك يرفع شعارات مناهضة للقيادة الإيرانية.

وتعرضت هذه الاحتجاجات التي بلغت ذروتها يومي 8 و9 يناير (كانون الثاني) للقمع العنيف.

ويُقر المسؤولون الإيرانيون بأكثر من 3000 قتيل، لكنهم يقولون إن العنف ناجم عن أعمال «إرهابية» تُغذيها الولايات المتحدة وإسرائيل. غير أن منظمات حقوقية تتخذ مقراً لها في الخارج تتحدث عن حصيلة أعلى بكثير.
وقالت مهاجراني الثلاثاء إن بعثة لتقصي الحقائق تُحقق في «أسباب وعوامل» الاحتجاجات وسترفع تقارير بهذا الشأن.

ومن المقرر أن تجري الولايات المتحدة جولة جديدة من المحادثات مع مسؤولين إيرانيين بشأن برنامج طهران النووي في جنيف يوم الخميس المقبل.

وكان وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي أعلن في منشور على «إكس»، أن «المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران مقرّرة في جنيف الخميس، مع نية إيجابية للقيام بخطوة إضافية بهدف إنجاز اتفاق».

وتجري المحادثات وسط مخاوف متزايدة من أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، سيشن بدلاً من ذلك ضربة عسكرية ضد القيادة في طهران.

ونفى ترمب، الاثنين، صحة تقارير أفادت بأن رئيس هيئة الأركان المشتركة حذّر من مخاطر تنفيذ عملية كبرى ضد إيران، مشدّداً على أن واشنطن قادرة على إلحاق الهزيمة بطهران «بسهولة» في أي نزاع.

ضابط أمن إيراني يرتدي الملابس الوقائية في منشأة لتخصيب اليورانيوم خارج مدينة أصفهان بوسط البلاد (أ.ب)

وكانت وسائل إعلام أميركية أوردت أن رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين، حذّر من مخاطر عدة على صلة بتوجيه ضربات لإيران، بما في ذلك طول أمد الاشتباك. لكن ترمب شدّد في منشور على منصته «تروث سوشيال»، على أنه من «الخطأ بنسبة مائة في المائة» القول إن كاين «يعارض خوضنا حرباً ضد إيران».

حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جيرالد فورد» في جزيرة كريت بالبحر المتوسط بعدما أرسلها الرئيس ترمب لتنضم إلى الحاملة «أبراهام لينكولن» في المنطقة وسط تصاعد التوترات مع إيران (أ.ف.ب)

وأفاد موقع «أكسيوس» بأن المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، وصهر ترمب جاريد كوشنر، يحضّان الرئيس على عدم توجيه ضربات لإيران في الوقت الراهن، وإفساح المجال أمام الجهود الدبلوماسية.

لكن الرئيس الأميركي اتّهم وسائل إعلام أميركية بكتابة تقارير «خاطئة، عن عمد».

وقال ترمب: «أنا من يتّخذ القرار، أُفضّل التوصل إلى اتفاق، لكن إذا لم نبرم اتفاقاً، فسيكون ذلك يوماً سيئاً جداً لذاك البلد وتعيساً جداً لشعبه».

وهدّد الرئيس الأميركي مراراً، طهران، باتخاذ مزيد من الإجراءات العسكرية إذا لم تُفضِ المحادثات الجارية إلى بديل للاتفاق النووي الذي انسحب منه في عام 2018، إبان ولايته الرئاسية الأولى.

ونشرت واشنطن قوة عسكرية ضخمة في الشرق الأوسط؛ إذ أرسلت حاملتي طائرات وأكثر من 10 سفن، وعدداً كبيراً من المقاتلات والعتاد العسكري إلى المنطقة.