موسكو وطهران... أكبر من شراكة وأصغر من تحالف

تعزيز التجارة والتعاون العسكري... وتوسيع العمل في النووي «السلمي»

الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والإيراني مسعود بزشكيان يحضران حفل توقيع اتفاقية في موسكو يوم 17 يناير 2025 (رويترز)
الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والإيراني مسعود بزشكيان يحضران حفل توقيع اتفاقية في موسكو يوم 17 يناير 2025 (رويترز)
TT

موسكو وطهران... أكبر من شراكة وأصغر من تحالف

الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والإيراني مسعود بزشكيان يحضران حفل توقيع اتفاقية في موسكو يوم 17 يناير 2025 (رويترز)
الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والإيراني مسعود بزشكيان يحضران حفل توقيع اتفاقية في موسكو يوم 17 يناير 2025 (رويترز)

بتوقيع اتفاقية «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» بين موسكو وطهران، تكون العلاقات بين البلدين دخلت مرحلة جديدة تتقارب فيها مصالح الطرفين إلى درجة غير مسبوقة منذ سنوات طويلة، لكن في موسكو ثمة شكوك حول «لهفة» طهران للانفتاح على الغرب.

وتضع الاتفاقية أساساً قانونياً لفتح مجالات واسعة للتعاون، تتخطى بدرجة كبيرة المساحة التي وفَّرتها اتفاقية التعاون المبرمة بين الطرفين في عام 2001، التي جاءت الوثيقة الجديدة لتحل مكانها.

خلال رُبع قرن تطوَّرت العلاقات كثيراً بين موسكو وطهران، وشهدت الأوضاع حول البلدين تحولات كبرى دفعت، وفقاً للطرفين، إلى إعادة النظر بمجمل أسس التعاون، بما يفتح على آفاق جديدة لسنوات طويلة مقبلة. لكن الطريق نحو إبرام الاتفاقية الجديدة لم يكن سالكاً دوماً، ومرت الاتفاقية بعراقيل كثيرة، وشهدت تطورات وضعت علامات استفهام كبرى حول قدرة البلدين على إطلاق تحالف كامل.

الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والإيراني مسعود بزشكيان يصلان لحضور حفل توقيع بعد محادثاتهما بموسكو في 17 يناير 2025 (أ.ب)

على سبيل المثال، فإن الموقف الروسي من التطورات التي رافقت حرب كاراباخ الثانية التي أضرت كثيراً بمكاسب إيران الإقليمية، أثار شكوكاً واسعة لدى أوساط إيرانية بمكانة موسكو بوصفها شريكاً استراتيجياً يمكن الوثوق به. والأمر نفسه انسحب بعد تطورات الوضع في سوريا التي عمل فيها الطرفان بوصفهما شريكين أساسيين.

في المقابل، نظرت أوساط روسية بعين الشك دائماً إلى تلهف دوائر إيرانية لفتح قنوات اتصال مع الغرب، ومحاولات التوصُّل إلى توافقات تطبيع قد تنعكس سلباً على المصالح الروسية.

لذلك، كان اختيار توقيت إبرام الاتفاقية الجديدة لافتاً للأنظار. وقد تمَّ تحديد الموعد بعد تأجيل لأكثر من مرة، وكان محدداً في وقت سابق أن يتم التوقيع خلال أعمال قمة «بريكس» في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قبل الإعلان عن زيارة خاصة سيقوم بها الرئيس مسعود بزشكيان إلى موسكو أواخر العام لهذا الغرض.

لكن الزيارة لم تتم، وسربت أوساط روسية معطيات حول أن الرئيس فلاديمير بوتين قد يكون تعمد إرجاء الموعد لأنه لم يرغب في توقيع اتفاقية بهذا الحجم مع إيران قبل تسلم الرئيس دونالد ترمب مهامه في البيت الأبيض، ورغم ذلك تم لاحقاً اختيار التوقيت في موعد لافت قبل 3 أيام فقط من هذا الاستحقاق.

يقول خبراء إن موسكو وطهران سرّعتا خطواتهما بعد التطورات التي غيَّرت الوضع في سوريا، بما انعكس على مكانة ونفوذ كل من روسيا وإيران في المنطقة. كما أن موسكو، التي انتظرت أن تعلن الإدارة الجديدة في واشنطن خطوات محددة تجاه الملف الأوكراني، لا تبدو واثقة بقدرة الرئيس الذي وعد بإنهاء الحرب سريعاً، على وضع التسوية الأوكرانية بشكل يلبي المصالح الروسية بين أولوياته الأبرز، وبهذا المعنى فقد اختار الطرفان ترتيب أوراقهما بشكل يعزز مواقفهما التفاوضية لاحقاً.

لكن، هناك متغيرات وقعت في نص الوثيقة التي نشر موقع الرئاسة الروسية نسخةً منها، دلَّت على عدم رغبة موسكو في الذهاب بعيداً نحو تحدي الإدارة الأميركية الجديدة.

ومثلاً، كانت موسكو قد أعلنت، قبل أسابيع قليلة، أن الاتفاقية سوف تشتمل بنداً ينص على «الدفاع المشترك» أسوة باتفاقية مماثلة وقَّعتها موسكو مع بيونغ يانغ منتصف العام الماضي. لكن هذا البند غاب عن نص الاتفاقية وحلَّ مكانه بند يؤكد أنه «في حال تعرُّض أحد الطرفين لاعتداء خارجي يلتزم الطرفان بعدم تقديم أي نوع من المساعدة للمعتدي». وبدا واضحاً أن موسكو سعت إلى عدم منح الاتفاقية بعداً يمكن تفسيره بأن الاتفاقية تُشكِّل مقدمةً لتطوير تحالف عسكري كامل.

الرئيسان الروسي والإيراني بوتين وبزشكيان يتصافحان بمناسبة زيارة الثاني الرسمية إلى موسكو (أ.ب)

نص الاتفاقية

تغطي الاتفاقية في 47 بنداً نطاق التفاعلات بين البلدين؛ من التجارة والطاقة إلى التعليم والسياحة. وتولي اهتماماً خاصاً للطاقة النووية السلمية، وهو القطاع الذي تستعد طهران لخوض معارك دبلوماسية خطيرة بشأنه قريباً.

وبالإضافة إلى ذلك، وضعت كل من موسكو وطهران خططاً محددة لتحسين طريق التجارة بين الشمال والجنوب. وتبين أيضاً أنه على الرغم من تقارير بعض المصادر بأن القطاع الأمني لن يتأثر بالاتفاق، فإن التعاون في هذا المجال منصوص عليه على نطاق واسع إلى حد ما في نقاط عدة، لكن في الوقت نفسه، لا تحوّل الوثيقة الشراكة بين البلدين إلى تحالف عسكري.

بعد الديباجة الواسعة التي تحدَّثت عن البُعد التاريخي للعلاقات بين البلدين، واستندت إلى اتفاقيتين سابقتين: واحدة أبرمت في العهد السوفياتي، والثانية في عام 2001، أكدت بنود الوثيقة الجديدة التزام الطرفين باتباع سياسات قائمة على الاحترام المتبادل للمصالح الوطنية والأمنية، ومبادئ التعددية، وحل النزاعات بالطرق السلمية، ورفض الأحادية القطبية والهيمنة. وأشارت في البند الثاني إلى تعزيز العلاقات على أساس مبادئ المساواة في السيادة والسلامة الإقليمية والاستقلال، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لكل منهما، واحترام السيادة، والتعاون، والثقة المتبادلة.

وفي تركيز متعمد على التعاون العسكري، حملت الوثيقة توضيحاً محدداً لأشكال التعاون، من البند الثالث إلى البند السابع، نصَّ على تأكيد أنه في حالة تعرُّض أحد الطرفين لعدوان، لا يقدم الطرف الآخر أي مساعدة عسكرية أو غيرها للمعتدي من شأنها أن تسهِّل استمرار العدوان، ولا يسمح الطرفان باستخدام أراضيهما لغرض دعم الحركات الانفصالية وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار وسلامة البلد الآخر.

وتم التأكيد على تعزيز الأمن الوطني ومواجهة التهديدات المشتركة، وتنظيم تبادل أجهزة الاستخبارات وأمن المعلومات والخبرات.

الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والإيراني مسعود بزشكيان يحضران حفل توقيع في الكرملين بموسكو يوم 17 يناير 2025 (أ.ب)

تعاون عسكري

كان لافتاً أن الاتفاقية نصَّت على إمكان إبرام اتفاقات منفصلة ملحقة بالاتفاقية الاستراتيجية، تحدد أوجه التعاون الأمني. وهذا النص تكرر في أكثر من موقع وتحدَّث عن أوجه التعاون العسكري والأمني.

ووفقاً للاتفاقية، يشمل التعاون العسكري مجموعةً واسعةً من القضايا، بما في ذلك تبادل الوفود العسكرية والخبراء، وزيارات السفن والبواخر العسكرية إلى مواني الطرفين، وتدريب الأفراد العسكريين، وتبادل الطلاب والمعلمين، والمشارَكة في المؤتمرات والندوات الدولية، والمشاركة في المعارض الدفاعية الدولية.

كما يتعاون الطرفان، بشكل وثيق، في إجراء تدريبات عسكرية مشتركة دورية على أراضي الطرفَين المتعاقدَين وخارج حدودهما، مع مراعاة معايير القانون الدولي.

وأكدت على تعزيز التشاور والتعاون في مجال مواجهة التهديدات العسكرية المشتركة، والتهديدات الأمنية ذات الطبيعة الثنائية والإقليمية.

ورأت الوثيقة أن التعاون العسكري يُنظر إليه من جانب موسكو وطهران بوصفه «عنصراً مهماً في الحفاظ على الأمن الإقليمي والعالمي».

ونصَّت بنود أخرى على التعاون في مجالات مكافحة الإرهاب، وتعزيز التنسيق على مستوى وزارتَي الداخلية، ونشاط أجهزة الأمن العام في البلدين.

وأكدت على تطوير التعاون في جميع المجالات القانونية، خصوصاً في تقديم المساعدة القانونية بالقضايا المدنية والجنائية.

كما شدَّدت على التعاون بشكل وثيق بشأن قضايا ضبط الأسلحة ونزع السلاح، وعدم الانتشار، وضمان الأمن الدولي في إطار المعاهدات الدولية ذات الصلة.

وشملت بنود أخرى آليات لتنظيم تعاون في مجال المعلومات والاتصالات ووسائل الإعلام والتقنيات الحديثة والإنترنت والرقمنة.

في ملفات السياسة الإقليمية، أفردت الاتفاقية مساحةً خاصةً لتأكيد التعاون في منطقة حوض قزوين، على أساس مبدأ عدم وجود قوات مسلحة غير تابعة للدول الساحلية في بحر قزوين، فضلاً عن ضمان الأمن والاستقرار في المنطقة.

وتم تأكيد التعاون على مواجهة أي إملاءات خارجية، وتنظيم العمل المشترك لمواجهة التحديات الناشئة. وأُفردت بنود أخرى لتعزيز التعاون في مجال الطاقة النووية والاستخدامات السلمية لها.

وتوقفت بنود عدة عند آليات تطوير التعاون التجاري والاقتصادي، وتأمين شبكات النقل والإمداد، وتعزيز التبادلات التجارية، والتعاون في مجال تطوير الاعتماد على العملات الوطنية، وغيرها من المسائل التي تضع أسساً قانونية للتبادل التجاري والاقتصادي، وتكافح العقوبات الأحادية من جانب الغرب وترسم ملامح أوسع لأطر التعاون الممكنة.

عموماً، شملت الاتفاقية كل مناحي التعاون السياسي والاقتصادي والأمني والعسكري والثقافي، لكن كان لافتاً أن الوثيقة التي تحدَّثت عن الاعتماد الكامل على موارد البلدين، والانتقال الكامل إلى استخدام العملات الوطنية فقط في التبادلات، وتطوير تعليم اللغتين الروسية والفارسية في البلدين، وضعت في بندها الأخير إشارةً إلى أن الطرفين «إذا برزت بينهما خلافات أو تباينات في تفسير أي من بنود الاتفاقية، فسوف يعتمدان على التفسير الوارد في النسخة الإنجليزية للوثيقة».


مقالات ذات صلة

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون

الولايات المتحدة​ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون... الكرملين ينفي أن بوتين طلب تبرعات للحرب من مليارديرات روسيا

إيلي يوسف (واشنطن)
أوروبا رئيسة وزراء لاتفيا سيلينا إيفيكا خلال قمة قادة قوة التدخل السريع المشتركة في هلسنكي، فنلندا 26 مارس 2026 (إ.ب.أ)

لاتفيا تتهم روسيا بتنظيم حملة معلومات مضللة ضد دول البلطيق

اتهمت وزارة الدفاع اللاتفية روسيا بتنظيم حملة معلومات مضللة منسقة على نطاق واسع ضد دول البلطيق.

«الشرق الأوسط» (ريغا)
أوروبا صورة نُشرت في 27 مارس 2026 تظهر واجهة المركز الثقافي الروسي بعد أن ألقى مهاجم مجهول عدة زجاجات مولوتوف على المبنى في براغ عاصمة جمهورية التشيك (رويترز)

مجهول يلقي قنابل حارقة على مركز ثقافي روسي في العاصمة التشيكية

ذكرت الشرطة التشيكية، الجمعة، أن مهاجماً غير معروف ألقى عدة قنابل حارقة (مولوتوف) على مركز ثقافي روسي في العاصمة براغ.

«الشرق الأوسط» (براغ)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز) p-circle 00:44

روسيا تنفي تزويد إيران بمعلومات استخباراتية

رفضت الحكومة الروسية المزاعم التي تتردد بأنها تزود إيران بمعلومات استخباراتية تستخدم في استهداف المنشآت العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزيرة الخارجية ​البريطانية إيفيت كوبر مع نظيرها الفرنسي جان نويل بارو في فو دو سيرنيه قرب باريس حيث يُعقد لقاء وزراء خارجية دول مجموعة السبع (رويترز)

وزيرة الخارجية البريطانية: نشعر بقلق بالغ من العلاقات بين روسيا وإيران

عبرت وزيرة الخارجية ​البريطانية إيفيت كوبر، اليوم الجمعة، عن قلق بريطانيا وحلفائها في ‌مجموعة ‌السبع البالغ ​من ‌تنامي ⁠العلاقات ​بين روسيا وإيران.

«الشرق الأوسط» (باريس)

إيران تهدد بضرب الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط

عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)
عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)
TT

إيران تهدد بضرب الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط

عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)
عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)

هدد «الحرس الثوري» الإيراني، فجر اليوم (الأحد)، باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفاد بأن ضربات أميركية وإسرائيلية دمّرت جامعتين في إيران.

وقال ا«الحرس الثوري» في بيان نشرته وسائل إعلام إيرانية «إذا أرادت الحكومة الأميركية أن لا تتعرض هذه الجامعات في المنطقة لردود انتقامية، عليها إدانة قصف الجامعات في بيان رسمي قبل الاثنين 30 مارس (آذار) ظهراً».

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

توجد فروع لجامعات أميركية عديدة في دول الخليج مثل جامعة تكساس إيه آند إم في قطر، وجامعة نيويورك في الإمارات العربية المتحدة.

وليل الجمعة السبت سُمع دوي انفجارات في طهران طالت جامعة العلوم والتكنولوجيا في شمال شرق المدينة، وأدت إلى إلحاق أضرار بالمباني من دون وقوع إصابات، بحسب ما أفادت تقارير إعلامية.


إيران تسمح لمزيد من السفن الباكستانية بالمرور من مضيق هرمز


ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
TT

إيران تسمح لمزيد من السفن الباكستانية بالمرور من مضيق هرمز


ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)

وافقت إيران على السماح لعدد إضافي من السفن التي ترفع العلم الباكستاني بعبور مضيق هرمز، حسبما قال وزير الخارجية الباكستاني، اليوم السبت.

وقال إسحاق دار في منشور على «إكس» إن «حكومة إيران وافقت على السماح لـ20 سفينة إضافية بعبور مضيق هرمز تحت العلم الباكستاني». وأضاف: «ستعبر سفينتان المضيق يومياً».

ورحب دار بالقرار ووصفه بـ«بُشرى للسلام» وأنه «سيساهم في تعزيز الاستقرار في المنطقة»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال دار، الذي يشغل أيضاً منصب نائب رئيس الوزراء الباكستاني، إن «الحوار والدبلوماسية وإجراءات بناء الثقة مثل تلك هي الطريق الوحيد للمضي قدماً».

وتشارك باكستان في حدود طولها نحو 900 كيلومتر مع إيران، وقد ظهرت كوسيط وسط المخاوف المتزايدة من اتساع نطاق الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.

وأدت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران إلى توقف شبه تام لحركة الشحن في المضيق لكن إيران قالت قبل أيام إن «السفن غير المعادية» يمكنها العبور إذا نسقت مع السلطات الإيرانية.


واشنطن ترسل مزيداً من القوات إلى المنطقة

عنصر في «الهلال الأحمر الإيراني» اليوم السبت أمام ركام مبنى شركة تعرض للقصف في طهران يوم 1 مارس 2026 (أ.ب)
عنصر في «الهلال الأحمر الإيراني» اليوم السبت أمام ركام مبنى شركة تعرض للقصف في طهران يوم 1 مارس 2026 (أ.ب)
TT

واشنطن ترسل مزيداً من القوات إلى المنطقة

عنصر في «الهلال الأحمر الإيراني» اليوم السبت أمام ركام مبنى شركة تعرض للقصف في طهران يوم 1 مارس 2026 (أ.ب)
عنصر في «الهلال الأحمر الإيراني» اليوم السبت أمام ركام مبنى شركة تعرض للقصف في طهران يوم 1 مارس 2026 (أ.ب)

تشهد الولايات المتحدة توسعاً سريعاً في وجودها العسكري بالشرق الأوسط، في وقت يدرس فيه الرئيس دونالد ترمب خطواته المقبلة في المواجهة مع إيران.

وقالت صحيفة «وول ستريت» الأميركية إن عدد الجنود الأميركيين المُرسلين إلى المنطقة قد يصل إلى 17 ألفاً. وبحسب مسؤولين أميركيين نقلت عنهم تقارير عدة، يدرس البنتاغون إرسال 10 آلاف جندي إضافي إلى المنطقة، وإذا تمت الموافقة على ذلك، فستنضم هذه التعزيزات إلى نحو 5 آلاف من مشاة البحرية (المارينز) ونحو ألفي مظلي من الفرقة 82 المحمولة جواً، الذين سبق أن صدرت أوامر بنشرهم.

ويرى مخططون عسكريون أن هذا الحجم من القوات لا يكفي لشن غزو شامل لإيران، لكنه قد يتيح تنفيذ عمليات محدودة ذات أهمية استراتيجية، مثل السيطرة على مواقع حيوية، أو تأمين مخزونات اليورانيوم، أو استهداف مواقع إيرانية على جزر قريبة من الممرات البحرية الحساسة.

ورغم هذا الحشد، لم يصدر ترمب حتى الآن توجيهاً بإدخال قوات أميركية إلى داخل الأراضي الإيرانية، كما سعى مسؤولون كبار إلى التقليل من احتمالات حدوث غزو بري.

وقال وزير الخارجية ماركو روبيو إنه لا يتوقع نشر «قوات برية» داخل إيران، في وقت لا تزال فيه الخيارات الدبلوماسية، بما في ذلك احتمال إجراء محادثات مع طهران، مطروحة على الطاولة.

«الوحدة الاستكشافية 31 للمارينز»

قوة من «المارينز» الأميركية (أ.ب)

في المقابل، يمنح وصول وحدة من مشاة البحرية الأميركية إلى المنطقة القادة العسكريين نطاقاً أوسع من الخيارات. فقد وصلت «الوحدة الاستكشافية 31 للمارينز» إلى الشرق الأوسط على متن السفينة الهجومية البرمائية «يو إس إس تريبولي»، حاملةً نحو 3500 بحار وجندي، وفق ما ذكرت قناة «سي إن إن» الأميركية.

وتُعد هذه الوحدة، التي تتمركز عادة في أوكيناوا باليابان، قوة عالية الجاهزية والتدريب، قادرة على تنفيذ مهام سريعة تشمل الهجمات البرمائية، والإنزالات، والعمليات الخاصة، والإخلاء، واعتراض السفن. ويتيح وجودها تنفيذ عمليات معقدة من البحر إلى البر، تجمع بين قوات المشاة والدعم الجوي واللوجيستي ضمن تشكيل متكامل.

كما تتجه وحدة أخرى من المارينز، تضم نحو 2200 جندي وعدداً من السفن الحربية، نحو الشرق الأوسط بعد مغادرتها كاليفورنيا، إلا أن وصولها قد يستغرق عدة أسابيع.

ويأتي هذا الانتشار في ظل تصاعد التوترات في مضيق هرمز ومحيطه، وهو ممر حيوي لتجارة النفط العالمية، تأثر جزئياً بهجمات تنسب إلى القوات الإيرانية.

حاملة طائرات أميركية ثالثة

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» (موقع البحرية الأميركية)

ولا يقتصر التعزيز العسكري على القوات البرمائية، إذ تتجه حاملة طائرات أميركية ثالثة، هي «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش»، نحو الشرق الأوسط بعد مغادرتها نورفولك في ولاية فيرجينيا، لتنضم إلى حاملتين أخريين تعملان بالفعل في المنطقة.

وتنفذ حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» حالياً طلعات قتالية فوق إيران من شمال بحر العرب، في حين تخضع «يو إس إس جيرالد آر فورد» لأعمال إصلاح في جزيرة كريت عقب حريق وقع على متنها، بعدما تم تمديد فترة انتشارها إلى نحو 11 شهراً. ولم يتضح بعد ما إذا كانت ستعود إلى المنطقة بعد انتهاء الإصلاحات أم ستبقى في شرق المتوسط.

ومن شأن انضمام مجموعة حاملة الطائرات «بوش»، التي ترافقها مدمرات مزودة بصواريخ موجهة، أن يرفع عدد حاملات الطائرات الأميركية المخصصة للعمليات المرتبطة بإيران إلى ثلاث، ما يعزز بشكل كبير القدرة الجوية والمرونة العملياتية للولايات المتحدة.

وتشكل هذه التحركات مجتمعة — من نشر قوات برية ووحدات مارينز ومجموعات حاملات طائرات — وضعاً عسكرياً متعدد الطبقات يهدف إلى منح البيت الأبيض مجموعة واسعة من الخيارات، تتراوح بين الردع وتنفيذ ضربات محدودة، وصولاً إلى عمليات أوسع إذا اقتضت الحاجة.

ومع ذلك، تبدو الإدارة الأميركية حريصة على الموازنة بين الضغط العسكري والإشارات الدبلوماسية. فبينما يعكس هذا الحشد استعداد واشنطن للتصعيد عند الضرورة، يؤكد المسؤولون أن حرباً برية واسعة مع إيران ليست وشيكة ولا حتمية.

ويشير الموقف الأميركي الراهن إلى اعتماد استراتيجية تقوم على المرونة: تموضع القوات بشكل يتيح التحرك السريع والحاسم، مع الإبقاء في الوقت ذاته على نافذة مفتوحة لخفض التصعيد عبر التفاوض.

وتشير تقديرات أميركية إلى أن إيران عدّلت تكتيكاتها بعد الضربات الجوية الأخيرة، فانتقلت من استخدام السفن الكبيرة إلى الزوارق السريعة القادرة على زرع الألغام وتفادي الرصد.

وغالباً ما تنطلق هذه الزوارق من جزر قريبة من المضيق، ما يعقّد جهود تأمين الممر. ويرى خبراء عسكريون أن القوات الأميركية قد تلجأ إلى تنفيذ غارات محددة للسيطرة على هذه الجزر أو تحييدها، إلا أنهم يحذرون من أن تطهير عدد كبير من الجزر سيكون عملية معقدة تستغرق وقتاً طويلاً.

معاهدة حظر الانتشار النووي

السفير الإيراني سعيد إيرواني متحدثاً خلال اجتماع لمجلس الأمن حول حظر الانتشار النووي وإيران (د.ب.أ)

على صعيد آخر، أفاد النائب عن طهران مالك شريعتي بأن البرلمان الإيراني يدرس مشروعاً مستعجلاً بدرجة قصوى تحت عنوان «دعم الحقوق النووية للشعب الإيراني»، يتضمن مقترحات جوهرية تتعلق بالسياسة النووية.

وأوضح أن المشروع يشمل ثلاثة محاور رئيسية: إعلان الانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وإلغاء قانون الإجراءات المتبادلة المرتبط بتنفيذ الاتفاق النووي، إضافة إلى دعم إبرام إطار دولي جديد مع دول متقاربة، بينها تكتلات مثل «شنغهاي» و«بريكس»، لتطوير التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية.

وميدانياً، أعلن «الحرس الثوري»، يوم السبت، تنفيذ موجات إضافية من الهجمات الصاروخية والمسيّرات، مستهدفاً ما قال إنها مواقع صناعية وعسكرية إسرائيل و«مرتبطة بالولايات المتحدة».

وذكر في بيان أن الهجمات نفذت باستخدام صواريخ بعيدة ومتوسطة المدى وطائرات مسيّرة، مشيراً إلى أنها أصابت «أهدافاً محددة» في «أراضٍ خاضعة لسيطرة إسرائيل ومناطق أخرى»، من دون تقديم تفاصيل مستقلة عن حجم الأضرار.

وأضاف البيان أن الدفاعات الجوية الإيرانية أسقطت طائرة مسيّرة أميركية من طراز«إم كيو-9» في أجواء شيراز، كما تحدث عن إصابة مقاتلة «إف-16» قال إنها أميركية فوق جنوب محافظة فارس. ولم يصدر تأكيد مستقل من الولايات المتحدة بشأن هذه المزاعم.

وفي وقت سابق، قال المتحدث باسم عمليات هيئة الأركان الإيرانية إن بلاده نفذت عملية صاروخية استهدفت ما وصفه بـ«مخابئ لعناصر أميركية» في دبي، بالتوازي مع «ضرب مستودع يستخدم لتخزين أنظمة مضادة للطائرات المسيّرة تعود إلى أوكرانيا»، مضیفاً أن الموقع المستهدف كان يضم 21 عنصراً أوكرانياً.

موجة من الضربات على إيران

آثار الدمار بعد غارة على طهران (أ.ف.ب)

وأفادت معطيات أوردتها تقارير محلية ورسائل ميدانية، لم يتسن التحقق من كثير منها بشكل مستقل، بأن موجة واسعة من الضربات الجوية داخل إيران امتدت من ليل الجمعة إلى نهار السبت، في واحدة من أكثر جولات التصعيد اتساعاً منذ بدء الحرب، مع شمولها طيفاً واسعاً من المدن والمراكز الحضرية.

وبحسب هذه المعطيات، طالت الضربات العاصمة طهران ومدناً رئيسية في محيطها، إضافة إلى مدن وسط البلاد، أبرزها أصفهان وكاشان ويزد وشيراز وتبريز وزنجان وبروجرد وقم، مستهدفة مواقع عسكرية وصاروخية وبنى صناعية، إلى جانب أضرار لحقت بمبانٍ سكنية في بعض المناطق.

في طهران، أفادت روايات متقاطعة بسلسلة ضربات متلاحقة منذ فجر السبت، في الأحياء الشمالية والشرقية والغربية للعاصمة. وذكرت التقارير أن القصف استهدف، منشآت عسكرية وصناعات دفاعية ومنصات إطلاق.

أما في محافظة البرز والمناطق الغربية للعاصمة، فقد تجددت الضربات على ضواحي مدينة كرج و بلدة ملارد التي تضم أكبر مصانع إنتاج ومواقع لوجيستية لتخزين الصواريخ والذخائر في البلاد.

وفي أصفهان، تحدثت التقارير عن واحدة من أعنف الليالي منذ اندلاع النزاع، مع عشرات الانفجارات خلال فترة قصيرة، تركزت في جنوب المدينة وشمالها ووسطها. كما أُبلغ عن ضربات إضافية على منشآت عسكرية في مدينة شهرضا القريبة. وفي كاشان، استهدفت غارات لليوم الثاني على التوالي مواقع صناعية، بعضها يرتبط بقطاع المعادن، وسط انقطاع للكهرباء في بعض المناطق.

وفي يزد، أفادت تقارير بوقوع ضربات فجراً، على مواقع مرتبطة بالبرنامج الصاروخي. وفي شيراز، وردت تقارير عن انفجارات قرب المطار ومناطق عسكرية في جنوب المدينة.

كما أبلغ عن انفجارات في تبريز شمال غربي البلاد، وذلك غداة ضرب منشآت بحثية يعتقد ارتباطها ببرامج متقدمة لمحركات الصواريخ، فيما أشارت تقارير أخرى إلى ضربة استهدفت مبنى سكنياً في زنجان فيما بدا هجوماً دقيقاً، وأفيد لاحقاً بأنها استهدفت مقر إقامة ميثم مطيعي، المنشد الديني في مكتب المرشد الإيراني، ولم يتم تأكيده رسمياً. وفي بروجرد، تحدثت روايات عن استهداف مبنى سكني مع ترجيحات بارتباطه بعملية اغتيال.