انسحاب جزئي لـ«الحرس الثوري» من سوريا بعد ضربات إسرائيلية

طهران تعتمد على ميليشيات أفغانية وباكستانية في الحفاظ على وجودها

سكان حي المزة فيلات بدمشق يتفقدون الأضرار في موقع الغارة الإسرائيلية على مبنى تابع لـ«الحرس الثوري» 20 يناير (رويترز)
سكان حي المزة فيلات بدمشق يتفقدون الأضرار في موقع الغارة الإسرائيلية على مبنى تابع لـ«الحرس الثوري» 20 يناير (رويترز)
TT

انسحاب جزئي لـ«الحرس الثوري» من سوريا بعد ضربات إسرائيلية

سكان حي المزة فيلات بدمشق يتفقدون الأضرار في موقع الغارة الإسرائيلية على مبنى تابع لـ«الحرس الثوري» 20 يناير (رويترز)
سكان حي المزة فيلات بدمشق يتفقدون الأضرار في موقع الغارة الإسرائيلية على مبنى تابع لـ«الحرس الثوري» 20 يناير (رويترز)

أفادت «رويترز»، عن مصادر مطّلعة، بأن «الحرس الثوري» الإيراني قلَّص نشر كبار ضباطه في سوريا بسبب سلسلة من الضربات الإسرائيلية المُميتة، مشيرة إلى أنه سيعتمد أكثر على فصائل شيعية متحالفة مع طهران للحفاظ على وجوده هناك.

ويتعرض «الحرس الثوري» لواحدة من أكثر الفترات صعوبة في سوريا منذ وصوله قبل عقد من الزمن لمساعدة الرئيس بشار الأسد في الحرب الأهلية. فمنذ ديسمبر (كانون الأول)، قتلت الضربات الإسرائيلية أكثر من ستة من أعضائه في سوريا، بينهم قياديان كبيران في «فيلق القدس»، الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري».

وقالت ثلاثة من المصادر إنه بينما تطالب أطراف في التيار المحافظ في طهران، بالثأر، فإن «قرار إيران سحْب كبار الضباط مدفوع جزئياً بحرصها على ألا تنجرّ إلى صراع يحتدم في أنحاء الشرق الأوسط».

وتخشى إيران من تعرض قواتها لضربات انتقامية أميركية، بعد الهجوم الذي أودى بثلاثة جنود أميركيين في قاعدة في الأردن، ونسَبَته واشنطن إلى فصيل مسلَّح مدعوم من إيران، مُحذّرة واشنطن التي توعدت بالرد.

وصدرت دعوات إلى «خفض التصعيد»، و«ضبط النفس»، الثلاثاء، عن روسيا والصين، وحذّرت بكين من «دوامة انتقام» في الشرق الأوسط.

وتعهّد الرئيس الأميركي جو بايدن بردّ «ملائم»، الثلاثاء، من المحتمل أن يتخذ أشكالاً عدّة، وذلك في الوقت الذي قال فيه إنه يُحمّل إيران «المسؤولية» عن تزويد الأشخاص الذين شنّوا الهجوم بالأسلحة، دون أن يوضح ما إذا كان سيستهدف مباشرة الأراضي الإيرانية، مثلما يطالب به قسم من الطبقة السياسية في واشنطن.

وأكد المتحدث باسم مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، جون كيربي، الاثنين، أن واشنطن «لا تسعى إلى حرب مع إيران». وبمواجهة هذه التهديدات، حرصت طهران على عدم إصدار أي تصريحات حربية، مُفسحة المجال للدبلوماسية.

ودعا وزير خارجية إيران، حسين أمير عبداللهيان، الولايات المتحدة، الأربعاء، إلى «الكفّ عن استخدام لغة التهديد». من جهته، حذّر قائد «الحرس الثوري» الإيراني، حسين سلامي، الأربعاء، من أن إيران مستعدّة لـ«الرد» على أي هجوم. وقال: «نحن لا نريد الحرب ولكننا لا نخاف منها».

تقليص الوجود

وأوضحت المصادر أن «إيران ليست لديها نية للانسحاب من سوريا، وهي جزء أساسي من دائرة (نفوذ) طهران»، لكنها قالت إن «إعادة التفكير تُسلّط الضوء على كيف تتكشف العواقب الإقليمية للحرب التي أشعلها هجوم حركة (حماس) على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول)».

وقال مسؤول أمني إقليمي كبير على اطلاع من جانب طهران، إن «قادة إيرانيين كباراً غادروا سوريا مع عشرات الضباط ذوي الرُّتب المتوسطة»، واصفاً ذلك بأنه تقليص لحجم الوجود.

ولم تذكر مصادر «رويترز» عدد الإيرانيين الذين غادروا، وقالت الوكالة إنها لم تتمكن من تحديد ذلك بشكل مستقلّ. ولم تتمكن «رويترز» من الاتصال بـ«الحرس الثوري»، للحصول على تعليق، كما لم تردَّ وزارة الإعلام السورية على أسئلة عبر البريد الإلكتروني بشأن هذا الموضوع.

وقالت ثلاثة من المصادر إن «الحرس الثوري» سيُدير العمليات السورية عن بُعد، بمساعدة حليفته جماعة «حزب الله» اللبناني. ولم تردَّ الجماعة اللبنانية، على الفور، على طلب للتعليق.

وقال مصدر آخر؛ وهو مسؤول إقليمي مقرَّب من إيران، إن مَن لا يزالون في سوريا غادروا مكاتبهم وأماكن إقامتهم، وابتعدوا عن الأنظار. وأضاف: «الإيرانيون لن يتخلّوا عن سوريا، لكنهم قلّلوا وجودهم وتحركاتهم إلى أقصى حد».

وذكرت المصادر أن التغييرات لم يكن لها تأثير على العمليات حتى الآن. وقال أحد المصادر، وهو إيراني، إن تقليص الحجم «سيساعد طهران على تجنب الانجرار إلى الحرب بين إسرائيل وغزة».

«على عاتق الوكلاء»

ويُصرّ المسؤولون الإيرانيون على وصف حضور القوات العسكرية، خصوصاً «فيلق القدس» الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري»، بـ«النفوذ» لإظهاره نتيجة عوامل اجتماعية وثقافية وخلفيات تاريخية.

ورغم أن إيران حاولت النأي بنفسها عن الهجمات التي شنّتها جماعات مسلَّحة دخلت المعركة من لبنان واليمن والعراق وسوريا، في إطار ما تسميه «محور المقاومة»، نافية أن تكون تلك الجماعات وكيلة لها في المنطقة، لكنها لم تنفِ تزويد تلك الجماعات بالأسلحة والمال.

وأرسلت إيران آلاف المقاتلين إلى سوريا، خلال الحرب السورية. وبينما كان بين هؤلاء أعضاء من «الحرس الثوري»، يعملون رسمياً في دور مستشارين، كان الجزء الأكبر من الفصائل المسلَّحة الشيعية من أنحاء المنطقة.

تشييع حجت أميدوار مسؤول استخبارات «الحرس الثوري» في سوريا (إرنا)

ومنذ اندلاع حرب غزة، صعّدت إسرائيل حملة الضربات الجوية المستمرة منذ سنوات؛ بهدف تحجيم الوجود الإيراني في سوريا، ومهاجمة كل من «الحرس الثوري»، و«حزب الله» الذي يتبادل بدوره إطلاق النار مع إسرائيل عبر الحدود اللبنانية الإسرائيلية منذ الثامن من أكتوبر الماضي.

ونادراً ما تُعلّق إسرائيل على هجماتها في سوريا، ولم تعلن مسؤوليتها عن أحدث الضربات هناك. وقال الجيش الإسرائيلي، ردّاً على أسئلة لـ«رويترز»، إنه لا يُعلّق على تقارير إعلامية أجنبية.

«اختراق استخباراتي»

ذكرت وسائل إعلام رسمية إيرانية أن خمسة من أفراد «الحرس الثوري»، بينهم حجت الله أميدوار مسؤول استخبارات «فيلق القدس» في سوريا، قُتلوا خلال هجوم وقع في 20 يناير (كانون الثاني)، وسوّى بالأرض مبنى في دمشق.

وفي هجوم آخر يوم 25 ديسمبر (كانون الأول) خارج دمشق، قُتل مسؤول إمدادات «الحرس الثوري» في سوريا، رضي موسوي، الذي كان مسؤولاً عن التنسيق بين سوريا وإيران أيضاً. وأمَّ المرشد الإيراني علي خامنئي المُصلّين في صلاة جنازته.

وقالت «رويترز» إنها تحدثت إلى ستة مصادر مطّلعة على عمليات الانتشار الإيرانية في سوريا من أجل هذا الموضوع، ورفضوا الكشف عن هويتهم بسبب حساسية الأمر.

وقالت ثلاثة من المصادر إن «الحرس الثوري» أثار مخاوف مع السلطات السورية من أن تسريب معلومات من داخل قوات الأمن السورية لعب دوراً في الضربات المُميتة الأخيرة. وذكر مصدر آخر مُطّلع على العمليات الإيرانية في سوريا أن الضربات الإسرائيلية الدقيقة دفعت «الحرس الثوري» إلى نقل مواقع العمليات ومساكن الضباط، وسط مخاوف من «اختراق استخباراتي».

حرب الظل

وتخوض إسرائيل وإيران، منذ سنوات، حرب ظل في سوريا، وعزَّزت الجماعات المسلَّحة وجودها على مدى سنوات في الحدود الإسرائيلية. ونفّذت إسرائيل ضربات متكررة تهدف إلى صدّ القوات الإيرانية، ومنع نقل الأسلحة المتقدمة إلى «حزب الله».

وتقول الحكومة الإيرانية إن قوات «الحرس الثوري» والجماعات التابعة لها، جاءت إلى سوريا بدعوة من الحكومة السورية، بعد اندلاع الأزمة في 2011. ومنذ البداية، وصفت إيران حضور قواتها بـ«الاستشاري»، لكنها في الوقت نفسه أطلقت تسمية «المُدافعين عن الأضرحة» على قتلاها في سوريا.

وبعد سنوات من استعادة الأسد وحلفائه معظم سوريا، لا تزال الجماعات المدعومة من إيران تعمل في مناطق واسعة.

وعزَّز وجود هذه الجماعات، الدور الإقليمي لإيران، وخصوصاً «الحرس الثوري» الذي امتدّ عبر العراق وسوريا ولبنان إلى البحر المتوسط. ويقول قادة «الحرس الثوري» إن توسع أنشطتهم الإقليمية «أسهم في إعادة توازن القوى بمنطقة غرب آسيا».

وقالت ثلاثة من المصادر إن «(الحرس الثوري) يُجنّد، مرة أخرى، مقاتلين شيعة من أفغانستان وباكستان للانتشار في سوريا، في تكرار لمراحل سابقة من الحرب عندما لعب مُسلّحون شيعة دوراً في تحويل مجرى الصراع»؛ في إشارة إلى تعزيز ميليشيا «فاطميون» للمقاتلين الأفغان، و«زينبيون» للمقاتلين الباكستانيين.

وقال المسؤول الإقليمي المقرَّب من إيران إن «الحرس الثوري يعتمد أكثر على فصائل شيعية سورية».

قاآني يظهر مع قادة في «الحرس الثوري» خلال تأبين مسؤول الإمدادات رضي موسوي الشهر الماضي (تسنيم)

«انسحاب تكتيكي»

وقال جريجوري برو، المحلل في مجموعة أوراسيا لاستشارات المخاطر السياسية، إن الإخفاق في حماية القادة الإيرانيين «قوَّض بوضوح موقف إيران»، لكن من غير المرجح أن تُنهي طهران التزامها تجاه دمشق حفاظاً على دورها في سوريا».

ودعّمت روسيا أيضاً الأسد ونشرت قواتها الجوية في سوريا عام 2015، وأي إضعاف لدور إيران هناك، يمكن أن يكون في صالحها. وقال برو: «موسكو وطهران تعملان معاً بشكل وثيق، لكن علاقتهما قد تتوتر إذا تنافسا علانية في سوريا».

وقالت روسيا، هذا الشهر، إنها تتوقع أن يُوقّع الرئيس فلاديمير بوتين، ونظيره الإيراني إبراهيم رئيسي، معاهدة جديدة قريباً، وسط تعزيز للعلاقات السياسية والتجارية والعسكرية بين البلدين.

ووجّهت وسائل إعلام إيرانية، خلال السنوات الماضية، اتهامات إلى روسيا بأنها تسعى لإبعاد إيران عن إعادة إعمار سوريا وحرمانها من الامتيازات الاقتصادية، لصالح الشركات الروسية.

وهذه ليست المرة الأولى التي تتحدث وسائل إعلام عن انسحاب «الحرس الثوري» من سوريا. وكانت تقارير مماثلة قد انتشرت في نهاية عام 2015، بعد مقتل قائد القوات الإيرانية في سوريا حينذاك حسين همداني، وأنباء عن جرح قاسم سليماني، مع توسع أنشطة إيرانية.

في مايو (أيار) 2020، أفادت وكالة «أسوشيتد برس»، نقلاً عن الجيش الإسرائيلي قوله إن «فيلق القدس» الإيراني بدأ انسحاباً ببطء من سوريا، بسبب الضربات الإسرائيلية، فضلاً عن الاستياء الداخلي جراء تدهور الوضع الاقتصادي الإيراني، وتفشي فيروس جائحة كورونا.


مقالات ذات صلة

طائرات باكستانية رافقت مفاوضي إيران خشية هجوم إسرائيلي

شؤون إقليمية صورة نشرها التلفزيون الرسمي من اجتماع الوفد الإيراني على هامش محادثات باكستان p-circle

طائرات باكستانية رافقت مفاوضي إيران خشية هجوم إسرائيلي

رافقت ​القوات الجوية الباكستانية المفاوضين الإيرانيين إلى بلادهم بعد أن حضروا في إسلام آباد محادثات مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية مَسيرة في طهران بمشاركة نسائية كبيرة لتكريم ضحايا الحرب (أ.ف.ب) p-circle

طهران تؤكد وجود «خلافات كبيرة» مع واشنطن وتُلوّح بإعادة إغلاق «هرمز»

قال مسؤول إيراني كبير، الجمعة، ​إن خلافات كبيرة لا تزال قائمة بين إيران وأميركا للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، مضيفاً أن هناك شروطاً لإبقاء ‌مضيق هرمز ‌مفتوحاً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية سفن شحن قرب مضيق «هرمز» (رويترز) p-circle

هل يحق لإيران قانونياً فرض رسوم على عبور مضيق «هرمز»؟

تسعى طهران لإحكام قبضتها ‌على مضيق «هرمز» من خلال فرض رسوم على السفن؛ لضمان عبوره بأمان، وذلك بالتنسيق مع «الحرس الثوري» الإيراني.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية صورة نشرتها الخارجية الإيرانية لاستقبال عراقجي لقائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران اليوم

عاصم منير في طهران… والهدنة على حافة التمديد

وصل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران، الأربعاء، في وقت اقترب فيه الوسطاء من تمديد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، واستئناف المفاوضات.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران)
شؤون إقليمية «يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من «مشاة البحرية - المارينز» تبحر في الشرق الأوسط (أرشيفية - أ.ف.ب)

أميركا تُحكم حصار الموانئ الإيرانية بحاملة طائرات ثالثة

في ما بدا أنه سباق مع الوساطات لإجراء جولة ثانية من المحادثات الأميركية - الإيرانية، أعلن الجيش الأميركي اكتمال الحصار المفروض على إيران عند مضيق هرمز.

علي بردى (واشنطن)

هل يمكن نقل مخزون اليورانيوم الإيراني إلى دولة ثالثة؟

صورة التقطها قمر اصطناعي يوم 17 يونيو 2025 تُظهر مبنى مُدمّراً في موقع نطنز النووي بإيران (بلانيت لابز - رويترز)
صورة التقطها قمر اصطناعي يوم 17 يونيو 2025 تُظهر مبنى مُدمّراً في موقع نطنز النووي بإيران (بلانيت لابز - رويترز)
TT

هل يمكن نقل مخزون اليورانيوم الإيراني إلى دولة ثالثة؟

صورة التقطها قمر اصطناعي يوم 17 يونيو 2025 تُظهر مبنى مُدمّراً في موقع نطنز النووي بإيران (بلانيت لابز - رويترز)
صورة التقطها قمر اصطناعي يوم 17 يونيو 2025 تُظهر مبنى مُدمّراً في موقع نطنز النووي بإيران (بلانيت لابز - رويترز)

لا يمكن وضع حد دائم للحرب على إيران إلا باتفاق حول برنامجها النووي، وتالياً حول مصير مخزونها من اليورانيوم، الذي يلف الغموض مكانه والدرجة الدقيقة لتخصيبه.

والسؤال: هل يمكن نقل هذا المخزون إلى دولة ثالثة، وتخفيف تخصيبه إلى درجات غير ضارة؟

فيما يأتي بعض النقاط الأساسية.

ماذا عن مخزون اليورانيوم الإيراني؟

صدرت آخر معلومات الوكالة الدولية للطاقة الذرية قبيل اندلاع حرب يونيو (حزيران) 2025 التي استمرت اثني عشر يوماً.

وأفاد مفتشو الهيئة الأممية بأن إيران كانت تملك يومها 441 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، ما يجعله قريباً من نسبة 90 في المائة التي تتيح صنع قنبلة نووية، فضلاً عن 180 كلغ تبلغ نسبة تخصيبها 20 في المائة، وأكثر من 6 آلاف كلغ مخصّبة بنسبة 5 في المائة. وكان مخزون 60 في المائة موزعاً بين مواقع فوردو ونطنز وأصفهان.

ومنذ الضربات الإسرائيلية-الأميركية في يونيو 2025 ثم هذا العام، يلفّ الغموض ما آل إليه هذا المخزون في ظل عدم قيام الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعمليات تفتيش. فهل لا يزال مطموراً، كما تؤكد طهران، أم أن قسماً منه نُقل أو دُمّر؟

وثمة تساؤل آخر تطرحه مصادر غربية عدة: هل تمكنت إيران من إقامة مواقع سرية قبل حرب 2025، خصوصاً أن بعض المفتشين منعوا من زيارة مواقع محددة قبل يونيو 2025؟

ترى مصادر دبلوماسية أوروبية أنه لا بد من أن تعاود الوكالة الذرية عملها لتبديد هذا الغموض، علماً أن هذا الأمر شرط ضروري مسبق لأي تفاوض، وخصوصاً أن قاعدة البيانات الاستخباراتية الأميركية والإسرائيلية تشير إلى 1200 كلغ من اليورانيوم المخصب بنسبة 20 في المائة، بعيداً من 180 كلغ أشارت إليها الهيئة الأممية قبل اندلاع الحربين.

وذكّرت الباحثة إلوييز فاييه من مركز «إيفري» الفرنسي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن «لا استخدام مدنياً لليورانيوم المخصب فوق 20 في المائة»، فاستخدامه لأغراض مدنية على غرار محطات توليد الكهرباء يتطلب نسبة تراوح بين 4 و5 في المائة.

لهذا السبب، يشتبه الأوروبيون والأميركيون والإسرائيليون منذ أمد بعيد بسعي الإيرانيين لحيازة السلاح النووي، الأمر الذي واظبت طهران على نفيه، مدافعة عن حقها في التخصيب للاستخدام المدني.

خيار نقل اليورانيوم

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، أن الإيرانيين وافقوا على تسليم واشنطن «الغبار النووي»، في إشارة إلى مخزون اليورانيوم، متحدثاً عن «فرص جيدة جداً لنتوصل إلى اتفاق». وفي حال تحقق ذلك بين واشنطن وطهران، فقد يكون أحد الخيارات إخراج كامل اليورانيوم العالي التخصيب من إيران أو قسم منه.

وقالت فاييه: «سجلت سابقة في 2015 حين نقل قسم من اليورانيوم العالي التخصيب إلى روسيا»، في إشارة إلى ما تضمنه اتفاق دولي سابق شكل إطاراً للبرنامج النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة) ورفضه دونالد ترمب بشدة في 2018.

وتداركت: «لكن ذلك لا يمت بصلة إلى مستوى التخصيب الراهن. وسيكون الأمر أكثر تعقيداً كون العلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا اليوم تختلف عما كانت عليه عام 2015، إضافة إلى أن المخزون الإيراني بات أكبر بكثير».

أبدت روسيا استعدادها للمبادرة إلى هذه الخطوة. وصرح المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الأسبوع الماضي، بأن «الرئيس (فلاديمير) بوتين عرض هذا الاقتراح»، لافتاً إلى أن «العرض لا يزال سارياً ولكن أي تحرك لم يتم في ضوئه».

خيار خفض نسبة التخصيب

قال مصدر دبلوماسي إيراني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لقد اقترحنا خفض نسبة التخصيب داخل البلاد»، من دون أن يحدد تفاصيل ذلك.

والسؤال ما إذا كانت هذه العملية ستتم بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية أم تحت أنظار خبراء أميركيين. وتعتبر باريس أن من إيجابيات القيام بهذه العملية بإشراف الوكالة الذرية أنها ستحيي عمل مفتشيها وتعاود إضفاء طابع من الشفافية على العملية برمتها.

ومن شأن خفض نسبة التخصيب إلى ما دون 5 في المائة أن يحدّ إلى حد بعيد خطر التخصيب لأهداف عسكرية.

لكن إيلوييز فاييه لاحظت أنه لا يوجد تفاهم حول تفاصيل تنفيذ ذلك ودرجة الخفض المطلوبة، مضيفة: «الأمر كله يظل رهناً بموافقة أميركية على السماح لإيران بأن تخصّب على أراضيها».

تجاوز «الخط الأحمر»

كذلك، لا بدّ من تجاوز الخط الأحمر الذي رسمته كل من واشنطن وطهران. فالأولى تصر على تراجع كامل عن التخصيب، والثانية ترفض ذلك بشدة.

في رأي الأوروبيين أنه مهما كان الخيار الذي سيعمل عليه الأميركيون والإيرانيون، فلن يشكل سوى نقطة بداية لمفاوضات طويلة بهدف تحديد وسيلة لفرض قيود شديدة وطويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني. فرغم الانتكاسة المؤكدة التي أصيب بها البرنامج الإيراني، يتفق الخبراء على أن المعرفة العلمية لا تزال قائمة وإن كانت جزئية.

وفي هذا السياق، أوردت فاييه: «يبقى إجبار إيران على التخلي عن برنامجها النووي أمراً مستحيلاً، انطلاقاً مما راكمته من معارف وأقامته من منشآت. ولكن يمكن مراقبته ووضع سقف له». وتلك كانت بالضبط الغاية من الاتفاق الذي وقِّعَ عام 2015، بعد مفاوضات كثيفة استمرت نحو عامين.


واشنطن تدرس الإفراج عن 20 مليار دولار من أموال إيران المجمدة مقابل تسليم اليورانيوم

مجمع نطنز النووي في إيران بتاريخ 7 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ب)
مجمع نطنز النووي في إيران بتاريخ 7 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ب)
TT

واشنطن تدرس الإفراج عن 20 مليار دولار من أموال إيران المجمدة مقابل تسليم اليورانيوم

مجمع نطنز النووي في إيران بتاريخ 7 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ب)
مجمع نطنز النووي في إيران بتاريخ 7 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ب)

كشف موقع «أكسيوس» الإخباري الأميركي، اليوم (السبت)، عن إجراء مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بشأن خطة من ثلاث صفحات لإنهاء الحرب بين الجانبين.

ونقل «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين اثنين، ومصدرين آخرين مطلعين على المباحثات، القول إن هناك عنصراً من الخطة يخضع للمناقشة حالياً يتعلق بإفراج الولايات المتحدة عن 20 مليار دولار من أرصدة إيران المجمدة، مقابل تسليم طهران مخزونها من اليورانيوم المخصب.

ومنذ الضربات الإسرائيلية-الأميركية في يونيو (حزيران) 2025 ثم هذا العام، يلفّ الغموض ما آل إليه هذا المخزون في ظل عدم قيام الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعمليات تفتيش.


وزير خارجية تركيا يتهم إسرائيل بالسعي «لاحتلال مزيد من الأراضي»

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يلقي كلمة خلال حفل افتتاح منتدى أنطاليا للدبلوماسية (رويترز)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يلقي كلمة خلال حفل افتتاح منتدى أنطاليا للدبلوماسية (رويترز)
TT

وزير خارجية تركيا يتهم إسرائيل بالسعي «لاحتلال مزيد من الأراضي»

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يلقي كلمة خلال حفل افتتاح منتدى أنطاليا للدبلوماسية (رويترز)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يلقي كلمة خلال حفل افتتاح منتدى أنطاليا للدبلوماسية (رويترز)

اتهم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إسرائيل اليوم (السبت) باستغلال الحرب في الشرق الأوسط ذريعة «لاحتلال مزيد من الأراضي».

وقال فيدان خلال منتدى دبلوماسي في أنطاليا بجنوب تركيا: «إسرائيل لا تسعى إلى ضمان أمنها، بل تريد مزيداً من الأراضي. وتستخدم حكومة (بنيامين) نتنياهو الأمن ذريعة لاحتلال مزيد من الأراضي»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

واعتبر وزير الخارجية التركي أن إسرائيل، بالإضافة إلى الأراضي الفلسطينية التي تحتلها (في قطاع غزة، والضفة الغربية، والقدس الشرقية)، باتت تسعى إلى بسط سيطرتها على أراضٍ تابعة للبنان، وسوريا.

وأضاف فيدان: «هذا احتلال، وتوسع مستمر... يجب أن يتوقف»، مؤكداً أن «إسرائيل زرعت في أذهان العالم وهماً من خلال إظهار أنها تسعى فقط لحفظ أمنها».