في المفارقة التي ينطوي عليها عنوان رواية «الأمل مرضي المفضل» للروائي المصري مينا ناجي، يتحدد أحد توتراتها الأساسية؛ فالبطل الذي يقيّد تاريخه الشخصي مع المرض النفسي علاقته بالعالم، لا يكف عن التطلع إلى حياة تتجاوز هذه القيود، ليجد نفسه أسير عالم يتسع في خياله وخبراته المعرفية، ويضيق في تجربته الفعلية، ليتشكل الأمل لديه بوصفه عزاءً ومصدراً إضافياً للمعاناة في آن واحد.
في الرواية، الصادرة عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، تتوزع حياة «ميشيل» بين تاريخ عائلي مثقل بالاضطرابات وجروح الطفولة، وعلاقات عاطفية تتأرجح بين الخلاص وإعادة إنتاج الألم، وعبر فصول قصيرة تحمل عناوين مجردة، من قبيل «علاقة»، و«قِط»، و«أنثى»، و«قصيدة»، و«تاريخ»، و«ذات»، يتخذ الكاتب من تفاصيل الحياة اليومية متكآت سردية، تبدو أقرب إلى مفاصل جسد يتفحصه البطل بما يحمله من ندوب متفرقة.
يُستدعى الماضي بوصفه قوة تواصل تشكيل وعي ميشيل واختياراته، ففي علاقته بأبيه، الحاضر جسدياً والغائب عاطفياً، تتجلى مفارقة السلطة والحرمان؛ إذ يفرض الأب رغباته على ابنه، ويطالبه في الوقت نفسه بالمودة والقرب، حتى تتحول سلطته إلى شعور داخلي بالذنب، يجعل ميشيل يحمّل نفسه مسؤولية المسافة بينهما.
ويمتد هذا الجرح إلى تاريخ عائلي أقدم، تتصدره حكاية الجدة التي عانت اضطراباً نفسياً حاداً، ومن خلالها يتجاوز المرض حدود التجربة الفردية ليصبح جزءاً عضوياً من الذاكرة العائلية، ومن أنماط الخوف وانعدام الثقة التي تتردد بين الأجيال.
تردد أصداء هذا النمط في علاقته بحبيبته «هند»، حيث يجد كل منهما في الآخر فرصة لمداواة جراح قديمة، وتتيح العلاقة لميشيل تجاوز بعض الحدود التي فرضها عليه «الرهاب»، غير أن الحب لا ينفصل عن خوفه من الهجر والرفض، ولا عن ميله إلى إضفاء طابع رومانسي على المعاناة، حتى «يتحوّل الفشل إلى ذريعة لإذكاء التراجيديا الرومانسية داخله»، وهنا يحضر مفهوم «إجبار التكرار» الفرويدي على لسان السارِد في علاقة يبدو فيها الحب الجديد إعادة تمثيل لجرح قديم، ومحاولة متجددة لتغيير مصيره.
ومن اللافت أن أفكار ميشيل تعود في سياقات مختلفة عبر الرواية، فتتحول العبارة التي بدت يقيناً إلى سؤال، فمقولته «الحياة اختيارات» تعود لاحقاً في صيغة متشككة: «هل قال إن الحياة اختيارات؟»، في مراجعة لمعنى حرية الاختيار أمام تاريخ من القيود النفسية والاجتماعية التي لم يخترها.
تكوين معرفي
يتصل بذلك وعيه بالعمر والزمن، إذ افترض مبكراً أنه سيموت في العشرين، قبل أن يجد نفسه في الثلاثينيات أمام حياة لم يتوقع استمرارها، وهنا يصبح البقاء نفسه مدعاة للأمل، وربما في تصوره أنه «سيكبر خارج حياته السابقة»، تتجلى رغبته في أن يمنحه الزمن خلاصاً من الماضي، قبل أن يكتشف أن التقدم في العمر لا يعني التحرر من قبضته.
يصبح المرض في الرواية أكثر من ثيمة متكررة، إذ يتدخل في تشكيل علاقة البطل بالمكان والآخرين والمستقبل؛ فرهاب (الأغورافوبيا) يحد من حركته بين الغرباء، ويغلق أمامه احتمالات مهنية وعاطفية، وحتى علاقته بهند يعيد قراءتها بوصفها «علاقة بدأت بمرض ووُسمت بمرض وانتهت بمرض»، فيتحول المرض إلى أداة لتفسير التجربة وإعادة ترتيب حكايتها.
ويواكب هذا التكوين راوٍ عليم، شديد القرب من وعي ميشيل بوصفه كاتباً ومثقفاً، فتتخلل السرد إحالات إلى رولان بارت ودوستويفسكي وفالتر بنيامين وفرويد، وتتداخل هذه المرجعيات مع معرفة تراكمية بالمرض النفسي، تشكلت عبر التاريخ العائلي وتجارب ميشيل الشخصية.
يظهر هذا الوعي في كثافة المفاهيم والتصنيفات النفسية التي يستدعيها السرد، من اضطراب الشخصية الحدّية، وثنائي القطب، إلى المازوخية، والرهاب، وإجبار التكرار. وهي مفاهيم تتداخل مع الطريقة التي يفسر بها ميشيل سلوك الآخرين وعلاقاته بهم، حتى يبدو أحياناً كأنه لا يستطيع خوض التجربة دون أن يمنحها اسماً أو تفسيراً نفسياً. وفي إحدى لحظات المفارقة، حين ينصحه طبيب باطنة بالذهاب إلى طبيب نفسي، يستقبل النصيحة بثقة قائلاً: «فهذا مضماري الذي أنا خبير فيه»، في تعبير يكشف عن المسافة بين معرفته الواسعة بالأزمات النفسية وقدرته المحدودة على تجاوز أزمته الخاصة.
غير أن هذا الحضور المعرفي يترك أثره أيضاً في حركة السرد، الذي يميل أحياناً إلى تقديم التفسير قبل الحكاية، ففي أحد المواضع، يطرح السارِد سؤالاً عن كيفية انتهاء الحب، ثم يقدم إجابة بنبرة فلسفية تتعلق بتغير الموقع الرمزي للآخر، قبل أن ينتقل إلى واقعة من حياة ميشيل بعبارة: «لشرح هذه الإجابة، يمكن سرد قصة حدثت لميشيل...»، وهي حركة تكشف عن نزوع إلى تنظيم التجربة داخل إطار تفسيري سابق عليها، بحيث تتحول الحكاية أحياناً إلى شاهد على الفكرة، لتتشكل خصوصية هذا الصوت السردي بين محاكاة وعي شخصية البطل المثقفة، والميل إلى شرح دوافعها وتحليلها، وما يثيره من أسئلة حول المسافة بين الراوي وبطله.
الجيل والمدينةويتسع هذا التاريخ الشخصي ليشمل جراحاً اجتماعية أوسع، تتقاطع مع خبرة الانتماء إلى أقلية دينية، وما يصفه البطل بـ«الشعور القبطي بالذنب الذي يمقته»، وتأثيرات (ثورة يناير «كانون الثاني») على جيل يرى أنه «ورث تناقضات الأجيال السابقة وبلغ بها منتهاها»، ليجد أفراده أنفسهم ذوات هشة في واقع فوضوي.
تمتد أصداء هذا الحزن إلى المدينة، حتى إن السرد يرى أن «لا وعي المدينة نفسه مُحمّل بالحزن»، في انتقال من جراح الفرد إلى ذاكرة المكان، وما تختزنه من خسارات وتحولات اجتماعية وسياسية.
كما يمتد هذا التأمل إلى تحولات العلاقات الإنسانية في زمن «الافتراضية»، وما فرضه إيقاعها من روابط هشة، وإلى ثقافة «الفيديوهات القصيرة» التي يرى أنها ضاعفت الجهل والغرور بوهم المعرفة، وهكذا يتجاوز صوت ميشيل حدود التجربة الفردية إلى مساءلة واقع اجتماعي وثقافي أوسع، وإن ظلت هذه الأحكام مرتبطة بمنظوره الخاص، وما يحمله من خيبات وتناقضات.