لماذا سمى بودلير ديوانه «أزهار الشر»؟

عاش ضد عصره وغامر شعريّاً في مناطق خطرة

لماذا سمى بودلير ديوانه «أزهار الشر»؟
TT

لماذا سمى بودلير ديوانه «أزهار الشر»؟

لماذا سمى بودلير ديوانه «أزهار الشر»؟

جوابي سأقدمه فوراً للقارئ العربي ولن أدعه ينتظر ثانية واحدة. وهو جواب الأصمعي نفسه قبل 1200 سنة عندما قال هذه الحكمة الجوهرية: «الشعر نكد بابه الشر فإذا دخل في باب الخير ضعف».

لكن لنستمع إلى جواب بودلير ذاته الذي يقول ما فحواه: «هناك شعراء كبار ومشهورون اهتموا بالأقاليم المزهرة والجميلة للوطن الشعري. ولذلك بدا لي أنه ينبغي عليّ الاهتمام بشيء آخر مختلف تماماً بل معاكس. لقد بدا لي أنه من الممتع جداً والمفيد أن نستخلص الجمال من الشر».

لكن بودلير كان يقصد شيئاً آخر لا يقل عمقاً ألا وهو: إنه نزل في هذا الديوان الجهنمي إلى الطبقات السفلى للجحيم الأرضي: أي جحيم الطفولة المغدورة والنذالات والسفالات والخيانات الكبرى. كل هذا عانى منه بودلير. لقد رأى الشر وجهاً لوجه وحدق به عيناً بعين. لقد غامر في مناطق خطرة لا يتجرأ عليها أحد عادة: هناك حيث لا يوجد إلا المتسكعون الكبار من أمثال نيتشه وإدغار آلان بو وديستيوفسكي... ومعلوم أنه لم يكن متصالحاً مع نفسه ولا مع الآخرين ولا مع العالم كله. هذا شيء مفروغ منه. هذا أقل ما يمكن أن يقال. وإلا فكيف أصبح أكبر شاعر في العصر؟ متى سنؤلف كتاباً ضخماً في ألف صفحة بعنوان: الشعر والمصالحة المستحيلة مع العالم؟

وكنت امرءاً ألقى الزمان مسالماً

فأليت لا ألقاه إلا محاربا

(أبو تمام)

أو:

أعاذلتي ما أخشن الليل مركباً

وأخشن منه في الملمات راكبه

(أبو تمام أيضاً)

ينبغي العلم أن ديوان «أزهار الشر» ما هو إلا عبارة عن سيرة ذاتية لصاحبه لا أكثر ولا أقل، لكنها سيرة ذاتية مقنعة بطبيعة الحال. ينبغي أن تعرف كيف تقرأ ما بين السطور أو فيما ما وراء السطور. فهي ليست فقط أزهار الشر وإنما أزهار العذاب والمعاناة القاتلة على هذه الأرض. وقد ذاق الشاعر منها الأمرين. بالمختصر المفيد: الشاعر شخص منشق على نفسه، منقسم على ذاته ولنقلها بالعربي الفصيح: الشاعر مولع بالتدمير الذاتي للذات. وعلى أنقاض هذا الدمار الهائل تترعرع القصيدة كأعظم ما يكون.

الشاعر ضد العصر. من هنا الوضع التناقضي لشارل بودلير. فيكتور هيغو الذي قد يعدُّ الآن قديماً بالياً من الناحية الشعرية كان من أكبر أنصار الحداثة العلمية، والصناعية، والتكنولوجية، والتقدم البشري بل حتى الاشتراكية. فيكتور هيغو كان أكبر شاعر تقدمي في عصره وبودلير أكبر شاعر رجعي. ومع ذلك فإن الشاعر الرجعي هو الذي انتصر في نهاية المطاف على الشاعر التقدمي. لاحظوا المفارقة. ولكن لا توجد مفارقة على الإطلاق. الشعر لا علاقة له بالتقدمية والرجعية. الشعر شعر أو لا شعر. نقطة على السطر.

كان بودلير شخصاً قلقاً، متشائماً، لا يعطي ثقته للطبيعة البشرية على الإطلاق. ماذا تفعل بنوائب الزمان وضربات الغدر؟ ولذلك توقف مطولاً عند الجوانب السلبية من الوجود، عند قفا الوجود. وعن ذلك نتجت أزهار الشر. يقول عنه أحدهم هذا الكلمات الجوهرية:

«هذا الشاعر الذي يحاولون الآن تشويه صورته عن طريق القول بأنه كان ذا طبيعة شيطانية محبة للشر والانحلال الأخلاقي كان في الحقيقة مفعماً بحب الخير والجمال إلى أعلى الدرجات».

قائل هذا الكلام هو تيوفيل غوتييه صديقه الحميم الذي يعرفه أكثر من غيره. الناس يفرحون عادة بالنجاحات والانتصارات والولادات وتراكم الثروات والوجاهات... وهذا شيء طبيعي. هذا حقهم. أما هو فيفرح بالمزيد من التمزق والعذاب. عندما تجدون بودلير يائساً بائساً على شفا الانفجار أو الانهيار لا تزعلوا عليه. إياكم ثم إياكم. إنه يكون عندئذ يعيش أسعد لحظات حياته. لكأنه يقول: اللهم أنزلْ عليّ كل مصائب الأرض وكوارث التاريخ، اللهم اسحقني سحقاً ودمرني تدميراً، ولكن فقط امنحني الفرصة السانحة لكتابة قصيدة واحدة لها معنى.

يضاف إلى ذلك أن للقبح جماله في نظر بودلير، وكذلك الشر. هناك جماليات للتخلف أيضاً. ولا يدرك معناها إلا من عاش متنقلاً بين مجتمعات أوروبا الحداثية ومجتمعاتنا العربية التقليدية. بصراحة أنا مللت من نظافة سويسرا الزائدة عن اللزوم. آه ما أجمل جماليات التخلف العربي: الشوارع المزركشة والفوضى الخلاقة... الشاعر الرومانطيقي كان يتغنى بجمال الأزهار، والغابات، والوديان، والبحيرات، وكل ما هو جميل وساحر في الطبيعة الخلابة لأوروبا. وأنا معه. أنا أذوب ذوباناً في تلك الطبيعة الساحرة بين فرنسا وسويسرا أو بين نيس وموناكو على الشاطئ اللازوردي.. إلخ. هذا ناهيك عن جمال تطوان وطنجة هنا في المغرب. بالأمس التقيت نيتشه في شفشاون فرفض أن أسلم عليه قائلاً: أنا لا أضيع وقتي مع كتاب الدرجة العاشرة. مترجمين آخر زمان؟ لا: شكراً. حاجة . يكفي. ما ناقصنا... ركضت وراءه صارخاً: سيدي... سيدي... هل أستطيع أن أقبل يدك؟ أجاب: أعوذ بالله لا يمسها إلا المطهرون. ثم اختفى عن الأنظار.

شفشاون أحلى من سويسرا. عندما رأيتها لأول مرة هبط قلبي. هل نعلم أن بودلير في «أزهار الشر» سبق ومهد لكتابة «فصل في الجحيم» لرامبو. ومعلوم أن رامبو كان يعدُّ بودلير أستاذه الأعظم: إنه رب الشعر! كما أنه سبق كافكا وصموئيل بيكيت وكل أدب العبث والجنون واللامعقول... هل العالم مختل يا ترى؟ هل هناك خلل ما في صميم العالم؟ وإلا فلماذا الشعر؟ لماذا الكتاب الكبار؟

ينبغي العلم أن بودلير كان مأزوماً نفسياً إلى أقصى حد ممكن. تأملوا في وجهه الممتقع قليلاً إذا استطعتم. حدقوا فيه ولو للحظة. هذا كلام فارغ يعرفه القاصي والداني. هذا تحصيل حاصل. لا داعي للثرثرات المجانية. مللنا من الحذلقات والفذلكات. لكن لنستمع إلى هذا البيت: «هذه البلاد تضجرنا، آه يا موت، فلنرحل».

وقد رحل الشاعر شاباً في السادسة والأربعين فقط. رحل وليس في جيبه قرش واحد. رحل وهو لا يملك شيئاً من متاع هذه الدنيا العابرة. وذلك على عكس فيكتور هيغو الذي خلف وراءه ثروة ضخمة أذهلت معاصريه. يضاف إلى ذلك أن فيكتور هيغو عاش 83 سنة أي ضعف عمر بودلير تقريباً. وقد عاش منعماً مرفهاً محاطاً بالعشيقات المتجددات اللواتي كان يطاردهن دون كلل أو ملل حتى بعد أن تجاوز الثمانين. ولذلك كانت زوجة ابنه شارل المدعوة «أليس» تنهره وتوبخه بسبب هذا التهافت المخجل على الجنس اللطيف. تهافت التهافت. كانت تصرخ في وجهه: اخجل على حالك. العمى مصيبة. 80 سنة! ومع ذلك فعندما مات توقف قلب فرنسا عن الخفقان ونزل الملايين إلى الشوارع وتعطلت البلاد كلياً. ومشى رئيس الجمهورية في جنازته وكبار الشخصيات. هذا في حين أنه لم يمش في جنازة بودلير أكثر من ثلاثة أشخاص ولم يسمع بها أحد أصلاً. ولكن من الذي انتصر شعرياً في نهاية المطاف؟ لا أريد التقليل من عظمة فيكتور هيغو فهو حتماً أهم من بودلير (في المحصلة العامة) لأنه كتب رواية «البؤساء» وأشياء أخرى. لكنه لم يكتب «أزهار الشر» الذي قال عنه إيف بونفوا يوماً ما: «إنه الديوان الأعظم لتاريخنا الشعري كله»!


مقالات ذات صلة

سلطة الذائقة

ثقافة وفنون سلطة الذائقة

سلطة الذائقة

مِن أكثر العبارات شيوعاً في الحديث عن الأدب والفن قولنا إن «الأذواق لا تناقَش».

خالد الغنّامي
ثقافة وفنون عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)

تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

تكتسب الكتابة أهميتها البالغة من كونها خروجاً بالكلام من مستوى المشافهة والارتجال إلى مستوى التأليف والتركيب والمزاوجة غير العادية بين الألفاظ،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

شيّد خلفاء بني أمية سلسلة من المنشآت المعمارية في نواحٍ متفرقة من بوادي بلاد الشام، خربت مع مرور الزمن، وتحوّلت إلى أطلال منسية بدت مجهولة الهويّة،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون تاريخ العنف في رواية سريلانكية

تاريخ العنف في رواية سريلانكية

صدر أخيراً عن «دار صفصافة للنشر»، في القاهرة، رواية «أقمار مالي ألميدا السبعة»، للروائي السريلانكي شيهان كاروناتيلاكا، بترجمة الشاعر والمترجم المصري ميسرة صلاح

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

في قلب العاصمة البريطانية، لندن، وحتى قبل أن تتساقط الأوراق الخريفية بالكامل لتفرش دروب حديقة ريجنت بسجادها الذهبي،

فيء ناصر (لندن)

سلطة الذائقة

سلطة الذائقة
TT

سلطة الذائقة

سلطة الذائقة

مِن أكثر العبارات شيوعاً في الحديث عن الأدب والفن قولنا إن «الأذواق لا تناقَش». تبدو العبارة في ظاهرها تسامحاً محموداً؛ لأنها تمنح كل فرد حقه في أن يحب ما يشاء وأن ينفر مما يشاء، لكنها قد تتحول إلى حجة تُلغي إمكان الحديث عن الجودة والرداءة، وتُسوّي بين الخبرة العابرة والحكم المتبصر.

لا خلاف في أن لكل إنسان الحق في أن يقول: أعجبني هذا العمل أو لم يعجبني. فالإعجاب تجربة شخصية لا يمكن فرضها بالقوة، لكن حرية الذوق لا تعني أن جميع الأحكام متساوية في القيمة. هناك فرق كبير بين أن نقول: «هذا العمل لم يعجبني»، وبين أن نقول: «هذا عمل رديء». الجملة الأولى تصف تجربة صاحبها، أما الثانية فتصدر حكماً على العمل نفسه. وهنا يصبح من المشروع أن نسأل عن الأساس الذي صدر عنه الحكم، وعن مقدار معرفة صاحبه بالفن الذي يتحدث عنه، وعن خبرته بالمقارنة والتمييز.

فالذائقة لا تولَد مكتملة. القارئ الذي لم يعرف إلا نوعاً واحداً من الكتب تكون أدواته في الحكم محدودة، كما أن المستمع الذي لم يألف إلا نمطاً واحداً من الموسيقى ستكون استجابته محكومة بما اعتاده. وكلما اتسعت الخبرة أصبحت الفروق أوضح، وازدادت القدرة على التمييز.

بل إن كثيراً مما نسميه «ذوقاً شخصياً» قد يكون أثراً للتعوّد. فما يتكرر أمامنا يصبح مألوفاً، والمألوف يبدو أقرب إلينا، حتى لو لم يكن أرفع قيمة، لهذا قد يتنكر الاعتياد في صورة ذائقة مستقلة، بينما هو في الحقيقة نتيجة بيئة وتربية وتكرار.

ونحن نقر في مجالات كثيرة بأن الخبرة تصنع فرقاً. فليس حكم المبتدئ في الخط كحكم الخطاط، ولا حكم مَن تذوّق طَبقاً للمرة الأولى كحكم مَن خبَرَ مكوناته وطرائق إعداده. ومع ذلك نتردد حين نصل إلى الفن والثقافة، وكأن كل الآراء فيهما متساوية لمجرد أنها شخصية.

مِن حق المرء أن يفضل عملاً بسيطاً على آخر أكثر تعقيداً، وأن يعود إلى كتاب خفيف مرات كثيرة ويهجر كتاباً كبيراً بعد صفحات قليلة. لكن التفضيل لا يحسم مسألة القيمة، فقد نستمتع بعمل محدود فنياً، وقد نعترف بقيمة عمل رفيع دون أن نحبه.

ومن هنا تبدو عبارة «الأذواق لا تناقَش» أكثر إشكالاً مما تبدو عليه، فإذا كانت كل استجابة شخصية حكماً نهائياً، فما الحاجة للنقد؟ وما جدوى التعليم الفني والأدبي؟ ولماذا نقرأ تاريخ الفنون أو نتعلم كيف تطورت الرواية والسينما والموسيقى؟ إن وجود هذه الحقول يفترض أن الذائقة قابلة للصقل والتطوير، وأن الإنسان يستطيع أن يرى ويسمع ويفهم أكثر مما كان يفعل من قبل.

وهذا لا يعني أن الذائقة الجيدة ذائقة موحدة، ولا أن المطلوب أن يحب الجميع الأشياء نفسها. المقصود أن يمتلك الإنسان أدوات أوسع للاختيار، وأن يعرف الفرق بين ما يميل إليه شخصياً وما يراه ذا قيمة. والذائقة لا تتكون في فراغ. ففي كل عصر كانت هناك مؤسسات وأصوات تمنح بعض الأعمال مكانة أعلى من غيرها، فهناك المدرسة، والجامعة، والصحيفة، والناقد، ودار النشر، والمجلة الثقافية، ثم لاحقاً الجوائز والقوائم والبرامج التلفزيونية. وهذه الجهات لم تكن معصومة من الخطأ، ولم تكن دائماً عادلة، لكنها كانت تؤدي وظيفة الفرز، وتمنح القارئ إطاراً أوسع من استجابته الفردية المباشرة.

أما اليوم فقد ضعفت سلطة كثير من هذه الوسائط، وصعدت، بدلاً منها، أدوات جديدة أسرع وأكثر تأثيراً. فالسوق لا تكتفي بتلبية الذوق، بل تشارك في صنعه. التكرار والإعلان والانتشار توحي بأن ما يراه الجميع جدير بأن يُرى، وما يشتريه الجميع جدير بأن يُشترى. ثم جاءت المنصات والخوارزميات لتعرض علينا غالباً ما يشبه ما أحببناه من قبل، فتُضيق مجال الاكتشاف وهي تُوهمنا باتساع الاختيار.

ومع شبكات التواصل أصبحت الأحكام الثقافية أكثر ارتباطاً بردود الفعل السريعة؛ مِن إعجاب ومشاركة وتقييم وعدد مشاهدات. وهذه الأرقام لا تقيس القيمة بقدر ما تقيس القدرة على الوصول والانتشار. ومع ذلك تسللت شيئاً فشيئاً إلى وعينا بوصفها قرائن على الجودة، حتى صار العمل الأكثر حضوراً يبدو تلقائياً كأنه الأفضل، رغم أن السبب قد يعود إلى علاقات وصداقات ونشاط صاحب العمل.

وهنا يكمن أحد أخطر التحولات في الذائقة المعاصرة، اختلاط الشهرة بالقيمة. فالعمل قد ينتشر لأنه سهل، أو لأنه مثير للجدل، أو لأنه وصل إلى الجمهور في اللحظة المناسبة، أو لأنه مدعوم بآلة تسويق قوية. ولا شيء من ذلك يكفي وحده للحكم على مستواه.

كان الناقد، والمحرر، والمجلة الثقافية، والمؤسسة التعليمية، يقومون بدرجات متفاوتة بدور الوسيط بين العمل والجمهور. أما اليوم فقد أصبح العمل قادراً على بلوغ جمهور هائل قبل أن يبدأ أي نقاش جاد حول قيمته. وفي أحيان كثيرة يصل الحكم بعد أن تكون الشهرة قد صنعت رأياً عاماً يصعب مقاومته.

لهذا لا تبدو الذائقة شأناً فردياً خالصاً كما نحب أن نتصور. نحن نختار، نعم، لكننا نختار داخل بيئة تقترح علينا باستمرارٍ ما ينبغي أن نقرأه ونشاهده ونسمعه، وتكرر أمامنا بعض الأعمال حتى تصبح جزءاً من وعينا. ومن هنا لم يعد السؤال فحسب: ماذا نحب؟ بل: كيف تكوَّن هذا الحب، ومَن أسهم في تشكيله؟ فإذا كانت الذائقة قابلة للتكوين، فمن يقودها اليوم؟ أهو الناقد والمؤسسة الثقافية، أم السوق والمنصة والمؤثر والخوارزمية

* كاتب سعودي


مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملفات الرواية العربية والحوار الحضاري وذاكرة التراث الإسلامي

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملفات الرواية العربية والحوار الحضاري وذاكرة التراث الإسلامي
TT

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملفات الرواية العربية والحوار الحضاري وذاكرة التراث الإسلامي

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملفات الرواية العربية والحوار الحضاري وذاكرة التراث الإسلامي

ثقافة التعايش، وتحولات الرواية العربية، وحضور المرأة في فن الخط، وصون التراث المعماري والمخطوطات النادرة، قضايا تصدرت العدد الثامن من مجلة «الإيسيسكو» الثقافية الفصلية، الصادر في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في 104 صفحات جمعت بين الحوارات الفكرية والدراسات النقدية والبحوث التراثية.

وطرح العدد سؤالاً يتصل بمستقبل الثقافة في العالم الإسلامي، وكيف يمكن الحفاظ على الذاكرة الحضارية، دون تحويل التراث إلى مجرد مادة للاحتفاء بالماضي، بل استثماره في إنتاج المعرفة وتعزيز الحوار والتواصل بين الثقافات.

وعكست موضوعات العدد اهتماماً يجمع بين النقد الأدبي والبحث التاريخي والفكر الديني وقضايا المعرفة، مع الاهتمام بموقع التراث في الحياة المعاصرة.

وبين أسئلة الرواية والشعر، وقضايا الحوار والتعايش، وحماية المخطوطات والعمارة والفنون، تقدم المجلة قراءة للثقافة الإسلامية باعتبارها تجربة إنسانية متعددة الروافد، لا تنفصل فيها الذاكرة عن أسئلة الحاضر، ولا يقتصر دور التراث على حفظ ما أنتجته الأجيال السابقة، بل يمتد إلى إعادة قراءته وتوظيفه في مواجهة تحديات المستقبل.

وفي افتتاحية العدد، رأت رئيسة التحرير الشاعرة روضة الحاج أن الموضوعات التي تجمعها المجلة، على اختلاف حقولها، تلتقي عند سؤال العلاقة بين الذاكرة والمستقبل. وأكدت أن دور المجلة الثقافية لا يقتصر على نقل ما يحدث، وإنما يمتد إلى مساءلة معاني الأحداث والأفكار، وإعادة اكتشاف التراث وتأويله.

وفي كلمة العدد، استعرض المدير العام لمنظمة الإيسيسكو الدكتور سالم بن محمد المالك، أبرز مشروعات المنظمة خلال عام 2026، مشيراً إلى استمرار برامجها الثقافية والعلمية رغم التحديات الدولية.

ومن أبرز المبادرات التي تناولها إطلاق برنامج لتدريب عشرة آلاف قائد على استخدامات الذكاء الاصطناعي، وتنظيم الدورة الثانية من ملتقى شباب المعرفة، وإعلان بيان الدبلوماسية العلمية في نيويورك.

كما أشار إلى توقيع اتفاقية تعاون مع متحف الإرميتاج الروسي في مجال حماية التراث وتوثيقه، وحصول المنظمة على جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع في خدمة اللغة العربية وجائزة الشارقة الدولية للتراث الثقافي.

الحوار ضرورة

وخصصت المجلة حوارها الرئيسي مع الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، لقضايا الاعتدال الديني والحوار بين أتباع الأديان والثقافات، ومواجهة التطرف وخطابات الكراهية.

وأكد العيسى أن الحوار لم يعد ترفاً ثقافياً، وإنما ضرورة إنسانية وأخلاقية، مشدداً على أهمية الانتقال من اللقاءات الشكلية إلى حوار يتناول القضايا الخلافية، ويؤسس للتفاهم والتعاون.

وتناول الحوار دور المؤسسات التعليمية والإعلامية في ترسيخ قيم التعايش، والتحديات التي يفرضها الفضاء الرقمي، خصوصاً انتشار المعلومات المضللة وخطابات الإقصاء. ودعا العيسى إلى تطوير أدوات الخطاب الديني والاستفادة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي واللغات العالمية.

كما ناقش ظاهرة الإسلاموفوبيا، معتبراً أنها نتاج عوامل سياسية وثقافية وإعلامية متداخلة، وأن مواجهتها تتطلب حضوراً إعلامياً أكثر مهنية، إلى جانب تصحيح التصورات التي تنتجها الممارسات المتطرفة.

وقال العيسى: «(الإسلاموفوبيا) ظاهرة مركبة تتداخل فيها عوامل سياسية وإعلامية وثقافية وتتمدد مع صعود التيارات اليمينية المتطرفة، مستفيدة من ممارسات المتطرفين المحسوبين في الظاهر على المسلمين، والتغطيات الإعلامية المنحازة، إضافة إلى الجهل بحقيقة الإسلام، وتكوين صورة سلبية عنه من خلال ممارسات بعض المسلمين».

وأضاف أنه «بحسب دراسات رابطة العالم الإسلامي، فإن بعضاً من تنامى هذه الظاهرة يرتبط بممارسات صادرة عن بعض المنتسبين للإسلام، أساءت إلى صورته الحقيقية، وغذت خطاب التطرف، ثم جرى تعميمها بصورة ظالمة على الدين وأتباعه».

وأشار إلى «أننا نحتاج إلى حضور إعلامي أكثر احترافية، يوصل الرسالة الحقيقية للإسلام، ويواجه خطاب الكراهية بلغة رصينة ومؤثرة».

وعن مسؤولية العلماء والمثقفين في مواجهة التطرف الفكري؟ قال العيسى: «تقع على عاتق العلماء والمثقفين مسؤولية محورية في حماية الوعي العام، وتحصين المجتمعات المسلمة من الفكر المتطرف، بوصفهم حملة الشريعة ورواد ما يسمى الفكر الإسلامي، وتبدأ هذه المسؤولية بتفكيك الخطابات المتطرفة وكشف انحرافها عن الشريعة ومقاصدها، من خلال خطاب علمي رصين، مؤصل شرعاً، ومقدم بلغة معاصرة تلامس واقع الناس».

الرواية العربية بين الحكاية واللغة

واختارت المجلة «شعرية الرواية: جدلية الحكاية واللغة» عنواناً لملف العدد، الذي تناول التحولات التي شهدها الفن الروائي العربي، وعلاقة البناء السردي باللغة، وتأثير الحداثة والتقنيات الجديدة في أشكال الكتابة والتلقي.

وشارك في الملف نقاد وباحثون، من بينهم سعيد يقطين، ومحمد محمود أبو علي، وزهور كرام، وحاتم الفطناسي، في مقاربات تناولت الرواية بوصفها فناً يتجدد بتغير المجتمع ووسائط التعبير.

وناقشت الدراسات قدرة الرواية على تجاوز الحكاية التقليدية، وإعادة تشكيل الزمن والشخصيات والأحداث، من خلال اللغة والتجريب وتعدد الأصوات. كما طرحت أسئلة عن العلاقة بين الرواية والواقع، وحدود التداخل بين الأجناس الأدبية، وتأثير التحولات الرقمية في الكتابة السردية.

قال سعيد يقطين إن «عدم التركيز في دراساتنا للرواية العربية على خصوصيتها الجمالية، والاهتمام أكثر بالقضايا الفكرية والاجتماعية والسياسية التي تتعامل معها لا يمنحها خصوصيتها التعبيرية المميزة لها عن غيرها من الخطابات الفكرية والاجتماعية والسياسية التي يعنى بها الباحثون. إن إبداع مادة حكائية يتطلب خيالاً، وقدرة على بناء قصة جديرة بجلب المتلقي وإثارته إليها بالدرجة الأولى. إن ما يعنيه قبل ذلك هو ما تمثله هذه القصة بالنسبة إليه أكثر مما يزخر به واقعه إننا نستمتع الآن بالنصوص القديمة التي أبدعها الإنسان، وصارت من التراث العالمي بجماليتها في التعبير. وليس لأنها تطرح علينا المشكلات اليومية التي نعيشها الآن تحت تأثير العولمة وما تفرضه علينا قيم ومعاملات بين الشعوب. وصراعات بين القيم والأفكار والإثنيات، ومسائل الهجرة السرية، أو القضايا النسوية، وما شاكل هذا من المسائل التي تقدمها لنا الرواية العربية اليوم لا مراء في أن طرح هذه القضايا هو من جوهر العمل الإبداعي والسردي على وجه الخصوص، لكن عدم تقديمها من خلال قصة مبنية بشكل يثير القارئ ويستهويه ويفرض عليه الاندماج في اللعبة السردية يجعلها، رغم قيمتها، غير قادرة على خلق قيمة جمالية أو معرفية لدى المتلقي. إن ما يهم القارئ، وهو بصدد قراءة رواية، تحصيل المتعة الفنية التي من خلالها تتقدم عوالم الرواية وصراع الشخصيات حول قيم وأفكار معينة. إننا نركز عادة على موقف الكاتب، وليس على كيفية بنائه لعمله السردي».

الشعر تجربة لا تحتاج إلى شرح

وفي حوار آخر أجراه الباحث عبد الرحمن غانمي مع الشاعر المغربي محمد بنيس، عادت المجلة إلى أسئلة الكتابة الشعرية وعلاقة الشاعر بنصوصه، وتجربته الممتدة في الشعر والترجمة والفكر النقدي.

وجاء الحوار تحت عنوان «لا أشرح ما أكتب ولا أدافع عنه»، في إشارة إلى موقف بنيس من استقلال النص الشعري، وحق القارئ في إنتاج قراءته بعيداً عن سلطة المؤلف.

يقول بنيس: «أنا لا أشرح ما أكتب ولا أدافع عنه، مسؤوليتي تقف عند حد الكتابة. أما ما وراءها، مما يمكن أن تخلقه القصيدة فنياً ورؤيوياً، فهو أمر لا يمكنني ادعاء معرفته أو اعتقاده في دلالة ما شخصية. نعم، لدي كتابات ونصوص تأملية في الكتابة، كما أشرت سابقاً. لكني لا أتجاوز الحد الفاصل بين الشاعر والناقد».

هذا الحوار يضيف بعداً إلى العدد، من خلال الانتقال من نقد الرواية إلى التجربة الشعرية، ومن دراسة تقنيات الكتابة إلى علاقة المبدع باللغة والمعنى.

العمارة المغربية وذاكرة الأندلس

وفي مجال التراث العمراني، تناول العدد قرية سيدي بوسعيد التونسية، التي أدرجتها «الإيسيسكو» عام 2022 ضمن قائمتها للتراث في العالم الإسلامي، بوصفها نموذجاً لتداخل التاريخ والعمارة والهوية الثقافية.

وركزت الدراسة على خصوصية المكان، وأهمية التعامل مع المواقع التراثية باعتبارها بيئات حية، تتطلب الحماية والإدارة والاستثمار الثقافي، لا مجرد المحافظة على المباني.

كما تناولت المجلة العمارة التراثية المغربية ودورها في تشكيل المعنى الجمالي، وخصصت دراسة لقصر الحمراء في غرناطة، كما وثقه بافيل نوتبيك، في استعادة للاهتمام الأوروبي بالفنون الأندلسية، وما تمثله العمارة من مصدر للمعرفة والإبداع الفني.

المرأة والخط العربي

واستعادت المجلة حضور المرأة في تاريخ الخط العربي، من خلال دراسة تتبعت مساهمات النساء في فنون الكتابة والنسخ وتدوين المصاحف.

وأبرزت الدراسة أسماء وتجارب نسائية في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، من الأندلس إلى المشرق والهند، مؤكدة أن النساء شاركن في إنتاج المعرفة وحفظ النصوص، ولم يقتصر دورهن على تلقي العلوم والفنون.

المخطوطات والكتب النادرة

وفي باب التراث المكتوب، ناقشت المجلة مفهوم الكتاب النادر والعوامل التي تمنحه قيمته التاريخية والمعرفية، ومنها طبيعة الطبعة، وندرة النسخ، والإهداءات، والارتباط بالمؤلفين، والشخصيات، والأحداث.

كما أعادت الاهتمام بالمخطوطات بوصفها مصادر لدراسة تاريخ التأليف وانتقال المعرفة، وامتدت موضوعات العدد إلى تاريخ المجلات والدوريات الثقافية العربية، ودورها في تشكيل الوعي ونشر الأفكار.

الغذاء في التراث الإسلامي

وفتحت المجلة ملفاً عن تاريخ الغذاء في الحضارة الإسلامية، تناول العلاقة بين الطعام والعادات الاجتماعية والصحة والفقه، ودور المطبخ في التعبير عن أنماط الحياة.

واستعادت الدراسة مؤلفات في فن الطبخ، منها «الطبيخ» لابن سيار الوراق، و«الطبيخ» للبغدادي، و«فضالة الخوان في طيبات الطعام والألوان» لابن رزين التجيبي، الذي يوثق جوانب من المطبخ المغربي الأندلسي.

وتوقفت عند العلاقة بين الطعام والطب، وأثر العادات الغذائية في تشكيل هوية المجتمعات الإسلامية، إلى جانب ما تكشفه كتب الطبخ عن الحياة اليومية والفوارق الاجتماعية وتطور الأدوات المنزلية.

وثيقة المدينة وأسس التعايش الحضاري

وتناولت دراسة أخرى «وثيقة المدينة وأفق التعايش الحضاري»، من خلال قراءة تاريخية وحقوقية للمبادئ التي نظمت العلاقات بين المكونات الدينية والاجتماعية في المدينة المنورة.

وربطت الدراسة بين مضامين الوثيقة ومفاهيم المواطنة والعدالة والتعددية الدينية، مع التوقف عند إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي، بوصفه إحدى المبادرات التي استلهمت هذه التجربة التاريخية.

وناقشت الدراسة إمكانية الاستفادة من هذه المرجعيات في مواجهة أطروحات صدام الحضارات، وتعزيز الحوار بين الأديان والثقافات.


تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
TT

تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)

تكتسب الكتابة أهميتها البالغة من كونها خروجاً بالكلام من مستوى المشافهة والارتجال إلى مستوى التأليف والتركيب والمزاوجة غير العادية بين الألفاظ، إضافة إلى أنها تتصدى على نحو دائم للامتحان القاسي للزمن، خلافاً للكلام المنطوق والمتلاشي مع الهواء. والقرآن الكريم نفسه لم يكتمل إلا بالكتابة والتدوين، بعد أن كان كلاماً منقولاً على لسان الوحي. وحين اكتمل سُمّي «الكتاب»، باعتباره كمال الكتابة الجامعة ومطلقها ومعجزها الإلهي. وحين يضع الكاتب إشاراته وعلاماته على الورقة البيضاء، فهو يضع ما يختزله ويعرّف به، كأنه يقدم المحاولة الوحيدة والأهم التي تتيح له الحياة خارج الجسد وبمعزل عنه.

وقد تعددت معاني الكتابة ودلالاتها عند العرب. فاللحياني يعتبر أن الكتاب يعني الاسم، وهو تفسير يستند إلى الكتب السماوية التي تعادل أسماء العلَم لشدة شهرتها وتأثيرها. هكذا تصبح الكتابة في أعلى مراتبها، تسمية للأشياء وإعادة خلق لها من جديد. فأنت حين تسمي الشيء تسمية جديدة تبدو وكأنك تبدعه وتمنحه ولادة أخرى. وإذ يقوم الكاتب المبدع بهذه المهمة، فهو يترك في نفس قارئه حالة من الدهشة والذهول، شبيهة بتلك التي يتركها السحر في نفسه؛ الأمر الذي يؤكده الحديث الشريف: «إن من البيان لسحراً».

وحيث يذهب ابن الأعرابي إلى أن الكاتب هو العالِم؛ فهو يستند في تفسيره إلى الآية الكريمة «أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ»، بما يجعل من الكتابة معرفة بحقائق الكون وأسراره المحتجبة. وهو تفسير يبتعد بالكتابة عن التأليف الجمالي البحت ليجعلها أداةً لاكتشاف الحقيقة وسبر المجهول. فالكاتب الحقيقي هو راءٍ ومستشرف وسابر أغوار، وليس مجرد لاعب ماهر في «سيرك» الكلمات، أو مهرج على موائد اللغة. إنه الأمين على الحقيقة والمؤتمن على المعرفة والمنوط بتجديد مياه العالم، ومنع النهر المجازي الذي تسهم المخيلات العظيمة في تشكّل، من أن يتحول مستنقعاً لمياه الكلمات الآسنة.

لذلك كله؛ فإن هناك فوارق كبيرة بين الكتّاب والكتبة. ففي حين يشير الجمع الأول إلى أولئك المعنيين بتغيير العالم وتظهيره على صورة النص ومثاله، يشير الآخر إلى الذين يكتفون من الكتابة بجانبها التقني المتعلق بالصياغة وصحة التأليف وسلامة التركيب النحوي، بما يؤهلهم لتسنم الوظائف المختلفة وتحرير العقود وتدبيج المدائح والأهاجي، أو تحرير خطب الزعماء والقادة السياسيين. وقد يكون الفارق بين الطرفين هو نفسه الفارق بين الشعراء والنظامين، حيث لا يكتفي الشاعر بموهبته الخام وحدها، بل يضيف إليها فرادة اللغة وقوة الحدس وخلخلة العلاقة المألوفة بين الدال والمدلول، في حين يكتفي النظّام بالنوم الهانئ على حرير الإلمام بالأوزان والقوافي والصياغات المستهلكة.

وإذا كنا نجد في حقب التاريخ المختلفة ما نحتاج إليه من الشواهد الدالة على الفارق بين مستويي الكتابة المتباعدين، فقد يكون العصر العباسي أحد أكثر العصور ازدحاماً بالكتاب والشعراء الكبار من جهة، وبالكتبة والمتشاعرين، من جهة أخرى. وفي حين عُرف ذلك العصر الزاخر بالتناقضات، أسماء عديدة نهضت بالنثر العربي إلى مستوياته الأرفع، كما هو حال ابن المقفع والجاحظ وأبي حيان التوحيدي وبعض كبار الصوفيين، عرف بالمقابل كتائب لا تحصى من كتّاب الدواوين، وأهل الكدية والشطار والعيارين الذين كانوا يبيعون مهاراتهم اللغوية في سوق النخاسة الأدبي. ولم يكن حال الشعر بعيداً عن حال النثر، حيث شهدنا إلى جانب القامات العالية لأبي تمام وأبي نواس وابن الرومي والمتنبي والمعري، جحافل مقابلة من النظامين والقوالين الصغار، الذين وصفهم أبو الطيب بقوله:

«أَفي كُلِّ يَومٍ تَحتَ ضِبني شُوَيعِرٌ

ضَعيفٌ يُقاويني قَصيرٌ يُطاوِلُ؟»والأرجح، أن افتتان العرب بالشعر والشعراء في مختلف العصور هو واحد من الأسباب التي جعلت الكثير من شحيحي المواهب، يندفعون بحماس بالغ للحصول على لقب شاعر، ويستميتون لانتزاع الاعتراف بهم كشعراء «شرعيين». إلا أن ما كان يسود الساحات الأدبية القديمة من انتحالات المنتحلين واقتحامات الدخلاء لا تمكن مقارنته بالفوضى العارمة التي حولت ساحاتنا الثقافية الراهنة برج بابل هائلاً من الرداءة والعقم والانتحال، مضيفة إلى تهافت الشعر تهافتاً مماثلاً في الرواية والقصة والفنون المختلفة.

ومع أن التهافت المشار إليه لا يعود إلى عامل واحد، بل يجد بعض أسبابه في تراجع الحركة النقدية الجادة، والتراجع المماثل للصحافة الثقافية التي كانت قبل سنوات محل خشية الكثير من المتطفلين على الكتابة، وتحول مواقع التواصل الاجتماعي منصات مفتوحة لتفريخ الآلاف من المتشاعرين والمتشاعرات، عدا استثناءات قليلة لا تلغي القاعدة. ولم يكن ينقص المشهد المضحك المبكي سوى دخول الذكاء الاصطناعي على خط التأليف السريع، لكي نحصل على جيوش جرارة من الكتاب المعلبين، والجاهزين للاستخدام الفوري.

عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح ويد آلية (رويترز)

ولا يمكن في هذا المجال إغفال الدور السلبي الذي يلعبه الكثير من الناشرين في تسويق الرداءة وتسويغها والترويج لها. ذلك أن معظم هؤلاء لا يهمهم من الكتب التي ينشرونها سوى ما تدر عليهم من الأرباح، والمبالغ الفورية التي يتقاضونها من المؤلفين. أما الالتزام بما يوفر لمنشوراتهم الشروط الفنية والإبداعية المطلوبة، كالاستعانة بلجان للقراءة والمصححين ومحرري النصوص، فهي أمور لم تخطر إلا على بال القلة القليلة من الناشرين الأوفياء للثقافة وأهلها.

وإذا كان من موجبات الإنصاف التنويه بالجهود المضنية التي بذلها القيّمون على معرض بيروت الأخير للكتاب، سواء من حيث الإدارة والتنظيم وتوفير مساحات إضافية لحركة الزائرين، أو من حيث استضافة المعرض عدداً من المبدعين العرب وازدحام قاعاته بالندوات الفكرية والأدبية وأمسيات الشعر، فإن ذلك لا يمنع من الملاحظة بأن نسبة قليلة من هذه الندوات كانت تتسم بالعمق والغنى الفكري والمعرفي، في حين بدا جانبها الأوفر والأكثر هزالاً، وكأنه قد لُفق بين الناشرين والكتاب لأسباب تجارية وإعلانية محضة.

إلا أن الكارثة الحقيقية تمثلت في التفاقم غير المسبوق لحفلات التوقيع، حيث غصت أجنحة المعرض وأروقته بالمئات من الكتبة والمستكتبين والساردين والمستسردين والشعارير والمتشاعرين، الذين جلسوا متراصفين للتوقيع على مؤلفات فارغة، إلا من الضحالة وخواء الأفكار والهزال الأسلوبي والمعرفي. أما الناشرون، من جهتهم، فلم يتوانوا عن مضاعفة أسعار الكتب والمنشورات التي تم تلفيقها على عجل؛ لأنهم كانوا يدركون تماماً بأن الوافدين إلى المناسبة هم بغالبيتهم من عائلة المؤلف أو حزبه أو طائفته، أو أصدقائه ومناصريه، ممن لن يبخلوا عليه وعلى كتابه بالغالي والنفيس من العطاءات.

ولست أملك أخيراً، وأنا أعرض على نحو مرير لبعض ما يحكم حياتنا الثقافية من أعراض الضحالة المستشرية سوى تذكّر الشاعر اللبناني خليل حاوي الذي تتلمذت عليه مع زملاء كُثر في الجامعة اللبنانية، والذي كان إلى تجربته الشعرية المميزة، مفرطاً في عصبيته وتقلب مزاجه وتبرمه الدائم بالانهيارات المتسارعة التي آلت إليها أوضاع الوطن والأمة في تلك الحقبة من الزمن. وقد حدث أن التقيته صدفة في شارع الحمراء، حيث تبادلنا بعض الأحاديث المتعلقة بشؤون البلاد قبيل الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، وحين سألته عن سبب انقطاعه عن الكتابة لسنوات عدة سابقة، دخل للحظات في حالة من الكمد الصامت؛ ثم تغيرت ملامحه على نحو مفاجئ، وتدافعت كلماته كالسيل، وهو يتحدث متبرماً عن فوضى الكتابة والنشر، وعن غياب المعايير النقدية التي تمنع جحافل الطفيليين من الاستيلاء على الحياة الثقافية ومصادرتها.

وقد وجّه حاوي القسم الأكبر من سخطه باتجاه الشعر الذي استباح ساحته - وفق رأيه - عدد لا يحصى من النظامين والأدعياء وعديمي المواهب، ثم أنهى خطبته الغاضبة بالقول: «كيف يمكنني ألا ألوذ بالصمت وقد أصبح لقب (شاعر) أمراً باعثاً على الخجل؟». وإذ أتذكر هذا اللقاء مع خليل حاوي الذي جرت وقائعه في أوائل ثمانينات القرن الماضي، فإنني أتساءل على الدوام عما كان سيقوله صاحب «نهر الرماد»، لو امتد به العمر إلى أيامنا هذه؟!

لا يمكن إغفال الدور السلبي الذي يلعبه الكثير من الناشرين في تسويق الرداءة وتسويغها والترويج لها