التحقيق في حوادث الذكاء الاصطناعي... كيف تميّز المؤسسات بين الهجوم وخلل النموذج؟

«نتسكاوت»: تشتت الأدلة بين الشبكات والسحابة والنماذج يعقّد تحديد الأسباب

معظم المؤسسات لا تستطيع إعادة بناء حادث الذكاء الاصطناعي كاملاً بسبب تشتت الأدلة بين الشبكات والسحابة والتطبيقات والنماذج (أدوبي)
معظم المؤسسات لا تستطيع إعادة بناء حادث الذكاء الاصطناعي كاملاً بسبب تشتت الأدلة بين الشبكات والسحابة والتطبيقات والنماذج (أدوبي)
TT

التحقيق في حوادث الذكاء الاصطناعي... كيف تميّز المؤسسات بين الهجوم وخلل النموذج؟

معظم المؤسسات لا تستطيع إعادة بناء حادث الذكاء الاصطناعي كاملاً بسبب تشتت الأدلة بين الشبكات والسحابة والتطبيقات والنماذج (أدوبي)
معظم المؤسسات لا تستطيع إعادة بناء حادث الذكاء الاصطناعي كاملاً بسبب تشتت الأدلة بين الشبكات والسحابة والتطبيقات والنماذج (أدوبي)

عندما يتخذ نظام مدعوم بالذكاء الاصطناعي قراراً خاطئاً أو يتسبب في تعطيل خدمة، لا تكمن الصعوبة في اكتشاف النتيجة فقط، بل في تحديد ما حدث قبلها. فقد يكون السبب هجوماً سيبرانياً، أو مدخلاً جرى التلاعب به، أو خللاً في البنية التحتية، أو خطأ في النموذج، أو إجراءً آلياً نُفّذ بطريقة غير مقصودة. وبين هذه الاحتمالات، تحتاج المؤسسات إلى سجل موثوق يعيد بناء الحادث خطوة بخطوة.

يرى غوراف موهان، النائب الأول للرئيس لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ والهند والشرق الأوسط لدى شركة «نتسكاوت» أن جاهزية المؤسسات السعودية لعصر الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن تُقاس بعدد الأنظمة التي نشرتها، بل بقدرتها على تفسير سلوكها عند وقوع خلل وتحديد المسؤولية واستعادة العمل بسرعة استناداً إلى أدلة لا يمكن تعديلها بعد الحادث.

ويقول إن المطلوب هو «سلسلة موثوقة من الأدلة لا يمكن تغييرها بعد وقوع الواقعة» تجمع بين بيانات الشبكة على مستوى الحزم وسجلات التطبيقات والبنية التحتية ومنصات الذكاء الاصطناعي. ومن خلال هذا الربط، تستطيع فرق الأمن والتقنية التمييز بين هجوم متعمد وخلل تشغيلي، وتسريع تحليل السبب الجذري واحتواء الأثر.

غوراف موهان النائب الأول للرئيس لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ والهند والشرق الأوسط لدى شركة «نتسكاوت» (الشركة)

فجوة بين القرار والدليل

تستطيع تطبيقات الذكاء الاصطناعي اليوم تنفيذ سلسلة طويلة من العمليات قبل الوصول إلى نتيجة واحدة. فقد يبدأ المسار من إدخال يقدمه المستخدم، ثم ينتقل إلى نموذج خارجي، وقاعدة بيانات داخلية، وواجهة برمجية، وخدمة سحابية، قبل أن ينفذ إجراءً آلياً في نظام آخر.

لكن معظم المؤسسات، بحسب موهان، لا تستطيع إعادة بناء هذا المسار كاملاً من البداية إلى النهاية. ويرجع ذلك إلى أن الأدلة موزعة بين أنظمة منفصلة، لكل منها طريقة تسجيل مختلفة، وفترة احتفاظ خاصة بها، ومستوى محدود من الرؤية. كما أن الساعات الزمنية لا تكون متزامنة دائماً، مما يجعل ترتيب الأحداث بدقة أكثر صعوبة.

ويرى أن «معظم المؤسسات لا تستطيع إعادة بناء التسلسل من البداية إلى النهاية». ويضيف أن البيانات المستمدة من الشبكة يمكن أن توفر مرجعاً موحداً وعالي الدقة يربط بين الأجزاء المتفرقة، بحيث يصبح من الممكن تتبع الانتقال من المدخل الأول إلى النتيجة التشغيلية النهائية.

كما تزداد أهمية هذه القدرة عندما تعتمد المؤسسة على أكثر من مزود. فإذا كان النموذج مستضافاً لدى جهة خارجية، والبيانات موزعة بين بيئة داخلية وسحابتين عامتين، والتنفيذ يتم عبر واجهات برمجية تابعة لشركاء، يصبح التحقيق مرتبطاً بمدى توفر الأدلة لدى أطراف متعددة، وليس فقط بما تحتفظ به المؤسسة داخل أنظمتها.

ما الذي يجب الاحتفاظ به؟

لا تعني إمكانية التحقيق أن تحتفظ المؤسسة بكل ما يمر عبر نظام الذكاء الاصطناعي. فالتخزين الشامل قد يخلق مخاطر إضافية تتعلق بالخصوصية والتكلفة وحماية البيانات الحساسة. ولهذا يركز موهان على الاحتفاظ بالقدر الكافي من البيانات الوصفية لإعادة بناء القرار، من دون تخزين محتوى لا يلزم للتحقيق.

وتشمل السجلات الأساسية الطوابع الزمنية ومعرفات المستخدمين والأنظمة وتصنيف التعليمات وإصدارات مصادر البيانات ونسخة النموذج المستخدمة وأرقام معاملات الواجهات البرمجية والأخطاء المسجلة والإجراءات الآلية والموافقات البشرية وحالات التجاوز أو التعديل والنتائج النهائية.

ويشير إلى أن القيمة لا تأتي من حجم السجلات وحده، بل من كونها متزامنة زمنياً، وخاضعة لضوابط وصول، وقابلة للربط بين البيئات المختلفة. فالسجل الذي يوضح أن النموذج قدم توصية معينة لا يكفي إذا لم يكن من الممكن معرفة مصدر البيانات، أو الواجهة التي نقلت الأمر، أو النظام الذي نفذه، أو الشخص الذي وافق عليه.

أكبر فجوات الرؤية تظهر في الحركة الجانبية بين أعباء العمل داخل البيئات المحلية والسحب العامة والخاصة (أدوبي)

تعدد السحب يوسع منطقة الغموض

تواجه المؤسسات التي تعمل في بيئات هجينة ومتعددة السحب فجوة خاصة في الرؤية. فالكثير من أدوات المراقبة تركز على الحركة الداخلة إلى الأنظمة والخارجة منها، بينما تغيب عنها الحركة الجانبية بين أعباء العمل داخل مراكز البيانات والسحب العامة والخاصة.

ويصف موهان هذه الفجوة بأنها الأكبر في كثير من البيئات، قائلاً إن «معظم الأدوات تراقب الباب الأمامي وتفوتها الحركة الجانبية». وفي حادث مرتبط بالذكاء الاصطناعي، قد ينتقل الطلب بين عدة خدمات داخلية، ويتغير أثناء المرور، أو يُستخدم للوصول إلى بيانات إضافية، قبل أن يخرج إلى نظام آخر.

ومن دون رؤية على مستوى الحزم لهذه الحركة، قد يستمر الحادث عبر أكثر من بيئة قبل أن تمتلك فرق التحقيق ما يكفي لتحديد أين بدأ، وأين تغير السلوك، وما الأنظمة التي تأثرت.

ولا يتعلق ذلك بالأمن فقط، حيث يبدو تعطل خدمة ذكاء اصطناعي وكأنه فشل في النموذج، بينما يكون السبب الفعلي ازدحاماً في الشبكة، أو تأخراً في واجهة برمجية، أو انقطاعاً في قاعدة بيانات. والعكس ممكن أيضاً، إذ قد يُفسر نشاط خبيث بوصفه خللاً تشغيلياً إذا لم تكن الأدلة مترابطة.

الهجوم يترك نمطاً مختلفاً

للتمييز بين التلاعب المتعمد وخطأ النموذج، يركز موهان على الارتباط بين مصادر البيانات. فالهجوم، وفق شرحه، يترك آثاراً في حركة الشبكة وأنماط الوصول وسلوك الواجهات البرمجية لا تظهر عادة في خطأ النموذج نفسه. قد تكشف السجلات، مثلاً، أن طلباً وصل من مصدر غير معتاد، أو أن النظام حاول الوصول إلى بيانات لا يحتاجها عادة، أو أن واجهة برمجية تلقت عدداً غير طبيعي من الطلبات، أو أن إجراءً آلياً حدث بعد تغيير في بيانات الإدخال.

ويشرح موهان بأنه «عندما تتطابق أدلة الحزم مع سجلات النموذج والبنية التحتية ضمن توقيت واحد، يتوقف الهجوم عن الظهور كأنه خلل». فبدلاً من الاعتماد على مؤشر منفرد، تُبنى الصورة من عدة إشارات تؤكد بعضها بعضاً.

ولهذا يؤدي القياس اللحظي للشبكة والعمليات دوراً مزدوجاً؛ فهو يساعد على اكتشاف السلوك غير الطبيعي أثناء حدوثه، ثم يوفر مادة التحقيق بعد الحادث. ويمكنه تحديد حركة مرور غير معتادة، أو نشاط شاذ في الواجهات البرمجية أو أنماط وصول جديدة أو اضطرابات في الخدمة أو إجراءات آلية خرجت عن المتوقع.

الأدوات الأمنية التقليدية تحتاج إلى قياسات إضافية تغطي التعليمات ومصدر البيانات وسلوك النموذج والقرارات المؤتمتة (أدوبي)

الأدوات التقليدية لا تكفي وحدها

لا يرى موهان أن أدوات المراقبة والاستجابة التقليدية أصبحت بلا قيمة. فهي لا تزال ضرورية لرصد التهديدات المعروفة، ومتابعة الأنظمة، وعزل الأجهزة المتأثرة. لكن الأحداث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تفرض أسئلة لا تجيب عنها هذه الأدوات دائماً.

فهي قد لا تعرف ما التعليمات التي تلقاها النموذج، أو مصدر البيانات التي اعتمد عليها، أو النسخة التي كانت قيد التشغيل، أو سبب تغير قراره، أو ما الإجراء الآلي الذي نفذه لاحقاً.

ولهذا تحتاج المؤسسات إلى طبقة إضافية من القياس تربط الشبكات بالتطبيقات والسحابة ومسارات الذكاء الاصطناعي. ويؤكد موهان أن هذه الطبقة يجب أن تكون عالية الدقة ومتزامنة زمنياً حتى تدعم التحقيق والمساءلة، لا أن تكتفي بإطلاق تنبيهات منفصلة.

تحديث النموذج كتغيير تشغيلي

تزداد صعوبة المساءلة عندما يتغير النموذج بمرور الوقت، أو يُحدّث من جانب مزود خارجي من دون أن تملك المؤسسة السيطرة الكاملة على التغيير. فقد يعطي النموذج النتيجة نفسها بطريقة مختلفة، أو يتغير سلوكه في حالات معينة بعد تحديث لم تُفصح تفاصيله بوضوح.

ويقترح موهان التعامل مع كل تحديث للنموذج كما لو كان عملية نشر خاضعة للضبط. ويشمل ذلك تسجيل إصدار النموذج وإعداداته ونتائج اختباره وتاريخ التغيير وأي تحول ملحوظ في السلوك.

ويصرح: «تعاملوا مع كل تغيير في النموذج كنشر خاضع للرقابة». وعندما يكون التحديث من مزود خارجي، ينبغي أن تمنح العقود المؤسسة سجلاً واضحاً للتغيير، وأدلة تساعدها على التحقيق عند الحاجة.

كما تتطلب المساءلة تحديد مالك واضح للنظام، وإبقاء الرقابة البشرية في القرارات المؤثرة، ووجود مسار يسمح بالعودة إلى إصدار سابق إذا ظهرت مشكلة.

اختبار بسيط للمزودين

لا يقدم موهان نموذجاً موحداً للالتزامات التعاقدية التي يجب فرضها على مزودي النماذج والسحابة ومتكاملي الأنظمة، لكنه يطرح معياراً عملياً: هل يستطيع المزود أن يعيد، عند الطلب، ما فعله نظامه ومتى فعله؟

هذا الاختبار يرتبط مباشرة بالقدرة على التحقيق. فإذا لم يحتفظ المزود بسجلات كافية، أو لم يشاركها في الوقت المناسب، أو لم تكن متزامنة مع أنظمة العميل، فقد يبقى جزء حاسم من الحادث خارج نطاق الفحص. ويعني ذلك أن متطلبات الأدلة يجب ألا تُترك إلى ما بعد وقوع الحادث، بل تُدرج في العقود والتصميم منذ البداية، بما يشمل مدد الاحتفاظ، وإتاحة السجلات، وتوثيق التغييرات، وتحديد المسؤولية عند تعطل خدمة أو تغير نموذج.

ربط بيانات الحزم بسجلات التطبيقات والبنية التحتية والذكاء الاصطناعي يساعد على تحديد ما إذا كان السبب هجوماً أم خللاً تقنياً (أدوبي)

سجل واحد تقوده جهة واحدة

عند وقوع حادث، تتوزع المسؤوليات بين فرق الأمن والتقنية والقانون والمخاطر والأعمال. ويرى موهان أن تعدد الفرق لا ينبغي أن ينتج عدة روايات متعارضة، بل يجب أن تكون هناك جهة واحدة مسؤولة عن سجل الأدلة الموحد. تتولى فرق الأمن احتواء التهديد وحماية الأدلة، بينما تحلل الفرق التقنية سلوك النموذج والشبكة والبنية التحتية. ويعالج الفريق القانوني قضايا الخصوصية والالتزامات التعاقدية، في حين يقيم فريق المخاطر حجم التعرض، وتحدد الإدارة التشغيلية أثر الحادث على الأعمال.

ويقول إن المبدأ الأساسي هو أن «فريقاً واحداً يقود سجل الأدلة، بينما تغذيه بقية الفرق». ويقلل هذا النهج من تضارب التوقيتات والاستنتاجات، ويمنح الإدارة مرجعاً واحداً عند اتخاذ قرارات التعافي والإفصاح والمساءلة.

ما الذي يجب أن تثبته المؤسسات السعودية؟

بالنسبة إلى المؤسسات في السعودية، لا ينبغي أن تقتصر الجاهزية على وجود سياسات امتثال أو أدوات مراقبة متفرقة. فالمعيار العملي كما يرى موهان هو القدرة على التحقيق في حادث مرتبط بالذكاء الاصطناعي وشرحه من البداية إلى النهاية. ويتطلب ذلك رؤية متزامنة وعالية الدقة تمتد عبر الشبكات والتطبيقات والخدمات السحابية ومصادر البيانات ومنصات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب خطط استجابة جرى اختبارها، ومسؤوليات محددة، وقدرة مثبتة على تحليل السبب الجذري. كما ينبغي أن تستطيع المؤسسة تقديم أدلة موثوقة توضح حجم التأثير، والمسار الذي أدى إلى النتيجة، والجهة المسؤولة، والإجراءات التصحيحية التي اتخذتها.

وفي هذا الإطار، ترتبط المرونة بقدرة المؤسسة على تفسير الحادث بقدر ارتباطها بمنعه. فالنظام الذي يعود إلى العمل من دون معرفة سبب الخلل قد يكرر السلوك نفسه، بينما يسمح سجل الأدلة المتكامل بتحديد السبب، وتصحيح الإعدادات، وتعديل النموذج أو العملية، وتقليل زمن التعطل في الحوادث اللاحقة.


مقالات ذات صلة

عمالقة الذكاء الاصطناعي يتعهدون بآلية موحدة لمنع استخراج محتوى المواقع الإلكترونية

تكنولوجيا شعار «أوبن إيه آي» (رويترز)

عمالقة الذكاء الاصطناعي يتعهدون بآلية موحدة لمنع استخراج محتوى المواقع الإلكترونية

تعهَّدت شركات تكنولوجية رائدة بتوفير آلية موحَّدة لوسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية الأخرى لمنع استخراج محتواها بهدف تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)
تكنولوجيا تشير التحقيقات الأولية إلى أن اختراق جهاز موظف ربما فتح مساراً للوصول إلى أنظمة داخلية حساسة في «بينانس» (رويترز)

اختراق «بينانس»... كيف قاد وصول داخلي إلى معاملات موقّعة عبر شبكات متعددة؟

يكشف اختراق «بينانس» كيف قد يتحول وصول داخلي إلى معاملات موقعة عبر محافظ متعددة مع تجميد أصول بمليارات الدولارات.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تعتمد استراتيجية «احصد الآن وفكّ التشفير لاحقاً» على تخزين البيانات المشفّرة انتظاراً لقدرات حوسبة أقوى مستقبلاً (أدوبي)

خاص خطر مؤجّل: الحوسبة الكمومية قد تفكّ تشفير بيانات مسروقة بعد سنوات

يحذّر خبراء من سرقة بيانات حساسة اليوم والاحتفاظ بها انتظاراً لقدرات كمومية مستقبلية قد تتمكن من فك تشفيرها بعد سنوات.

نسيم رمضان (بالي (إندونيسيا))
صحتك العملية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي قد تستغرق في المستقبل بضعة أيام فقط (رويترز)

لأول مرة... حقن مريض بفيروس صممه الذكاء الاصطناعي لمكافحة عدوى خطيرة

نجح علماء، للمرة الأولى، في إعطاء مريض بشري فيروساً صُمم باستخدام الذكاء الاصطناعي، في محاولة لمكافحة عدوى بكتيرية لم تعد تستجيب للمضادات الحيوية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا يمكن للجهاز التقاط الصور ورش الأدوية وأخذ عينات من الأنسجة وإزالة بعض السلائل الصغيرة أثناء الفحص (الجامعة)

مستوحاة من الأفاعي... روبوت مرن قد يسهّل فحص الأمعاء الدقيقة وعلاجها

طوّر باحثون في «MIT» روبوتاً مرناً مستوحى من الأفاعي قد يسهّل فحص الأمعاء الدقيقة وتشخيص اضطراباتها وتنفيذ بعض الإجراءات العلاجية

نسيم رمضان (لندن)

جيش إلكتروني عابر للحدود... ما سر قوة قراصنة كوريا الشمالية؟

خبراء يشيرون إلى أن نهج كوريا الشمالية في شن الهجمات الإلكترونية شهد تحولاً جذرياً خلال العقد الماضي (رويترز)
خبراء يشيرون إلى أن نهج كوريا الشمالية في شن الهجمات الإلكترونية شهد تحولاً جذرياً خلال العقد الماضي (رويترز)
TT

جيش إلكتروني عابر للحدود... ما سر قوة قراصنة كوريا الشمالية؟

خبراء يشيرون إلى أن نهج كوريا الشمالية في شن الهجمات الإلكترونية شهد تحولاً جذرياً خلال العقد الماضي (رويترز)
خبراء يشيرون إلى أن نهج كوريا الشمالية في شن الهجمات الإلكترونية شهد تحولاً جذرياً خلال العقد الماضي (رويترز)

خلصت ثلاث شركات متخصصة في تحليل بيانات سلاسل الكتل (البلوك تشين) إلى أن عملية الاختراق الأخيرة التي استهدفت منصة «باينانس» كانت من تنفيذ قراصنة مدعومين من الدولة الكورية الشمالية، في وقت لا تزال فيه التحقيقات الرسمية في الحادثة جارية، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وشهد يوم الخميس سرقة ما لا يقل عن ملياري دولار أميركي من محافظ منصة «باينانس»، في عملية يُعتقد أنها أكبر هجوم إلكتروني يستهدف منصة لتداول العملات الرقمية في العالم.

ورغم أن منصة «باينانس» والجهات الحكومية لم تستكملا تحقيقاتهما بعد، فإن ثلاث جهات متخصصة في أمن سلاسل الكتل، هي «تي آر إم لابس» (TRM Labs) و«تشيناليسيس» (Chainalysis) و«زاك إكس بي تي» (ZachXBT)، أشارت إلى تورط قراصنة مرتبطين ببيونغ يانغ في تنفيذ الهجوم.

وكشفت التحقيقات الأولية أن أحد المخترقين تمكن من إجراء معاملات غير مصرح بها، بعدما وصل إلى حاسوب محمول تعرض للاختراق، ويعود إلى أحد مهندسي منصة «باينانس» (Binance).

وتأتي هذه الحادثة بعد عملية اختراق استهدفت منصة «باي بيت» (Bybit) عام 2025، وتمكن خلالها قراصنة من كوريا الشمالية من سرقة مبلغ قياسي بلغ 1.5 مليار دولار.

ويرى خبراء أن أحد أبرز أسباب نجاح كوريا الشمالية في تنفيذ هجماتها السيبرانية يتمثل في اعتماد بيونغ يانغ، إلى حد كبير، على عناصر تعمل من خارج البلاد.

وذكرت شركة «تي آر إم لابس» في تقرير أصدرته يوم الجمعة أنه يمكن القول «بدرجة عالية من الثقة» إن الهجوم الأخير على منصة «باينانس» نفذته وحدة القرصنة الكورية الشمالية «تريدر ترايتر» (TraderTraitor)، المرتبطة بمجموعة «لازاروس» (Lazarus Group) المعروفة بهجماتها الإلكترونية.

وأوضحت الشركة أن تقييمها يستند إلى «معلومات استخباراتية قوية»، تشمل بيانات مستمدة من المعاملات المسجلة على سلاسل الكتل (On-chain)، إلى جانب معلومات من مصادر خارج هذه السلاسل (Off-chain).

بدوره، قال جوني ليفين، المسؤول في شركة «تشيناليسيس» المتخصصة في أمن سلاسل الكتل، إن عملية الاختراق «على الأرجح من تنفيذ المجموعة الكورية الشمالية (تريدر ترايتر)».

من الهجمات التخريبية إلى سرقة المليارات

يشير خبراء الأمن السيبراني إلى أن نهج كوريا الشمالية في شن الهجمات الإلكترونية شهد تحولاً جذرياً خلال العقد الماضي.

فبعدما كانت عملياتها تركز على التعطيل وإحداث الاضطرابات، كما حدث في الهجوم على شركة «سوني بيكتشرز» عام 2014، تحولت إلى استهداف محافظ العملات المشفرة والبنوك المركزية بهدف سرقة مبالغ مالية ضخمة.

وأظهر القراصنة الكوريون الشماليون قدرات متزايدة على اختراق الأنظمة المالية خارج البلاد، وتحويل الأموال المسروقة لتمويل برنامج بيونغ يانغ للأسلحة النووية.

وحذّرت وزارة الخارجية اليابانية، في تقرير صدر العام الماضي، من أن القدرات السيبرانية لبيونغ يانغ توسعت في ظل حكم الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، لتتحول إلى «برنامج وطني متكامل» يتمتع بمستوى عالٍ من التطور، «يقترب من البرامج السيبرانية لكل من الصين وروسيا».

لماذا يعمل قراصنة كوريا الشمالية من الخارج؟

نظراً إلى القيود الشديدة المفروضة على الوصول إلى شبكة الإنترنت العالمية داخل كوريا الشمالية، فإن عمل قراصنتها انطلاقاً من دول مثل الصين وروسيا يتيح لهم الاستفادة من بنية تحتية رقمية أكثر تطوراً.

كما يوفر لهم استخدام عناوين بروتوكول إنترنت (IP) أجنبية غطاءً يساعد على إخفاء مواقعهم الحقيقية، ويجعل تعقب مصدر الهجمات السيبرانية أكثر صعوبة.

وذكرت وزارة الخارجية اليابانية، في أحد تقاريرها، أن عمليات القرصنة التي تنفذها كوريا الشمالية على مستوى العالم غالباً ما تُسهَّل عبر «شبكات تضم مواطنين كوريين شماليين في الخارج ومتواطئين أجانب».

ولا تقتصر أهمية وجود هؤلاء القراصنة خارج البلاد على تسهيل تنفيذ الهجمات وإخفاء مصادرها، بل تمتد إلى تمكينهم من التعاون مع شبكات مالية أجنبية لتحويل العملات المشفرة المسروقة إلى أموال نقدية تقليدية.

شعار منصة «باينانس» (رويترز)

جنوب شرق آسيا... هدف وقاعدة للعمليات السيبرانية

يحذر خبراء من أن منطقة جنوب شرق آسيا أصبحت ركيزة أساسية في الشبكة السيبرانية التابعة لنظام كيم جونغ أون، إذ تؤدي دوراً مزدوجاً، بوصفها هدفاً للهجمات وقاعدة تنطلق منها عمليات بيونغ يانغ الإلكترونية.

ووفقاً لتقرير صادر عن «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» (CSIS)، نشرت كوريا الشمالية برمجيات خبيثة وأدوات تتيح الوصول غير المصرح به إلى البنية التحتية الرقمية لدول من بينها كمبوديا وتايلاند وإندونيسيا.

وقد أتاح لها ذلك مواصلة إخفاء عملياتها السيبرانية التي تنفذها على نطاق عالمي.

آلاف العملاء السيبرانيين بهويات زائفة

أشار تقرير صدر عام 2020 عن «مركز الأمن الأميركي الجديد» (Centre for a New American Security)، تناول الشبكة السيبرانية الخارجية لكوريا الشمالية، إلى أن الهند كانت من بين الدول التي ينشط فيها عملاء سيبرانيون كوريون شماليون.

وتفيد تقارير بأن العدد الإجمالي لهؤلاء العملاء المنتشرين حول العالم قد يصل إلى 6 آلاف عميل، يعملون في دول من بينها الصين والهند وروسيا وبيلاروسيا وماليزيا.

ويلجأ هؤلاء الأفراد إلى انتحال هويات مزيفة، مدّعين أنهم مواطنون من دول أخرى، بهدف الحصول على وظائف داخل شركات أجنبية.

ويخضع هؤلاء العملاء لبرامج إعداد وتدريب تبدأ منذ سن مبكرة، بإشراف من بيونغ يانغ، بهدف تأهيلهم للمشاركة في أجندة الحرب السيبرانية التي تتبناها كوريا الشمالية.


عمالقة الذكاء الاصطناعي يتعهدون بآلية موحدة لمنع استخراج محتوى المواقع الإلكترونية

شعار «أوبن إيه آي» (رويترز)
شعار «أوبن إيه آي» (رويترز)
TT

عمالقة الذكاء الاصطناعي يتعهدون بآلية موحدة لمنع استخراج محتوى المواقع الإلكترونية

شعار «أوبن إيه آي» (رويترز)
شعار «أوبن إيه آي» (رويترز)

تعهَّدت شركات «أوبن إيه آي» و«غوغل» و«مايكروسوفت» و«أنثروبيك» أمس (الجمعة)، بتوفير آلية موحَّدة لوسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية الأخرى لمنع استخراج محتواها بهدف تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وذلك وسط ازدياد الانتقادات والمعارك القانونية من جانب ناشري المواقع الإخبارية.

ويتعيَّن على الناشرين حالياً تطبيق أوامر حظر متعددة لكل روبوت جمع بيانات ينشط على الإنترنت على حدة، لكن الحلَّ المقترح الجديد سيسمح لهم بإدخال تعليمات موحَّدة معترف بها ومعتمدة من قبل أي شركة ذكاء اصطناعي تتبنى البروتوكول. مع ذلك، لن يدخل الحلُّ حيزَ التنفيذ الكامل إلا بعد أشهر، وفق تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وستبدأ «مايكروسوفت» بتطبيقه اعتباراً من 1 فبراير (شباط) 2027، و«غوغل» في وقت ما من عام 2027. وقالت «أوبن إيه آي» مطورة «تشات جي بي تي» إنها ستطرحه «في الأشهر المقبلة»، بينما صرَّحت «أنثروبيك»، مطورة «كلود» بأنها «بدأت بالفعل» في طرحه.

ويأتي هذا الإعلان في وقت يواجه فيه الناشرون طفرةً في الروبوتات التي تنسخ منشوراتهم لتغذية نماذج الذكاء الاصطناعي وتدريبها. وقد لجأت بعض الجهات مثل صحيفة «نيويورك تايمز»، إلى القضاء في هذا الشأن.

ففي ديسمبر (كانون الأول) عام 2023، رفعت «نيويورك تايمز» دعوى قضائية ضد شركتَي «أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت» بتهمة استخدام ملايين المقالات من دون إذن أو مقابل مادي لتدريب نموذج «تشات جي بي تي».

في غضون ذلك، حظرت شركة «كلاودفلير» المزودة لخدمات الإنترنت، بشكل تلقائي، البرمجيات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي على مواقع عملائها الجدد منذ يوليو (تموز) 2025، كما أنَّ هناك برنامجاً يحمل اسم «ترخيص بسيط للغاية» يسمح للناشرين بفرض رسوم على الروبوتات التي تزوِّر صفحاتهم وتنسخها.

وأوضحت «مايكروسوفت»، في منشور على مدونتها، أنَّ الإعداد الجديد سيُطبَّق فقط على التدريب المستقبلي للنماذج، ولكنه بخلاف ذلك لا يمنع الروبوتات من الزحف على الإنترنت، وسيُسمح باستخراج المحتوى إلى حين تغيير الناشر لهذا الإعداد.

وأعرب المتحدث باسم شركة «ميتا»، آندي ستون، على منصة «إكس» عن دعمه لهذا الجهد، حيث كتب: «نعتقد أن إنشاء إشارة مشتركة تنقل هذه التفضيلات إلى كثير من مزودي الخدمات في آن واحد خطوة مهمة»، مضيفاً: «نتطلع إلى العمل مع شركات الذكاء الاصطناعي الأخرى على هذه المعايير وتطبيقها في جميع أنحاء القطاع».


اختراق «بينانس»... كيف قاد وصول داخلي إلى معاملات موقّعة عبر شبكات متعددة؟

تشير التحقيقات الأولية إلى أن اختراق جهاز موظف ربما فتح مساراً للوصول إلى أنظمة داخلية حساسة في «بينانس» (رويترز)
تشير التحقيقات الأولية إلى أن اختراق جهاز موظف ربما فتح مساراً للوصول إلى أنظمة داخلية حساسة في «بينانس» (رويترز)
TT

اختراق «بينانس»... كيف قاد وصول داخلي إلى معاملات موقّعة عبر شبكات متعددة؟

تشير التحقيقات الأولية إلى أن اختراق جهاز موظف ربما فتح مساراً للوصول إلى أنظمة داخلية حساسة في «بينانس» (رويترز)
تشير التحقيقات الأولية إلى أن اختراق جهاز موظف ربما فتح مساراً للوصول إلى أنظمة داخلية حساسة في «بينانس» (رويترز)

لم يبدأ أخطر ما في حادثة «بينانس» بإعلان سرقة مفتاح خاص لمحفظة عملات مشفرة، بل من مسار أكثر تعقيداً داخل البنية التقنية للمنصة. فالتحقيق الأولي للشركة يشير إلى أن اختراق حاسوب محمول يعود إلى مهندس عمليات التطوير والتشغيل (DevOps) ربما منح المهاجم وصولاً إلى «حاوية خدمة» (Service Container) داخلية، ومن هناك أصبح بالإمكان إرسال معاملات سحب غير مصرح بها. وتؤكد «بينانس» حتى الآن أنها لم تعثر على دليل يثبت تسرب المفاتيح الخاصة بالمحافظ.

وتقدر المنصة حجم الأثر الإجمالي للحادث بنحو 6.3 مليار دولار، فيما قالت الجمعة إنها تمكنت، بالتعاون مع جهات في منظومة البلوك تشين، من تجميد أصول بقيمة تقارب 3 مليارات دولار على الشبكات. كما تعهدت بتغطية الخسائر من صندوق الأصول الآمنة للمستخدمين وأموال الشركة، مؤكدة أن أموال العملاء آمنة.

لكن البيانات المسجلة على شبكات البلوك تشين ترسم صورة أوسع للهجوم؛ إذ تشير إلى أن المشكلة لم تقتصر على محفظة واحدة أو شبكة واحدة، بل امتدت إلى «محافظ ساخنة» (Hot Wallets) تابعة لـ«بينانس» عبر عدد من شبكات العملات المشفرة خلال ساعات قليلة.

امتد الهجوم إلى محافظ ساخنة عبر عدة شبكات ما يرجح أن المشكلة تجاوزت سرقة مفتاح خاص واحد (رويترز)

تواصل التحقيقات

تقول «بينانس» إن التحقيق لا يزال أولياً، وإنها ستنشر تقريراً تقنياً كاملاً بعد التحقق من المسار الكامل للهجوم. وقد أوضح ريتشارد تنغ، الرئيس التنفيذي المشارك للشركة، أن الحادث لم يكن ببساطة نتيجة استخدام صلاحيات مهندس واحد أو عملية «بنقرة واحدة»، بل تضمن مساراً أكثر تعقيداً، مع اكتشاف نقاط اختراق إضافية لا تزال قيد التحقيق.

وتكمن أهمية هذه النقطة في أن المحافظ الساخنة لدى منصات التداول تبقى متصلة بالإنترنت وتستخدم بصورة مستمرة لمعالجة عمليات السحب، ولذلك تحتاج إلى أنظمة داخلية قادرة على إنشاء المعاملات والموافقة عليها وتوقيعها بسرعة.

وتظهر بيانات التحليل أن الأموال خرجت من 17 محفظة ساخنة مرتبطة بـ«بينانس» على تسع شبكات بين الساعة 20:04 و23:56 بالتوقيت العالمي في 29 أكتوبر (تشرين الأول)، في حين توصلت تحليلات أخرى إلى تتبع أصول عبر عشر شبكات، وهو اختلاف يعكس نطاق الرصد والتصنيف بين جهات التحليل في الساعات الأولى للحادث. وتشمل الشبكات التي رُصدت «إيثيريوم» و«بيتكوين» و«ترون» و«دفتر XRP» و«سولانا» و«أربيتروم» و«أفالانش» و«أوبتيميزم» و«بيس» و«بوليغون».

معاملات صحيحة... لكن غير مصرح بها

من الناحية التقنية، تحمل هذه النقطة دلالة مهمة، وهي أن شبكة البلوك تشين لم ترفض المعاملات، لأنها ظهرت على الشبكات بتوقيعات صالحة صادرة من محافظ «بينانس». ويشير أحد التحليلات إلى أن 16 من أصل 17 محفظة أرسلت تحويلات عادية موقعة إلى عناوين المهاجم، رغم أن أنماط بعضها اختلفت عن عمليات السحب المعتادة للمنصة.

وهذا يتوافق مع تقييم تقني بأن المهاجم قد يكون حصل على قدرة تجعل بنية توقيع المحافظ (Wallet Signing Infrastructure) الساخنة في «بينانس» توافق على معاملات يحددها هو، بدلاً من أن تكون المشكلة مجرد الحصول على مفتاح خاص واحد. وتبقى هذه فرضية فنية من جهات تحليل خارجية وليست نتيجة نهائية أعلنتها «بينانس».

وتزداد أهمية هذا الاحتمال لأن المحافظ المتضررة تعمل على شبكات تستخدم أنواع مفاتيح وآليات توقيع مختلفة، ومع ذلك ظهرت معاملات صحيحة عبر عدة شبكات خلال فترة زمنية متقاربة.

بدأت التحضيرات للهجوم قبل التنفيذ الفعلي بساعات مع اختبارات وتحويلات صغيرة سبقت عملية السحب الرئيسية (أ.ف.ب)

طبقة جديدة للهجوم

على شبكة «إيثيريوم»، اتخذ الهجوم مساراً أكثر تعقيداً باستخدام ميزة تعرف باسم اقتراح تحسين إيثيريوم رقم «7702 (EIP-7702)»، أضيفت إلى الشبكة ضمن تحديث «بيكترا». وتسمح هذه الميزة للمحفظة التقليدية بتفويض تنفيذ سلوكها إلى عقد ذكي (Smart Contract) بعد توقيع تفويض مناسب.

وحسب التحليلات، أرسل المهاجم معاملة تضمنت 50 تفويضاً موقعاً مسبقاً، تغطي أرقاماً متتابعة لما يعرف بالرقم التسلسلي للمعاملة (Nonce)، بهدف ضمان أن يكون واحد منها صالحاً عند تنفيذ العملية الفعلية. وقد تطابق أحد هذه التفويضات مع الحالة الحية لمحفظة «بينانس»، ما سمح بتوجيه سلوكها نحو عقد برمجي يتحكم فيه المهاجم.

وبعد ثلاث دقائق و24 ثانية، جرى تحويل 167 ألفاً و464 وحدة من عملة «إيثر» (ETH) إضافة إلى 63 رمزاً آخر من المحفظة في معاملة واحدة، شملت 1.615 مليار وحدة من عملة «تيثر» (USDT) المستقرة.

ولم ينته الخطر مع خروج الرصيد الأول؛ لأن التفويض ظل فعالاً، ما مكّن المهاجم من سحب أموال جديدة وصلت لاحقاً إلى المحفظة في عمليات متكررة خلال الساعات التالية.

وتشير التحليلات الأمنية إلى أن هذه الخاصية تغيّر طبيعة الخطر في المحافظ الساخنة، لأن التفويض الناجح يمكن أن يمنح المهاجم سيطرة برمجية مستمرة على العنوان إلى أن يتم إلغاء التفويض بصورة صريحة.

هجوم تم التحضير له مسبقاً

تشير تحليلات تتبع البلوك تشين إلى أن التحضير بدأ قبل السرقة بنحو 36 ساعة على الأقل، مع تحويلات صغيرة وتجارب على محافظ يسيطر عليها المهاجم قبل تنفيذ العملية ضد «بينانس».

وتفيد هذه التحليلات بأن المهاجم اختبر تسلسل التفويض والسحب أكثر من مرة قبل نشر العقد الذي استُخدم لاحقاً، ثم نفذ الهجوم الرئيسي مساء 29 أكتوبر.

كما تنسب «TRM Labs» العملية، بدرجة ثقة مرتفعة وفق تقييمها، إلى مجموعة «TraderTraitor» المرتبطة بكوريا الشمالية، استناداً إلى مؤشرات على السلسلة وخارجها وتشابهات مع عمليات سابقة. ولم تعلن «Binance» حتى الآن مسؤولية جهة محددة عن الهجوم؛ لذلك يبقى هذا إسناداً من شركة تحليل بلوك تشين وليس استنتاجاً رسمياً من المنصة.

تمكنت جهات في منظومة البلوك تشين من تجميد مليارات الدولارات فيما لا يزال السبب الجذري الكامل قيد التحقيق (د.ب.أ)

سباق لتجميد مليارات الدولارات

بعد بدء التحويلات، تحركت جهات مصدرة للعملات المستقرة وشبكات بلوك تشين لتجميد أجزاء من الأموال المسروقة. وتقول «بينانس» إن القيمة المجمدة على الشبكات وصلت إلى نحو 3 مليارات دولار في أحدث تحديث رسمي، وهو رقم أعلى من بعض التقديرات المبكرة التي تراوحت حول 2.7 مليار دولار.

وتشير بيانات تتبع الأموال إلى أن «تيثر» و«سيركل» ومجلس أمن «أربيتروم» وجهات أخرى تمكنت من منع حركة أجزاء كبيرة من العملات المستقرة والأصول، فيما سارع المهاجم إلى تحويل مئات الملايين من «USDT» إلى أصول أخرى قبل تنفيذ التجميد.

وامتد أثر الحادث إلى بروتوكولات التمويل اللامركزي (DeFi)؛ إذ قالت «LlamaRisk» إن إحدى المحافظ المرتبطة بالمهاجم أودعت 60 مليون «USDT» في الإصدار الثالث من بروتوكول «آفي» (Aave V3) واقترضت مقابلها 19 ألفاً و762 وحدة من «إيثر المغلف» (WETH) بقيمة تقارب 44.6 مليون دولار آنذاك.

وردت منظومة «Aave» بتجميد إمكانية فتح مراكز إيداع واقتراض جديدة في مئات الأسواق على شبكات متعددة كإجراء احترازي، مع إبقاء السداد والسحب والتصفية متاحة.

لماذا تتجاوز الحادثة «سرقة مفتاح»؟

لا تزال «بينانس» تجمع الأدلة؛ ولذلك لا يمكن اعتبار أي تحليل خارجي وصفاً نهائياً للسبب الجذري قبل صدور التقرير التقني الرسمي. لكن البيانات المتاحة حتى الآن تجعل السؤال الأمني أوسع من مجرد حماية المفتاح الخاص للمحفظة.

فإذا تمكن المهاجم من الوصول إلى مسار داخلي يستطيع طلب توقيع معاملات تبدو صحيحة على الشبكة، تصبح الضوابط التي تسبق التوقيع، وعزل أنظمة الموافقة، ومراقبة ما يُطلب من المحافظ توقيعه، عناصر أساسية بقدر أهمية حماية المفتاح نفسه.

وتقول «بينانس» إنها أوقفت عمليات السحب مؤقتاً، وألغت تفويض العنوان المتأثر، وتعمل مع جهات إنفاذ القانون وشركات تحليل البلوك تشين لتتبع الأموال، على أن تنشر تقريراً فنياً كاملاً وإثبات احتياطيات محدثاً بعد انتهاء المعالجة.

وحتى صدور ذلك التقرير، تبقى النقطة التقنية الأهم غير محسومة بالكامل: كيف انتقل المهاجم من اختراق جهاز داخل بيئة العمل إلى القدرة على الحصول على معاملات صالحة وموقعة عبر عدد كبير من المحافظ والشبكات؟

والإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كان الحادث سيبقى حالة استثنائية في «بينانس»، أم نموذجاً جديداً لتهديد يستهدف البنية التي تقرر ما الذي يسمح للمحفظة بتوقيعه قبل أن تصل المعاملة أصلاً إلى البلوك تشين.