من التصيّد إلى الاختراق… كيف تتغير ملامح التهديدات السيبرانية في البنية الصناعية السعودية؟

الدفاع التنبؤي المعتمد على الذكاء الاصطناعي يمنح المملكة قدرة أكبر على رصد التهديدات مبكراً رغم استمرار الثغرات (شاترستوك)
الدفاع التنبؤي المعتمد على الذكاء الاصطناعي يمنح المملكة قدرة أكبر على رصد التهديدات مبكراً رغم استمرار الثغرات (شاترستوك)
TT

من التصيّد إلى الاختراق… كيف تتغير ملامح التهديدات السيبرانية في البنية الصناعية السعودية؟

الدفاع التنبؤي المعتمد على الذكاء الاصطناعي يمنح المملكة قدرة أكبر على رصد التهديدات مبكراً رغم استمرار الثغرات (شاترستوك)
الدفاع التنبؤي المعتمد على الذكاء الاصطناعي يمنح المملكة قدرة أكبر على رصد التهديدات مبكراً رغم استمرار الثغرات (شاترستوك)

تتغيّر خريطة الأمن السيبراني في البنية الصناعية السعودية بوتيرة أسرع من أي وقت مضى. فمع تقدّم المملكة في مشاريعها العملاقة وشبكاتها المترابطة ومدنها الذكية الناشئة، تتوسع معها بيئات التقنيات التشغيلية وأنظمة التحكم الصناعي، ويتسع معها سطح الهجوم بصورة غير مسبوقة.

لكن التهديد لم يعد مجرد زيادة في عدد الهجمات، بل بات أكثر تداخلاً وأكثر تلقائية، وأكثر امتزاجاً بين عالمَي تقنية المعلومات والتقنيات التشغيلية. وهذا التداخل أصبح التحدّي الحاسم الذي يرسم ملامح المرحلة المقبلة من حماية البنية التحتية الحيوية في السعودية.

كانت هذه الرسالة المحورية في حديث حسام صيداني، نائب رئيس شركة «أوبسوات» (OPSWAT) لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، على هامش مؤتمر «بلاك هات» الشرق الأوسط 2025 المنعقد في الرياض.

وحسب صيداني، تدخل المملكة مرحلة تتغير فيها طبيعة التهديدات بقدر ما يزداد حجمها، مدفوعةً بالبنية التحتية المترابطة، واعتماد آلاف المتعاقدين، والوتيرة المتسارعة لاعتماد الذكاء الاصطناعي من جانب المهاجمين كما المدافعين.

حسام صيداني نائب رئيس شركة «أوبسوات» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (أوبسوات)

الهجوم يبدأ من مناطق الثقة

يشير صيداني خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن وتيرة التحوّل الرقمي في السعودية تُنتج كفاءة كبيرة، لكنها تُنتج أيضاً نقاط ضعف جديدة. وأسرع التهديدات نمواً اليوم ينبع من التقارب المتزايد بين بيئات تقنية المعلومات والتقنيات التشغيلية، وهو ما يتقنه المهاجمون جيداً. وأول مظهر لهذا الاتجاه هو زيادة المسارات التي تبدأ في بيئات تقنية المعلومات قبل أن تتسلل إلى أنظمة التقنيات التشغيلية، خصوصاً عبر البريد الإلكتروني والملفات الملوّثة والوصول عن بُعد.

ويضيف أن «أجهزة أنظمة التحكم الصناعي في الشرق الأوسط، بما في ذلك السعودية، تواجه تهديدات عبر البريد الإلكتروني بمعدل يفوق المتوسط العالمي بـ1.8 مرة». يعكس هذا الرقم الحجم الكبير لعمليات التصيّد التي تستهدف المنطقة.

الاتجاه الثاني يتمثل في تطور هجمات الفدية إلى هجمات متعددة المراحل تبدأ في شبكات تقنية المعلومات، ثم تتحرك بوعي نحو التقنيات التشغيلية لتعظيم الأثر التشغيلي. أما الاتجاه الثالث، فهو اتساع سطح المخاطر عبر سلسلة الإمداد، حيث تربط المشاريع العملاقة عشرات المقاولين والجهات التقنية بأنظمة حساسة؛ ما يخلق مسارات ثقة يمكن استغلالها بسهولة.

ويفيد صيداني بأن ما يجمع هذه الاتجاهات هو حقيقة أن «الخصوم يستغلون المسارات الموثوقة لتجاوز الدفاعات التقليدية»؛ ما يفرض على المؤسسات إعادة التفكير في الرؤية والحوكمة داخل شبكاتها الصناعية.

ملامح الهجوم الحديث

تبدو الهجمات على البنية التحتية اليوم مختلفة جذرياً عمّا كانت عليه قبل سنوات. فالمهاجمون يمزجون بين تقنيات عالم تقنية المعلومات وعالم التقنيات التشغيلية بسلاسة. يبدأ المهاجمون ببرمجيات خبيثة تقليدية للدخول إلى الشبكة، ثم ينتقلون إلى أدوات مخصصة للتحكم الصناعي للاقتراب من محطات الهندسة ووحدات التحكم.

وبعد دخولهم بيئة التقنيات التشغيلية، لا يتصرفون فوراً، بل يراقبون المشغلين ويدرسون منطق وحدات التحكم القابلة للبرمجة (PLC)، ويتتبعون أنماط الأمان لاختيار اللحظة الأكثر تأثيراً. ويقلّدون حركة المرور العادية لتجاوز أنظمة الكشف؛ ما يجعل أدوات التوقيعات التقليدية غير فعّالة.

وتتعقد الصورة أكثر مع دخول الذكاء الاصطناعي في ساحة الهجوم. ويحذّر صيداني من أنه «مع تسارع تطوير البرمجيات الخبيثة عبر الذكاء الاصطناعي، تصبح الهجمات الهجينة أكثر تلقائية ودقة، وأصعب بكثير في اكتشافها مبكراً».

خبراء: الذكاء الاصطناعي يعزز قدرات الكشف والتحليل دون استبدال الخبرة البشرية في اتخاذ القرارات التشغيلية الحساسة (شاترستوك)

الذكاء الاصطناعي والخبرة البشرية

تتعامل السعودية مع الذكاء الاصطناعي بصفته ركيزة وطنية للأمن السيبراني. ويقرّ صيداني بأن الذكاء الاصطناعي قادر على تغيير قواعد اللعبة عبر أتمتة مهام ضخمة الحجم، مثل تحليل تدفق الشبكات، واكتشاف المخاطر في الوقت الحقيقي وربط السجلات، وبناء خطوط سلوك قياسية للأصول الصناعية.

لكن ما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي القيام به هو فهم السياق الفيزيائي - حسب صيداني - الذي يشرح بأن «مشغلي التقنيات التشغيلية يفهمون العواقب الفيزيائية وحدود السلامة وهوامش التشغيل، وهي تفاصيل لا يمكن للخوارزميات تفسيرها بالكامل».

أما الخطر الأكبر، فهو الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي في بيئات لا تحتمل الأخطاء. ولهذا؛ يؤكد صيداني «ضرورة ألا يمتلك الذكاء الاصطناعي سلطة مباشرة لإحداث تغييرات تشغيلية»، مشدداً على أن أنظمة التحكم التقليدية وأنظمة السلامة يجب أن تبقى صمامات الأمان النهائية.

ويتطلب ذلك قابلية تفسير عالية؛ إذ لا يمكن للمشغلين اتخاذ قرار دون فهم سبب إشعار الذكاء الاصطناعي. وتساعد التوائم الرقمية في اختبار النماذج قبل تركيبها فعلياً.

عودة التقسيم الفيزيائي

رغم حداثة التهديدات، يعود الاعتماد على أدوات كلاسيكية مثل «صمامات البيانات» (Data Diodes) إلى المشهد بقوة. فمع انتقال البيانات من بيئات التقنيات التشغيلية إلى السحابة للتحليلات، تحتاج المؤسسات إلى ضمان عدم عودة أي إشارة تحكم إلى الأنظمة الحساسة. وهنا توفّر صمامات البيانات طبقة حماية لا يمكن للبرمجيات وحدها توفيرها.

ويرى صيداني أن ذلك أصبح أكثر أهمية اليوم؛ لأن الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تبحث عن أدق الثغرات. لذلك؛ يشكل العزل الفيزيائي مرساة أمان تمنع المخاطر التي قد تُدخلها التحولات الرقمية ذاتها.

أهمية المشاريع العملاقة

تشهد السعودية بيئات صناعية تُبنى من الصفر في مشاريع مثل «نيوم» و«البحر الأحمر» و«قديّة». ويصف صيداني هذه المشاريع بأنها تحمل إمكانيات هائلة لأمن «مُدمج من التصميم»، ولكنها في الوقت ذاته تُدخل مستويات عالية من التعقيد. أكبر ثغرة يلاحظها هي تعدد المقاولين والموردين، حيث يأتي كل طرف بممارساته وأجهزته وإجراءاته الخاصة؛ ما يخلق تفاوتاً في مستوى الحماية.

كما يحذر صيداني من الاعتقاد بأن الأنظمة الحديثة أكثر أماناً بطبيعتها، حيث تُنشأ الأنظمة المترابطة مثل التوائم الرقمية وأجهزة إنترنت الأشياء والمراقبة السحابية قبل اكتمال وضع معايير الأمن.

الهجمات الحديثة أصبحت هجينةً ومتعددة المراحل... تبدأ بالتصيّد والبرمجيات الخبيثة ثم تتقدّم نحو الأنظمة التشغيلية للسيطرة على المعدات (غيتي)

الدفاع التنبؤي

تستثمر السعودية بكثافة في الأمن التنبؤي، وهي خطوة تغيّر طريقة تعامل القطاعات الحيوية مع المخاطر. فالذكاء الاصطناعي قادر على رصد تغيّرات طفيفة تمثل بدايات هجوم. ويعدّ صيداني أن «الأمن التنبؤي لا يمنع كل الهجمات، لكنه يمنح المؤسسات وقتاً حيوياً لعزل التهديد والحد من أثره قبل أن يصل إلى التشغيل».

وينوّه أن المشاريع السعودية تتميز بثلاث سمات، هي الجرأة في التجربة، والتخطيط بعيد المدى والتركيز على بناء قدرات وطنية. وقد أسهم ذلك في وصول المملكة إلى المرتبة الأولى عالمياً في مؤشر الأمن السيبراني لعام 2025.

تقدم واضح... وثغرات مستمرة

شهدت السعودية تقدماً كبيراً في مجال رؤية الأصول وتجزئة الشبكات. لكن الأخطاء المتكررة تشمل عدم توحيد الضوابط الأساسية، مثل إدارة وسائط «USB» وتحديث الأجهزة المرتبطة بالتشغيل.

كما يظل الاعتماد على الثقة الداخلية مشكلة مستمرة؛ ما يتطلب تطبيق مبدأ انعدام الثقة بشكل صارم. ويؤكد صيداني على أهمية «تطبيق انعدام الثقة على كل من يدخل إلى شبكة التقنيات التشغيلية، مهما كان مصدره».

ويعتقد أن دمج التوأم الرقمي بالذكاء الاصطناعي سيكون التطور الأكثر تأثيراً في الأمن الصناعي. فهو يتيح محاكاة الهجمات وتوقّع تأثيراتها وصقل معايير السلوك دون المساس بالبيئة الحقيقية. ويعدّ أن «التوأمة الرقمية تتيح للذكاء الاصطناعي اختبار سيناريوهات التهديد والتنبؤ بآثارها دون تعريض البيئة الحقيقية لأي انقطاع».


مقالات ذات صلة

8 ولايات أميركية تتهم «تشات جي بي تي» بدفع الأطفال لإيذاء أنفسهم والآخرين

تكنولوجيا 8 ولايات أميركية تتهم «تشات جي بي تي» بدفع الأطفال لإيذاء أنفسهم والآخرين

8 ولايات أميركية تتهم «تشات جي بي تي» بدفع الأطفال لإيذاء أنفسهم والآخرين

أعلنت ثماني ولايات أميركية، منها أيوا وكانساس، أمس (الأربعاء)، أنها رفعت دعاوى قضائية على شركة «أوبن إيه آي» أمام محاكم في أنحاء البلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم (رويترز)

«الذكاء الاصطناعي الخفي»... موظفون يستعينون بالتقنية سراً بعيداً عن أعين مديريهم

يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم في إطار ابتكارهم حلولهم الخاصة للتصدي لأعباء العمل.

«الشرق الأوسط» (باريس)
تكنولوجيا يركز النموذج على المهام المعقدة متعددة الخطوات في البرمجة والمالية والقانون والأمن السيبراني والعلوم (أدوبي)

«غوغل» تطلق «Gemini 4 Argon» عالمياً للمهام المعقدة

تطلق «غوغل» نموذج «Gemini 4 Argon» عالمياً للمهام المعقدة في البرمجة والأعمال والعلوم مع قدرات متقدمة في الاستدلال والروبوتات

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا شعار شركة «أنثروبيك» (رويترز)

عبر «تكاثر ذاتي»... تحذير من تسلّل نماذج الذكاء الاصطناعي إلى الأجهزة الذكية

حذَّرت شركة «أنثروبيك» من أن بعض نماذج الذكاء الاصطناعي التابعة لها قد تصبح قريباً «قادرة على التكاثر الذاتي».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص تستخدم «SandboxAQ» الذكاء الاصطناعي مع «أرامكو» لفحص أكثر من مليون محفّز كيميائي واختيار نحو 10 مرشحين للاختبارات المخبرية (أدوبي)

خاص «SandboxAQ» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية أمام فرصة لتحويل الذكاء الاصطناعي إلى صناعات قابلة للتصدير

تسعى السعودية لتحويل استثمارات الذكاء الاصطناعي إلى صناعات ومِلكية فكرية قابلة للتصدير عبر تطبيقات متقدمة في الطاقة والرقائق والأدوية والملاحة.

نسيم رمضان (لندن)

8 ولايات أميركية تتهم «تشات جي بي تي» بدفع الأطفال لإيذاء أنفسهم والآخرين

TT

8 ولايات أميركية تتهم «تشات جي بي تي» بدفع الأطفال لإيذاء أنفسهم والآخرين

أعلنت ثماني ولايات أميركية، منها أيوا وكانساس، أمس (الأربعاء)، أنها رفعت دعاوى قضائية على شركة «أوبن إيه آي» أمام محاكم في أنحاء البلاد بسبب الأضرار التي قالت إن تطبيق «تشات جي بي تي» تسبب بها للأطفال.

وحسب وكالة «رويترز» للأنباء، فقد ذكرت الولايات أن روبوت الدردشة الآلي دفع أطفالاً إلى إيذاء أنفسهم أو آخرين.

وتسعى الدعاوى القضائية المرفوعة أمام محاكم الولايات إلى الحصول على أمر يجبر «أوبن إيه آي» على إجراء تغييرات في طريقة عمل «تشات جي بي تي» مع الأطفال.

وتسعى الولايات أيضاً إلى الحصول على أمر يجبر الشركة على التنازل عن الأرباح التي حققتها من المستخدمين الأطفال.

وكان وزير العدل بولاية فلوريدا أول من رفع دعوى قضائية على الشركة باتهامات مماثلة في يونيو (حزيران).

وتواجه الشركة أيضاً عشرات الدعاوى القضائية التي تتهم «تشات جي بي تي» بالمساعدة في وقائع إطلاق نار عشوائي أو أعمال عنف أخرى.


السعودية ترسل أول عينات بيولوجية من نوعها بالمنطقة إلى الفضاء

برنامج بحثي لدعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد (وكالة الفضاء السعودية)
برنامج بحثي لدعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد (وكالة الفضاء السعودية)
TT

السعودية ترسل أول عينات بيولوجية من نوعها بالمنطقة إلى الفضاء

برنامج بحثي لدعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد (وكالة الفضاء السعودية)
برنامج بحثي لدعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد (وكالة الفضاء السعودية)

أرسلت السعودية أول عينات بيولوجية من نوعها بمنطقة الشرق الأوسط إلى محطة الفضاء الدولية، في إطار مهمة الجاذبية الحيوية 1 ضمن «SpaceX CRS - 35»، بدعم من الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء «ناسا».

وجاء الإطلاق من وكالة الفضاء السعودية وجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية «كاوست» ضمن برنامج بحثي طويل المدى يستهدف دعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد، عبر سلسلة من 3 مهمات متتابعة.

ويُعزِّز هذا الإنجاز العلمي حضور السعودية في أبحاث الجاذبية الصغرى، ويوسع توظيف علوم وتقنيات الفضاء في خدمة الأبحاث الصحية والحيوية.

وتمثل المهمة أولى مراحل البرنامج بإرسال عينات بشرية مرجعية من متبرعين أصحاء إلى الفضاء؛ لتأسيس قاعدة علمية للمقارنة في المراحل اللاحقة، والاستفادة من الخصائص الفريدة لبيئة الجاذبية الصغرى في دراسة التغيرات الخلوية المرتبطة بالتقدم في العمر والأمراض العصبية التنكسية.

وتشمل تجربتين بيولوجيتين طوّرتها «كاوست» تحملان الاسمين SSA - 1 وSSA - 2. وينفذ البرنامج ضمن شراكة علمية دولية تجمع المؤسسة الوطنية الأميركية للخلايا الجذعية (NSCF) وبدعم من «ناسا»، وشركة «أكسيوم سبيس»، إلى جانب مشاركة علمية وطنية من الوكالة و«كاوست»، بما يعزز تكامل القدرات المحلية مع المنظومة البحثية العالمية.

من جانبها، قالت رائدة الفضاء السعودية ريانة برناوي، المشرفة العامة على أبحاث الجاذبية الصغرى في الوكالة، إن إطلاق هذه العينات «يمثل خطوة علمية مهمة في مسار توظيف بيئة الفضاء لخدمة صحة الإنسان، ويعكس تطور القدرات الوطنية وجاهزيتها للمشاركة في أبحاث متقدمة وعبر برنامج الجاذبية الحيوية».

وأضافت برناوي: «نسعى لتحويل المعرفة المكتسبة في المدار إلى فرص بحثية تسهم في تعميق فهم الأمراض ودعم تطوير حلول علاجية مستقبلية».

وبدوره، أكد أستاذ العلوم الحيوية في «كاوست» البروفسور عماد غلوزي، العالم الرئيس للمشروع، أن المهمة تتيح للباحثين اختبار نماذج الأمراض في بيئة لا يمكن محاكاتها على الأرض، وتعزز إسهام الجامعة في اكتشافات تخدم المرضى في المملكة والعالم.

إلى ذلك، أبدت الدكتورة بينار ميسي، المستشارة العلمية للمؤسسة والرئيسة العالمية للتصنيع الحيوي والتقنية الحيوية في «أكسيوم سبيس»، حماسها لهذه المهمة التي شملت عينات من السعودية.

وأوضحت ميسي أن فريق المؤسسة «سيختبر ولأول مرة في بيئة الجاذبية الصغرى، مفهوم (قرية الخلايا)، ويتيح مفهوم دمج عدة خطوط خلوية فردية ضمن عضية واحدة، إجراء دراسات على مستوى المجموعات السكانية، مع إمكانية تنفيذ ما يمكن وصفه بـ(التجارب السريرية في طبق مخبري)».

ويمتد البرنامج عبر ثلاث مهمات بحثية مترابطة تبدأ بدراسة العينات المرجعية السليمة، ثم دراسة نماذج مشتقة من مرضى ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد، وصولاً إلى دراسة الاستجابة العلاجية واستكشاف أهداف دوائية محتملة في بيئة الجاذبية الصغرى.

ويأتي برنامج «الجاذبية الحيوية» ضمن جهود الوكالة لبناء القدرات الوطنية في أبحاث الجاذبية الصغرى وعلوم الحياة، وتوسيع الشراكات العلمية الدولية، وتوظيف علوم وتقنيات الفضاء لخدمة صحة الإنسان، بما يسهم في تعزيز الاقتصاد المعرفي والابتكار وجودة الحياة، انسجاماً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030».


«الذكاء الاصطناعي الخفي»... موظفون يستعينون بالتقنية سراً بعيداً عن أعين مديريهم

يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم (رويترز)
يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم (رويترز)
TT

«الذكاء الاصطناعي الخفي»... موظفون يستعينون بالتقنية سراً بعيداً عن أعين مديريهم

يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم (رويترز)
يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم (رويترز)

على غرار كاميل، المهندسة المعمارية التي يوفّر عليها الذكاء الاصطناعي «وقتاً هائلاً»، يلجأ عدد كبير من الموظفين الفرنسيين إلى هذه الأداة من دون موافقة أصحاب عملهم، في إطار ابتكارهم حلولهم الخاصة رداً على الأساليب القديمة والبطيئة التي لا تزال شركاتهم تعتمدها، وتقصيرها في تبنّي التقنيات الحديثة.

وتدير صوفي (اسم مستعار) وهي مديرة عقارات تبلغ 38 عاماً، 500 عقار وتضطر للتعامل مع الحالات الطارئة، فضلاً عن «مئات رسائل البريد الإلكتروني المتراكمة». وتصف كمية العمل بـ«الهائلة»، مشيرة إلى أن ضغوط المسؤولين عنها تزيد الوضع سوءاً.

وتعد صوفي أن الأدوات المستخدمة داخل شركتها باتت «متقادمة»، وأن مديريها يفشلون في مواكبة التطور. وتتابع: «لا توفر الشركات الأدوات اللازمة لتسهيل العمل، مما يسبب إحباطاً كبيراً للموظفين».

ودفع ذلك بالموظفة الثلاثينية إلى الاشتراك على نفقتها الخاصة بخدمات نموذج الذكاء الاصطناعي «كلود» من «أنثروبيك»، واستخدامه لصوغ الردود على المالكين والمستأجرين.

وتقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «يتعين علي التحقق من النقاط القانونية للتأكد من عدم وجود أخطاء، إلا أنه يوفر علي مع ذلك وقتاً هائلاً. إنه أشبه بتكليف شخص آخر إنجاز عمل يتطلب وقتاً طويلاً».

ويعرف هذا النوع من الاستخدام بـ«الذكاء الاصطناعي الخفي» (Shadow AI)، أي عندما يلجأ الموظفون إلى هذه الأداة من دون إشراف من الشركة.

ويؤكد جيروم بيلوا، الخبير في أمن المعلوماتية في شركة الاستشارات «وايفستون»، أن هذه الظاهرة باتت «منتشرة إلى حد كبير» في جميع القطاعات العامة والخاصة على حد سواء.

ويوضح بيلوا أن «الأدوات التي تقترح المؤسسات البدء باستخدامها تخضع لقيود تنظيمية وميزانيات محددة، ولا تكون دائماً بكفاءة تلك المتاحة في الخارج مقابل بعض عشرات اليوروهات».

ويتابع: «بحلول الوقت الذي تجد في هذه الشركات النماذج التي تتماشى مع سياساتها الداخلية»، تكون تلك الأدوات أصبحت «قديمة» بالفعل مقارنة بتلك المتوافرة في الخارج للجميع، لا سيما بالنظر إلى «السرعة الجنونية» التي يتطور بها الذكاء الاصطناعي.

ووفقا لمؤشر «وورك تريند إندكس» (Work Trend Index) الصادر عن «مايكروسوفت لينكد إن»، فإن 75 في المائة من الموظفين حول العالم كانوا يستخدمون الذكاء الاصطناعي في العمل عام 2024، و78 في المائة منهم يستخدمون أدواتهم الخاصة.

وتقول كاميل إنه على الرغم من أنها تقوم بمراجعة النتائج والتحقق منها وتعديلها، فإن الذكاء الاصطناعي يكون قد أتم بالفعل بين 80 إلى 90 في المائة من العمل. وتتابع: «لم يكن رؤسائي يريدون الالتفات إلى هذه المسألة. لذا فعلت ما بوسعي» باستخدام الأدوات العامة المتاحة للجميع.

«في الخفاء»

وتوضح سيسيل دوجو، مديرة مرصد التحولات الإدارية والموارد البشرية في المعهد الوطني للفنون والمهن، أن «غياب الأدوات أو التوجيهات من جانب الشركات يشجع على هذه الممارسات».

وتشير إلى أن بعض الشركات تحظر على موظفيها استخدام الذكاء الاصطناعي، إلا أنهم يلجأون مع ذلك إليه لتسريع العمل وكسب مزيد من الوقت.

وبينما تكون شركات أخرى منهمكة في «صوغ» إطار معين لاستخدام هذه التقنية يشمل المعايير الأخلاقية والأدوات اللازمة ومجالات الاستخدام المحددة، يكون الموظفون قد بدأوا بالفعل باستخدام نماذجهم الخاصة «في الخفاء»، مما يكشف الفجوة بين تحديد القواعد والتجربة على الأرض.

وتتابع دوجو أنه بمجرد أن يلحظ الموظفون فوائد هذه الأدوات، يصبحون «نوعاً ما مدمنين عليها»، وتصبح الأدوات التي توفرها الشركات لاحقاً غير قادرة على منافسة تلك التي يستخدمونها بالفعل.

على أن الظاهرة المشار إليها تثير مخاوف تتعلق بالخصوصية، وسط إمكان تسرب بيانات سرية خاصة بالشركات، حسب جيروم بيلوا.

وتؤكد شهرزاد عبوب، المحامية المتخصصة في قانون البيانات، أنه فيما يتعلق بإرسال بيانات إلى الذكاء الاصطناعي يجب «أن نتعامل معها كما لو كنا على أرض الواقع».

وتضيف: «لا يمكننا مشاركة البيانات التي تتضمن أسرار الشركة أو طريقة عملها أو معلومات شخصية».

إلا أن كاميل تقلل من هذه المخاوف، إذ تعد أن الأدوات المستخدمة يومياً لا تضمن أصلاً الحفاظ على سرية المعلومات، بدءاً من «رسائل البريد الإلكتروني وصولاً إلى منصة تيمز».

وتضيف أن أصحاب العمل يقللون من أهمية إدخال الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي، ومن «العبء الزائد في العمل» الذي يعانيه الموظفون.

ولمنع استمرار الموظفين في استخدامه سراً، ترى سيسيل دوجو أن على المسؤولين في الشركات «وضع خريطة طريق»، يحددون بموجبها الحاجات والأدوات اللازمة والإطار الذي يمكن استخدامها به في كنف الشركة.

ويقول أحد مسؤولي الاتصالات البالغ 41 عاماً، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته: «لا أحد في المكتب يقر بذلك علناً، إلا أن الجميع يفعل! من منا لا يستخدم (تشات جي بي تي؟) مجرد التفكير في حظره أمر عبثي».