يحتار المرء من أين يبدأ عند الحديث عن الذكاء الاصطناعيّ. فهو كما التعبير المجازيّ عن الظاهر والمخفي، في «قمّة جبل الجليد»، يُمثّل الظاهر منه أو القمّة، الأعراض فقط، بينما يخفي المُستتر كل المعاني والتأثيرات الأساسية غير المفهومة حتى الآن. بكلام آخر، هل يُسرّع هذا الذكاء الوقت، كما يقول العالم الأميركي راي كورتيزول، كلّما تسارعت سرعة الحوسبة (Computing) وكلما تقدّم الابتكار في التكنولوجيا؟ وهل فعلاً، وكما يقول كورتيزول، إن الإنسان يفكّر خطيّاً (Linear)، بينما تتقدّم التكنولوجيا بطريقة أُسيّة (Exponential)؟ وهل هذه الفوارق ستحوّل جذريّاً وعي الإنسان للوقت والزمن؟ يتابع العالم ليقول إن في عام 2045، سيصل تسارع الذكاء الاصطناعي إلى نقطة «التفرّد» (Singularity)، أي النقطة التي يتجاوز فيها ذكاء الآلة الذكاء البشريّ. ألا نقلق ونحتار الآن عما ينتظرنا في المستقبل المُتسارع؟

في التنافس بين العمالقة
يُفرّق الخبراء بين الولايات المتحدة الأميركية والصين في مجال التنافس على الهيمنة على الذكاء الاصطناعيّ على الشكل التاليّ: تسعى الولايات المتحدة الأميركية للوصول إلى الذكاء الخارق (Superintelligence)؛ كونها تملك وتنتج أسرع وأهمّ رقاقات (Chips) في العالم، الأمر الذي يعطيها القدرة على الحوسبة السريعة (Computing) دون منافس لها. لكن الجدير ذكره هنا، هو أن القطاع الخاص في أميركا يملك هذه القدرات التي تعدّ استثماراً من المال الخاص، ومن الطبيعي السعي إلى الاحتكار كما تحقيق الأرباح.
بالمقابل، تختلف الصين عن المنظومة الأميركية. فالمركزيّة (Centralization) هي العمود الفقري لكل شيء في الصين، وضمناً مجال الذكاء الاصطناعيّ. ولأن الصين لا تملك التكنولوجيا الأحدث في العالم لمنافسة العم سام - حتى الآن، فقد اعتمدت استراتيجيّة استعمال ما تملك من تقدّم في مجال الذكاء الاصطناعيّ، في التطبيق الفعليّ (Physical World) وفي كل المجالات وضمناً الحربيّ. من هنا بدأنا نرى الملاكم الصينيّ الروبوت، كما الراقص الروبوت، وحتى «الكلب» الروبوت المقاتل (Robodog) الذي شوهد في ساحة تيان آن خلال الاحتفال في الذكرى الثمانين لانتهاء الحرب العالمية الثانية.
في الحرب بعصر الذكاء الاصطناعي
صدرت مؤخراً دراسة من مؤسسة «راند» (RAND)، حول تأثير الذكاء الاصطناعي في مستقبل الحروب. استخدم المؤلفون إطاراً مفاهيميّاً (Conceptual) لتسهيل عملية التحليل ووضع الأطر الفكريّة لفهم تأثير الذكاء الاصطناعي على حروب المستقبل. ارتكز الإطار على أربعة محاور أساسية، هي: (1) الكم مقابل الكيف؛ (2) الإخفاء مقابل الكشف؛ (3) القيادة والسيطرة، المركزيّة مقابل اللامركزيّة؛ (4) الهجوم السيبراني مقابل الدفاع السيبرانيّ. لكن الجدير ذكره، أن أحد أهم استنتاجات الدراسة هو في إمكانيّة أن يكتسب «الكم أفضلية كبيرة على الكيف». يأخذنا هذا الأمر إلى ما تقوم به الصين من اختبارات عسكريّة تستعمل فيها الذكاء الاصطناعيّ، وتُقلّد فيها أيضاً وفي الوقت نفسه السلوك الغرائزيّ (Instinct) للكثير من الحيوانات، خاصة الطيور. فماذا عن هذا الأمر؟

حسب صحيفة «وول ستريت جورنال»، تصنّع الصين أكثر من 80 في المائة من المسيَّرات الصغيرة في العالم. ومنذ عام 2022 نشرت مؤسسات صينية عدّة، تعمل في القطاع العسكري، كما في الجامعات، أكثر من 930 براءة اختراع، أغلبها له علاقة بالسلوك السربيّ – من سرب (Swarming). مقابل ذلك، نُشر في الولايات المتحدة الأميركية فقط 60 براءة اختراع، من ضمنها 10 براءات مصدرها مؤسسات صينيّة. فماذا لو زاوجت الصين بين الكم الضخم من المسيَّرات الصغيرة والذكاء الاصطناعي، مُقلّدة أسراب الطيور؟ ألا ننتقل بذلك من السلاح الأذكى إلى السرب الأذكى؟ وإذا كان الرئيس الصينيّ تشي جينبينغ، وحسب ما تقوله الصحيفة نفسها، ينتقد وبشكل عام «القادة الخمسة العاجزين» عن تقييم الوضع واتخاذ القرارات العمليّاتيّة وفهم نوايا رؤسائهم ونشر القوات بفاعليّة، كما التعامل مع المواقف غير المتوقّعة، فهل يعني هذا القول أن الرئيس تشي ليس راضياً عن قياداته العسكريّة؟ وهل لهذا الأمر علاقة بما يحدث مؤخراً في الجيش الصيني من استبعاد للقيادات العليا؟ وإذا كانت البندقيّة في الصين تحت سيطرة الحزب وليس الجيش، كما كان يقول الزعيم الراحل ماو تسي تونغ، فهل يساعد الذكاء الاصطناعي على تمتين مركزيّة القيادة السياسيّة والعسكريّة في الوقت نفسه، خاصة وأن الرئيس الصيني هو القائد الأوحد للجنة المركزيّة العسكريّة في الصين (CMC)؟ وهل سيُعوّض الذكاء الاصطناعيّ، وكما تقول بعض الدراسات عن النقص في الخبرة العسكريّة للجيش الصيني، والذي لم يخض حرباً منذ عام 1979، وكانت يومها ضدّ فيتنام وسُميّت بالحرب التأديبيّة؟ وهل سيُساعد استعمال الذكاء الاصطناعي، كما التكنولوجيا الحديثة، في الاقتصاد بالقوى؟ خاصة وأن الاستراتيجيّة الكبرى للصين ترتكز على السيطرة على خمسة بحار، هي: بحر الصين الجنوبي، بحر الفلبين، البحر الأصفر، بحر تايوان - الضيق، وبحر الصين الشرقيّ - المساحة الإجمالية قد تصل إلى 5 ملايين كيلومتر مربع.

هل سنرى مع الصين في المستقبل قتالاً مشتركاً (Combined) بين الأسلحة، يكون فيها الروبوت مقاتلاً، ينسّق مع المسيّرة، التي تدعم بدورها بالنار الكلب الروبوت المهاجم، على أن يشبك الكل بمركز القيادة والسيطرة عبر الأقمار؟ يبقى السؤال: من يدير الحرب؟ ومن يضع الأهداف السياسيّة وأولويات المصلحة القوميّة؟


















