صانعو الذكاء الاصطناعي يحذرون من إمكاناته لـ«قتل الناس جميعاً»!

مشرعون ورؤساء تنفيذيون يتحركون لوضع ضوابط قبل فوات الأوان

أناس أمام جناح شركة «إنفليم» خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شنغهاي (رويترز)
أناس أمام جناح شركة «إنفليم» خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شنغهاي (رويترز)
TT

صانعو الذكاء الاصطناعي يحذرون من إمكاناته لـ«قتل الناس جميعاً»!

أناس أمام جناح شركة «إنفليم» خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شنغهاي (رويترز)
أناس أمام جناح شركة «إنفليم» خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شنغهاي (رويترز)

وسط سجالات وصلت إلى حد الخلافات بين المشرعين الأميركيين وتحذيرات لا سابق لها من بعض المسؤولين التنفيذيين لعدد من كبرى شركات التكنولوجيا واستقالات لبعض أبرز الباحثين في الولايات المتحدة، نشرت الصحافة ووسائل الإعلام الأميركية تحذيرات من أن السباق الجاري لتطوير الذكاء الاصطناعي المتقدم يمكن أن يؤدي إلى «قتل الناس جميعاً» بحلول نهاية العقد الحالي.

وتصاعدت التحذيرات خلال الأسابيع القليلة الماضية بعد كشف حالات خرقت فيها نماذج الذكاء الاصطناعي بروتوكولات الحماية لأنظمة الكمبيوتر الخارجية، بالتزامن مع إحباط خطط محتملة لعلماء استخدموا نماذج في مجال الذكاء الاصطناعي لإجراء أبحاث كان يمكن أن تساهم في تطوير أسلحة بيولوجية.

واتخذ الكلام عن هذه الأخطار أبعاداً جديدة مع انضمام بعض الباحثين في الشركات الكبرى إلى المحذرين من السباق الجاري، وبينهم أخيراً الباحث السابق لدى شركتي «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» جاكوب كوكسون الذي استقال من منصبه أخيراً بعدما وجد أن الشركتين «تتسابقان مباشرة نحو ذكاء خارق ذاتي التطوير، وتقامران بحياتنا»، مؤكداً أن خبراء التكنولوجيا يعتقدون جدياً أن الذكاء الاصطناعي يهدد حياة البشر بحلول نهاية العقد. وأضاف: «لا تستخفوا بقوة هذه التقنية. ستصير هذه الأنظمة قريباً أنظمة خارقة قادرة على اختراق أي شيء، وإحداث ثورة في أي مجال بين عشية وضحاها، واكتساب قوة وموارد حقيقية. شهدنا جميعاً التقدم في كل من هذه المجالات، والتقدم لا يتباطأ». ووصلت منشوراته إلى أكثر من 100 مليون شخص في ليلة واحدة.

نسبة الخطر

الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» سام ألتمان خلال عرض لحلول الذكاء الاصطناعي في طوكيو (رويترز)

وسارع مدير فريق السلامة في «أنثروبيك» إيفان هوبينغر إلى تأييد كوكسون، محذراً أيضاً من أن هناك احتمالاً يزيد على 10 في المائة أن «يقتل الذكاء الاصطناعي جميع البشر» خلال السنين العشر المقبلة إذا بدأت هذه التقنية في التطور السريع.

وكذلك فعل عضو مجلس إدارة «أوبن إيه آي» بول كريستيانو الذي نبه إلى أن التطور السريع للذكاء الاصطناعي خلق خطراً حقيقياً يتمثل في «فقدان كارثي لا رجعة فيه للسيطرة على المدى القريب جداً»، مشيراً إلى أن القطاع لا يبذل ما يكفي للتخفيف من خطر الذكاء الخارق.

أما الباحث السابق في «غوغل ديب مايند» جوناثان ريتشارد شوارتز فانتقد تركز السلطة بين عدد قليل من شركات التكنولوجيا، واصفاً الوضع الراهن بأنه «غير صحي للغاية للمجتمع».

وكان الطالب المتخرج حديثاً من كلية بيركلي بجامعة كاليفورنيا إيفان هوبينجر أطلق تحذيراً شديد اللهجة عام 2022 بشأن المستقبل، منبهاً إلى أن الذكاء الاصطناعي يشكل تهديداً للبشرية لأنه قد يتعلم يوماً ما خداع مصمميه. وقال في محاضرة: «أعتقد أنه... عندما نضعه في موقف يعتقد فيه أنه قادر على قتلنا، فإنه سيقتلنا ببساطة».

وكرر هوبينجر تحذيره هذا خلال الأسبوع الحالي في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، شوهدت رسالته عشرات الملايين من المرات، ما دفع المشرعين على المستويين الفيدرالي والولايات إلى تبني مخاوفه. وهو يتحدث الآن بصفته قائد فريق في «أنثروبيك» التي تستعد لطرح أسهمها للاكتتاب العام بقيمة تتجاوز تريليون دولار.

وعلق على استقالة كوكسون بالقول: «قد يقضي الذكاء الاصطناعي على البشرية جمعاء... أعتقد شخصياً أن هذا الاحتمال سيتجاوز 10 في المائة خلال العقد القادم».

حكومات وميليشيات

بموازاة هذه التحذيرات من مطوري هذه البرامج المتقدمة، أثار مؤسس شركة «مايكروسوفت» بيل غيتس مخاوف عامة من أن الذكاء الاصطناعي غير الخاضع للرقابة قد يمكن الجهات الخبيثة بسرعة من بناء أسلحة بيولوجية وفيروسات إلكترونية وأجهزة متفجرة.

وهذا بالفعل ما أعلنته «أنثروبيك» في شأن إحباط مخططات محتملة لعلماء استخدموا نماذجها الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي لإجراء أبحاث يمكن أن تساهم في تطوير أسلحة بيولوجية.

وفي تقرير يصف إساءة استخدام هذه النماذج، حذرت «أنثروبيك» من أن عواقب إغفال أي نشاط خبيث يمكن أن تكون وخيمة.

ووثق تقرير نشرته «أنثروبيك»، الخميس، سلسلة من حالات سوء استخدام نماذج مختلفة من برنامج الدردشة الذكي «كلود» خلال الأشهر الثمانية الماضية. وتشابهت بعض هذه الأمثلة مع ما كشفته شركات عدة في مجال الذكاء الاصطناعي، عن وجود جهات يشتبه في ارتباطها بالحكومتين الصينية والإيرانية، تستهدف مجتمعات المعارضين وأفراد الشتات لأغراض المراقبة.

كما سلط التقرير الضوء على حالات استخدام وسائل الإعلام الروسية الحكومية لبرنامج «كلود» لنشر دعاية إلكترونية مقنعة بتقارير مستقلة، بما في ذلك ادعاءات ملفقة حول انتخابات في مولدافيا.

ووثقت «أنثروبيك» نوعاً آخر من إساءة الاستخدام وصفته بالجديد: محاولات استخدام «كلود» لتطوير برمجيات لتصميم وتطوير الأسلحة التقليدية، بما في ذلك الأسلحة النارية والصواريخ والطائرات المسيرة المسلحة والقنابل. وقدمت تفاصيل ثلاث حالات في الصين، وحالتين في روسيا، وحالة واحدة في اليمن، حيث سعت جماعة الحوثي المدعومة من إيران إلى الاستعانة بمثل هذه الأنظمة في اعتداءاتها.

وقبل ذلك، أثارت «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» ضجة هذا الصيف عندما أعلنتا بشكل منفصل أن نماذجهما خرجت عن بيئات الاختبار وحصلت على وصول غير مصرح به إلى أنظمة كمبيوتر حقيقية. وأثارت هذه الإعلانات مخاوف من خروج النماذج عن السيطرة وتنفيذها مهمات أخرى أكثر ضرراً. ودفع التطور السريع لهذه التقنية بعض القادة في الولايات المتحدة والعالم إلى الدعوة إلى اتباع نهج أكثر حذراً.

قلق في الكونغرس

وحث مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك الدول هذا الأسبوع على وضع «ضمانات صارمة بشأن سلامة وأمن الذكاء الاصطناعي قبل فوات الأوان».

وفي واشنطن، دعا المشرعون إلى اتخاذ إجراءات جذرية في أعقاب منشورات كوكسون. ودعا السيناتور الأميركي بيرني ساندرز إلى وضع ضوابط ولوائح تنظيمية للذكاء الاصطناعي، كاشفاً أنه سيقدم قريباً تشريعاً لوقف تطوير الذكاء الاصطناعي وحظر الذكاء الخارق. وقال، الأربعاء، إن «القائمين على تطوير هذه التقنية أنفسهم يعترفون بأنها قد تهدد مستقبل البشرية».

وقال رئيس لجنة التجارة في مجلس الشيوخ السيناتور تيد كروز إن التحذيرات الجديدة «مقلقة للغاية»، معلناً تأييده سن تشريع لمنع «المخاطر الكارثية».

وقال النائب مايك لولر، الذي قدم تشريعاً مشتركاً بين الحزبين بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي: «هناك إجماع واسع - ومن خلال التحدث مباشرة مع شركات الذكاء الاصطناعي، تبين أنهم يريدون إطاراً تنظيمياً».

ومع ذلك، ليس من المؤكد على الإطلاق أن هذه الرغبة في إحراز تقدم في هذا الشأن ستترجم إلى نشاط تشريعي فعال، وبالتأكيد ليس قبل نهاية العام، حيث يتساءل بعض المشرعين عما إذا كان زملاؤهم يأخذون الأمر على محمل الجد أو يفهمون تماماً كيفية عمل هذه التقنية.

وأفاد النائب سام ليكاردو أن فريقه في المجلس واجه أخيراً صعوبة في إقناع أعضاء آخرين بحضور سلسلة من الفعاليات في مكتبة الكونغرس، شارك فيها كل من الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي» سام ألتمان والرئيس التنفيذي لـ«آنثروبيك» داريو أمودي والرئيس التنفيذي لـ«إنفيديا» جينسن هوانغ، أن «نقاشات جادة أجريت بين عدد قليل منا، ونحتاج إلى زيادة هذا العدد». وأضاف: «نحتاج إلى رفع مستوى المعرفة الأساسية لدى أعضاء الكونغرس بشكل كبير إذا أردنا سن تشريعات فعالة. وأعلم أن هذا لن يحدث بين عشية وضحاها».


مقالات ذات صلة

«دوتس» من «أوبن إيه آي»... وكلاء يعملون حتى بعد انتهاء المحادثة

تكنولوجيا تشمل الاستخدامات متابعة المشروعات وتحليل البيانات وتطوير البرمجيات وإعداد المحتوى مع إمكان تنفيذ مهام متكررة في الخلفية (الشركة)

«دوتس» من «أوبن إيه آي»... وكلاء يعملون حتى بعد انتهاء المحادثة

تُقدم «أوبن إيه آي» وكلاء «دوتس» للعمل المستمر عبر التطبيقات مع حوسبة سحابية وصلاحيات وضوابط لإدارة المهامّ تلقائياً.

نسيم رمضان (لندن)
الولايات المتحدة​ سيرفر في أحد مراكز البيانات (بيكسلز)

السلطات الأميركية توقف رجلاً بتهمة تهريب خوادم متطورة إلى الصين

أعلنت وزارة العدل الأميركية توقيف رجل بتهمة تهريب خوادم حاسوب تزيد قيمتها على 300 مليون دولار إلى الصين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا أصبح الذكاء الاصطناعي هدفاً للهجمات بقدر ما هو أداة للدفاع مع تزايد المخاوف من تسميم البيانات واستهداف النماذج والأنظمة الوكيلية (أدوبي)

الذكاء الاصطناعي يرفع مخاطر الأمن السيبراني

يكشف تقرير «PwC» اتساع مخاطر الذكاء الاصطناعي سيبرانياً مقابل استمرار غموض المسؤولية وتفاوت الجاهزية رغم زيادة الميزانيات والاستثمار في الحماية.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

تدفقات الأسهم العالمية تتواصل للأسبوع الثاني رغم ارتفاع عوائد السندات

اجتذبت صناديق الأسهم العالمية تدفقات نقدية للأسبوع الثاني على التوالي، مدفوعة بالتفاؤل بشأن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي وتراجع حدة التضخم في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

مسؤول بالمركزي الأوروبي: ارتفاع العوائد يحد من انتقال صدمة الطاقة إلى التضخم

قال أولي رين، محافظ البنك المركزي الفنلندي، يوم الجمعة، إن أسعار الطاقة تقترب من السيناريو «السلبي» الذي وضعه البنك المركزي الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت )

القضاء الأميركي يمنع «مؤقتاً» بناء جدار حدودي في «بيغ بيند» بولاية تكساس

جانب من الجدار الحدودي بين الولايات المتحدة والمكسيك (أ.ب)
جانب من الجدار الحدودي بين الولايات المتحدة والمكسيك (أ.ب)
TT

القضاء الأميركي يمنع «مؤقتاً» بناء جدار حدودي في «بيغ بيند» بولاية تكساس

جانب من الجدار الحدودي بين الولايات المتحدة والمكسيك (أ.ب)
جانب من الجدار الحدودي بين الولايات المتحدة والمكسيك (أ.ب)

منعت محكمة اتحادية إدارة الرئيس الأميركى دونالد ترمب، في الوقت الراهن، من بناء جدار حدودي وبنية تحتية أخرى في منطقة بيغ بيند بولاية تكساس.

ويمثل هذا الخبر فوزا كبيرا لأصحاب الأراضي والشركات والمدافعين عن البيئة في المنطقة الذين اتحدوا لمعارضة مشروعات البنية التحتية المخطط لها، والتي تعد جزءًا من جهد بقيمة 46 مليار دولار من إدارة ترمب لوضع مزيج من الجدران الفولاذية التي يبلغ ارتفاعها 30 قدما وحواجز المركبات وطرق وتكنولوجيا مراقبة في الحدود الجنوبية.

وقالت القاضية كاثلين كاردوني في حكمها إن المدعين «من المرجح أن ينجحوا في موضوع واحد على الأقل من الدعاوى المرفوعة في الدعوى، وأن هناك احتمالا بأن يعانوا من ضرر جسيم لا يمكن إصلاحه دون أمر قضائي، وأن موازنة المصالح والمصلحة العامة تميل لصالحهم».


جماعات بيئية تُقاضي إدارة ترمب بسبب تخفيف معايير كفاءة استهلاك الوقود

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

جماعات بيئية تُقاضي إدارة ترمب بسبب تخفيف معايير كفاءة استهلاك الوقود

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

أقامت مجموعة من المنظمات المعنية بالبيئة، يوم الجمعة، دعوى قضائية على إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بسبب تخفيفها الأخير لمعايير رئيسية تتعلق بكفاءة استهلاك وقود المركبات، وهو قرارٌ تقول المجموعة إنه سيجعل المركبات أقل كفاءة، ويسهم في زيادة التلوث، ويرفع استهلاك البنزين.

كانت إدارة ترمب قد خفّضت، يوم الاثنين الماضي، معايير متوسط الاقتصاد في استهلاك الوقود للشركات، التي تحدد المسافة التي يجب أن تقطعها المركبات الجديدة بجالون واحد من البنزين.

ووفق ما ذكرته «وكالة أسوشييتد برس»، جاء الإعلان في وقت كانت فيه إدارة ترمب تتفاوض مع إيران بشأن إعادة فتح مضيق هرمز.

ويمر نحو خُمس نفط العالم عبر المضيق في اليوم العادي، وقد أدى الصراع على السيطرة عليه إلى ارتفاع أسعار الطاقة في جميع أنحاء العالم.

ورفعت المجموعات المعنية بالبيئة، الجمعة، التماساً للمراجعة أمام محكمة الاستئناف الأميركية ضد وزير النقل شون دافي، وجوناثان موريسون مدير الإدارة الوطنية لسلامة المرور على الطرق السريعة، التي تضع المعايير.


أزمة غلاء المعيشة تربك حسابات الجمهوريين قبل انتخابات الكونغرس

ترمب في فاعلية انتخابية بتكساس في 1 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
ترمب في فاعلية انتخابية بتكساس في 1 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

أزمة غلاء المعيشة تربك حسابات الجمهوريين قبل انتخابات الكونغرس

ترمب في فاعلية انتخابية بتكساس في 1 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
ترمب في فاعلية انتخابية بتكساس في 1 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

«إنه الاقتصاد يا غبي»، عبارة أطلقها جيمس كارفيل مستشار الرئيس السابق بيل كلينتون لاختصار حملته الانتخابية عام 1992. وبعد أكثر من ثلاثة عقود، تعود هذه العبارة إلى الواجهة في واشنطن وكأنها تصف انتخابات اليوم.

فقبل أسابيع من الانتخابات النصفية، يتصدر الاقتصاد اهتمامات الناخب الأميركي، ليحسم مصير المرشحين لمقاعد تشريعية فيما يخوض الجمهوريون معركة صعبة للحفاظ على أغلبيتهم في مجلسي الشيوخ والنواب، لكن الضغوط هذه المرة لا تأتي من الداخل فقط، إذ تتقاطع أزمة غلاء المعيشة المدفوعة بارتفاع أسعار البنزين مع تداعيات حرب إيران، لتتشابك حسابات الداخل والخارج في قرار الناخب.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، ما إذا كانت أصوات نوفمبر (تشرين الثاني) ستُحسم بالاقتصاد والهجرة، أم أن حرب إيران ستدخل أيضاً في حسابات الناخبين، وما إذا كان ترمب يستطيع حشد القاعدة الجمهورية في وقت تتراجع فيه شعبيته.

الاقتصاد أولاً

تُجمع استطلاعات الرأي على أن الاقتصاد وغلاء المعيشة يتصدران اهتمامات الأميركيين، في وقت يتزايد فيه الاستياء من أداء الإدارة في هذا الملف. ويقول أليكس تراسيو، مدير الاستراتيجيات السياسية في مؤسسة (سيغنال) للحملات الانتخابية، إن الاستطلاعات تظهر تقدم الديمقراطيين على الجمهوريين وطنياً بفارق يتراوح بين 8 و9 نقاط، لكنه يحذر من قراءة هذه الأرقام على أنها تعبير عن رضا الأميركيين عن الحزب الديمقراطي.

تشهد أسعار الديزل في الولايات المتحدة ارتفاعاً مستمراً (أ.ب)

ويضيف: «صحيح أن الأميركيين غير راضين عن الحزب الجمهوري، وعن دونالد ترمب. لكن هذا لا يعني بالضرورة أنهم راضون عن الحزب الديمقراطي». ويعتبر أن ما يريده الناخب من الحزبين هو طرح حلول للتضخم وارتفاع تكلفة المعيشة. وبحسب تراسيو، تراجعت شعبية ترمب بين الأميركيين في المناطق الريفية ومن لا يحملون شهادات جامعية، رغم أن الفئتين شكلتا جزءاً أساسياً من ائتلافه الانتخابي عام 2024، وذلك بسبب الضغوط الاقتصادية التي يواجهونها.

وتكمن المعضلة بالنسبة إلى الجمهوريين في أنهم يسيطرون حالياً على البيت الأبيض ومجلسي الكونغرس، ما يجعل من الصعب التهرب من مسؤولية الوضع الاقتصادي. وترى المستشارة السياسية الديمقراطية، نيكول برينر شميتز، أن الناخبين «يوجهون الجزء الأكبر من اللوم إلى الحزب الذي يتولى زمام الأمور» عندما ترتفع أسعار الغذاء والوقود.

إيران تتحول قضية محلية

لكن الاقتصاد لم يعد ملفاً داخلياً فحسب. فحرب إيران دخلت المعركة الانتخابية بسبب ارتباطها بأسعار الطاقة وتكلفة المعيشة. ويقول أليخاندرو راموس، المدير التنفيذي لمعهد راموس للأبحاث، إن الناخبين يتذكرون وعود ترمب الانتخابية وعلى رأسها التعهد بعدم خوض حروب جديدة وإصلاح الاقتصاد. ويضيف: «مع اقتراب موسم انتخابات التجديد النصفي، بدأ الناخبون يفكرون جديّاً: هل تم الوفاء بهذه الوعود وهل أحرزنا أي تقدم في هذا الصدد؟ أعتقد أننا نرى أن الناخبين يربطون بين حرب إيران ووضعهم المعيشي بشكل قاطع. كما أن الرسوم الجمركية لا تساعد في هذا الشأن أيضاً، خاصة تلك التي فرضت على حلفائنا».

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر في 29 سبتمبر 2026 (رويترز)

وقد بدأ هذا الترابط بين الحرب والاقتصاد يظهر بوضوح في خطاب المرشحين. ففي عدد من الولايات المتأرجحة كميشيغان وأيوا، سعى المرشحون الجمهوريون للابتعاد عن موقف البيت الأبيض من الحرب، فيما امتدت التحفظات إلى الكونغرس، حيث صوّت عدد من الجمهوريين إلى جانب الديمقراطيين لصالح قرارات تهدف إلى تقييد قدرة ترمب على مواصلة العمليات العسكرية ضد إيران من دون تفويض من الكونغرس. لكن هذه المواقف تضع المرشحين الجمهوريين أمام معادلة دقيقة: الاستجابة لناخبين قلقين من تداعيات الحرب من جهة، وتجنب الصدام مع ترمب وقاعدته من جهة أخرى. ويرى راموس أن التجارب الانتخابية السابقة أظهرت الثمن الذي قد يدفعه الجمهوريون الذين يدخلون في مواجهة مباشرة مع الرئيس، ما يدفع بعض المرشحين إلى محاولة الموازنة بين متطلبات سباقاتهم المحلية والحفاظ على علاقتهم بالبيت الأبيض.

الهجرة «ملف ثانوي»

أما الهجرة، التي شكلت إحدى أبرز نقاط قوة ترمب في انتخابات 2024، فتبدو اليوم أقل أهمية أمام القلق الاقتصادي. ويرى تراسيو أن السبب يعود جزئياً إلى اعتقاد شريحة من الأميركيين بأن الوضع على الحدود أصبح أكثر انضباطاً، وهو ما ينسب بعض الناخبين الفضل فيه إلى ترمب. لكن نجاح الإدارة في هذا الملف، أتاح للناخب التركيز على قضايا أخرى وعلى رأسها تكلفة المعيشة.

متظاهرة تحتج على ممارسات «أيس» في نيويورك في 24 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)

بالمقابل، يشير راموس إلى أن طريقة تنفيذ سياسات الهجرة أدّت إلى تراجع شعبية ترمب بين الناخبين من أصول لاتينية الذين أيّدوه في انتخابات عام 2024، خاصة بسبب أساليب تطبيق سياسات الترحيل وانعكاسها مباشرة على المجتمعات المحلية. ويعتبر أن هذا العامل يكتسب أهمية كبيرة في ولايات مثل تكساس وفلوريدا، حيث يشكل الناخبون من أصول لاتينية كتلة انتخابية مؤثرة.

من ناحيتها، تشير شميتز إلى أن بعض الأميركيين من الحزبين صوتوا لصالح ترمب في الدورة الانتخابية الماضية بناءً على وعوده باتخاذ إجراءات صارمة ضد الهجرة. لكن الطريقة التي اتبعتها إدارة ترمب في تنفيذ ذلك فاجأتهم، مضيفة: «لا أعتقد أنهم أرادوا أن يروا وكالة الهجرة والجمارك (أيس) تتحول إلى القوة العسكرية المتشددة التي هي عليها الآن. لم يتوقعوا أن يُلقى بالناس في مراكز الاحتجاز دون أي سبيل قانوني للخروج منها. لم يتوقعوا أن يُرسل الناس إلى بلدان لم يزوروها من قبل، دون أي إمكانية للعمل أو العيش هناك. أعتقد أن الأمر وصل إلى حد متطرف للغاية لا يشعر الجمهور الأميركي بالارتياح تجاهه».

معركة الكونغرس تتسع

انعكست كل هذه العوامل على خريطة انتخابية توسعت قبل موعد الاقتراع، مع احتمال أن تتحول ولايات حمراء إلى زرقاء في سباقات مجلس الشيوخ. وهذا ما أشار اليه تقرير «كوك» السياسي الذي رجح خسارة الجمهوريين أغلبيتهم في مجلس النواب، وتحوُّل المنافسة على مجلس الشيوخ إلى معركة أكثر تقارباً مما كانت عليه في بداية الدورة الانتخابية.

المرشح الجمهوري في تكساس كين باكستون في 1 أكتوبر 2026 (رويترز)

ووصلت المنافسة إلى ولايات لم يكن الديمقراطيون يتوقعون قبل أشهر أن تكون في قلب المعركة، من ألاسكا إلى تكساس وأيوا. وقد دفع هذا بترمب إلى تكثيف حضوره الميداني لدعم مرشحي حزبه وحشد القاعدة الجمهورية، لكن السؤال المطروح هو مدى قدرته على نقل حماسة مؤيديه إلى المرشحين الجمهوريين وعدم إيذاء حظوظهم بين الناخبين المستقلين وسط تراجع شعبيته.

ترمب يتحدّث خلال فعالية انتخابية بتكساس في 1 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

ويرى تراسيو أن حضور ترمب يمكن أن يساعد المرشحين الجمهوريين، ليس في حشد القاعدة فحسب بل أيضاً في جمع الأموال، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن كل مرشح سيحتاج في النهاية إلى إقناع ناخبيه بما سيقدمه لهم، وليس الاكتفاء بتأييد ترمب له فحسب. وعن احتمال أن يخسر الجمهوريون مقعد مجلس الشيوخ في تكساس التي تعد معقلاً جمهورياً، يقول تراسيو إن «تكساس تتغير، فهناك الكثير من الناس الذين انتقلوا من كاليفورنيا ومن كولورادو ومن ولايات ذات معدل نمو منخفض و هم ليسوا من الجمهوريين. لذلك أصبح سكانها أصغر سناً وأكثر تنوعاً وهم أقل اهتماماً بالتصويت لصالح الجمهوريين».

وتعتبر شميتز أن مجرد الحديث عن احتمال انقلاب مجلس الشيوخ لصالح الديمقراطيين دليل على التغيير الهائل في الدورة الانتخابية. وتتوقع أن يسيطر الديمقراطيون على الأغلبية عبر انتزاع ولايات ألاسكا وماين وأوهايو وكارولاينا الشمالية والاحتفاظ بميشيغان ما سيعطيهم 51 مقعداً في مجلس الشيوخ، بحسب تقديرها.