أبناء وأحفاد قتلى هجمات 11 سبتمبر يحيون الذكرى في نيويورك

كايلي كوريجان تتحدث بالقرب من والدها بريندان كوريجان رئيس كتيبة في إدارة الإطفاء في نيويورك العام الماضي (نيويورك تايمز)
كايلي كوريجان تتحدث بالقرب من والدها بريندان كوريجان رئيس كتيبة في إدارة الإطفاء في نيويورك العام الماضي (نيويورك تايمز)
TT

أبناء وأحفاد قتلى هجمات 11 سبتمبر يحيون الذكرى في نيويورك

كايلي كوريجان تتحدث بالقرب من والدها بريندان كوريجان رئيس كتيبة في إدارة الإطفاء في نيويورك العام الماضي (نيويورك تايمز)
كايلي كوريجان تتحدث بالقرب من والدها بريندان كوريجان رئيس كتيبة في إدارة الإطفاء في نيويورك العام الماضي (نيويورك تايمز)

تشهد ساحة النصب التذكاري والمتحف الوطني لأحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) في نيويورك، الخميس، تجسيداً حياً لاستمرار الذكرى عبر الأجيال، مع إقامة الحفل السنوي الرابع والعشرين لإحياء ذكرى الضحايا.

وفي هذا المحفل المهيب؛ حيث تعزف موسيقى القرب والنشيد الوطني ويعلو الصمت إجلالاً، سيتناوب أقارب الضحايا على ترتيل أسماء مَن رحلوا.

دانييل ريتشز تتلو الأسماء في حفل 11 سبتمبر العام الماضي بنيويورك (نيويورك تايمز )

ولكن اللافت هذا العام، كما في العام الماضي، بروز جيل جديد لم يعاصر أحداث ذلك اليوم المشؤوم، لكنه نشأ على حكاياته ليحمل على عاتقه أمانة إبقاء شعلة الذكرى متقدة، بحسب تقرير لـ«نيويورك تايمز»، الخميس.

إنهم أبناء وأحفاد الذين فُقِدوا في الهجمات، والذين يقفون اليوم حيث وقف آباؤهم وأجدادهم من قبل، ليؤدوا رسالة الوفاء نفسها.

في العام الماضي، ارتفع صوت دانييل ريتشز ذات العشر سنوات، لتقرأ بعض أسماء الضحايا في مراسم إحياء ذكرى 11 سبتمبر، وكان غالبيتهم غرباء عنها، رحلوا قبل ولادتها، لكن الاسم الأخير كان اسم الرجل الذي تمثل حياته وخسارته جزءاً دائماً من عائلتها، وهو عمها جيمي ريتشز، رجل إطفاء في مدينة نيويورك توفي أثناء محاولته إنقاذ الآخرين. وقالت دانييل: «عمي جيمي. نحن نتحدث عنك طوال الوقت وكيف كنت تبدو رائعاً جداً. كنت أتمنى لو كنت قد قابلتك».

وفي يوم الخميس، وللمرة الرابعة والعشرين، سيجتمع الناجون وأقارب الضحايا عند النصب التذكاري والمتحف الوطني لأحداث 11 سبتمبر في نيويورك لإحياء الذكرى. وسيكون هناك عزف على القِرَب، والنشيد الوطني، ولحظات صمت، وسيتناوب أقارب الضحايا على قراءة الأسماء.

وسيشمل الذين يقرأون الأسماء أيضاً الأطفال؛ إذ نحو ثلث القراء في العام الماضي كانوا ينتمون إلى هذا الجيل الجديد من عائلات ضحايا 11 سبتمبر، وهو جيل لا يملك ذاكرة عن الهجمات، لكنه يتحمل مسؤولية عدم النسيان أبداً.

وبعضهم أبناء مَن فقدوا والديهم في ذلك اليوم. والعام الماضي، قرأت كايلي كورغان، البالغة عشر سنوات، اسم جدها، جيمس ج. كورغان، البالغ من العمر 60 عاماً، وهو قائد إطفاء متقاعد كان يشغل منصب مدير السلامة في برجَي التجارة. وقالت: «نحبك كثيراً ونفتقدك كثيراً»، مضيفة أنها وشقيقاتها «نتمنى لو التقيناه».

طائرة «يونايتد إيرلاينز» المختطفة الرحلة 175 من بوسطن تصطدم بالبرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي وتنفجر في الساعة 9 صباحاً يوم 11 سبتمبر 2001 في مدينة نيويورك (غيتي )

وأختان من أخوات كيلي، هما كيرا وميغان، اللتان تبلغان الآن 21 و19 سنة، شاركتا كقارئات في الأعوام السابقة، وأصبح والدهم وشقيقه رجلَيْ إطفاء بعد الهجمات.

وللمشاركة في الحفل، يُدخل أفراد العائلات أسماءهم في سحب تديره مؤسسة النصب التذكاري ومتحف 11 سبتمبر، وهو الموقع الذي تقام فيه المراسم بالقرب من الشلالات التي تقع في مكان برجَي التجارة العالمية السابقة.

ويرى طلاب اليوم أحداث 11 سبتمبر كجزء من التاريخ؛ فهم من جيل ما بعد الحرب الباردة؛ حيث يُعتبَر الإرهاب تهديداً أكثر ألفة لهم من الدمار النووي. أما الحدث الفاصل في حياتهم، فكان جائحة «كورونا»، وقد بدأ كثير من هؤلاء الصغار حضور المراسم في مانهاتن السفلى عندما كانوا رضّعاً.

وتجسد عائلة ريتشز، وهي عائلة من رجال إطفاء بروكلين، هذا الانتقال؛ فقد وقفت 3 أجيال أمام الحضور لقراءة الأسماء، بدءاً من والد جيمي ريتشز، نائب الرئيس جيمس ريتشز، المتقاعد الآن.

وفي 25 مارس (آذار) 2002، ذهب الأب وأبناؤه الثلاثة الصغار إلى موقع مركز التجارة العالمي لتسلم رفات جيمي. وكما تفهم العائلة، فقد تم العثور عليه بجانب امرأة كان يحاول إنقاذها، ولم يغادر المكان.

وقال توماس ريتشز، رجل إطفاء وأصغر الإخوة، بعد أن قرأ الأسماء في 2013: «لقد مرت 12 سنة. نفتقدك كما لو كان بالأمس. لن ننساك أبداً. والدليل على ذلك هو أبناء وبنات أخيك الذين يتحدثون عنك كل يوم كما لو كنت في الغرفة معهم». وكان عمره 17 عاماً عندما توفي أخوه الأكبر.

وتشمل قائمة الأسماء التي قرأها يومها جوزيف رينا الابن، مدير العمليات في «كانتور فيتزغيرالد»، وسيشليا ريتشارد التي قُتلت في البنتاغون.

ومنذ ذلك الحين، شارك 4 من أبناء وبنات إخوة جيمي، جميعهم وُلدوا بعد 11 سبتمبر، في قراءة الأسماء. وهذا العام، تم اختيار تومي، ابن توماس البالغ 10 سنوات، عبر السحب.

وقالت جدتهم ريتا ريتشز: «الجميع يريد أن يفعل ذلك. صدق أو لا تصدق. يُذكر في البيت طوال الوقت، لذا يشعرون باتصال به، يعرفون عنه كل شيء».

فقد سمع الأطفال أن عمهم كان «المشاغب» في العائلة، وأحياناً مهرج الفصل، وكان يضع الآخرين أولاً، ومات بشجاعة أثناء إنقاذه الآخرين، بحسب توماس ريتشز. ويعرفون أن العم جيمي كان ضابط شرطة في مدينة نيويورك، قبل أن يصبح رجل إطفاء، وأنه كان يعمل أيضاً نادلاً في مطعم بمنطقة باي ريدج في بروكلين؛ حيث تذهب العائلة بعد المراسم لتناول الغداء وسماع القصص عنه. ويعرفون أنه رحل بطلاً في عمر التاسعة والعشرين، قبل يوم من عيد ميلاده الثلاثين.

وقالت ابنة أخيه تيس، البالغة من العمر 14 عاماً، خلال قراءتها عام 2023: «غداً كان سيوافق عيد ميلادك الثاني والخمسين. رغم أنني لم ألتقِ بك قَطّ، فإنني لن أنساك أبداً».

ويتم إخطار القراء المختارين بالسحب في أواخر الصيف؛ إذ يزود المنظمون كلاً منهم بنسخة مسبقة من قائمة الأسماء التي سيقرأها، بالإضافة إلى تسجيل لمساعدتهم على النطق، هو نوع من الواجبات الصيفية.

ثم، في 11 سبتمبر، تجتمع 3 أجيال من عائلة ريتشز في الموقع من بروكلين وكوينز وستاتن آيلاند.

وكانت عائلة ريتشز هناك عندما كان الموقع ما زال مدمراً، وكانت هناك أثناء بناء مركز التجارة العالمي الجديد، وعندما تم افتتاح النصب التذكاري والبرك في 11 سبتمبر 2011.

وكانت فرانسي، البالغة الآن 17 عاماً، أول فرد من الجيل الجديد للعائلة يقرأ، في 2021، قد بدأت دراستها الجامعية للتو. وقرأ جيمي ريتشز، البالغ الآن 12 عاماً (المسمى على اسم عمه) في العام التالي، وقال إنه تدرب على الأسماء كل ليلة بعد اختياره.

تومي ريتشز (10 أعوام) يتبع تقليد جده ووالده وأبناء عمومته في قراءة أسماء الضحايا الذين قُتلوا في هجمات 11 سبتمبر (نيويورك تايمز)

ثم جاءت تيس في 2023، وتلتها دانييل، في العام الماضي. وقالت دانييل: «كان الأمر مخيفاً قليلاً لأن هناك الكثير من الناس، وكنت متوترة من أن أبكي».

وهذا العام جاء دور تومي، الذي قال في مقابلة، إلى جانب صورة والده: «ننزل إلى الشلالات كل عام لنحفظه في قلوبنا، كي لا ننساه أبداً، ولا نتركه أبداً».


مقالات ذات صلة

باكستان تتهم أفغانستان بخلق ظروف «مشابهة أو أسوأ» مما كانت قبل هجمات 11 سبتمبر

آسيا الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري (أ.ف.ب) p-circle

باكستان تتهم أفغانستان بخلق ظروف «مشابهة أو أسوأ» مما كانت قبل هجمات 11 سبتمبر

حذّر رئيس باكستان من أن حكومة «طالبان» في أفغانستان خلقت ظروفاً «مشابهة أو أسوأ» من تلك التي سبقت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية التي استهدفت أميركا.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
شمال افريقيا عناصر شرطة ألمانية (رويترز - أرشيفية)

حكم قضائي يسمح لموريتاني معتقل سابق في غوانتانامو بدخول ألمانيا

قضت محكمة ألمانية بالسماح للموريتاني محمدو ولد صلاحي الذي كان معتقلاً في غوانتانامو والذي جسدت هوليوود قصته في فيلم «الموريتاني»، بالدخول إلى ألمانيا مجدداً.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الولايات المتحدة​ الرئيس دونالد ترمب يتحدث خلال حفل بالبنتاغون لإحياء الذكرى الـ24 لهجمات 11 سبتمبر (أ.ب)

ترمب يحيي الذكرى الـ24 لهجمات 11 سبتمبر من وزارة الحرب

شارك الرئيس دونالد ترمب والسيدة الأولى ميلانيا ترمب في مراسم الاحتفال بالذكرى الرابعة والعشرين لهجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول).

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعقيلته أثناء مشاركتهما في احتفال ذكرى 11 سبتمبر (أ.ب)

ترمب في ذكرى هجمات 11 سبتمبر: نحن نتحدّى الخوف ونَثبُت في وجه النيران

أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، إلى الأذهان لحظات من أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
الولايات المتحدة​ دخان يتصاعد من مركز التجارة العالمي بعد اصطدامه بطائرتين في 11 سبتمبر 2001 بمدينة نيويورك (أرشيفية - متداولة)

بعد 24 عاماً من هجمات سبتمبر... خالد شيخ محمد وآخرون ينتظرون المحاكمة

في الذكرى الـ24 لهجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) 2001 التي رسخت ثاني أسوأ هجوم إرهابي على الأراضي الأميركية، فإن نظريات المؤامرة لا تزال مشتعلة.

هبة القدسي (واشنطن)

ترمب: «من الممكن» استئناف المفاوضات مع إيران في الأيام المقبلة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

ترمب: «من الممكن» استئناف المفاوضات مع إيران في الأيام المقبلة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، في تبادل رسائل مع صحيفة «نيويورك بوست»، إنه «من الممكن» استئناف المحادثات مع إيران في الأيام المقبلة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورداً على سؤال للصحيفة بشأن احتمال عقد مفاوضات خلال «36 إلى 72 ساعة»، أي قبل حلول يوم الجمعة، قال ترمب: «هذا ممكن».

وكان ترمب قد أعلن، الثلاثاء، تمديد وقف إطلاق النار، لإتاحة المجال للتوصل إلى اتفاق مع إيران، من دون أن يحدد مهلة جديدة.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن، في وقت سابق، تمديد وقف إطلاق النار مع إيران، فاتحاً نافذة زمنية إضافية بانتظار تقديم طهران «مقترحاً موحداً» ينهي حالة الانسداد السياسي، في حين هاجم «الحرس الثوري» ثلاث سفن في مضيق هرمز.


إصابة 11 شخصاً بعد اصطدام مركبة بقطار متوقف في واشنطن

قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)
قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)
TT

إصابة 11 شخصاً بعد اصطدام مركبة بقطار متوقف في واشنطن

قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)
قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)

قال مسؤولون أميركيون إن مركبة عمل اصطدمت بقطار ركاب بوسط واشنطن في وقت مبكر من اليوم الأربعاء، مما أسفر عن إصابة 11 شخصاً.

وقالت هيئة النقل في منطقة العاصمة واشنطن في منشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي إن قطار الخط الفضي المتوقف تعرض للاصطدام بعد منتصف الليل في محطة المترو المركزية.

وذكرت المحطة أن حالة المصابين ليست خطيرة، ولكنها لم تقدم تفاصيل بشأن شدة الإصابات أو نوعها.


هدنة ترمب المفتوحة إلى تنازلات مؤلمة أو صِدام عسكري أشد

امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)
امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)
TT

هدنة ترمب المفتوحة إلى تنازلات مؤلمة أو صِدام عسكري أشد

امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)
امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)

في لحظة بدت أقرب إلى إعادة ضبط الصراع، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد وقف إطلاق النار مع إيران «إلى أجل غير مسمى»، مع الإبقاء على الحصار البحري لموانئها واستمرار التوتر في مضيق هرمز؛ ما جعل المشهد يبدو أقرب إلى هدنة قسرية فوق حافة الانفجار، حيث يصر كل طرف على سياسة «عض الأصابع» لفرض شروطه قبل العودة إلى طاولة المحادثات أو إلى ميدان المعركة.

وجاء التمديد بعد تعثر محادثات كان يفترض أن تُستأنف بوساطة باكستانية، وتراجع ترمب فيها عن موقف سابق برفض التمديد، وبعد مؤشرات متضاربة من واشنطن من تهديد باستئناف الضربات من جهة، ثم قرار بإعطاء التفاوض فرصة إضافية من جهة أخرى، بما يعكس مأزقاً استراتيجياً عميقاً يواجه الإدارة الأميركية.

وقد برر البيت الأبيض تمديد وقف إطلاق النار على أساس أن إدارة ترمب لم تحصل بعد على ما تعدّه «عرضاً إيرانياً موحداً»، ولأن ترمب، رغم لهجته التصعيدية، لا يبدو راغباً في استئناف حرب مفتوحة ما دام هناك احتمال لانتزاع تنازلات تحت الضغط.

وأشارت صحيفة «وول ستريت» إلى سلسلة اجتماعات تداول فيها ترمب خياراته مع نائبه جي دي فانس وصهره جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، وأُثيرت خلال الاجتماعات قضية الانقسامات داخل القيادة الإيرانية ووجود فصائل متشددة ترفض الانصياع لمطالب ترمب.

لماذا غير ترمب موقفه؟

ويقول محللون إن التحول من التلويح بعدم التمديد إلى إعلان تمديد مفتوح لا يعني أن ترمب أصبح أكثر ميلاً للتسوية بقدر ما يعكس حسابات التكلفة والمردود. ووفقاً لبعض التسريبات، كان البيت الأبيض يدرس بالفعل إمكان استئناف الهجمات بعد انهيار الترتيبات الخاصة بجولة تفاوض جديدة، لكن الرئيس انتهى إلى خيار وسط هو تمديد الهدنة مع الإبقاء على أقصى درجات الضغط.

ويحقق هذا الخيار ثلاثة أهداف لترمب: أولاً، تجنب التورط الفوري في حرب أطول وغير مضمونة النتائج، ثانياً، الإبقاء على صورة الرئيس القوي الذي لم يتراجع، بل قام فقط بتأجيل الضربة العسكرية، ثالثاً، منح الدبلوماسية فرصة أخيرة من دون رفع الحصار الذي يمثل ورقة الضغط الأهم حالياً.

ويرتبط هذا التبدل أيضاً بمعضلة سياسية داخلية، فترمب الذي هاجم طويلاً اتفاق باراك أوباما النووي المبرم في عام 2015، يجد نفسه الآن أمام مقارنات شبيهة جداً تتعلق بتخفيف عقوبات أو الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة مقابل قيود نووية مؤقتة - مثل إعادة 20 مليار دولار من أصول إيرانية المجمدة مقابل تسليم مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، مع مناقشة حدود التخصيب والبرنامج الصاروخي والوكلاء الإقليميين.

سفن وقوارب في مضيق هرمز قبالة ساحل مسندم العُماني 20 أبريل 2026 (رويترز)

التهدئة

يبدو أن سيناريو التهدئة والتوصل إلى اتفاق مؤجل دون اختراق سريع، ممكن، لكنه ليس سهلاً، وفق مراقبين؛ إذ يتمثل في التوصل إلى اتفاق مرحلي أو شامل جزئياً، ويشترك الطرفان في الدوافع ذاتها في هذه المقاربة.

وتريد واشنطن ترجمة تفوقها العسكري والبحري إلى مكاسب سياسية ملموسة تتعلق مباشرة بضبط البرنامج النووي، وتقليص المخزون عالي التخصيب، وفرض ترتيبات دائمة أو شبه دائمة في مضيق هرمز، وربما توسيع التفاوض ليشمل الصواريخ والوكلاء الإقليميين. أما طهران، فرغم خطابها المتشدد، فإنها تحتاج إلى متنفس اقتصادي وإلى كسر دائرة الخنق المالي والعسكري.

ويشير خبراء أميركيين إلى أن نافذة إمكانية التوصل الي اتفاق لم تغلق، وتقول سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد بروكينغز والخبيرة في الشأن الإيراني، لصحيفة «واشنطن بوست» إن الإيرانيين «غير قابلين للتزحزح» في مسألة التخلي الكامل عن التخصيب، لكنهم أكثر استعداداً للتفاوض حول المدد، والمستويات، وكيفية التعامل مع المخزون. وهذا يعني أن جوهر التسوية المحتملة لن يكون «صفر تخصيب»، كما يطمح بعض صقور واشنطن، بل سيكون تقييداً صارماً ومراقباً للتخصيب.

وتقول ويندي شيرمان، كبيرة المفاوضين الأميركيين في عهد أوباما، إن ترمب يسعى هذه المرة إلى ملف أوسع من اتفاق 2015، يشمل الصواريخ والوكلاء وهرمز، لكنها تلفت في الوقت نفسه إلى أن مجرد انتزاع تعليق طويل الأمد للتخصيب سيكون إنجازاً أكبر مما تحقق في الاتفاق السابق، إذا أمكن التحقق منه وضمان تنفيذه.

أما ريتشارد غولدبرغ، الذي عمل على ملف إيران في إدارة ترمب الأولى، فيمثل تياراً جمهورياً متشدداً، لكنه يعترف بأن الوصول إلى السيطرة على مخزون اليورانيوم العالي التخصيب وتفكيك المنشآت الحساسة، مثل منشأة «بيك آكس ماونتن» التي يكثر الحديث عنها في التقارير الأميركية، سيكون تحولاً استراتيجياً يزيل التهديد النووي الإيراني لسنوات. هذه المقاربة تعني أن بعض دوائر اليمين الأميركي ليست ضد التفاوض من حيث المبدأ، بل ضد أي اتفاق لا يترجم الحرب إلى مكاسب ملموسة قابلة للتسويق سياسياً. وإذا اتجهت الأمور نحو هذا السيناريو، فلن يكون «سلاماً تاريخياً» سريعاً، بل صفقة إدارة أزمة تمنع الانفجار الكبير.

ر

سيناريو التصعيد

يبقى سيناريو التصعيد واستغلال تمديد الهدنة كاستراحة قبل استئناف الحرب مطروحاً بقوة، مع اتساع الهوة في المطالب بين الطرفين. فواشنطن تحث طهران على التراجع عن التخصيب، والنفوذ الإقليمي، والقدرة على التهديد في هرمز، بينما طهران تعدّ أن التفاوض تحت الحصار والإملاءات اعترافاً بالهزيمة.

ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن ريتشارد نيفيو، المسؤول السابق في الخارجية الأميركية وأحد مهندسي نظام العقوبات على إيران، أن «الحرب لم تضعف إيران فقط، بل حررتها أيضاً من بعض ضغوط الردع التقليدية؛ لأنها أثبتت أنها قادرة على امتصاص الضربة والردّ».

وبرأيه، فإن صعود «الحرس الثوري» إلى مركز القرار قلّص مساحة المناورة التي كان يوفرها وجود تيارات أكثر براغماتية في مراحل سابقة.

من جانبه، حذر مايكل سينغ، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي والباحث في معهد واشنطن، لصحيفة «وول ستريت» من أن الحصار البحري الأميركي سلاح ذو حدين؛ إذ يعيد التوازن في الضغط ويمنع إيران من الاستفادة وحدها من ورقة هرمز، لكنه أيضاً رهان محفوف بالخطر.

ويصف بهنام بن طالبلو، في تقرير لموقع مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، هذا المشهد بأنه «حرب إرادات» بقدر ما هو صراع طاقة وأمن؛ ما يعني أن كلاً من الطرفين يقيس نجاحه ليس فقط بالمكاسب المادية، بل أيضاً بمن يكسر إرادة الآخر أولاً.

وأوضح أنه في ظل هذا السيناريو، قد تتحول الهدنة الحالية إلى فترة إعادة تموضع عسكري وسياسي، وإذا خلص ترمب إلى أن إيران تشتري الوقت، أو إذا شعرت طهران بأن الحصار يخنقها من دون مقابل تفاوضي، فقد تعود الضربات الأميركية أو الهجمات الإيرانية غير المباشرة، ويعود المضيق إلى مركز الاشتعال العالمي.

المنطقة الرمادية

يصرّ الطرفان على سياسة «عضّ الأصابع»؛ وهذا لأن الصراع لم يعد تقنياً حول نسب التخصيب أو آليات التفتيش فقط، بل أصبح معركة وإرادة سياسية. فإدارة ترمب تريد فرض معادلة تقول إن الحرب نجحت، وإن إيران خرجت أضعف، وبالتالي عليها أن تقبل بالشروط الأميركية لا أن تفاوض من موقع الندّية.

أما طهران فترى، وفق مراقبين، أن أخطر ما يمكن أن تقبل به هو أن تظهر كمن انكسر تحت النار والحصار. لهذا؛ تصر على عدم منح واشنطن صورة النصر الكامل. هي تريد أن تقول إنها رغم الضربات، لا تزال تملك أوراقاً يمكن استخدامها ومنها التخصيب، ومضيق هرمز، والقدرة على الإيلام الاقتصادي، والقدرة على الصبر.

لهذا؛ تبدو سياسة «عضّ الأصابع» منطقية من منظور الطرفين. كل واحد منهما يعتقد أن الآخر يتألم، وأن مزيداً من الصبر والضغط قد يفرض تنازله. لكن خطورة هذه السياسة أنها كثيراً ما تنتهي ليس بفائز واضح، بل بانزلاق جماعي إلى مواجهة لا يريدها أحد بالكامل ولا يستطيع أحد منعها بالكامل.

ويقول المحللون إن السيناريو الأرجح في المدى القريب ليس اتفاقاً نهائياً ولا حرباً شاملة، بل استمرار هدنة هشة تحت ضغط متبادل فالرئيس ترمب مدّد الهدنة لأنه يريد صفقة من موقع القوة لا حرباً مفتوحة مجهولة الكلفة، وإيران قبلت ببقاء الباب موارباً؛ لأنها تريد تخفيف الخنق من دون تقديم مشهد استسلام. لكن هذه المنطقة الرمادية لا يمكن أن تدوم طويلاً.