احتدام المواجهة بين ترمب والقضاء الأميركي

عشرات التحديات القانونية تواجه قراراته التنفيذية

ترمب يتحدث احتفالاً بأول مائة يوم من عهده بميشيغان في 29 أبريل 2025 (أ.ب)
ترمب يتحدث احتفالاً بأول مائة يوم من عهده بميشيغان في 29 أبريل 2025 (أ.ب)
TT

احتدام المواجهة بين ترمب والقضاء الأميركي

ترمب يتحدث احتفالاً بأول مائة يوم من عهده بميشيغان في 29 أبريل 2025 (أ.ب)
ترمب يتحدث احتفالاً بأول مائة يوم من عهده بميشيغان في 29 أبريل 2025 (أ.ب)

منذ وصوله إلى البيت الأبيض، اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب مواجهة مفتوحة مع القضاء بقراراته التنفيذية المتسارعة التي تحدى بعضها القوانين وخلط الأوراق في حدود فصل السلطات. وقد وصلت المواجهة إلى حد اعتقال قاضية، والتهديد بملاحقة آخرين بتهمة خرق القانون أو إعاقة عمل مسؤولي إنفاذ قرارات ترمب، في سابقة جديدة من نوعها أُضيفت إلى السوابق الأخرى التي يشهدها عهد ترمب الثاني.

وبينما يدافع البيت الأبيض عن قراراته، تتزايد التحذيرات من تحدي سلطة القانون، وتُطرح تساؤلات عن الجهة المسؤولة عن فرض حكم القضاء في حال رفضت السلطة التنفيذية الالتزام به.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، ما إذا كان ترمب يتجاهل فعلاً حكم القانون أم أن صلاحياته التنفيذية الواسعة تتخطى قرارات القضاة، بالإضافة إلى دور المحكمة العليا في حسم المعركة.

قرارات تنفيذية «استثنائية»

ترمب يوقّع على قرار تنفيذي في البيت الأبيض في 3 فبراير 2025 (أ.ب)

يقول أندرو آرثر، الباحث في شؤون القانون والسياسة في مركز دراسات الهجرة والمستشار القانوني السابق لرئيس اللجنة القضائية في مجلس النواب، إنه رغم حصول مواجهات مماثلة في تاريخ الولايات المتحدة بين السلطتين القضائية والتنفيذية، فإن الفارق في عهد ترمب الثاني هو أنه استعان ببعض السلطات الاستثنائية التي لم تستخدم في السابق، خاصة في قضايا الهجرة. ويخُصّ آرثر بالذكر قانون الأعداء الأجانب لعام 1978، والذي أعادت الإدارة تفعيله لترحيل المهاجرين غير الشرعيين بحجة أن أميركا «تتعرض للغزو».

وأشار آرثر إلى أن توظيف هذا القانون أدّى إلى موجة من الدعاوى القضائية في المحاكم الابتدائية التي ستصل في نهاية المطاف إلى المحكمة العليا، موضّحاً أن «معظم قضاة المحاكم الابتدائية لا يملكون فعلياً أي خبرة في شؤون الهجرة، ولا في السياسة الخارجية. وإذا تقدمت هذه القضايا عبر النظام القضائي، فإن المحكمة العليا ستضع قواعد لهؤلاء القضاة للحكم في هذه القضايا وإصدار القرارات، بالإضافة إلى قواعد للسلطة التنفيذية. هذه طبيعة نظامنا».

من ناحيته، يعتبر كيلين ديس مراسل المحكمة العليا لصحيفة «واشنطن إكزامينر»، أن العلاقة المتوترة بين ترمب والقضاء تعود للسباق الانتخابي «عندما تعرض لوابل من الهجمات القضائية». وأشار إلى أن ترمب اليوم يرى نفسه مستهدَفاً مرة جديدة من قبل القضاء، مضيفاً: «هو يقول لنفسه: لا أستطيع الحصول على استراحة من المحاكم، سواء كان ذلك في أفعالي الشخصية، أو في سياساتي الخاصة!». لكن ديس يعقّب مذكّراً بأن القرارات التنفيذية التي أصدرها ترمب حتى الساعة تتخطّى القرارات التي أصدرها رؤساء آخرون في السابق، وهذا ما يتسبب في التوتر المتزايد بين السلطتين، مضيفاً أن «الإدارة تضع آمالها في المحكمة العليا ذات الأغلبية المحافظة، وهي تأمل أن تحكم لصالحها في ملفات الهجرة، وإقالة الموظفين الفيدراليين، وغيرهما من القضايا».

وبين القضايا التي لاقت رواجاً في الفترة الأخيرة وسلطت الضوء على المواجهة بين القضاء والإدارة، هي قضية ترحيل كيلمار غارسيا «عن طريق الخطأ» إلى السلفادور. ورغم أن المحكمة العليا حكمت لصالح عدم ترحيله، فإن البيت الأبيض لم يلتزم بهذا القرار. ويقول ديس: «هذه واحدة من الحيل الصغيرة التي تقوم بها الإدارة. فهي تقول إنه أصبح في السلفادور، وإن الأمر أصبح خارج إرادتها».

قضاة أم «نشطاء سياسيون»؟

متظاهرون يدعون إلى الإفراج عن قاضية ويسكنسن في 25 أبريل 2025 أمام محكمة ميلواكي (أ.ف.ب)

وفي ظل هذه التوترات، يشنّ البيت الأبيض هجوماً مكثفاً على القضاة الذين يتحدون قراراته، ويصفهم بـ«النشطاء السياسيين». وتعارض المحامية ماري بيريرا، نائبة مدعي عام برونكس - نيويورك سابقاً، هذا التوصيف. وتقول: «لا أعتقد أن القضاة يتصرفون من منطلق حزبي، أو أنهم أصبحوا ناشطين سياسيين. هناك ضوابط وقوانين، ولهذا السبب لدينا سلطات مختلفة، ولهذا السبب أيضاً هم قضاة». وتعتبر بيريرا أن حكم القضاة الداعي لاتّباع الإجراءات القانونية لترحيل أي شخص، لا يُعدّ انحيازاً لأي طرف. وتابعت: «هم لا ينحازون إلى طرف، بل إلى الدستور الذي ينص على أنه يجب اتباع نوع من الإجراءات القانونية قبل اتخاذ القرارات».

وفي أحدث تصعيد للمواجهة المحتدمة بين إدارة ترمب والقضاء، أُلقي القبض على قاضية في ولاية ويسكنسن اتهمتها الإدارة بمساعدة مهاجر غير شرعي على التهرب من الاعتقال، في تحدٍّ لقرارات البيت الأبيض. وتقول بيريرا إنه في حال وجود إثباتات كافية بأن القاضية انخرطت فعلاً في هذه الأفعال، فينبغي محاسبتها. لكنها تضيف: «حتى القاضي يستحق إجراءات قانونية معتمدة، فهناك محاكمة وتهم يجب إثباتها. إن زُعم أن القاضي ارتكب هذه الجرائم، فهناك طريقة عمل وإجراءات ينبغي اتباعها. وإن خالف القانون، يجب أن يعاقب بحسب دستورنا».

متظاهرون في نيويورك يحتجون على ترحيل مهاجرين إلى السلفادور في 24 أبريل 2025 (أ.ف.ب)

ويتردد تعبير «الإجراءات القانونية الواجبة» في الآونة الأخيرة؛ إذ يتهم البعض إدارة ترمب بعدم اتباع الإجراءات اللازمة في عمليات الاعتقال والترحيل. وهنا يذكّر آرثر بأن القوانين المتعلقة بالهجرة مختلفة عن القوانين المدنية، وأن حقوق المواطنين مختلفة عن حقوق المهاجرين غير الشرعيين. ويقول: «في دستورنا، هناك أطياف متعددة من الحقوق. ويتمتع مواطنو الولايات المتحدة بمجموعة واسعة من الحقوق، كما أن حاملي البطاقة الخضراء؛ أي المقيمين الدائمين القانونيين، لديهم مستويات مشابهة من الحقوق. أما الأفراد الذين يعبرون الحدود بطريقة غير شرعية، فهم لا يتمتعون بالحقوق نفسها. وتملك وزارة الأمن القومي الصلاحية من دون اللجوء إلى قاضٍ لإصدار قرار بترحيل هؤلاء من الولايات المتحدة».

«إغراق» النظام القضائي

بعض قضاة المحكمة العليا خلال حضورهم حفل تنصيب ترمب في 20 يناير 2025 بالكونغرس (أ.ف.ب)

وأدّى العدد الكبير من القرارات التنفيذية التي أصدرها ترمب، والذي تخطى مائة وأربعين قراراً، إلى إغراق النظام القضائي بعدد كبير من القضايا. ويقول ديس إن هذا الأمر يؤثر سلباً على حسم الصراع، ويؤدي إلى احتدام المواجهة. وأضاف: «هناك ملايين الأفراد الموجودين هنا بطريقة غير شرعية. نظامنا يمنح الإجراءات القانونية الواجبة للأشخاص الموجودين في البلاد شرعياً أو المولودين هنا. وحالياً يعاني النظام القضائي من تراكم هائل لعدد القضايا. فكيف يُتوقع توفير الإجراءات القانونية الواجبة للأشخاص الموجودين هنا بشكل غير قانوني، في حين أننا لا نستطيع حتى معالجة القضايا الخاصة بالأميركيين الذين يستحقون تلك الإجراءات بالفعل؟».

وتعتبر بيريرا أن أحد أسباب التأخير في حسم القضايا يعود لشحّ في قضاة الهجرة، مشيرة إلى أنه لهذا السبب «تصدر قرارات قضائية مؤقتة توقف تنفيذ الأوامر التنفيذية، حتى يتم حسمها بشكل كامل». وتشير بيريرا إلى أن ترمب يُنفّذ وعوده الانتخابية؛ إذ إنه ترشح على أساس برنامج كان في معظمه مناهضاً للهجرة وللمهاجرين، وداعماً للترحيل الجماعي، على حد وصفها. واستدركت: «على الرغم من سلطاته التنفيذية، فإن هناك إجراءات محددة يجب اتباعها، وضوابط وإجراءات. فالقضاة محقون بدراسة هذه القرارات التنفيذية بعمق، ويحاولون تحديد ما إذا كانت دستورية أم لا. نحن لسنا في نظام ديكتاتوري، هناك ضوابط وقوانين، وسيكون هناك عواقب إن صدر قرار ولم يُلتزم به». لكن آرثر يعارض هذه المقاربة، مشيراً إلى أنه من غير السهل فرض عواقب على الرئاسة في حال لم تلتزم بقرارات المحاكم. ويوضّح: «تقنياً، من المفترض أن يقوم الفرع التنفيذي بهذه المهمة. وهذا ما يؤدي إلى تساؤل سياسي بطبيعته يُطرح على الناخبين: هل يريدون إدارة تتجاهل المحكمة العليا؟ أم هل سينتخبون شخصاً آخر سيلتزم بتلك القرارات؟». ويضيف: «هذه مسألة سياسية بقدر ما هي قانونية، ومن المهم ألا ننسى ذلك. ولهذا السبب، أعتقد أن الرئيس، حتى إن لم يوافق القضاة الرأي، أو انتقدهم بلغة قاسية جداً، سيلتزم بقرار المحكمة؛ لأنه يدرك أنه قد يخسر دعم الشعب الأميركي».


مقالات ذات صلة

ميلانيا ترمب: لم تكن لي أي علاقة بجيفري إبستين

الولايات المتحدة​ ميلانيا ترمب تتحدث في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

ميلانيا ترمب: لم تكن لي أي علاقة بجيفري إبستين

أكدت ميلانيا ترمب، زوجة الرئيس الأميركي، أن رجل الأعمال جيفري إبستين الذي أدين بجرائم جنسية لم يكن من عرّفها على دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في الناتو التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​  دونالد ترمب وشي جينبينغ يتصافحان بعد محادثات القمة الأميركية الصينية بمطار جيمهاي الدولي في بوسان بكوريا الجنوبية (أ.ب)

لماذا لا يمكن أن يتأخر عقد قمة ترمب وشي أكثر؟

في ظل تصاعد الأزمات الدولية وتداخلها، من الحرب في الشرق الأوسط إلى التوتر في مضيق تايوان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

رسائل ترمب المتضاربة وضربات إيران أبقت الأكراد بعيدين عن الحرب

قال قادة الأكراد الإيرانيين في المنفى إن الدلائل تشير إلى ضعف الحكومة الإيرانية، لكنهم أضافوا أنه حتى الحكومة الضعيفة يمكنها قتل المتظاهرين.

«الشرق الأوسط» (السليمانية (العراق))
الولايات المتحدة​ صورة للرئيس الأميركي دونالد ترمب على لوحة إعلانية في ميدان تايمز سكوير - نيويورك (أ.ف.ب)

سياسات ترمب الداعمة لإسرائيل وحرب إيران تقسم حركة «ماغا»

تشهد حركة «ماغا» انقسامات وصفت بأنها «حقيقية» و«جوهرية» حول سياسات الرئيس دونالد ترمب الداعمة بشكل غير مشروط لإسرائيل وحرب إيران.

علي بردى (واشنطن)

ميلانيا ترمب: لم تكن لي أي علاقة بجيفري إبستين

ميلانيا ترمب تتحدث في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
ميلانيا ترمب تتحدث في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

ميلانيا ترمب: لم تكن لي أي علاقة بجيفري إبستين

ميلانيا ترمب تتحدث في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
ميلانيا ترمب تتحدث في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

أكدت ميلانيا ترمب، زوجة الرئيس الأميركي، أن رجل الأعمال جيفري إبستين الذي أدين بجرائم جنسية لم يكن من عرّفها على دونالد ترمب.

وقالت، الخميس، «أول مرة التقيت فيها إبستين كانت عام 2000 في مناسبة مع دونالد». وأضافت: «لم تكن لي أي علاقة بإبستين (...). لست من ضحايا إبستين»، مؤكدة أن هذه الادعاءات تشوه سمعتها.

وشددت على وجوب «أن تنتهي اليوم الأكاذيب التي تربطني بإبستين».

وكان المليونير الأميركي جيفري إبستين، الذي مات منتحراً في زنزانته عام 2019، قد أدار على مدار سنوات شبكة اعتداءات جنسية سقطت ضحيتها عشرات الشابات والفتيات، وأقام في الوقت نفسه علاقات وثيقة مع دوائر عليا في السياسة والاقتصاد والعلوم.


لماذا لا يمكن أن يتأخر عقد قمة ترمب وشي أكثر؟

 دونالد ترمب وشي جينبينغ يتصافحان بعد محادثات القمة الأميركية الصينية بمطار جيمهاي الدولي في بوسان بكوريا الجنوبية (أ.ب)
دونالد ترمب وشي جينبينغ يتصافحان بعد محادثات القمة الأميركية الصينية بمطار جيمهاي الدولي في بوسان بكوريا الجنوبية (أ.ب)
TT

لماذا لا يمكن أن يتأخر عقد قمة ترمب وشي أكثر؟

 دونالد ترمب وشي جينبينغ يتصافحان بعد محادثات القمة الأميركية الصينية بمطار جيمهاي الدولي في بوسان بكوريا الجنوبية (أ.ب)
دونالد ترمب وشي جينبينغ يتصافحان بعد محادثات القمة الأميركية الصينية بمطار جيمهاي الدولي في بوسان بكوريا الجنوبية (أ.ب)

في ظل تصاعد الأزمات الدولية وتداخلها، من الحرب في الشرق الأوسط إلى التوتر في مضيق تايوان، تبدو الحاجة ملحة لعقد قمة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ دون تأخير، لاحتواء المخاطر ومنع تحول التنافس بين القوتين إلى صدام مفتوح.

هذا ما أكده الباحث الأميركي البارز، مايكل دي. سوين، المتخصص في الشؤون الصينية والعلاقات الأميركية - الصينية، في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» الأميركية.

ويقول سوين إن الحرب المتوقفة حالياً في إيران تحمل بطبيعة الحال تداعيات هائلة على السلام والاستقرار في الشرق الأوسط وخارجه. ومن بين هذه التداعيات، يبرز تأثير هذا الصراع على قضية تايوان، وهي بؤرة توتر أخرى محتملة قد تنخرط فيها الولايات المتحدة (في هذه الحالة مع الصين كخصم)، بوصفها مسألة بالغة الأهمية.

ترمب وجينبينغ بعد محادثات القمة الأميركية الصينية بمطار جيمهاي الدولي في بوسان بكوريا الجنوبية (أ.ب)

ويضيف أن نشوب حرب صينية - أميركية حول تايوان سيكون حدثاً كارثياً، وربما يفوق بكثير في خطورته الحرب مع إيران. ومع ذلك، يرى بعض المراقبين أن اندلاع حرب نشطة في إيران قد يغري الصين بمهاجمة الجزيرة، نظراً لانشغال واشنطن عن قضية تايوان، وكذلك بسبب قيام البنتاجون بنقل أنظمة تسليح حيوية كانت مخصصة لردع بكين إلى الشرق الأوسط.

هذه المخاوف، إلى جانب مجموعة من الخلافات الثنائية في مجالي التجارة والتكنولوجيا، تجعل من الضروري أن يعقد الرئيس دونالد ترمب قمة طال انتظارها مع الرئيس الصيني شي جينبينغ في أقرب وقت ممكن من أجل تحقيق قدر من الاستقرار في العلاقات الثنائية. غير أن الفوضى المستمرة في الشرق الأوسط أدت إلى إلغاء وإعادة جدولة هذه القمة، حيث تم تأجيل

موعدها من أواخر مارس (آذار) إلى منتصف مايو (أيار)، ويرى سوين أنه إذا عقدت القمة في نهاية المطاف، فمن المرجح أن يكون أحد أبرز بنود جدول الأعمال هو القضية شديدة الحساسية المتعلقة بالانتشار العسكري عبر مضيق تايوان، بما في ذلك مبيعات الأسلحة الأميركية إلى تايبيه. وقبل اندلاع الحرب في إيران، صرح ترمب في 16 فبراير (شباط)، على متن طائرة الرئاسة، بأنه أجرى «محادثة جيدة» مع الرئيس شي جينبينغ حول مبيعات الأسلحة الأميركية إلى الجزيرة.

وأثار هذا التصريح جدلاً واسعاً في واشنطن، لأنه يبدو أنه ينتهك إحدى ركائز سياسة «الصين الواحدة» كما يتم تقديمها حالياً، وهو ما يعرف بـ«الضمانات الـ6» المقدمة لتايوان. وبشكل محدد، تتضمن هذه الضمانات تأكيداً على أن الولايات المتحدة لم توافق على إجراء مشاورات مسبقة مع بكين بشأن مبيعات الأسلحة. وهذا ما يجعل حديث ترمب مع شي حول هذه المسألة يبدو وكأنه خرق لسياسة يفترض أنها ثابتة.

لكن في الواقع، لم تكن «الضمانات الـ6» يوماً ركيزة صلبة في سياسة الولايات المتحدة تجاه تايوان. فقد صدرت في الأصل عام 1982 في عهد الرئيس الأميركي آنذاك رونالد ريغان، وتم التعامل معها في ذلك الوقت بشكل منخفض المستوى، ونادراً ما أشير إليها علناً من قبل المسؤولين الأميركيين. ولم يرفع شأن هذه الضمانات إلا في السنوات الأخيرة عندما قام الكونغرس بتكريسها عبر تشريعات لتصبح بياناً رسمياً للسياسة الأميركية. ونتيجة لذلك، باتت تذكر الآن إلى جانب البيانات المشتركة الثلاثة بين الولايات المتحدة والصين وقانون العلاقات مع تايوان بوصفها مكونات لسياسة «الصين الواحدة». إلا أن وضع هذه السياسات المختلفة في سلة واحدة يخلط بين حدود قانونية صارمة ومبادئ توجيهية عامة.

وعلى الرغم من هذا الرفع لمكانتها في الخطاب السياسي، فإن الضمانات الـ6، وخصوصاً ما يتعلق بعدم التشاور مع بكين بشأن مبيعات الأسلحة، ليست ملزمة قانوناً أو بنص تشريعي. فعلى عكس قانون العلاقات مع تايوان (وهو قانون أميركي ملزم داخلياً) والبيانات المشتركة الثلاثة (وهي اتفاقيات تنفيذية ملزمة بموجب القانون الدولي)، فإن الضمانات الـ6 هي تعهدات تنفيذية أقل شأناً من الناحية القانونية، ولا ترقى إلى مستوى المعاهدات أو القوانين الدستورية أو الالتزامات التشغيلية، رغم أنها تتمتع بثقل سياسي نتيجة دعم الكونغرس وتأكيد الإدارات السابقة لها.

وعلاوة على ذلك، حتى لو كانت هذه الضمانات ملزمة قانوناً، فإنها لا تحظر بالضرورة التشاور مع بكين بشأن مبيعات الأسلحة إلى تايوان. فصياغتها، التي تنص على أن الولايات المتحدة «لم توافق على التشاور مع جمهورية الصين الشعبية بشأن مبيعات الأسلحة لتايوان»، لا تشير إلى أفعال مستقبلية للحكومة.

كذلك، وعلى الرغم من أن قانون العلاقات مع تايوان ينص على أن توفير المعدات والخدمات الدفاعية يجب أن يتم «بناء فقط على تقدير الرئيس والكونغرس لاحتياجات تايوان»، فإن هذا لا يمنع إجراء مشاورات مع بكين.

إذ يمكن للرئيس والكونغرس أن يقدرا أن «احتياجات» تايوان تخدم بشكل أفضل من خلال التوصل إلى اتفاق استقراري مع الصين بشأن الانتشار العسكري ومبيعات الأسلحة.

وبالتالي، فإن الضمانات الـ6 تمثل إرشادات سياسية غير ملزمة، وإن كانت تحظى بدعم قوي من الكونغرس وسوابق رئاسية، ما يعني أن أي رئيس يمتلك سلطة قانونية واضحة للتفاوض مع بكين بشأن قيود عسكرية متبادلة تهدف إلى خفض التوترات وتحقيق الاستقرار في مضيق تايوان. ويمكن أن تشمل هذه القيود تفاهمات بشأن توقيت وحجم ونوعية مبيعات الأسلحة إلى تايوان، مقابل تخفيضات أو تأجيلات أو إلغاءات محددة وقابلة للتحقق في قرارات التسليح الصينية ذات الصلة، مثل القدرات البرمائية والصواريخ قصيرة المدى.

ويقول سوين إن أي خطوة من هذا النوع من المرجح أن تواجه ردود فعل قوية من الكونغرس والمؤسسة العسكرية، وقد تشمل تعديلاً لقانون العلاقات مع تايوان يمنع صراحة أي نوع من المشاورات أو المفاوضات مع بكين بشأن مبيعات الأسلحة. كما قد تحاول بكين استغلال مثل هذه المفاوضات لدفع الولايات المتحدة إلى إنهاء مبيعات الأسلحة بالكامل مقابل تنازلات أقل بكثير.

ولهذا السبب، ينبغي ألا تتم أي محاولة من هذا القبيل إلا في إطار حزمة أوسع من المبادرات الرامية إلى استقرار ليس فقط قضية تايوان، بل مجمل العلاقات الأميركية - الصينية. فمثل هذا النهج الشامل، إذا أسفر عن نتائج إيجابية، فقد يخفف من حدة المعارضة لمثل هذه المفاوضات، ويسهم في تقليل التوترات حول تايوان.

لكن للأسف، وعلى الرغم من الحاجة الملحة إلى قمة ثنائية لتحقيق قدر من الاستقرار المؤقت في العلاقات بين البلدين، لا يبدو أن إدارة ترمب قادرة على تنفيذ إعادة ضبط استراتيجية طويلة الأمد بهذا التعقيد. فبحسب كثير من التقديرات، تصاغ سياسة ترمب تجاه الصين بشكل ارتجالي، وتعتمد إلى حد كبير على انطباعاته الشخصية، مع تركيز شبه كامل على عقد «صفقات» في مجالي التجارة والاستثمار مع «صديقه» شي.

ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية (د.ب.أ)

ولا يوجد دليل على وجود استراتيجية متماسكة تجاه الصين قائمة على آراء الخبراء من الجهات المعنية، وعلى تقييم متزن للخيارات السياسية المختلفة.

كما أن حالة التهدئة الحالية مع بكين تبدو إلى حد كبير وهمية، قائمة فقط على «حسن نية» شخصي بين الزعيمين، وليس على مصالح دائمة. وبالتالي، فإن أي محاولة منفردة للتفاوض الجاد بشأن قيود على مبيعات الأسلحة المرتبطة بتايوان قد تنتهي بسهولة بكارثة.


سياسات ترمب الداعمة لإسرائيل وحرب إيران تقسم حركة «ماغا»

تظاهر ناشطون في حديقة لافاييت بالقرب من البيت الأبيض في واشنطن الثلاثاء (أ.ب)
تظاهر ناشطون في حديقة لافاييت بالقرب من البيت الأبيض في واشنطن الثلاثاء (أ.ب)
TT

سياسات ترمب الداعمة لإسرائيل وحرب إيران تقسم حركة «ماغا»

تظاهر ناشطون في حديقة لافاييت بالقرب من البيت الأبيض في واشنطن الثلاثاء (أ.ب)
تظاهر ناشطون في حديقة لافاييت بالقرب من البيت الأبيض في واشنطن الثلاثاء (أ.ب)

أدت سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب حيال إسرائيل وحرب إيران إلى انقسامات وصفت بأنها «حقيقية» و«جوهرية» داخل قاعدة مؤيديه ضمن حركة «فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، المعروفة اختصاراً باسم «ماغا»، بمن في ذلك المؤثرون الناشطون عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ومنها منصته «تروث سوشال».

ويكمن التوتر الأساسي في أن معتنقي شعار «أميركا أولاً» يركزون على ضرورة تفرغ إدارة ترمب لمعالجة القضايا الداخلية للمجتمعات الأميركية المختلفة في بلد يزيد عدد سكانه عن 340 مليون نسمة، والتخلي عن الدعم غير المشروط الذي تقدمه الدولة العظمى لإسرائيل.

أنصار ترمب من حركة «ماغا» في مؤتمر للمحافظين بتكساس يوم 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وأدت حرب إيران إلى تفاقم التوتر القائم أصلاً داخل «ماغا»، مع تزايد مخاوف المحافظين من نفوذ إسرائيل في السياسة الخارجية الأميركية. وبدأ هذا الانقسام مبكراً: عندما صرّح وزير الخارجية ماركو روبيو للصحافيين بأن الولايات المتحدة دخلت الحرب لأنها كانت تعلم أن إسرائيل ستضرب إيران، وأرادت استباق أي رد إيراني. وجادل مؤيدو ترمب المحبطون بأن الرئيس صار خاضعاً لضغوط الصقور من العسكريين، والمحافظين الجدد الذين ترشح ضدهم صراحة.

بانون يغادر المحكمة بعد النطق بالحكم في واشنطن (أ.ب)

وانقلبت النائبة السابقة مارجوري تايلور غرين على ترمب بعدما كانت من أكبر مؤيديه، متهمة إياه بأنه انحرف عن مبادئ «أميركا أولاً». وقالت إن الجنود الأميركيين «ماتوا وقُتلوا من أجل دول أجنبية». ورأت أنه «كان من المفترض أن يكون شعار: (فلنجعل أميركا عظيمة مجدداً) شعاراً لأميركا أولاً، لا لإسرائيل أولاً».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض (د.ب.أ)

وكذلك ندد كل من المؤثر تاكر كارلسون، والمذيعة كانديس أوينز والصحافية ميغان كيلي والمؤثر مات والش وغيرهم من المحافظين اليمينيين بحرب إيران باعتبارها خيانة لمبادئ «أميركا أولاً». وتصاعد الخلاف إلى مستوى شخصي. واعتبرت كيلي أن الحرب روج لها «أنصار إسرائيل أولاً مثل مارك ليفين»، وهو من أكبر المؤثرين المدافعين عن ترمب وسياساته، مما دفع ليفين إلى وصفها بأنها «مختلة عاطفياً، وفاحشة، ومتذمرة». وردت عليه كيلي بعبارات نابية.

وكتب نيك فوينتيس: «سيموت أميركيون في هجمات إرهابية وضربات صاروخية حتى تتمكن إسرائيل من توسيع حدودها في كل اتجاه. خاننا ترمب، و(نائب الرئيس جيه دي) فانس، و(وزير الخارجية ماركو) روبيو».

تباعد بين الأجيال

وكان ناخبو «ماغا» الشباب متشككين بشكل خاص. وسأل أحد الطلاب: «هل أعتقد أن من مسؤوليتنا دعم إسرائيل في أي شيء تفعله؟ بالطبع لا. قطعاً لا. من الواضح أن هذه الحرب تصب في مصلحة إسرائيل».

ووصفها آخر بأنها مسألة أجيال: «نتذكر ما كان عليه الوضع في عام 2022 -ارتفاع أسعار البنزين، وتهديد التدخل العسكري في حرب أوروبية. لن نقع في الفخ نفسه».

وتفاعل آلاف المستخدمين على «تروث سوشال»، التي أنشئت عام 2022، مع منشورات ترمب المتواصلة حول حرب إيران. وكتب بعضهم أنه يشعر بـ«الخيانة» من جراء تصاعد الحرب، وأنهم شعروا بالخزي عندما استخدم ترمب ألفاظاً نابية. ووصف أحدهم كلمات الرئيس بأنها «لا معنى لها على الإطلاق». ومع ذلك، لا تزال الاستطلاعات تشير إلى أن الجمهوريين لا يزالون يؤيدون الحرب على نطاق واسع، رغم تصاعد القلق والغضب على منصة «تروث سوشال».

الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون (أ.ب)

ويبلغ عدد مستخدمي «تروث سوشال» نحو ستة ملايين شخص مقارنة بأكثر من 550 مليون مستخدم على منصة «إكس» التي يملكها الملياردير إيلون ماسك. وأظهر استطلاع أجرته شركة «ياهو» مع مؤسسة «يوغوف» للاستبانات أن 55 في المائة من الأميركيين لا يوافقون على الحرب، بما في ذلك 90 في المائة من الديمقراطيين، و62 في المائة من المستقلين، و17 في المائة من الجمهوريين. ومن بين الذين صوتوا لترمب في عام 2024، ما يقرب من الربع غير موافقين.

معسكران في «ماغا»

أفراد من القوات الجوية الأميركية يقومون بأعمال صيانة على مدرج قاعدة فيرفورد الجوية التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في غرب إنجلترا (إ.ب.أ)

وتُقسّم حرب إيران الحزب الجمهوري إلى جزأين: يقع الأول ضمن المعسكر المتشدد لشخصيات مثل السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، والمؤثر مارك ليفين، فإنهم يرون القوة العسكرية الأميركية فضيلة في حد ذاتها. أما الجانب الآخر فهو معسكر «أميركا أولاً» القومي المحافظ، والمتشكك في المغامرات العسكرية التي تُعتبر خدمة للحلفاء، لا لمصالح الولايات المتحدة.

وكان ربع التعليقات من الشباب مؤيداً لترمب، بما في ذلك عبر منشورات تُشيد بـ«صلابة» الرئيس، وتطالبه «بإتمام المهمة». وعندما تراجع ترمب عن تهديده بمهاجمة البنية التحتية الإيرانية، قبل ساعات من الموعد النهائي الذي حدده مساء الثلاثاء، عبّرت بعض الحسابات التي كانت مؤيدة للحرب عن غضبها.

النائبة مارجوري تايلور غرين الجمهورية كانت تعد واحدة من أقرب المؤيدين لترمب تتحدث خلال مؤتمر صحافي في مبنى الكابيتول الأميركي مطالبة بالشفافية في الكشف عن ملفات إبستين (أ.ب)

الحجة المضادة

ولا يتفق الجميع على عمق هذا الانقسام. إذ يجادل البعض بأن الانقسام مبالغ فيه، مشيراً إلى أن شخصيات مثل كارلسون تراجعت في نهاية المطاف عن مواجهة ترمب مباشرة، لأن «خوض معركة خاسرة في نهاية المطاف مع ركيزة النظام الانتقامية نادراً ما يكون قراراً صائباً».

وحاول ترمب نفسه حسم الجدل بمنشور على «تروث سوشال» قال فيه: «إنهم ليسوا من مؤيدي ترمب، أنا منهم»، مُصراً على أن الحركة تشمل معارضة إيران باعتبارها «نظاماً إرهابياً مريضاً، ومختلاً، وعنيفاً».

وأوضح مؤتمر العمل السياسي المحافظ في أواخر مارس (آذار) الماضي هذا الغموض. فبينما يُعد عادة عرضاً للوحدة، أظهر تصدعات واضحة لخلاف لا يزال قائماً حتى مع التوصل إلى وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، وبدء المفاوضات في إسلام آباد.