الحكومة الفرنسية تسابق اتساع الحراك الطلابي بإجراءات تهدئة

مخاوف من تلاقي الاحتجاجات الطلابية والاجتماعية... ورهان على العطلة المدرسية لاحتواء التصعيد

جانب من تجمهر تلامذة أمام «ثانوية مونتاني» في باريس يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)
جانب من تجمهر تلامذة أمام «ثانوية مونتاني» في باريس يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)
TT

الحكومة الفرنسية تسابق اتساع الحراك الطلابي بإجراءات تهدئة

جانب من تجمهر تلامذة أمام «ثانوية مونتاني» في باريس يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)
جانب من تجمهر تلامذة أمام «ثانوية مونتاني» في باريس يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

يوماً بعد آخر، تسعى السلطات الفرنسية لـ«إطفاء» حراك تلاميذ التعليم الثانوي من خلال إعلان الاستجابة لمطالبهم الرئيسية. وأعلن وزير التربية إدوار جيفراي، ليل الخميس، في حديث تلفزيوني، أن وزارته أعدت «خطة طوارئ» نجحت في توفير «عدة آلاف» من الأساتذة لسد النقص الذي يشكو منه التلاميذ، والذي كان أحد مطالبهم الرئيسية.

وحسب جيفراي، فإن أجهزة وزارته أحصت ثلاثة آلاف معلم متوفرين وجاهزين لسدّ النقص في 514 ثانوية تشكو من الفراغ التعليمي الناتج عن غياب الأساتذة الأصيلين، فيما ثانويات عامة أخرى موجودة بشكل عام في ضواحي المدن الكبرى تشكو بشكل مزمن من هذا الغياب. كذلك، أكد الوزير المعني أنّ «المنصة الإلكترونية» التي أطلقتها وزارته لتلقي شكاوى التلاميذ والطلاب تلقى نجاحاً بارزاً، إذ إن ما لا يقل عن أربعين ألفاً منهم لجأوا إليها لهذا الغرض. وأكثر من ذلك، أفاد جيفراي بأنه سيُعطي مديري الأكاديميات القدرة على التعاقد مع أساتذة حيث تدعو الحاجة.

إجراءات لتهدئة الشارع

بعكس الكلمة المتلفزة لرئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، الأربعاء، التي لم تحمل جديداً باستثناء الطلب من مديري الثانويات تخصيص نصف يوم تعليمي لـ«الحوار الديمقراطي الداخلي» مع التلامذة، وهو ما عدّه الكثير منهم بلا فائدة، فإن جيفراي لم يغلق الباب أمام احتمال زيادة الميزانية المخصصة لوزارة التربية التي ستبلغ العام المقبل 64 مليار يورو. إلا أن الميزانية الجديدة تنصّ أيضاً على إلغاء 1588 وظيفة تعليمية بسبب تناقص أعداد التلاميذ المتواصل.

وزير التربية الفرنسي إدوار جيفراي (وسط) في حوار مع التلامذة خلال زيارة إلى مدرسة ثانوية في مدينة كاشان يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

أما على المستوى الأمني، وبعد الانتقادات العنيفة التي وُجّهت إلى كيفية تعامل الشرطة والدرك مع المتظاهرين، فقد عمدت وزارة الداخلية إلى منع استخدام القنابل الصوتية لتفريق المتظاهرين، فيما جهاز التفتيش الداخلي التابع للشرطة أعلن فتح 18 تحقيقاً بخصوص تجاوزات قد تكون ارتُكبت في أيام التظاهر الأخيرة. فالأنظار ما زالت تتركز على تلميذ فَقَدَ إحدى عينيه بسبب إصابته برصاصة مطاطية، وآخر يعاني من تشويه في وجهه، وثالث بُترت يده اليسرى بسبب قنبلة صوتية. لذا، أعلن لوران نونيز، وزير الداخلية، منع استخدام القنابل الصوتية في التعامل مع حراك التلاميذ والطلاب، وطلب التركيز على استخدام خراطيم المياه لتفريقهم.

تحذير مفوضية حقوق الإنسان

بيد أن هذه التدابير لم تُقنع المفوضية العليا لحقوق الإنسان التي أعلنت شابيا مانتو، الناطقة باسمها، من جنيف، عن «قلق» إزاء «الأحداث» التي شهدتها المظاهرات الأخيرة.

وزير التربية الفرنسي إدوار جيفراي خلال حوار مع التلامذة في كاشان يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

وقالت هذه الناطقة إن المفوضية «تدعو جميع الأطراف إلى الإبقاء على سلمية المظاهرات والابتعاد عن اللجوء غير المتناسب للقوة من قِبل القوى الأمنية»، في انتقاد مباشر لأدائها في الأيام الأخيرة. وشددت المفوضية على ضرورة احترام المظاهرات السلمية، علماً بأن وزير الداخلية الذي يدافع دوماً عن أداء قواته، ويتهم عناصر «مشاغبة» بالتدخل، يؤكد احترام التجمعات والمظاهرات السلمية.

في المقابل، ينتقد التلاميذ والطلاب وأحزاب اليسار «القمع البوليسي» و«عنف الشرطة»، وتحديداً وحدات مكافحة الشغب. وتفيد آخر الإحصاءات بأن ما لا يقل عن 6877 شخصاً تم توقيفهم في الأيام الأخيرة، وأن 86 في المائة منهم من القاصرين. ويقول المشككون إنه من الصعوبة بمكان تصديق أن هذه النسبة المرتفعة من القاصرين تنتمي إلى فئة المشاغبين.

ووفق وزارة العدل، فإن 2376 شخصاً من الموقوفين تتم ملاحقتهم قضائياً، ومن بين هؤلاء 1923 قاصراً.

أحد المتظاهرين يعيد رمي قنبلة غاز مسيّل للدموع في اتجاه الشرطة خلال اشتباكات في باريس يوم 6 أكتوبر (د.ب.أ)

من جانبها، دعت «النقابة الفرنسية الديمقراطية للعمل» القريبة من الحزب الاشتراكي إلى مراجعة معمّقة لأساليب حفظ النظام. وقالت ماريليز ليون، أمينتها العامة، في تصريح إذاعي يوم الجمعة، إن «ما يثير القلق البالغ» أن وزارة الداخلية انتظرت أن تُبتر يد فتى يبلغ من العمر 15 عاماً قبل منع اللجوء إلى القنابل الصوتية. كما أعربت عن «تساؤلاتها» بشأن العديد من الأشخاص الذين تم توقيفهم منذ 28 سبتمبر (أيلول).

وتعمد السلطات، إلى جانب تركيزها على الاستعداد للاستماع والتجاوب مع المطالب المرفوعة، إلى الإيحاء بأن الحراك الطلابي آخذ في التراجع. ودليلها على ذلك تراجع عدد المشاركين في مظاهرات الخميس، بحيث لم يتجاوز سقف 71 ألف شخص، منهم 24 ألفاً في باريس وحدها.

تفاؤل حكومي

لكن الحقيقة أن قراءة دقيقة لما جرى في الساعات الـ72 الأخيرة تعكس واقعاً مخالفاً لنظرة الحكومة التفاؤلية.

فنقابات التلامذة، بدعم من زملائهم في التعليم الجامعي، قررت تنظيم «يوم تعبئة» خامس يوم الثلاثاء المقبل. والأمر المستجد أن الحراك الذي بدأ في ثانويات الضواحي طال نظيرتها الرسمية «المتميزة»، والواقعة في الأحياء الباريسية «الراقية»، مثل ثانوية «لويس لوغران» أو ثانوية «هنري الرابع» القريبة من «البانتيون».

طلاب في مدرسة «لوفر» يعبّرون عن تضامنهم مع حراك التلاميذ في باريس، يوم 9 أكتوبر (رويترز)

وأكثر من ذلك، فإن الحراك طال المدارس الكاثوليكية الخاصة، بحيث تعطّلت الدراسة في 61 في المائة من مؤسساتها في منطقة ليون، ثاني أكبر مدينة فرنسية وتقع وسط البلاد.

وكان لافتاً أن تلاميذ مدرسة «ماسيون» الخاصة المعروفة في باريس شاركوا بدورهم في المسيرة الطلابية إلى ساحة «لا ريبوبليك». ثم إن العنف لم يختفِ، إذ جرت اشتباكات في ساحة «الباستيل» والشوارع المتفرعة عنها عند تفريق المظاهرة، كما تم القبض على 504 من المتظاهرين الذين تعدّهم الشرطة من «المشاغبين»، فيما جرح 48 عنصراً أمنياً.

وأكثر من ذلك، فإن جميع الجامعات في باريس، بما فيها كلية العلوم السياسية، أصبحت متوقفة عن الدراسة، ما يُبيّن أن التضامن الطلابي مع تلاميذ التعليم الثانوي آخذ في الارتفاع، وهو ما تسعى السلطات إلى تفاديه.

وتراهن السلطات على قرب العطلات المدرسية، التي تبدأ يوم 17 الحالي وتمتد حتى الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني)، حيث تقفل المدارس ويتفرق التلاميذ، وبالتالي تختفي المظاهرات وما يرافقها من أعمال شغب، ما يتيح للحكومة أن تكسب بعض الوقت لكي «تتنفس» قليلاً.

استحقاق 17 أكتوبر

غير أن هذه الآمال قد تصطدم بيوم «التعبئة العام» الذي دعت إليه العديد من النقابات، ومنها نقابات تلاميذ الثانوية والطلاب. وما يفاقم قلق السلطات احتمال تداخل المطالب، وتوحّد الحراك الاحتجاجي الطلابي والاجتماعي العام، ومنها الدعوات إلى استعادة حراك «السترات الصفراء» الذي اندلع في عامَي 2018 و2019 بسبب غلاء أسعار المحروقات.

جانب من المواجهات العنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن في باريس يوم 8 أكتوبر (رويترز)

وسعى رئيس الحكومة، في كلمته المتلفزة مساء الأربعاء الماضي، إلى التركيز على ما تقوم به حكومته لمحاربة ارتفاع أسعار الديزل المستخدم في القطاع الزراعي. كما قد يشمل الحراك قطاع الطيران، فيما ثمة دعوة كذلك صادرة عن نقابات قطاع النقل للتحرك يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول). وأخيراً، فقد صدرت دعوة للإضراب من نقابات رئيسية، للتنديد بغلاء المعيشة والتضخم وتراجع القوة الشرائية والمحافظة على المرتبات التقاعدية والوظيفة العمومية. وتأتي هذه المطالب مع انطلاق البحث في مشروع ميزانية العام 2027 في مجلس النواب.

ما سبق يعكس حجم الصعوبات التي تواجه الحكومة، وعجزها عن التعاطي معها بسبب سياسات التقشف وارتفاع المديونية، ما يحرم الحكومة من الاستجابة للمطالب المرفوعة، فيما الأصوات تتعالى للتحذير من الأزمة المالية التي تضرب فرنسا ومن تأثيرها على منطقة اليورو بشكل عام.


مقالات ذات صلة

بدء احتجاجات وإضرابات واسعة في إيطاليا ضد حكومة ميلوني

أوروبا مؤدّون يستلقون أمام متظاهرين يحملون لافتة كُتب عليها «نحن ننتج الثروة وأنتم تسرقون مستقبلنا» خلال إضراب عام احتجاجاً على غلاء المعيشة وتدنّي الأجور والإنفاق العسكري في روما بإيطاليا يوم 30 أكتوبر 2026 (أ.ب)

بدء احتجاجات وإضرابات واسعة في إيطاليا ضد حكومة ميلوني

بدأت في إيطاليا، اليوم الجمعة، احتجاجات على مستوى البلاد ضد الحكومة اليمينية برئاسة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني.

«الشرق الأوسط» (روما)
أوروبا عناصر شرطة خلال إغلاق طلاب مدخل جامعة هامبورغ للعلوم التطبيقية بألمانيا 28 أكتوبر 2026 قبيل احتجاجات شبابية مقررة السبت بأنحاء البلاد (د.ب.أ)

الشرطة الجنائية الألمانية تستبعد تكرار أحداث فرنسا في احتجاجات شبابية السبت

توقّعت الشرطة الجنائية الألمانية سلمية احتجاجات شبابية مقرَّرة السبت في 23 مدينة، مؤكدة عدم رصد دعوات ملموسة للعنف المنظم، رغم منشورات متفرقة تحرّض على العنف.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا متظاهر يرفع العلم الفرنسي خلال احتجاج على ارتفاع تكاليف المعيشة في ليون بفرنسا يوم 24 أكتوبر 2026 (أ.ب)

احتدام السجال السياسي في فرنسا قبل 6 أشهر من انتخابات الرئاسة

يتصاعد التوتر في المشهد السياسي الفرنسي قبل 6 أشهر من الانتخابات الرئاسية، وسط احتدام المواجهات داخل البرلمان والمظاهرات الجديدة المرتقبة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا متظاهرون يشتبكون مع الشرطة خلال احتجاج على غلاء المعيشة في بوردو الفرنسية يوم 24 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

خبراء دوليون ينددون بقمع «غير مبرر» لمظاهرات الطلاب في فرنسا

دان خبراء دوليون في مجال حقوق الإنسان، الأربعاء، استخدام قوات الأمن الفرنسية أساليب «غير مبررة» لقمع احتجاجات طلابية استمرت لأسابيع.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا اجتماع رئيسي «الرقابة الإدارية» و«اللجنة المالية» بمجلس النواب أمس الاثنين (هيئة الرقابة الإدارية)

ليبيا: توحيد الرواتب والدعم يتصدران مباحثات «النواب» و«الرقابة الإدارية»

تتصدر ملفات الدعم والرواتب والانضباط المالي المباحثات الرسمية في ليبيا لاحتواء ضغوط هبوط الدينار، في حين يتواصل إضراب المعلمين واحتجاجات القطاع الصحي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

إسبانيا تكثّف جهود تحديد هويات ضحايا تصادم القطارين... ووزير النقل يرفض الاستقالة

من موقع حادث تصادم القطارين في إسبانيا (أ.ف.ب)
من موقع حادث تصادم القطارين في إسبانيا (أ.ف.ب)
TT

إسبانيا تكثّف جهود تحديد هويات ضحايا تصادم القطارين... ووزير النقل يرفض الاستقالة

من موقع حادث تصادم القطارين في إسبانيا (أ.ف.ب)
من موقع حادث تصادم القطارين في إسبانيا (أ.ف.ب)

كثّفت إسبانيا جهودها، الجمعة، لتحديد هويات ضحايا حادث تصادم قطارين أودى بـ69 شخصاً على الأقل، الأربعاء، في وسط البلاد، في محاولة لتخفيف معاناة العائلات التي لا تزال تنتظر أي خبر عن أحبائها، وسط رفض وزير النقل الدعوات المطالبة باستقالته.

وقال رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، عقب اجتماع مع فرق الإنقاذ قرب مدينة أوردا حيث وقع الحادث، إن «كل أجهزة الدولة تعمل بلا كلل (...) لمحاولة تزويد عائلات الضحايا بأكبر قدر من المعلومات، في أسرع وقت وبأعلى قدر من الموثوقية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهذا ثاني حادث تصادم قطارين تشهده البلاد في أقل من عام، بعد حادث مماثل في يناير (كانون الثاني) أودى بـ46 شخصاً.

وأكد سانشيز مجدداً «التزام» الدولة بإبقاء العائلات على «اطلاع دائم بمصير ذويهم مع استمرار عملية تحديد هويات ضحايا هذا الحادث المروع» الذي وقع عندما اصطدم قطار تابع لشركة «رينفي» الرسمية بقطار آخر لشركة «إيريو» الخاصة، كان متوقفاً على السكة الحديد على بُعد 150 كيلومتراً جنوب مدريد.

«48 عملية تشريح»

وقال خافيير باريو الذي يبحث عن زوجته التي كانت على متن أحد القطارين: «نحاول التماسك قدر الإمكان، لكننا نبكي. طفلاي إلى جانبي ويقدّمان لي دعماً كبيراً، ومع ذلك نمرّ بأوقات عصيبة جداً».

وأضاف الرجل الموجود في توليدو: «لم أتلقَّ تأكيداً بوفاتها»، لكنه أقرّ بأن «احتمالات العثور عليها على قيد الحياة ضئيلة جداً».

وقال إميليانو غارسيا-باجي، رئيس حكومة إقليم قشتالة لا مانتشا حيث وقع الحادث، إن السلطات تلقت 70 بلاغاً عن أشخاص مفقودين، قد يكونون من بين القتلى.

ولتسهيل عملية تحديد الهويات، قدّمت عائلات المفقودين عينات من الحمض النووي.

وقال غارسيا-باجي: «لا يُستبعد أن يكون عدد القتلى أكبر»، موضحاً أن فرق الإنقاذ انتشلت «جثامين كاملة»، وجمعت «ما يصل إلى 31 كيساً تحوي أشلاء بشرية، وذلك، كما يمكنكم أن تتصوروا، يجعل عملية تحديد الهويات معقدة جداً».

وأعلنت الهيئة القضائية المكلّفة هذه المهمة، مساء الخميس، إجراء «48 عملية تشريح»، وإبلاغ عائلات الضحايا بنتائج تحديد هويات خمسة منهم.

وأضاف غارسيا-باجي أن 39 جريحاً لا يزالون في المستشفيات، لكن حالتهم الصحية «تشهد تحسناً».

وتواصلت، الجمعة، عمليات البحث عن الضحايا بين حطام عربات القطار التي تحوّلت إلى كتل من الحديد، بمساعدة ثلاث رافعات ضخمة بيضاء وكلاب، رغم أنه «لم يعد هناك الكثير مما يمكن العثور عليه»، وفق ما قالت إستر باديّا، الناطقة باسم حكومة إقليم قشتالة لا مانتشا، لتلفزيون «تي في إي» الرسمي.

وزير النقل يرفض دعوات الاستقالة

بالتوازي مع عمليات تحديد هويات الضحايا، يتواصل التحقيق في أسباب الحادث وسط حالة من الذهول تعمّ إسبانيا، حيث يُعدّ القطار من وسائل النقل الأكثر استخداماً.

وأوضح وزير النقل أوسكار بوينتي أن الحادث بدأ بعطل في نظام معلوماتي أجبر عدداً من القطارات على التوقف، مشيراً إلى احتمال وقوع «خطأ بشري» في ظل «ملابسات يكتنفها الغموض».

لكن وفق المعطيات الأولية، صدرت بعد وقت قصير من العطل «تعليمات خاطئة» من مركز المراقبة تقضي باستئناف قطار «رينفي» رحلته.

واصطدم هذا القطار بعد ذلك بالقطار الآخر المتوقف «بسرعة تُقدّر بين 160 و200 كيلومتر في الساعة»، وفق مذكرة أولية صادرة عن الهيئة الإدارية المستقلة المكلّفة التحقيق في حوادث القطارات.

وزير النقل الإسباني أوسكار بوينتي (أ.ف.ب)

ورفض وزير النقل الدعوات المطالبة باستقالته على خلفية ثاني حادث قطارات كبير خلال فترة ​توليه منصبه. وندد نواب من مختلف الأطياف السياسية بالوزير لإرجاعه سبب الحادث إلى ‌إخلال مشغلي ‌مركز التحكم بالبروتوكول بدلاً من ​تحمل ‌المسؤولية، ⁠فيما ​طالبت نقابات ⁠عمال السكك الحديدية بإقالته فوراً.

وقال بوينتي في مؤتمر صحافي، الجمعة: «واجبي الآن ليس التركيز على مناقشة ما إذا كنت ‌سأبقى في منصبي، وإنما على حل المشكلة، وتحديد ما حدث بالضبط، وتقديم تفسيرات ⁠واضحة».

وقال سانشيز، الجمعة، إن «الثقة في نظام القطارات العالية السرعة في بلادنا قد اهتزّت»، في ظل تصاعد انتقادات المعارضة اليمينية قبل أقل من شهر على الانتخابات التشريعية المقررة في 29 نوفمبر (تشرين الثاني)، والتي يسعى فيها الزعيم الاشتراكي إلى الفوز بولاية جديدة، رغم تقدّم منافسيه عليه في استطلاعات الرأي.

وختم سانشيز قائلاً إن «دور الحكومة لا يقتصر على تشخيص الوضع، بل يشمل أيضاً معرفة الأسباب وتقديم حلول تحول دون تكرار مأساة بهذا الحجم».

اقرأ أيضاً


«الكرملين» يعوّل على جولة «حاسمة» للمفاوضات الثلاثية ولا يستبعد إشراك الأوروبيين لاحقاً

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)
TT

«الكرملين» يعوّل على جولة «حاسمة» للمفاوضات الثلاثية ولا يستبعد إشراك الأوروبيين لاحقاً

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)

وصف «الكرملين» الجمعة، جولة المفاوضات الثلاثية المرتقبة في غضون أسبوعين، بمشاركة روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا، بأنها ستكون حاسمة لتحديد مصير تطورات الوضع.

وتم التمهيد لهذه الجولة التي ينتظر أن تعقد في أبوظبي، بعد جولات محادثات منفصلة أميركية - أوروبية - أوكرانية، وأميركية - روسية، بتحسن محدود في الأجواء المحيطة بالصراع، من خلال الاتفاق على هدنة إنسانية برعاية أميركية في إحدى المناطق الأكثر تضرراً بأوكرانيا، وفتح قناة اتصال نادرة بين روسيا والنرويج وفنلندا، رغم أن هذا تزامن مع تواصل التهديدات المتبادلة للبنى التحتية في روسيا وأوكرانيا.

وقال مساعد الرئيس الروسي لشؤون السياسة الخارجية يوري أوشاكوف، إن بلاده تعول على «الأهمية البالغة للمحادثات الثلاثية المرتقبة للتوصل إلى تسوية».

وأوضح في مقابلة صحافية: «نعتزم إجراء محادثات ثلاثية مع الأوكرانيين، بوساطة أميركية، وهي في الواقع حاسمة لمصير كل ما يحدث هذه الأيام وهذه السنوات».

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائهما في البيت الأبيض - 28 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

موسكو تحذر من تعرضها لهجوم

حذر أوشاكوف من أن موقف روسيا من المفاوضات سيعتمد جزئياً على ما إذا كانت كييف ستشن هجوماً واسع النطاق في يوم الوحدة الوطنية بروسيا في 4 نوفمبر (تشرين الثاني). وقال أوشاكوف لقناة «فيستي» التلفزيونية الحكومية، رداً على سؤال حول آفاق المحادثات: «إذا وقعت أي عمليات قصف استثنائية واسعة النطاق خلال فعاليات جماهيرية عامة، فمن المحتمل أن يؤثر ذلك في موقفنا بطريقة ما أيضاً. وهذا أمر منطقي تماماً».

وفي وقت سابق، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال لقائه مع المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، استعداد موسكو لاستئناف المحادثات الثلاثية بشأن أوكرانيا.

وفي تعقيب لافت حمل تطوراً محدوداً في الموقف الروسي حيال مسألة إشراك الأوروبيين في مفاوضات السلام، قال الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف في تصريح لوكالة أنباء «فيستي»: «ستُعقد المحادثات بصيغة ثلاثية. نعم، ستكون المشاركة الأوروبية ضرورية في مرحلة ما، لكن لم يناقش أحد هذا الأمر بشكل محدد حتى الآن». وأضاف أن «عدد السياسيين (الأوروبيين) الذين يتواصلون مع روسيا سيزداد إذا ساد المنطق في أوروبا».

وجدد التأكيد على «انفتاح بوتين للتواصل مع الجميع بهدف التوصل إلى حل سلمي للمسألة الأوكرانية». لكنه زاد أن التواصل الأوروبي مع موسكو «لن يؤثر في هذه المرحلة بأي شكل من الأشكال على المفاوضات الثلاثية».

وكانت انفراجة محدودة قد ظهرت بعد اتصال هاتفي مشترك أجراه رئيس فنلندا ورئيس الوزراء النرويجي مع بوتين قبل يومين. ولم تحمل المكالمة جديداً على صعيد المواقف، وكرر الطرفان مواقف سابقة حول شروط التسوية، لكن الجديد برز في التوافق على مواصلة الاتصالات المباشرة لاحقاً. ومع أن المبادرة قوبلت باستياء في بعض البلدان الأوروبية، فإنها أظهرت حاجة بعض الأطراف الأوروبية إلى تنشيط قنوات الاتصال المباشرة المقطوعة مع الكرملين منذ سنوات.

وقال بيسكوف إن الرئيس بوتين منفتح أيضاً على المحادثة هاتفياً مع كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس. ورداً على سؤال حول ما سيحدث إذا اتصل ماكرون أو ميرتس بالكرملين، قال بيسكوف: «سيرد على الهاتف أيضاً. إنه (الرئيس) منفتح على الحوار مع الجميع»، وفقاً لوكالة «سبوتنيك» الروسية للأنباء.

الرئيس الأوكراني ورئيس الوزراء النرويجي والرئيس الفنلندي خلال مؤتمر صحافي مشترك في أوسلو - 20 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

موسكو تلوح مجدداً بخسائر أوروبا

على صعيد متصل، لوحت موسكو مجدداً بخسائر أوروبا، بسبب فرض عقوبات وقطع الاتصالات مع موسكو. وقال كيريل ديمتريف، الممثل الخاص لرئيس روسيا الاتحادية للاستثمار والتعاون الاقتصادي مع الدول الأجنبية، ورئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي، إن قطع الاتحاد الأوروبي إمدادات الطاقة الروسية عن التكتل، جعله عاجزاً أمام شتاء قاسٍ وأسعار طاقة مرتفعة.

وجاء تعليقه على مقال نُشر في موقع «بوليتيكو» بعنوان «حكومات الاتحاد الأوروبي عاجزة أمام ارتفاع أسعار الطاقة إلى أعلى مستوى لها في 4 سنوات». ومع توقعات متزايدة بأن الشتاء المقبل سيكون صعباً، ترى موسكو أن تردد القادة الأوروبيين في إطلاق مسار لتطبيع العلاقات مع موسكو يقلص فرص مواجهة التحديات المتعلقة بنقص موارد الطاقة.

وكان دان يورغنسن، المفوض الأوروبي لشؤون الطاقة، قال الخميس، إن أكثر من 50 مليون أوروبي غير قادرين على تدفئة منازلهم بشكل كافٍ بسبب ارتفاع أسعار الطاقة، وإن هذا العدد قد يرتفع هذا العام. وأضاف أن الأزمة الحالية تختلف عن الوضع في عام 2022؛ إذ إنها لا تؤثر على الغاز فحسب، بل على النفط ومشتقاته أيضاً. وقد أعلنت السلطات الروسية مراراً، أن رفض الدول الأوروبية الاعتماد على موارد الطاقة الروسية أدى إلى ارتفاع الأسعار والتكاليف على اقتصاد الاتحاد الأوروبي نفسه.

من اليمين إلى اليسار: رئيس الوزراء النرويجي يوناس جار ستوره والرئيس الأوكراني والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب (إ.ب.أ)

واللافت أن موسكو كثفت اتهاماتها للأوروبيين بسبب قطع العلاقات الاقتصادية، وللأوكرانيين بسبب مواصلة استهداف البنى التحتية للطاقة في روسيا، ورأت في العاملَين سبباً رئيسياً في تفاقم أزمة إمدادات الطاقة وارتفاع أسعار الوقود والديزل في العالم. وعاد أوشاكوف الجمعة، إلى اتهام أوكرانيا بتصعيد الوضع، بسبب رفضها الانصياع لمطالب الرئيس دونالد ترمب بوقف الهجمات على مصافي النفط الروسية.

وقف الهجمات على مصافي النفط

وزاد أن الرئيس الأميركي «دعا بإصرار إلى وقف الهجمات على مصافي النفط الروسية، لكن كييف تجاهلت ذلك مجدداً»، مشيراً بذلك إلى اتهام موسكو لكييف باستئناف قصف منشآت الطاقة في اليومين الأخيرين.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال مؤتمر صحافي في أوسلو - 20 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وأفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» أمس (الخميس)، نقلاً عن مصادر مطلعة، بأن الجيش الأوكراني أوقف هجماته على مصافي النفط الروسية بعد ضغوط من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وذكرت الصحيفة أن الوحدات الأوكرانية التي تنفذ غارات بعيدة المدى تلقت تعليمات في منتصف أكتوبر (تشرين الأول)، بأن الحملة ضد المصافي ستعلق فعلياً بمجرد الانتهاء من المهام الجارية بالفعل. وأضاف تقرير الصحيفة أن هذا التعليق غير الرسمي من المتوقع أن يستمر لما بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية، وربما يمتد إلى أواخر نوفمبر. وفي الوقت نفسه، صعدت روسيا من هجماتها على منشآت للطاقة والبنية التحتية المدنية في أوكرانيا.

«البنتاغون» يطالب بتخفيف حدة الخطاب ضد روسيا

قالت 4 مصادر لوكالة «رويترز»، إن مسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) طلبوا في الأسابيع القليلة الماضية، من عدة دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي، تخفيف حدة خطابهم بشأن التهديد الذي تشكله روسيا، بحجة أن بعض التصريحات الصادرة عن القادة والمسؤولين الأوروبيين تقوض أمن القارة.

وذكرت المصادر، التي طلبت عدم الكشف عن هوياتها، أن ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا من بين الدول التي تلقت رسائل تحثها على ضبط تصريحاتها العلنية. ولم يتضح ما إذا كانت هذه الرسائل، التي سُلمت خلال اجتماعات ثنائية، تلقتها حكومات أوروبية أخرى.

ورداً على طلب للتعليق، قال مسؤول في «البنتاغون»: «الأحاديث الخاصة بين الحلفاء هي محادثات خاصة، لذلك لن نعلق على هذه الادعاءات».

وقال أحد المصادر إن من بين التعليقات التي لفتت انتباه المسؤولين الأميركيين، ما قاله قادة أوروبيون حول كون روسيا محاصرة وتلجأ إلى إجراءات يائسة ومتهورة بشكل متزايد مع تباطؤ غزوها لأوكرانيا إلى حد كبير.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والمستشار الألماني فريدريش ميرتس يسيران في ساحة الاستقلال بكييف الأحد (إ.ب.أ)

وقال مصدران إن إلبريدج كولبي رئيس شؤون السياسات في «البنتاغون»، وهو شخصية محورية في مراجعة تتم حالياً لتقييم مستويات نشر القوات الأميركية في أوروبا، كان من بين المسؤولين الأميركيين الذين نقلوا الرسالة. ولم يتسنَّ لـ«رويترز» تحديد هويات المسؤولين الآخرين المشاركين في الأمر.

ولم يُشِر أي من المصادر، وهم 3 مسؤولين أوروبيين ومسؤول أميركي، إلى أن الرسالة أوصلت بطريقة تصادمية.

لافروف في أتلانتا

على صعيد آخر، وصل الجمعة، وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إلى أتلانتا، للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة «العشرين». واستبقت الناطقة باسم «الخارجية»، ماريا زاخاروفا، الزيارة بإشارة إلى أن الموضوع الرئيسي للنقاش سيكون الوضع الاقتصادي العالمي، مع الأخذ في الحسبان التوجهات الجيوسياسية.

ويعقد وزراء خارجية المجموعة اجتماعاتهم يومي الجمعة والسبت، للتحضير لقمة مجموعة العشرين، المقرر عقدها يومي 14 و15 ديسمبر (كانون الأول) في ميامي.

وأعلنت «الخارجية» الروسية في بيان: «سيؤكد رئيس الوفد الروسي الأهمية الجوهرية للأمن غير القابل للتجزئة باعتباره أساس التعددية القطبية، وسيؤكد ضرورة دمقرطة نظام الحكم، لا سيما مؤسسات (بريتون وودز)، من خلال تعزيز مكانة دول الجنوب العالمي والشرق».

كما أشارت الوزارة إلى أن الاجتماع سيسلط الضوء على «الإمكانات الإبداعية لصيغ التعاون العالمي؛ مثل مجموعة (بريكس)، والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ومنظمة (شنغهاي للتعاون)، ومبادرة الرئيس الروسي لتشكيل شراكة أوراسية كبرى».

مارّة أمام معرض سيارات تضرّر من جراء هجوم صاروخي روسي ليلي على كييف - 27 أكتوبر 2026 (أ.ب)

وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أعلن قبل أسابيع، عن توجيه دعوة إلى بوتين لحضور الاجتماع بعد سنوات من مقاطعة المجموعة للرئيس الروسي.

لكن الناطق الرئاسي الروسي قال إنه لم يُتخذ قرار بعد بشأن مشاركة بوتين شخصياً. وعاد مساعد الرئيس أوشاكوف في وقت لاحق، ليؤكد أن تلبية بوتين الدعوة للمشاركة في قمة ميامي، مرتبطة بمدى التقدم الذي يمكن أن يتم إحرازه الشهر المقبل، خلال لقاء منتظر مع الرئيسين الصيني والأميركي على هامش قمة مجموعة «أبيك». وقال أوشاكوف إن زيارة الرئيس بوتين لقمة مجموعة العشرين في ميامي ستعتمد على نتائج قمة «أبيك» المقررة في الصين. وبدا أن موسكو تعول على أن هذه القمة الثلاثية قد تسهم في كسر العزلة الغربية المفروضة على بوتين نهائياً، ما يمكنه من التوجه إلى ميامي لاحقاً للمشاركة في قمة «العشرين».

وأشار مساعد الرئيس إلى أن كل شيء «سيتوقف على نتائج القمة في الصين. بالتأكيد أقول: أولاً نوفمبر، ثم ديسمبر».

أوكرانيون يتفقدون أضراراً لحقت بجسر رئيسي يمتد فوق نهر دنيبرو في كييف (أ.ف.ب)

الهدنة الإنسانية

ميدانياً، ومع استمرار الهجمات المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا، على مواقع خلف خطوط التماس، دخلت، الجمعة، الهدنة الإنسانية في بلدة أوليشكي حيز التنفيذ، بعد مرور يومين على وقف إطلاق النار بشكل متبادل في هذه المنطقة. ووصل صباح الجمعة، عشرات المراسلين الأجانب إلى البلدة، بينهم صحافيون أميركيون ومراسلون من دول أخرى، لتغطية انطلاق عملية إجلاء المدنيين من المنطقة.

وأفادت مفوضة حقوق الإنسان في روسيا، يانا لانتراتوفا، بأن «كل شيء يجري بشفافية، وهو أمر بالغ الأهمية». وذكرت لانتراتوفا في منشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أنها ومفوض البرلمان الأوكراني لحقوق الإنسان دميتري لوبينيتس، توجها إلى أوليشكي، «لننسّق معاً تنفيذ الاتفاقات التي تم التوصل إليها بمساعدة السيدة الأولى الأميركية ميلانيا ترمب».

سكان يمرّون أمام مبنى تضرّر جراء ضربة صاروخية روسية ليلية على كييف - 27 أكتوبر 2026 (رويترز)

وأوضحت لانتراتوفا أن الجانبين الروسي والأوكراني يلتزمان التزاماً كاملاً بالتعهدات المترتبة عليهما في إطار المهمة الإنسانية، وأن نظام الهدوء على خط التماس لا يزال سارياً، ولم تسجل أي حوادث. ومع ذلك، أفادت المسؤولة الروسية بمقتل شخصين؛ أحدهما خبير في إزالة الألغام، أثناء تطهير طريق في أوليشكي.

وكانت فرق روسية أنهت الخميس، عملية إزالة الألغام من المسارات اللازمة لتنفيذ عملية إدخال مساعدات غذائية وطبية وإجلاء المدنيين.

ودخل رتل كبير من المساعدات الإنسانية يضم 25 حافلة إلى المدينة، التي تعرضت لحصار لأشهر وقصف متواصل، أسفر عن تدهور حاد في الوضع الإنساني فيها.

ووفقاً لمسؤولين في موسكو وكييف، بدأ السكان ظهر الجمعة، بتسلم مواد غذائية ومستلزمات نظافة ووقود للمولدات وأدوية ضرورية.

وتقع أوليشكي على الضفة اليسرى لنهر دنيبر مقابل مدينة خيرسون الخاضعة لسيطرة القوات الأوكرانية. ورعت ميلانيا ترمب التوصل إلى هدنة إنسانية نادرة اتفق الطرفان في إطارها على وقف الهجمات على المنطقة والسماح بدخول المساعدات وتسهيل خروج الراغبين من المدنيين، ورغم تبادل الاتهامات بين موسكو وكييف، فإن الهدنة صمدت بسبب الدعم الأميركي. وفي وقت سابق، اتهمت موسكو الأوكرانيين بزرع ألغام أرضية لمنع خروج المدنيين، بينما اتهمت كييف الجانب الروسي بالسعي إلى إجبار السكان على الخروج باتجاه ممر واحد يقود نحو المناطق التي تسيطر عليها القوات الروسية.


السلطات الفرنسية تعمل لتجنب «سبت أسود» جديد... في مواجهة حراك لا تضعف ديناميته

من مظاهر الاشتباكات في مدينة مرسيليا الساحلية... وتظهر في الصورة مصفحة «سانتوس» لجهاز الدرك وهي مجهزة للتعامل مع عنف المظاهرات (أ.ف.ب)
من مظاهر الاشتباكات في مدينة مرسيليا الساحلية... وتظهر في الصورة مصفحة «سانتوس» لجهاز الدرك وهي مجهزة للتعامل مع عنف المظاهرات (أ.ف.ب)
TT

السلطات الفرنسية تعمل لتجنب «سبت أسود» جديد... في مواجهة حراك لا تضعف ديناميته

من مظاهر الاشتباكات في مدينة مرسيليا الساحلية... وتظهر في الصورة مصفحة «سانتوس» لجهاز الدرك وهي مجهزة للتعامل مع عنف المظاهرات (أ.ف.ب)
من مظاهر الاشتباكات في مدينة مرسيليا الساحلية... وتظهر في الصورة مصفحة «سانتوس» لجهاز الدرك وهي مجهزة للتعامل مع عنف المظاهرات (أ.ف.ب)

تجهد السلطات الفرنسية لتجنب «سبت أسود» جديد شبيه بما عرفته البلاد في 17 الشهر الحالي، وذلك مع حلول موعد يوم التعبئة الجديد هذا السبت (31 أكتوبر/تشرين الأول) بدعوة من تنسيقية «السترات الصفراء»، وانضمام نقابات طلابية وغير طلابية إليها، ما يؤشر، مجدداً، إلى تداخل المطالب ووجود دينامية احتجاجية اجتماعية واقتصادية.

ماكرون دعا طلاب التعليم الثانوي لوضع حد لحراكهم والعودة بـ«هدوء» إلى صفوف الدراسة (أ.ف.ب)

ويأتي ذلك على خلفية احتدام السجال السياسي إن بشأن كيفية التعاطي مع المطالب والمظاهرات التي تبين أجندتها أنها متواصلة، أو بسبب التأزم السياسي الذي تعيشه فرنسا مع اقتراب استحقاق الانتخابات الرئاسية (بعد أقل من 200 يوم)، أو بسبب الأوضاع الاقتصادية والمالية المتدهورة التي تحرم الحكومة من إمكانية التجاوب مع بعض ما يريده الشارع.

ولخص رولان ليسكور، وزير الاقتصاد، في حديث صباحي لإذاعة «فرنس أنفو» العامة الوضع، بالاستناد إلى أرقام «المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادي»، بقوله إن الاقتصاد الفرنسي «أصبح، بحلول عام 2026، في حالة جمود بسبب مزيج غير مسبوق من الصدمات الخارجية والداخلية».

وأوضح ليسكور أن الاقتصاد انكمش بشكل غير متوقع في الفصل الثالث من العام الحالي، بينما التضخم الذي يلتهم مصادر العيش للشرائح الاجتماعية الأكثر هشاشة بلغت نسبته، في الشهر الحالي، 3.8 في المائة، وهي أعلى نسبة منذ عام 2023.

رجال من شرطة مكافحة الشغب يتعاملون مع أحد المتظاهرين المثبت أرضاً خلال المظاهرة التي حصلت في باريس يوم 24 أكتوبر (د.ب.أ)

ويترافق الانكماش مع ارتفاع المديونية الفرنسية (3600 مليار يورو)، وارتفاع فوائد الاستدانة الحكومية (5 في المائة)، وهي من بين النسب الأسوأ داخل الاتحاد الأوروبي. وما يكبل قدرة السلطات على التحرك في الميدان الاجتماعي أن فائدة الديون تثقل بكاهلها على الدولة، بحيث ستصل مع نهاية العام الحالي إلى 77.5 مليار يورو. وتواجه الحكومة صعوبات غير مسبوقة في تمرير ميزانيتها لعام 2027 في البرلمان بسبب الانقسامات السياسية. بيد أن الانكماش لا ينطبق على كبريات الشركات الفرنسية؛ وأولاها «توتال إنيرجيز»، التي حققت في الفصل الثالث من العام الحالي أرباحاً صافية تزيد على 7 مليارات يورو.

متظاهرون يسيرون وسط الغاز المسيل للدموع خلال احتجاج على غلاء المعيشة في ليل شمال فرنسا يوم 17 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

مطالب بالجملة

بناء على ما سبق، تبدو السلطات مكبلة في التعاطي مع مطالب النقابات، ومنها رفع الرواتب؛ وأولها رواتب الحد الأدنى وربطها بنسبة التضخم ومحاربة الغلاء وتحقيق العدالة الاجتماعية والضريبية وتحسين الخدمات العامة، كما في المستشفيات والنقل والخدمات الاجتماعية والقطاع التعليمي، وتوفير مزيد من الإمكانات المالية لتحقيق النقلة البيئوية، وإطلاق المفاوضات في قطاع الوظائف العامة فوراً بخصوص الرواتب.

متظاهر يرمي قنبلة مسيلة للدموع في اتجاه أفراد من الشرطة بمرسيليا (رويترز)

وتدعو حركة «السترات الصفراء» إلى خفض أسعار المشتقات النفطية والكهرباء والغاز التي ارتفعت في الأشهر الأخيرة بنسب عالية، بينما المطالب الأخرى تندمج فيما تدعو إليه النقابات العمالية. ورغم العروض التي قدمتها الحكومة لطلاب التعليم الثانوي والجامعي (مزيد من الأساتذة وبرنامج لتحسين الأوضاع المادية للثانويات والكليات وتعديل آلية اختيار الاختصاصات لما بعد التعليم الثانوي، وإيجاد 15 ألف مقعد جامعي في الاختصاصات المهنية والتقنية...)، فإن العديد من النقابات يعتبر أن المعروض «ليس سوى الفتات»، وبالتالي «غير كافٍ» لا يتوافق مع المطالب المرفوعة، وبالتالي فإن حراكهم «متواصل». وسبق للرئيس ماكرون أن دعا تلامذة التعليم الثانوي الى «العودة بهدوء» إلى مدارسهم، وهو ما دعا إليه أيضاً إدوار جيفراي، وزير التربية. وتجدر الإشارة إلى أن فرصة الخريف تنتهي الأحد، ويعود التلامذة، مبدئياً، إلى مدراسهم الاثنين.

الإجراءات الاستباقية

ولأن الأمور تسير على هذا المنوال، فإن الحكومة العاجزة تستبق الاستحقاق الراهن بالعمل على منع تفاقمه، وذلك من خلال اتخاذ التدابير الأمنية الأكثر صرامة والتي جربتها السبت الماضي، ونجحت في تجنيب البلاد كثيراً من أعمال العنف والاشتباكات. ولتبرير الإجراءات الأمنية المكثفة، نبه لوران نونيز، وزير الداخلية، في لقاء صحافي، إلى أن يوم السبت الذي يعدّ «الفصل الثالث» من حراك «السترات الصفراء» سيكون صعباً، ما يبرر تحشيد 70 ألف رجل شرطة ودرك وأمن، مضافاً إليهم بعض وحدات الجيش والوحدات الأمنية المتخصصة.

إطفائي يكافح ناراً أشعلها محتجون في مرسيليا (أ.ف.ب)

ونبه الوزير المذكور الذي قدم استقالته لرئيس الجمهورية بعد «السبت الأسود» لكن الأخير رفضها، إلى أن رد القوى الأمنية سيكون «حازماً للغاية»، مضيفاً أن «يوم 31 أكتوبر ينطوي على مخاطر بالغة على النظام العام». والسبب وجود «العديد من الدعوات إلى التجمعات الصادرة عن الحركة العمالية واليسار المتطرف، وبعض المواقع الإلكترونية المتطرفة التابعة لحركة (السترات الصفراء) التي تحث الناس على المشاركة في تجمعات بالشوارع العامة في عدد ​من المدن بأنحاء ‌فرنسا، مصحوبة برسائل متنوعة يمكن القول إنها ‌متطرفة للغاية».

رجل شرطة يحمل قاذفة لرصاص مطاطي دفاعي لتفريق المتظاهرين في مدينة نيس الساحلية يوم 24 أكتوبر (أ.ف.ب)

ولم يكتفِ وزير الداخلية بما قاله في مؤتمره الصحافي؛ بل عمد، الجمعة، إلى توجيه برقية إلى المحافظين في جميع أنحاء فرنسا، لتنبيههم إلى وجود مخاطر مرتفعة جداً لاندلاع أعمال عنف واضطرابات في المدن يوم السبت، بمناسبة الاحتفال بـ«عيد الهالوين».

ودعا إلى رفع جاهزية العناصر الأمنية إلى نسبة 75 في المائة، وتكثيف مراقبة التجمعات والمظاهرات غير المرخصة التي قد تتحول إلى مسيرات عشوائية وإجراء عمليات تفتيش ومراقبة استباقية في محطات القطارات ومحاور النقل، للكشف عن الأدوات التي قد تُستخدم في ارتكاب أعمال عنف؛ مثل الأقنعة وأغطية الوجه والألعاب النارية والمقذوفات النارية. كذلك حثهم على اللجوء إلى التدابير الأمنية الإدارية المتوافرة بين أيديهم؛ مثل حظر التجمعات أو المظاهرات، وفرض قيود على التنقل والتجمع في مراكز المدن، إضافة إلى فرض حظر التجول في محاولة للإكثار من العوائق التي من شأنها إضعاف ديناميات التظاهر ومنع الوصول إلى الأماكن «الحساسة» والشوارع التجارية لتجنب الحرائق وأعمال السلب والنهب.

قوات مكافحة الشغب خلال مواجهات بينها وبين المتظاهرين في مدينة نيس المتوسطية يوم 24 أكتوبر (أ.ف.ب)

حوار الطرشان بين الحكومة والنقابات

ثمة «معركة» تحصل دوماً بين النقابات ومديريات الشرطة لرسم مسار المظاهرات؛ ففي باريس قدمت «تنسيقية السترات الصفراء» ونقابة «الكونفدرالية العامة للعمل» منذ عدة أيام، مقترحاً لمظاهرة تنطلق من «ساحة الباستيل» وتجتاز «ساحة لا ريبوبليك» و«ساحة الأوبرا»، وصولاً إلى «ساحة الكونكورد»؛ أي إن المظاهرة تمر في قلب باريس وتنتهي قريباً من قصر الإليزيه ووزارة الداخلية، وفي أسفل «جادة الشانزليزيه».

وكان واضحاً، سلفاً، أن طلب التنسيقية المذكورة سيرفض. وكان غرضها دفع المديرية المعنية إلى تقديم عرض بديل، علماً بأن الرئيس ماكرون ووزير الداخلية شددا أكثر من مرة على منع التظاهر في وسط المدن وتوجيهها إلى خارجها، وهو ما حصل السبت الماضي. وكما كان منتظراً، جاء الرد بالرفض، واقترحت المديرية دمج المسارين المطلوبين، واقتراح بديل عنهما عند أطراف الشرقية للعاصمة، تحديداً ما بين المدخل المسمى «شارونتون» ومدخل «بانيوليه».

عمليات شغب في باريس يوم 17 أكتوبر ومحاولة لإقامة حاجز لمنع الشرطة من ملاحقة المتظاهرين (أ.ف.ب)

وبالطبع، رفضت النقابتان العرض، وتقدمتا باستدعاء أمام المحكمة الإدارية لاستبداله. لكنّه معروف سلفاً ما سيصدر عن هذه المحكمة والحجج التي ستقدمها (المحافظة على الأمن، ومنع الإضرار بالممتلكات العامة ...). والقرار النهائي يعود لهذه المحكمة التي ستضع المتظاهرين بين حلين أحلاهما مر: إما تجاهل المعروض عليهم، وبالتالي مواجهة القوى الأمنية، وإما الإذعان، ما سيعني أن المرتجى من المظاهرة لن يتحقق.

هكذا تسير الأمور في فرنسا، وما سيحصل السبت سيتكرر في 5 نوفمبر (تشرين الثاني)، حيث سيتطور الحراك من مظاهرات إلى إضراب عام استجابة لدعوة غالبية النقابات. وما بين حكومة محدودة الموارد ومطالبات نقابية وشعبية مكلفة، يبدو الحوار (الغائب) بين الجانبين أشبه بـ«حوار الطرشان».