حرب إيران تهزّ «العلاقة الخاصة» بين لندن وواشنطن

بريطانيا تعزز انتشارها العسكري في المنطقة... وتسمح لقاذفات أميركية بالانطلاق من قواعدها

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يصافح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال زيارة دولة إلى المملكة المتحدة في تشيكرز يوم 18 سبتمبر 2025 (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يصافح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال زيارة دولة إلى المملكة المتحدة في تشيكرز يوم 18 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

حرب إيران تهزّ «العلاقة الخاصة» بين لندن وواشنطن

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يصافح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال زيارة دولة إلى المملكة المتحدة في تشيكرز يوم 18 سبتمبر 2025 (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يصافح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال زيارة دولة إلى المملكة المتحدة في تشيكرز يوم 18 سبتمبر 2025 (رويترز)

تسبّبت حرب إيران في توتر «العلاقة الخاصة» بين الحليفين الأميركي والبريطاني، رغم سماح لندن للطائرات الأميركية باستخدام قواعدها لـ«أغراض دفاعية» وإبدائها الاستعداد لنشر حاملة طائرات «برنس أوف ويلز» في المنطقة.
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مساء السبت، إن الولايات المتحدة «لا تحتاج» إلى حاملات الطائرات البريطانية للانتصار في الحرب مع إيران، مجدداً هجومه على رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر «الذي ساهم في تدمير» العلاقات التاريخية الوثيقة بين البلدين بعد أن عارض استخدام قواعد بريطانية في مهاجمة إيران في بداية الحرب.

وقال ترمب في منشور على منصة «تروث سوشيال» إن بلاده «لن تنسى» غياب الدعم البريطاني خلال الصراع مع إيران. وكتب أن «المملكة المتحدة، حليفنا العظيم في وقت ما، وربما أعظم الحلفاء على الإطلاق، تدرس الآن بجدية إرسال حاملتي طائرات إلى الشرق الأوسط»، متابعاً: «لا بأس يا رئيس الوزراء ستارمر، لسنا بحاجة إليهما بعد الآن، لكننا لن ننسى... لسنا بحاجة إلى أشخاص ينضمون إلى الحروب بعد أن نحقق فيها الانتصار بالفعل!».

وعقب هجوم ترمب على ستارمر بساعات، أجرى الزعيمان اتصالاً هاتفياً تناول «آخر المستجدات في الشرق الأوسط والتعاون العسكري بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة عبر استخدام قواعد سلاح الجو الملكي، دعماً للدفاع الجماعي عن شركاء المنطقة»، وفق ما جاء في بيان «داونينغ ستريت».

موقف ستارمر

دافع ستارمر عن قراره عدم السماح للقوات الأميركية باستخدام قواعد بريطانية لتوجيه الضربات الأولى على إيران، قائلاً إنه كان بحاجة للتأكد من أن أي عمل عسكري «قانوني» و«مخطط له جيداً». كما شدّد خلال جلسة في مجلس العموم على أن أي تدخل بريطاني «يجب أن يستند دوماً إلى أساس قانوني وخطة مدروسة قابلة للتنفيذ». وهاجم ترمب هذا الموقف، وقال إن «هذا الذي نتعامل معه ليس ونستون تشرشل».

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الأميركي دونالد ترمب في بريطانيا يوم 18 سبتمبر 2025 (رويترز)

إلا أن ستارمر عدّل موقفه بعد استهداف طهران دولاً خليجية ومصالح غربية بالصواريخ والمسيّرات، فأعطى القوات الأميركية الإذن باستخدام القواعد البريطانية لتوجيه «ضربات دفاعية» ضد الصواريخ الإيرانية أو مستودعاتها أو منصات إطلاقها.

ويعكس موقف ستارمر رغبة في عدم الانجرار إلى صراع جديد طويل الأمد، وذكّر في هذا الصدد بـ«الأخطاء التي ارتُكبت في العراق»، التي قال إن بريطانيا «تعلمت منها». حينها دعم رئيس الوزراء توني بلير الغزو الأميركي، رغم احتجاجات عارمة في شوارع لندن شارك فيها الملايين، وترافقت مع اتهامات لبلير بتضليل الرأي العام بشأن وجود أسلحة دمار شامل في العراق.

وأظهر استطلاع للرأي، نُشر الجمعة وشمل 1045 شخصاً في بريطانيا، أن 56 في المائة من المستطلَعين يعتقدون أن ستارمر على صواب في قراره عدم إشراك بريطانيا في أولى الضربات، فيما اعتبر 27 في المائة أنه على خطأ، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.

ولدى سؤالها عن تعليقات ترمب، قالت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر للصحافة المحلية إن «مهمّة رئيس الوزراء البريطاني هي اتّخاذ قرارات تصبّ في مصلحة الأمن القومي البريطاني». وتابعت: «ما تعلمته في هذا المنصب هو ضرورة التركيز على المضمون، لا على منشورات منصات التواصل الاجتماعي»، مضيفة: «لن نتعامل مع الخطابات الرنانة أو المبالغات، بل سنتخذ قرارات عملية وهادئة ومدروسة؛ لأنني أعتقد أن الطابع البريطاني، بشكل عام، يميل إلى إتمام العمل بجدية وثبات».

قاذفات أميركية في بريطانيا

بموازاة الجدل السياسي، بدأت الولايات المتحدة في استخدام قواعد بريطانية في «عمليات دفاعية» ضد إيران منذ مساء الجمعة.

وجاء في بيان لوزارة الدفاع البريطانية على منصة «إكس» أن «الولايات المتحدة بدأت تستخدم قواعد بريطانية في عمليات دفاعية محدّدة، لمنع إيران من إطلاق صواريخ باتجاه المنطقة، وهو ما يعرّض أرواح بريطانيين للخطر».

قاذفة أميركية من نوع «بي 1» في قاعدة فيرفورد بمقاطعة غلوسترشير جنوب غربي إنجلترا يوم 7 مارس (رويترز)

والقاعدتان هما «فيرفورد» في مقاطعة غلوسترشير في جنوب غربي إنجلترا، و«دييغو غارسيا» في أرخبيل تشاغوس في المحيط الهندي. ووصلت إلى قاعدة «فيرفورد» قاذفة أميركية استراتيجية من طراز «بي-1 بي لانسر» يبلغ طولها نحو 44.5 متر، وتُعدّ من أسرع القاذفات في سلاح الجو الأميركي؛ إذ يمكنها التحليق بسرعة تتجاوز 900 ميل في الساعة (نحو 1448 كيلومتراً في الساعة)، كما نقلت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) عن شركة «بوينغ». وتزن الطائرة نحو 86 طناً، وهي قادرة على حمل ما يصل إلى 24 صاروخاً (كروز) لضرب أهداف بعيدة المدى.

وتُلقّب القاذفة في الأوساط العسكرية باسم «بون» (Bone)، وهي مزوّدة بأنظمة رادار وتحديد مواقع متقدمة تعتمد على نظام «جي بي إس»، إضافة إلى أنظمة تشويش إلكتروني وإنذارات رادارية ووسائل خداع لحمايتها من الدفاعات الجوية.

ويرى محللون عسكريون أن هذه الطائرة تُعد من أبرز القاذفات في الترسانة الأميركية، وقادرة على حمل حمولة كبيرة من القنابل والصواريخ لمسافات بعيدة بسرعة عالية، ما يجعل تشغيلها من قاعدة «فيرفورد» أكثر كفاءة مقارنة بإقلاعها من الولايات المتحدة لتنفيذ مهام في الشرق الأوسط.

تعزيز الانتشار العسكري

إلى جانب العمليات الأميركية في القواعد البريطانية، عزّزت لندن انتشارها العسكري في المنطقة «دفاعاً عن مصالحها ومصالح حلفائها». وأعلنت وزارة الدفاع البريطانية، السبت، أن طائرات «تايفون» و«إف-35» تواصل عملياتها فوق الأردن وقطر وقبرص، وعلى نطاق أوسع في المنطقة. وأسقطت هذه الطائرات مسيّرات كانت تُحلّق فوق الأردن، وفي أجواء العراق حيث قالت لندن إنها كانت تستهدف قاعدة غربية تضمّ قوات تشارك في تحالف مكافحة «داعش». وأضافت الوزارة أن مروحية من طراز «ميرلين» في طريقها أيضاً لتعزيز قدرات المراقبة.

وأعلنت لندن كذلك إرسال المدمّرة «إتش إم إس دراغون» من فئة «تايب 45» إلى شرق المتوسط الأسبوع المقبل، وهي سفينة حربية متخصصة في الدفاع الجوي. كما يتوقع أن تصل مروحيتان من طراز «وايلدكات» تابعتان للبحرية الملكية إلى قبرص، قبل وصول المدمرة.

وكانت قاعدة سلاح الجو الملكي في «أكروتيري» بقبرص قد تعرّضت في الأيام الماضية لهجوم بطائرات مسيّرة، قالت لندن إنه تسبب في أضرار محدودة من دون وقوع إصابات، مؤكدة أن إجراءات الحماية في القاعدة كانت قائمة بالفعل. وأكدت الحكومة البريطانية أيضاً أنها أرسلت مزيداً من الطائرات المقاتلة والمروحيات إلى الشرق الأوسط، وأنها مستعدة لدعم الدفاع عن حلفائها في الخليج إذا لزم الأمر.


مقالات ذات صلة

هاجس الجزر يستنفر إيران

شؤون إقليمية عناصر من مشاة البحرية الأميركية خلال تدريبات إنزال بالحبال من مروحية «سي هوك» فوق السفينة الهجومية «يو إس إس تريبولي» في 8 مايو (أ.ف.ب)

هاجس الجزر يستنفر إيران

برزت تحذيرات إيرانية أمس من تحرك عسكري أميركي - إسرائيلي أوسع، وسط مخاوف وهواجس من أن تستهدف العمليات السيطرة على بعض الجزر في الجنوب.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الولايات المتحدة​ نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث إلى وسائل الإعلام يوم أمس الأربعاء (أ.ب)

فانس: الولايات المتحدة أحرزت تقدماً في المحادثات مع إيران

قال نائب الرئيس الأميركي، جيه دي فانس، إنه يعتقد أن الولايات المتحدة تحرز تقدما في محادثاتها مع إيران بشأن الحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية حاملة الطائرات شارل ديغول والسفن المواكبة لها تعبر قناة السويس باتجاه خليج عدن في 6 مايو ضمن مهمة مرتبطة بأمن الملاحة (البحرية الفرنسية)

أوروبا توسّع تحركها نحو «هرمز» بمهمة دفاعية مشروطة

أعلنت إيطاليا، الأربعاء، أنها سترسل سفينتين حربيتين إلى محيط الخليج، في خطوة جديدة ضمن تحرك أوروبي متصاعد لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، تقوده بريطانيا وفرنسا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية مقاتلات أميركية تقلع من حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب 9 مايو (سنتكوم)

إيران تخشى عمليات أميركية - إسرائيلية «واسعة»

تصاعدت التحذيرات داخل إيران من احتمال تحرك عسكري أميركي - إسرائيلي أوسع، مع تعثر المسار الدبلوماسي؛ إذ تحدث نائب عن مخاوف من احتمال السعي إلى السيطرة على جزر.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر صحافي في القدس يوم 19 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ما «درة التاج» التي يخفيها نتنياهو إذا استؤنفت حرب إيران؟

كشفت مصادر عن أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عرض على واشنطن تولي مهمة تنفيذ عملية «كوماندوز» لخطف اليورانيوم المخصب من مكان إخفائه في إيران.

نظير مجلي (تل أبيب)

هجوم جوي واسع النطاق يستهدف كييف

أناس يحتمون في محطة مترو الأنفاق أثناء هجوم روسي على العاصمة كييف (رويترز)
أناس يحتمون في محطة مترو الأنفاق أثناء هجوم روسي على العاصمة كييف (رويترز)
TT

هجوم جوي واسع النطاق يستهدف كييف

أناس يحتمون في محطة مترو الأنفاق أثناء هجوم روسي على العاصمة كييف (رويترز)
أناس يحتمون في محطة مترو الأنفاق أثناء هجوم روسي على العاصمة كييف (رويترز)

تعرضت العاصمة الأوكرانية كييف، فجر اليوم (الخميس)، لهجوم جوي روسي واسع النطاق، وفق ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية عن مراسليها الذين سمعوا دوي انفجارات وإطلاق نار مضاد للطائرات.

وقال رئيس بلدية العاصمة فيتالي كليتشكو «العدو يهاجم كييف بطائرات مسيّرة وصواريخ بالستية» داعياً السكان عبر «تلغرام» إلى الاحتماء.


ستارمر يواجه اتّساع التمرد عليه

رئيس الحكومة وزعيمة المعارضة يتّجهان إلى مجلس اللوردات للاستماع لخطاب الملك يوم 13 مايو (أ.ب)
رئيس الحكومة وزعيمة المعارضة يتّجهان إلى مجلس اللوردات للاستماع لخطاب الملك يوم 13 مايو (أ.ب)
TT

ستارمر يواجه اتّساع التمرد عليه

رئيس الحكومة وزعيمة المعارضة يتّجهان إلى مجلس اللوردات للاستماع لخطاب الملك يوم 13 مايو (أ.ب)
رئيس الحكومة وزعيمة المعارضة يتّجهان إلى مجلس اللوردات للاستماع لخطاب الملك يوم 13 مايو (أ.ب)

واجه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، أمس، أكبر تحدٍّ لقيادته حتى الآن، في ظل اتساع التمرد عليه وتداول أنباء عن استعداد وزير الصحة ويس ستريتينغ لتقديم استقالته وإطلاق سباق لاختيار بديل في «10 داونينغ ستريت».

وبينما وقف ستارمر ومئات المشرعين في صمت للاستماع إلى الملك تشارلز، وهو يتلو جدول أعمال الحكومة أمام البرلمان، ذكرت صحيفة «تايمز» أن وزير الصحة ويس ستريتينغ يستعد لتقديم استقالته بحلول اليوم (الخميس)، في تحدّ رسمي لقيادة ستارمر.

وبعد لقاء وجيز مع ستارمر، لجأ ستريتينغ إلى منصة «إكس» لترويج إنجازاته في تقليص فترات الانتظار في هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية. وكتب قائلاً: «أُنجز الكثير، وما زال هناك كثير لإنجازه»، من دون أن يتطرق إلى الأنباء المتداولة ‌عن خططه للاستقالة.

وحاول ستارمر ‌تجاهل التحديات التي تواجهه. وكشف الخطاب، الذي كتبته الحكومة ​وتلاه الملك تشارلز، عن خطط لتعزيز ‌النمو الاقتصادي وأمن الطاقة والدفاع.


فرنسا تحقق في احتمال تدخل شركة إسرائيلية في الانتخابات المحلية

رئيس بلدية مرسيليا بنوا بايان يدلي بصوته في الجولة الثانية من الانتخابات البلدية في 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)
رئيس بلدية مرسيليا بنوا بايان يدلي بصوته في الجولة الثانية من الانتخابات البلدية في 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحقق في احتمال تدخل شركة إسرائيلية في الانتخابات المحلية

رئيس بلدية مرسيليا بنوا بايان يدلي بصوته في الجولة الثانية من الانتخابات البلدية في 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)
رئيس بلدية مرسيليا بنوا بايان يدلي بصوته في الجولة الثانية من الانتخابات البلدية في 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)

ذكرت ثلاثة مصادر مطلعة أن السلطات الفرنسية تحقق فيما إذا كانت شركة إسرائيلية غير معروفة تدعى «بلاك كور» شاركت، بقدر ما على الأقل، في حملة تدخل خارجي استهدفت حزبا من أقصى اليسار قبل الانتخابات البلدية التي جرت في مارس (آذار).

وقال اثنان من المصادر إن أجهزة المخابرات الفرنسية تحقق حاليا في هوية الجهة التي ​ربما تكون كلفت شركة «بلاك كور» بتنفيذ فيما يُعتقد أنها حملة تشويه ضد ثلاثة مرشحين من حزب (فرنسا الأبية)، وهي حملة شملت مواقع إلكترونية مضللة وحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي تزعم ارتكابهم سلوكيات إجرامية، بالإضافة إلى نشر إعلانات مسيئة على الإنترنت.

ووصفت بلاك كور نفسها على موقعها الإلكتروني وصفحتها على لينكد إن بأنها «شركة نخبوية متخصصة في التأثير والفضاء الإلكتروني والتكنولوجيا، أنشئت من أجل العصر الحديث للحرب المعلوماتية»، بينما لم يكن من الممكن، بحسب وكالة «رويترز»، تحديد الجهة التي تقف وراء شركة بلاك كور، أو التحقق من مقرها، أو العثور على أي إشارة إليها في سجلات الشركات الإسرائيلية.

أرشيفية لسيباستيان ديلوغو نائب حزب فرنسا الأبية خلال مظاهرة مؤيدة للفلسطينيين وسط باريس في 29 مايو 2024 (رويترز)

وقالت إنها تقدم للحكومات والحملات السياسية «استراتيجيات متطورة، وأدوات متقدمة، وأنظمة أمنية قوية لتشكيل الروايات».

وفحصت «رويترز» وثائق بلاك كور التي أقرت فيها الشركة بمسؤوليتها عن عملية منفصلة على وسائل التواصل الاجتماعي نُفذت لصالح حكومة أفريقية.

ولم تكن الوثائق مؤرخة، لكنها أشارت إلى ‌عملية بدأت في ‌يناير (كانون الثاني) من هذا العام واستمرت لمدة 14 أسبوعا. وزود أحد الأشخاص «رويترز» بالوثائق لكنه طلب حجب بعض التفاصيل.

وبعد أن ​سألت ‌«رويترز» شركة «⁠ميتا بلاتفورمز» ​المالكة ⁠لفيسبوك عن عملية الحكومة الأفريقية المذكورة في الوثائق، قالت الشركة إن «الشبكة» التي تقف وراءها مرتبطة بحملة التضليل التي أُطلقت قبل الانتخابات البلدية الفرنسية. لكن ميتا لم تذكر من هي الجهة المسؤولة.

وأوضحت «ميتا» بأنها أزالت شبكة من الحسابات والصفحات لانتهاكها قواعدها المتعلقة «بالسلوك المخادع المنسق». وقالت إن النشاط المضلل انطلق من إسرائيل واستهدف فرنسا في المقام الأول.

وقال اثنان من المصادر المطلعة على حملة التضليل المنسوبة لـ«بلاك كور» في فرنسا إنهما على علم أيضا بعمل الشركة في أفريقيا، دون الخوض في التفاصيل.

وذكر مصدران آخران أن شركتي غوغل وتيك توك رصدتا بشكل مستقل جوانب من عملية التضليل في فرنسا في أثناء عمليات مراقبة وتأمين شبكاتهما.

* حزب ⁠فرنسا الأبية يثير انقساما في الآراء

تقول السلطات الفرنسية والمرشحون أنفسهم أن العملية استهدفت سيباستيان ديلوجو المرشح لرئاسة بلدية مرسيليا ، والمرشح ‌في تولوز فرانسوا بيكيمال، والمرشح ديفيد جيرو في روبيه.

فرانسوا بيكيمال عضو البرلمان عن حزب فرنسا الأبية يقف على سطح مبنى الجمعية الوطنية في باريس في 5 مايو الحالي (رويترز)

وأماطت صحيفة «لوموند» اللثام لأول مرة عن محاور هذه العملية في مارس (آذار)، ‌عندما كشفت وكالة فيجينوم عن مخطط «تدخل رقمي أجنبي ذي نطاق محدود» يستهدف «حزبا سياسيا فرنسيا» ومرشحيه في مرسيليا وتولوز وروبيه.

وأوردت ​صحيفة (لو كانار أنشينيه) الساخرة والاستقصائية لاحقا أن السلطات تشتبه في شركة إسرائيلية، لكنها لم ‌تذكر اسمها.

وتسلط حملة التضليل المشتبه بها المنسوبة لبلاك كور الضوء على الوضع المشحون الذي أصبحت عليه حتى الانتخابات المحلية، في الوقت الذي تعاني فيه فرنسا ودول أخرى من ‌تزايد الاستقطاب السياسي والتهديدات التي تواجه الديمقراطية.

وتُظهر استطلاعات الرأي أن حزب فرنسا الأبية يثير انقساما في الآراء.

ويُتهم الحزب المؤيد للفلسطينيين باستمرار بمعاداة السامية من قبل بعض قادة المجتمع اليهودي وخصومه السياسيين، وهو ما ينفيه الحزب، بينما يشعر عدد من رجال الأعمال بالقلق إزاء سياساته التي تنطوي على ضرائب عالية وإنفاق مفرط.

ومع ذلك، لا يزال الحزب يتمتع بقاعدة دعم قوية تتراوح بين 10 في المائة و15 في المائة، وهي نسبة يقول محللون إنها ربما تكون كافية للوصول إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة، المقرر إجراؤها في أبريل نيسان 2027.

ومع ترجيح استطلاعات الرأي وصول حزب (التجمع الوطني) اليميني المتطرف إلى الجولة الثانية، يخشى الفرنسيون ‌المنتمون لتيار الوسط من احتمال حدوث جولة فاصلة بين اليمين المتطرف واليسار المتشدد.

وقال حزب فرنسا الأبية إن وكالة فيجينوم نبهته إلى تدخل أجنبي يستهدف مرشحيه، وذكر أنه يتعاون مع المحققين.

وقال الحزب في بيان «نتوقع أن تشهد الانتخابات (الرئاسية) المقبلة هجمات من هذا النوع».

وأضاف «من ⁠المحتمل أن تؤدي المستجدات التكنولوجية إلى تزايد هذا ⁠الخطر بشكل كبير».

بعد نشر هذه القصة، دعا مرشح فرنسا الأبية الرئاسي لعام 2027 وزعيم الحزب جان لوك ميلونشون الحكومة إلى إقرار تشريعات أكثر صرامة ضد التدخل الأجنبي.

وقال «نحن بحاجة إلى الحماية، وإذا حصلنا عليها، فستحصل عليها جميع (الأحزاب) الأخرى أيضا».

وقالت وزارة الخارجية الإسرائيلية، إنها ليست على علم بوجود «بلاك كور».

* تشويه سمعة مرشحين

انسحب ديلوجو من الجولة الثانية من انتخابات مرسيليا لتجنب انقسام أصوات اليسار، ورفع دعوى تشهير في مارس بعد أن استهدفه موقع «مدونة صوفي» الذي لم يعد موجودا الآن، بعد التلميح إلى سلوك جنسي غير لائق لم يحدد.

كما انتشرت في أنحاء مرسيليا رموز استجابة سريعة (كيو.آر)، التي يمكن مسحها ضوئيا بالهاتف الذكي لتوجيه المستخدمين إلى موقع إلكتروني، وكان ذلك هو موقع المدونة. ولم تتمكن «رويترز» من تحديد هوية كاتب المدونة أو الاتصال به.

وأحجم محامي ديلوجو عن الكشف عن مضمون الشكوى لكنه أكد أنها تتعلق بالمدونة ورموز كيو.آر. ولم يرد ممثلو الادعاء في مرسيليا على طلبات للتعليق.

وقالت فيجينوم إن جيرو الفائز في انتخابات روبيه استُهدف من قبل «صفحات فيسبوك مرتبطة بالمخطط نفسه». ولم يرد جيرو على طلبات للتعليق.

وقال بيكيمال، وهو نائب قاد تحالفا يساريا في تولوز لكنه خسر في الجولة الثانية بفارق ضئيل، إنه توجه إلى الشرطة بعد أن استهدفته حسابات مجهولة على وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع إلكترونية وإعلانات مسيئة في صحيفة محلية.

وعبر بيكيمال عن أمله في أن تكشف التحقيقات الجنائية عن هوية من يقف وراء ​هذه الهجمات. وقال إنه يعتقد أنه استُهدف بسبب دعمه لغزة ولأنه «قادر على الفوز ​في ثالث أكبر مدينة في فرنسا».

وبعد خسارته الانتخابات، سعى بيكيمال إلى إلغاء النتيجة بسبب ما قال إنه تدخل أجنبي. ولم تصدر محكمة تولوز الإدارية حكمها بعد.