اجتماع جنيف: الأوروبيون يناقشون والأميركيون يقررون

لم يسفر عن نتيجة ملموسة... وبروكسل تسعى لإقناع إيران بالتفاوض دون وقف لإطلاق النار

وزراء خارجية فرنسا وبريطانيا وألمانيا (وفي الصف الخلفي مسؤولة الخارجية في الاتحاد الأوروبي) يتحدثون للصحافة عقب انتهاء اجتماع في جنيف الجمعة مع وزير الخارجية الإيراني (أ.ب)
وزراء خارجية فرنسا وبريطانيا وألمانيا (وفي الصف الخلفي مسؤولة الخارجية في الاتحاد الأوروبي) يتحدثون للصحافة عقب انتهاء اجتماع في جنيف الجمعة مع وزير الخارجية الإيراني (أ.ب)
TT

اجتماع جنيف: الأوروبيون يناقشون والأميركيون يقررون

وزراء خارجية فرنسا وبريطانيا وألمانيا (وفي الصف الخلفي مسؤولة الخارجية في الاتحاد الأوروبي) يتحدثون للصحافة عقب انتهاء اجتماع في جنيف الجمعة مع وزير الخارجية الإيراني (أ.ب)
وزراء خارجية فرنسا وبريطانيا وألمانيا (وفي الصف الخلفي مسؤولة الخارجية في الاتحاد الأوروبي) يتحدثون للصحافة عقب انتهاء اجتماع في جنيف الجمعة مع وزير الخارجية الإيراني (أ.ب)

لم يسفر اجتماع جنيف الوزاري، الجمعة، الذي استمر أربع ساعات في فندق «إنتركونتيننتال» المطل على بحيرة ليمان، بين الوفدين الأوروبي والإيراني، عن أي نتائج إيجابية يمكن أن تؤشر إلى لقاءات لاحقة. وفي الوقت عينه، فإن الضغوط الأميركية على الطرفين المذكورين تتصاعد لجهة حصر مهمة الوساطة الأوروبية في أسبوعين.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تلقى اتصالا من نظيره الإيراني مسعود بيزكشيان السبت وحثه على التفاوض سبيلا لوضع حد للحرب بين إيران وإسرائيل (رويترز)

وفي الوقت ذاته، تواصل واشنطن تعزيز قواتها البحرية والجوية الضاربة في منطقة ممتدة من المحيط الهندي إلى مياه الخليج والبحر الأبيض المتوسط. وكعادته، لم يتردد الرئيس دونالد ترمب في إرباك الأوروبيين بتأكيده، الجمعة، ثلاثة أمور: الأول أن طهران تتواصل مع إدارته، وهو ما ينفيه الجانب الإيراني، فيما تتوفر معلومات عن اتصالات بين الجانبين عبر الوسيط القطري. والثاني أن إيران تريد الحوار مع الجانب الأميركي، وليس مع الأوروبيين. والثالث (وهو الأهم) أن أوروبا لا يمكنها أن تقدم المساعدة في الملف النووي الإيراني. وأهمية تأكيدات ترمب أنها تتناقض تماماً مع الأجواء التي أوحى بها وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وبريطانيا، يومي الخميس والجمعة، وقوامها أن المهمة التي يقومون بها تتم بالتنسيق مع الجانب الأميركي.

ورغم غياب النتائج، فإن وزير الخارجية الفرنسي الذي طرح في الاجتماع «ورقة العمل» التي صاغها الرئيس ماكرون، والتي تستعيد إلى حد بعيد المطالب الأميركية التي رفضتها إيران خلال ست جولات من المفاوضات المتنقلة بين مسقط وروما، أكد عقب الاجتماع أن «جميع المشاركين أعربوا عن استعدادهم لمواصلة المناقشات»، ولكن من غير تحديد الزمان والمكان.

رغم ما سبق، فإن الأمور لا تبدو «مقفلة» تماماً، والدليل على ذلك الاتصال الهاتفي الذي جرى أمس بين الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون بمبادرة من الأول، وذلك رغم الموقف المتشدد الذي تتمسك به باريس (ومعها برلين ولندن)، لجهة رفض تمكين إيران من مواصلة تخصيب اليورانيوم على أراضيها، ودفعها إلى مناقشة برنامجها الصاروخي والباليستي بغرض تحجيمه، ومطالبتها بالكف عن السياسة التي مارستها لسنوات، والتي يعتبرها الغربيون مزعزعة للاستقرار بسبب الدعم الذي توفره لحلفائها ووكلائها في المنطقة.

الوزراء الثلاثة ومسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي بعد انتهاء الاجتماع الخاص بالملف النووي في جنيف (إ.ب.أ)

ويضاف إليه مساندتها لروسيا عسكرياً في حربها على أوكرانيا. وجاء في تغريدة لماكرون، على منصة «إكس» ما نصه: «أعربتُ (للرئيس بزشكيان) عن قلقي العميق بشأن البرنامج النووي الإيراني. وهنا أيضاً موقفي واضح، وهو أنه يجب ألا تمتلك إيران السلاح النووي، ويقع على عاتقها تقديم جميع الضمانات بأن نياتها سلمية. أنا مقتنع بأنه لا يزال هناك طريق للخروج من الحرب وتفادي مخاطر أكبر. ومن أجل تحقيق ذلك، سنسرّع المفاوضات التي بدأتها فرنسا وشركاؤها الأوروبيون مع إيران».

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يتحدث في جنيف (أ.ب)

مصير الوساطة الأوروبية

الأهم فيما كتبه ماكرون ما تضمنته الجملة الأخيرة الخاصة بـ«تسريع المفاوضات» الأوروبية - الإيرانية التي يرى فيها الرئيس الفرنسي وسيلة لوضع حد للحرب، خصوصاً «تفادي مخاطر أكبر» في تلميح لاحتمال أن تنضم الولايات المتحدة الأميركية إلى العمليات العسكرية التي تقوم بها إسرائيل في إيران منذ 13 من الشهر الحالي. والمعنى الآخر لكلام ماكرون أن أوروبا يمكن أن تلعب دوراً، بعكس ما يؤكده ترمب، واعتباره، ضمناً، أن ما لم تحصل عليه واشنطن في المفاوضات المباشرة مع إيران يمكن أن يحصل عليه الأوروبيون، اليوم، بسبب الضربات التي أصابت البرنامج النووي الإيراني والمنظومة العسكرية، سلاحاً وقيادةً، وما يصدر عن الجانب الإسرائيلي حول عزمه على مواصلة الحرب وهو ما زال، حتى اليوم، يتمتع بدعم واشنطن.

واللافت فرنسياً كلام وزير الخارجية الذي دعا السبت إلى «النظر في إطلاق المفاوضات مع جميع الأطراف، بما فيها الطرف الأميركي، وذلك من غير انتظار توقف الضربات (العسكرية الإسرائيلية) وهذا ما نتمناه». وشدد بارو على أن المفاوضات وحدها «تتيح لنا أن نجد حلاً لمسألة أمن إسرائيل الذي نتمسك به وأمن الشرق الأوسط وأوروبا... ولذا من المهم جداً العودة إلى المفاوضات».

ما يهم الأوروبيين بالدرجة الأولى تجنُّب التصعيد. وما يهم الطرف الإيراني المعزول، عملياً، على المسرح العالمي أن يجد طرفاً يستطيع التفاوض معه يساعده على تخفيف المطالب الأميركية. ومن الناحية النظرية، فإن الطرف الأوروبي هو الأكثر أهلية لذلك، بالنظر للتاريخ الطويل من تعاطي الجانبين في الملف النووي؛ منذ عام 2003. لكن الصعوبة تكمن في أن الترويكا الأوروبية (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) تتبنى كلياً المطالب الأميركية، وأولها منع إيران من تخصيب اليورانيوم، بأي درجة كانت، على أراضيها.

صورة نشرتها وزارة الخارجية الألمانية تُظهر (من اليمين) وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي ووزير الخارجية الألماني يوهان فادفول وهو يصافح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في جنيف (أ.ف.ب)

ومن المعلوم أن هذه المسألة شكلت الخلاف الأساسي خلال المفاوضات الأميركية - الإيرانية. وعلم في باريس أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ردّ على نظرائه الأوروبيين الذين انضمت إليهم كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد، بأن هذا المطلب يتناقض مع معاهدة منع انتشار السلاح النووي التي وقَّعت عليها طهران في الستينات. كذلك، فإن عراقجي كرر، في بيان، موقف بلاده الذي يربط السير بالمفاوضات، خصوصاً مع الولايات المتحدة، بوقف العمليات العسكرية ضدها، وهو ما ترفضه إسرائيل إطلاقاً، وفق آخر تصريحات لرئيس وزرائها ووزير دفاعها. وقال عراقجي إن إيران «مستعدة للنظر في حل دبلوماسي إذا وُضع حد للاعتداء، وإذا حُمّل المعتدي (إسرائيل) مسؤولية جرائمه».

لا أوراق أوروبية ضاغطة

حقيقة الأمر أن مواصلة الأوروبيين لمهمتهم وربما نجاحها مرهونان بالتقبُّل والمشاركة الأميركيين. وعبَّر وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول عن ذلك صراحة بقوله: «من المهم بالنسبة لنا (كأوروبيين) أن نشارك في المحادثات، ولكن من المهم قبل ذلك أن تكون الولايات المتحدة جزءاً منها وجزءاً من الحل». ودعمه في هذا الموقف نظيره البريطاني ديفيد لامي بقوله: «ندعو إيران إلى مواصلة المناقشات مع الولايات المتحدة».

جانب من اللقاء الوزاري الأوروبي - الإيراني في جنيف أمس (أ.ف.ب)

ويُستشف من ذلك كله أن الطرف الأوروبي، الراغب في لعب دور ما والعودة إلى طاولة المفاوضات، كما اعتاد على ذلك منذ سنوات، ليس على اطلاع على القرار الذي قد يتخذه الرئيس ترمب، وبالتالي فإنه يسعى للالتصاق به وبطروحاته إلى أقصى حدّ لتجنُّب انتقاداته. وفي لعبة رمي الكرات في ملعب الطرف الآخر، فإن المفاوض الأوروبي لا يتردد في الضغط على المفاوض الإيراني، لأنه الطرف الأضعف، الذي، رغم ذلك، ما زال يقاوم لإنقاذ برنامجه النووي في حده الأدنى بدلاً من الدخول في مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة سيكون هو الطرف الخاسر فيها.

في عددها ليوم السبت، نقلت صحيفة «لوموند» الفرنسية عن مصدر إيراني في جنيف قوله: «تود أوروبا إطاراً شاملاً للمفاوضات، لا سيما بشأن الملف النووي، يشمل الولايات المتحدة، ولكن بشكل تدريجي. لقد استمرت المناقشات بين إيران والاتحاد الأوروبي دائماً بفضل الإرادة السياسية من كلا الجانبين، غير أن عودة الولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات لن تكون ممكنة إلا بعد وقف الأعمال العدائية». وبكلام آخر: إيران مستعدة للتحاور مع الأوروبيين سواء توقف القصف الإسرائيلي أم لم يتوقف.

تكمن صعوبة المفاوض الأوروبي في أنه لا يملك أي ورقة ضاغطة على إسرائيل ولا على الولايات المتحدة. وبالمقابل، فإنه راغب في استعادة دورٍ فقده مع عودة ترمب إلى البيت الأبيض. ولذا، عليه أن يضاعف الجهود وإثبات جدواه لإقناع الأطراف الثلاثة الأخرى (إيران وإسرائيل والولايات المتحدة) بإفساح المجال أمامه لمواصلة مساعيه، في حين أن الأطراف الثلاثة قادرة على تعطيلها في أي وقت شاءت.


مقالات ذات صلة

بعد 6 أشهر… الصراع مع إيران يؤول إلى جمود مكلف

شؤون إقليمية أشخاص يسيرون بجانب مجسم رمزي لصاروخ إيراني بأحد شوارع طهران في مشهد يعكس تصاعد الخطاب العسكري والتعبئة الداخلية بالتزامن مع المفاوضات الجارية حول اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب (رويترز)

بعد 6 أشهر… الصراع مع إيران يؤول إلى جمود مكلف

آلت الحرب مع إيران، بعد ستة أشهر، إلى حالة جمود مكلفة. فبعد ستة أشهر على الهجوم الذي شنته القوات الأميركية والإسرائيلية على إيران وأسفر عن مقتل المرشد الإيراني.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الدخان يتصاعد في طهران بعد غارة جوية

6 تداعيات لـ6 أشهر من حرب إيران

بعد ستة أشهر على بدء الولايات المتحدة وإسرائيل شن ضربات على إيران تحولت الحرب التي وصفها الرئيس دونالد ترمب بأنها «نزهة صغيرة» إلى مأزق يلقى رفضاً واسعاً

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ بارون ترمب يتابع والده الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال فعالية داخلية ضمن مراسم التنصيب في «كابيتال وان أرينا» بواشنطن 20 يناير 2025 (أ.ب) p-circle 01:09

«الخدمة السرية» تحقق في فيديو إيراني يهدد بارون ترمب

أكدت «الخدمة السرية» الأميركية أنها على علم بأن وسائل إعلام حكومية إيرانية بثت مقطع فيديو يبدو أنه يهدد حياة بارون ترمب، الابن الأصغر للرئيس الأميركي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي صورة تجمع نتنياهو وزوجته سارة في مركز انتخابي لحزب الليكود بالقدس يوم 17 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

نتنياهو يكشف أن إيران حاولت اغتيال أحد أبنائه

كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مساء الاثنين، أن إيران حاولت اغتيال أحد أبنائه.

نظير مجلي (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يهم بالصعود إلى طائرة «إير فورس وان» في بريطانيا (رويترز)

تشكيك أميركي في صدقية إسرائيل حول خطة إيرانية لاغتيال ترمب

شكك مسؤولون أميركيون في صحة معلومات مخابراتية إسرائيلية عن تهديد إيراني باستهداف طائرة «إير فورس وان» التي كانت ستقل الرئيس دونالد من تركيا الشهر الماضي.

علي بردى (واشنطن)

حكم 35 عاماً وكان أكبر ملوك أوروبا سناً... وفاة ملك النرويج

ملك النرويج هارالد الخامس (رويترز)
ملك النرويج هارالد الخامس (رويترز)
TT

حكم 35 عاماً وكان أكبر ملوك أوروبا سناً... وفاة ملك النرويج

ملك النرويج هارالد الخامس (رويترز)
ملك النرويج هارالد الخامس (رويترز)

أعلن القصر الملكي في ‌النرويج، اليوم الجمعة، ​وفاة ‌الملك ⁠هارالد ​ الخامس عن عمر ⁠ناهز 89 ⁠عاماً، ‌وهو ‌إصلاحي تولى ​العرش ‌قبل أكثر ‌من ثلاثة ‌عقود خلفاً لوالده الذي ⁠كان ⁠يحظى بشعبية كبيرة.

وكان القصر الملكي قد أعلن مطلع هذا الأسبوع تدهور الحالة الصحية للملك هارالد أثناء تلقيه العلاج في المستشفى، مؤكداً في السياق ذاته أنه يستجيب للعلاج.

الملك هارالد خلال حفل افتتاح الدورة الـ169 للبرلمان النرويجي (ستورتينغ) في أوسلو بالنرويج (رويترز)

وكان الملك قد أُدخل إلى مستشفى جامعة أوسلو منذ أسبوعين بسبب احتباس السوائل الناجم عن علاج بالكورتيزون، وحصل على إجازة مرضية لمدة أسبوعين.

واعتلى هارالد الخامس عرش النرويج عام 1991، وكان أكبر ملوك أوروبا سناً. وعانى مشكلات صحية متعددة خلال السنوات الأخيرة.

صورة رسمية التُقطت في 21 فبراير 1987 للملك هارالد في القصر الملكي بأوسلو وهو يحتفل بعيد ميلاده الخمسين (أ.ف.ب)

وفي عام 2024، أعلن أنه سيقلّص الأنشطة الرسمية التي يشارك فيها مراعاة لتقدمه في السن، لكنه استبعد التنحي ​عن العرش، قائلاً إن ​القَسَم الذي أداه ملكاً هو التزامٌ مدى الحياة.

وعُرف هارالد بملكية أكثر انفتاحاً وقرباً من المجتمع، وحرص على تقديم المؤسسة الملكية باعتبارها جزءاً من الحياة النرويجية الحديثة، مع احتفاظه بدور دستوري يغلب عليه الطابع التمثيلي والاحتفالي.

طفل في المنفى خلال الحرب العالمية الثانية

وُلد الأمير هارالد في 21 فبراير (شباط) 1937 في قصر «سكوغوم» بالقرب من أوسلو، وكان الابن الوحيد لولي العهد آنذاك أولاف والأميرة مارتا، وحفيد الملك هاكون السابع.

وكان أول أمير يولد في النرويج منذ 567 عاماً، في وقت كانت فيه الدستورية النرويجية لا تزال تحصر وراثة العرش في الذكور.

لكن طفولته تغيرت جذرياً مع الغزو الألماني للنرويج في أبريل (نيسان) 1940. فرّت العائلة المالكة من البلاد، وانتقل هارالد مع والدته وشقيقتيه إلى السويد، ثم إلى الولايات المتحدة، حيث أمضوا سنوات الحرب في المنفى.

عاد الأمير إلى النرويج في يونيو (حزيران) 1945، بعد استسلام ألمانيا، وبدأ تعليمه في مدارس عامة في أوسلو، في إطار حرص العائلة على أن ينشأ بصورة قريبة من أبناء جيله.

الملك هارالد الخامس ملك النرويج يقف في غرفة الطيور بالقصر الملكي في أوسلو (إ.ب.أ)

من ضابط عسكري إلى ولي للعهد

بعد إكمال دراسته الثانوية، التحق هارالد بمدرسة تدريب ضباط سلاح الفرسان ثم بالأكاديمية العسكرية النرويجية، قبل أن يتوجه إلى جامعة أكسفورد بين عامي 1960 و1962 لدراسة العلوم الاجتماعية والتاريخ والاقتصاد.

وأصبح ولياً للعهد عام 1957 بعد وفاة جده الملك هاكون السابع، وبدأ منذ ذلك الحين تولي مزيد من المهام الرسمية.

زواج من عامة الشعب أثار جدلاً

في عام 1968، تزوج ولي العهد هارالد من سونيا هارالدسن، وهي امرأة من عامة الشعب، بعد علاقة استمرت تسع سنوات.

وكان الزواج خروجاً عن تقاليد ملكية راسخة، إذ كان متوقعاً أن يتزوج وريث العرش من فرد ينتمي إلى أسرة ملكية أوروبية أو طبقة النبلاء، لكنه رفض ذلك من أجل الزواج من صديقته منذ أيام الدراسة.

وأثار اختياره جدلاً واسعاً في ذلك الوقت، حتى إن بعض المنتقدين توقعوا أن يؤدي الزواج إلى إضعاف النظام الملكي.

يظهر ولي عهد النرويج الأمير هارالد وزوجته سونيا هارالدسن بعد زواجهما في أوسلو (رويترز)

لكن الملك أولاف وافق في النهاية على الزواج بعد مشاورات مع البرلمان والحكومة، وأقيم حفل الزفاف في كاتدرائية أوسلو في أغسطس (آب) 1968. وأصبحت سونيا ملكة للنرويج بعد اعتلاء هارالد العرش.

وأنجب هارالد وسونيا طفلين: الأميرة مارتا لويز، التي وُلدت في 22 سبتمبر (أيلول) 1971، وولي العهد هاكون، الذي وُلد في 20 يوليو (تموز) 1973 وأصبح وريث العرش النرويجي.

ومع توسع الأسرة المالكة، أصبح هارالد وسونيا جدّين لخمسة أحفاد. فهاكون وزوجته ميتّه-ماريت لديهما الأميرة إنغريد ألكسندرا، التي وُلدت عام 2004، والأمير سفيري ماغنوس، المولود عام 2005.

أما الأميرة مارتا لويز، فلها ثلاث بنات من زواجها السابق من الكاتب آري بيهن: مود أنجليكا، المولودة عام 2003، وليا إيسادورا، عام 2005، وإيما تالولا، عام 2008. وفي عام 2024، تزوجت مارتا لويز الأميركي دوريك فيريت.

صورة عائلية التُقطت في 17 أكتوبر 2016 في القصر الملكي تُظهر الملك هارالد والملكة سونيا محاطين بأحفادهما بمناسبة بلوغهما الثمانين من العمر (أ.ف.ب)

ملك قريب من النرويجيين

خلال عهده الطويل، سعى هارالد إلى جعل الملكية أكثر قرباً من المجتمع، وبرز دوره خصوصاً خلال الأزمات الوطنية.

وبحسب الموقع الرسمي للعائلة المالكة، كان هارالد حاضراً في الاحتفالات الوطنية وفي لحظات الحزن العميق، وأصبح ظهوره في المناسبات العامة جزءاً من صورة الملكية النرويجية الحديثة.

كما عُرف بمواقف أكثر انفتاحاً بشأن قضايا اجتماعية، بينها التسامح الديني وحقوق الأقليات، ما عزز صورته كملك إصلاحي مقارنة بصورة الملكية التقليدية.

شغف بالبحر والرياضة

لم يكن هارالد ملكاً تقليدياً بعيداً عن الرياضة. فقد كان شغوفاً بالإبحار، ومثّل النرويج في منافسات دولية عدة.

وفي أولمبياد طوكيو عام 1964، حمل العلم النرويجي خلال حفل الافتتاح. وفي عام 1987 أصبح مع طاقمه بطلاً للعالم في الإبحار، ثم أحرز لقب بطولة أوروبا عام 2005.

واستمر في المشاركة في السباقات الوطنية والدولية حتى أعلن في عام 2022 انتهاء مسيرته التنافسية في الإبحار. كما كان مهتماً بالطبيعة والصيد والحياة البرية، وشغل في مرحلة من حياته منصب رئيس الفرع النرويجي للصندوق العالمي للطبيعة.

شارك ملك النرويج هارالد الخامس في بطولة العالم للإبحار للسفن التي تزن طناً واحداً على متن يخت «FRAM XI» في كوبنهاغن بالدنمارك... في 1 يوليو 1992 (إ.ب.أ)

ملك رفض التنحي

وشهدت السنوات الأخيرة من حياة هارالد تدهوراً صحياً متكرراً. فقد خضع لعملية لعلاج سرطان المثانة عام 2003، كما زُرع له جهاز لتنظيم ضربات القلب عام 2024، وتعرض في السنوات الأخيرة لعدة مشكلات صحية استدعت دخوله المستشفى.

ومع ذلك، رفض هارالد مراراً فكرة التنازل عن العرش، مؤكداً أن القسم الذي أداه أمام البرلمان التزام مدى الحياة.

وقبل وفاته، كان يتلقى العلاج في مستشفى جامعة أوسلو منذ 17 أغسطس (آب) بسبب فقر الدم الانحلالي، وهي حالة تحدث عندما تتدمر خلايا الدم الحمراء بوتيرة أسرع من قدرة الجسم على إنتاجها.

نهاية عهد طويل

وأنهت وفاة هارالد عهداً استمر أكثر من ثلاثة عقود، ترك خلاله بصمة واضحة على الملكية النرويجية، من خلال الجمع بين التقاليد والانفتاح على المجتمع.

وقال رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره إن البلاد فقدت ملكاً ارتبط بالنرويجيين وكان مصدر استقرار ووحدة في أوقات الأزمات.

وبعد وفاة هارالد الخامس، سوف يصبح نجله هو الملك هاكون الثامن تلقائياً.


حالة ملك النرويج الصحية «حرجة للغاية»... والمئات يتجمعون خارج قصره

رجل يلوّح بالعَلم النرويجي وسط مئات تجمعوا خارج القصر الملكي في أوسلو (د.ب.أ)
رجل يلوّح بالعَلم النرويجي وسط مئات تجمعوا خارج القصر الملكي في أوسلو (د.ب.أ)
TT

حالة ملك النرويج الصحية «حرجة للغاية»... والمئات يتجمعون خارج قصره

رجل يلوّح بالعَلم النرويجي وسط مئات تجمعوا خارج القصر الملكي في أوسلو (د.ب.أ)
رجل يلوّح بالعَلم النرويجي وسط مئات تجمعوا خارج القصر الملكي في أوسلو (د.ب.أ)

أعلن البلاط الملكي في النرويج، اليوم الخميس، أن الحالة الصحية للملك هارالد (89 عاماً) «حرجة للغاية»، وأن أفراد أسرته التفّوا حوله ​لساعاتٍ في المستشفى. وتجمّع مئات الأشخاص خارج القصر الملكي في أوسلو وفي وسط مدن نرويجية رئيسية أخرى، ووضع كثيرون منهم الزهور بانتظار أخبار أخرى عن صحة الملك.

وذكر القصر، في بيان ثان أصدره في وقت لاحق من اليوم، أن حالة الملك الصحية لا تزال كما هي، ‌وأن ولي ‌العهد الأمير هاكون، وزوجة الملك الملكة ​سونيا، ‌ألغيا ⁠عدة ​رحلات كانت ⁠مقررة.

ويتولى الملك هارالد الخامس، أكبر ملوك أوروبا سناً حالياً، منصب رئيس الدولة الرمزي في النرويج منذ عام 1991. ونُقل إلى المستشفى، في 17 أغسطس (آب) الحالي. وقال القصر الملكي إنه يتلقى العلاج من عدوى بكتيرية في الدم. وأفادت وسائل إعلام نرويجية ⁠بأن أفراداً من أسرة الملك، وبينهم ‌ولي العهد والملكة، شوهدوا ‌لدى وصولهم إلى مستشفى جامعة ​أوسلو حيث يتلقى الملك العلاج. ‌وشُوهد معظمهم بعد ذلك وهم يغادرون المكان.

نرويجيون وضعوا زهوراً خارج القصر الملكي في أوسلو (د.ب.أ)

وألغى ‌رئيس الوزراء يوناس جار ستوره زيارة لألمانيا بسبب حالة الملك، وقال، في بيان: «الأمة بأَسرها تقف معنا ونحن نبعث تعاطفنا الدافئ إلى الملك وبقية أفراد العائلة الملكية».

وقطع رئيس ‌البرلمان النرويجي مسعود قره خاني زيارة رسمية إلى آيسلندا وعاد إلى البلاد. ⁠وقالت ⁠لجنة العلاقات الخارجية والدفاع إن أعضاءها سيعودون إلى النرويج من كوريا الجنوبية.

وتُظهر استطلاعات الرأي أن النرويجيين، على نطاق واسع، يؤيدون الملكية. وعبَّر ما يقرب من ثلثي المشاركين، في استطلاعٍ أُجري في مايو (أيار) 2026، عن تأييدهم إياها. ويُعد هارالد أكثر أفراد العائلة المالكة شعبية، كما أوردت وكالة «رويترز».

وأعلن الملك، في عام 2024، أنه سيقلّص الأنشطة الرسمية التي يشارك فيها مراعاة لتقدمه في السن، لكنه استبعد التنحي ​عن العرش، قائلاً إن ​القَسَم الذي أداه ملكاً هو التزامٌ مدى الحياة.


تقرير: وفاة الجنرال الصربي البوسني السابق راتكو ملاديتش

راتكو ملاديتش الجنرال الصربي خلال إحدى جلسات محاكمته في لاهاي 8 يونيو 2021 (أ.ب)
راتكو ملاديتش الجنرال الصربي خلال إحدى جلسات محاكمته في لاهاي 8 يونيو 2021 (أ.ب)
TT

تقرير: وفاة الجنرال الصربي البوسني السابق راتكو ملاديتش

راتكو ملاديتش الجنرال الصربي خلال إحدى جلسات محاكمته في لاهاي 8 يونيو 2021 (أ.ب)
راتكو ملاديتش الجنرال الصربي خلال إحدى جلسات محاكمته في لاهاي 8 يونيو 2021 (أ.ب)

أعلن التلفزيون الرسمي وفاة راتكو ملاديتش، الجنرال الصربي، الذي أشرف على أعمال مروِّعة في البوسنة خلال حقبة التسعينات الماضية، عن 84 عاماً في السجن.

وأفادت التقارير بأن ملاديتش توفي في مستشفى سجن تابع للأمم المتحدة في مدينة لاهاي الهولندية.

وأكد أحد أفراد عائلة ملاديتش، الذي تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته، تقارير الوفاة لوكالة «أسوشييتد برس»، وقال إن نجل ملاديتش، داركو ملاديتش، في طريقه إلى لاهاي.

وأصدرت محكمة أممية في لاهاي، في 2017، حكماً بالسجن مدى الحياة على جنرال صرب البوسنة راتكو ملاديتش وأدانته بالتورط في أعمال إبادة جماعية وجرائم أخرى خلال حرب البوسنة.

وذكرت المحكمة الجنائية الدولية في حكمها بحق ملاديتش أنه «العقل المدبر وراء مقتل آلاف الأشخاص» والملاحَق بتهم إبادة وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.

ويعد القائد العسكري الصربي السابق آخر المتهمين البارزين أمام هذه المحكمة التي أنشئت عام 1993 لمحاكمة الأشخاص الذين يُشتبه بارتكابهم جرائم حرب خلال حرب البلقان. ويرى المدعي سيرج براميرتس أنه «أحد أول الملفات التي بررت إنشاءها».