لماذا غيرت الولايات المتحدة موقفها من تسليم أوكرانيا طائرات «إف - 16»؟

مساعدات أميركية جديدة بقيمة 375 مليون دولار

لماذا غيرت الولايات المتحدة موقفها من تسليم أوكرانيا طائرات «إف - 16»؟
TT

لماذا غيرت الولايات المتحدة موقفها من تسليم أوكرانيا طائرات «إف - 16»؟

لماذا غيرت الولايات المتحدة موقفها من تسليم أوكرانيا طائرات «إف - 16»؟

قال مسؤول أميركي إن الرئيس، جو بايدن، سيعلن عن حزمة مساعدات عسكرية جديدة لأوكرانيا، بقيمة 375 مليون دولار، خلال قمة مجموعة الدول السبع في اليابان، بحضور الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي. وستشمل الحزمة مدفعية وصواريخ وراجمات «هيمارس»، مع ذخائرها. ويتوقع أن يطلب زيلينسكي، من دول المجموعة، إمكانات عسكرية جديدة، بما في ذلك طائرات «إف-16»، التي أبدى بايدن في وقت سابق موافقته على السماح لدول أخرى، بتزويد أوكرانيا بها، في قرار وصفه الرئيس الأوكراني بأنه «تاريخي».

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لا تخطط في الوقت الحالي على الأقل، لتسليم أوكرانيا طائرات «إف-16» مباشرة من مخزوناتها، غير أن موافقتها على قيام «طرف ثالث» بهذه الخطوة، تشير إلى حسابات سياسية أبعد، وعلى علاقة بمستقبل أوكرانيا. وهو ما أشار إليه مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان، السبت من اليابان، قائلاً: «وصلنا إلى لحظة حان الوقت فيها للنظر إلى الأمام... ما الذي ستحتاجه أوكرانيا كجزء من قوة مستقبلية، لتكون قادرة على ردع العدوان الروسي والدفاع ضده... ونحن نمضي قدماً؟».

حتى اللحظة لا يعد سماح البيت الأبيض لدولة ثالثة بتسليم تلك الطائرات، أمراً قابلاً للتنفيذ الفوري؛ إذ يتوجب عليه إخطار الكونغرس رسمياً، وإعطاؤه فرصة للاعتراض، وهي خطوة لم تتخذها إدارة بايدن بعد. ويجري عادة تقصير المهلة الزمنية لاستجابة الكونغرس لهذا الإخطار، من 30 إلى 15 يوماً، إذا كانت «الدولة الثالثة» التي تطلب الموافقة، عضواً في «الناتو» أو من الحلفاء المقربين للولايات المتحدة.

ورغم اعتراض بعض المشرعين الأميركيين في الآونة الأخيرة على كمية الأموال المنفقة على الحرب في أوكرانيا، غير أن دعمها لا يزال واسعاً وعميقاً، خصوصاً أن الكونغرس قد لعب أخيراً، دوراً كبيراً في حث الرئيس بايدن على اتخاذ خطوة السماح بنقل طائرات «إف - 16» لطرف ثالث. ويرى الكثير من المراقبين أن توفير تلك الطائرات جزء من التفكير في كيفية الدفاع عن أوكرانيا على المدى الطويل، بعد انتهاء المرحلة الحالية من الحرب.

هجوم الربيع لن ينهي الصراع

ويضيف هؤلاء أن قرار إدارة بايدن تسليم الطائرة، يشير إلى أن واشنطن وحلفاءها يعتقدون الآن أنه، حتى لو كانت هناك نهاية تفاوضية للقتال، وربما هدنة شبيهة بالحرب الكورية، فإن أوكرانيا ستحتاج إلى قدرة طويلة الأجل، لردع روسيا الغاضبة والخاضعة للعقوبات. وفي هذه الحالة، قد يكون قرار تسليم «إف - 16»، أفضل دليل حتى الآن على أن الإدارة تعتقد أنه بينما ستبقى أوكرانيا على قيد الحياة، يمكن أن يستمر الصراع لسنوات، إن لم يكن لعقود. ووفقاً لمسؤولين أميركيين وأوروبيين وأوكرانيين، فإن التحول هو نتيجة الضغط المستمر من الحلفاء والكونغرس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

كما تأتي موافقة بايدن على تزويد كييف بطائرات مقاتلة، وسط مخاوف من أن الهجوم المضاد الأوكراني قد لا يتمكن من توجيه ضربة قاضية كان يأمل الكثيرون في حدوثها؛ إذ رغم المقاومة الأوكرانية الجريئة خلال الأشهر الماضية، خصوصاً في باخموت، غير أن الكثير من المسؤولين في واشنطن والعواصم الغربية، يشعرون بالقلق من أن الحرب ستستمر هذا العام، وربما بعد ذلك. وقالت أوساط عدة، إن وزير الخارجية أنطوني بلينكن، لعب دوراً رئيسياً داخل إدارة بايدن، للضغط والسماح للحلفاء بنقل الطائرات، بتنسيق واسع مع دول مختلفة داخل «الناتو». وهو الدور نفسه الذي لعبه بلينكن، خلال مناقشات تسليم الدبابات لأوكرانيا، ما أدى إلى الإعلان عن تسليم دبابات «أبرامز» الأميركية و«ليوبارد» الألمانية، وقبلها دبابات «تشالينجر» البريطانية.

كان قادة البنتاغون يعتقدون أن تسليم الطائرات المقاتلة لن يسهم في أية عملية عسكرية تستعد أوكرانيا لتنفيذها، فيما يعرف بهجوم الربيع؛ فالقوات الأوكرانية التي تلقت تدريبات على تشغيل مدفعيتها ودباباتها وقوات المشاة، مع دفاعاتها الجوية، لا تحتاج إلى تلك الطائرات. ويضيف هؤلاء أنه بعدما خسرت روسيا تفوقها الجوي، وبالكاد تطير طائراتها فوق الأجواء الأوكرانية، وتعاني بشكل كبير من فقدان المعدات التكنولوجية للحفاظ على طائراتها في الجو، مع ازدياد حوادث سقوط مقاتلاتها في الآونة الأخيرة، فإن طائرات كييف من الحقبة السوفيتية كافية للقيام بمهامها الدفاعية.

أوكرانيا تتموضع أميركياً

غير أن أوكرانيا أعلنت أنها لا تسعى للحصول على طائرات مقاتلة متطورة من أجل الاشتباك مع الطائرات الروسية، التي نادراً ما تحلق فوق أراضها، بل لتتمكن من إطلاق صواريخ من خلف خطوطها الأمامية، عبر الدفاعات الروسية لضرب مواقع القيادة وخطوط الإمداد ومستودعات الذخيرة. كما أن إصرارها على الحصول على طائرة «إف - 16» تحديداً، يشير إلى خططها المستقبلية في كيفية بناء قواتها المسلحة وتموضعها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة. ونقلت وسائل إعلام أميركية عن مسؤولين أميركيين، قولهم إن الأوكرانيين أبلغوهم بأن معظم الصواريخ الروسية التي تستهدف المدن الأوكرانية والبنية التحتية المدنية، تطلق من داخل روسيا أو فوق البحر الأسود.

وقال وزير الدفاع الأوكراني، أوليكسي ريزنيكوف، في مقابلة أخيرة، إن الرادار الموجود على الطائرات الأوكرانية من الحقبة السوفيتية «يمكنه رؤية 60 كيلومتراً فقط وضرب أهداف باستخدام صواريخ يبلغ مداها 30 كيلومتراً فقط». «في حين أن المقاتلات الروسية الحديثة، مثل «سو-35»، «يمكنها رؤية مدى أطول، يصل إلى 200 كيلومتر، وضرب أهداف بمدى يزيد على 150 كيلومتراً». «إنه فرق كبير». ومن بين جميع المقاتلات الغربية من الجيل الرابع، بما في ذلك طائرات «تورنادو» البريطانية، و«ميراج» الفرنسية، فإن «إف - 16» مرغوبة للغاية، بسبب قدراتها المتنوعة من حمولاتها إلى أنواع الصواريخ التي تطلقها ومداها أو راداراتها. وتطلب أوكرانيا سربين على الأقل، كل واحد من 12 طائرة، وترغب في الحصول على تجهيز ثلاثة أو أربعة أسراب، أي ما قد يصل إلى 48 طائرة.

وكرر مستشار الامن القومي سوليفان تأكيدات بايدن بأن الولايات المتحدة، ستواصل «دعم أوكرانيا ودفاعها وسيادتها وسلامة أراضيها»، «بطريقة تتجنب الحرب العالمية الثالثة»، في إشارة للتهديدات الروسية. وهي إشارة غالباً ما استخدمتها إدارة بايدن منذ بداية الصراع، خلال تدرجها في تسليم الأسلحة لأوكرانيا، للحفاظ على عدم التصعيد مع روسيا، واختبارها في الوقت نفسه. وفي الآونة الأخيرة، كان هناك استنتاج أميركي بأن الجيش الروسي سيحتاج إلى أكثر من عقد لإعادة بناء قدراته التقليدية. وكان الخوف، هو من لجوء الرئيس فلاديمير بوتين إلى استخدام، إما قدرات أسلحته الإلكترونية الكبيرة لمهاجمة البنى التحتية لدى الغرب، وإما التهديد باستخدام ترسانته النووية، لوقف المساعدات لكييف. لكن الحرب الإلكترونية كانت ستؤدي إلى حرب مفتوحة مع الغرب في حالة استخدامها، في حين أن موقف الصين الحاسم من استخدام السلاح النووي، كان رادعاً فعلياً لبوتين، وهو ما جعل واشنطن تصل إلى اقتناع بأن تسليم الطائرات المقاتلة، لن يكون سوى خطوة إضافية على طريق إزالة الخطوط الحمراء.


مقالات ذات صلة

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ) p-circle

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

بدا أنَّ الكرملين يواجه مخاطر جديدة انعكست في تسريع وتائر عسكرة أوروبا، وتفاقم التهديدات في المجال الحيوي المحيط بروسيا.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ) p-circle

قمة أوروبية في قبرص بمشاركة زيلينسكي بعد صرف 100 مليار دولار لأوكرانيا

وافق الاتحاد الأوروبي على صرف قرض بقيمة 90 مليار يورو (106 مليارات دولار) لكييف، بعدما تأخر شهوراً بسبب نزاع بين أوكرانيا والمجر على خط أنابيب متضرر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الأمير هاري يصل إلى محطة قطار كييف (رويترز)

الأمير هاري يقوم بزيارة مفاجئة إلى أوكرانيا

زار الأمير البريطاني هاري كييف «لتذكير المواطنين في بلاده والمواطنين في جميع أنحاء العالم» بحرب أوكرانيا مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
رياضة عالمية فلاديمير بوتين خلال استقباله لاعبين ولاعبات في بطولة الملاكمة (أ.ب)

بوتين يهاجم القيادة السابقة للجنة الأولمبية الدولية... ويصفها بـ«المخزية والجبانة»

انتقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أمس (الأربعاء)، القيادة السابقة للجنة الأولمبية الدولية، واصفاً إياها بأنها «مخزية وجبانة».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا فرق إطفاء تعمل على إخماد حريق شب عقب هجوم روسي على دنيبرو في شرق وسط أوكرانيا (رويترز)

مقتل شخصين على الأقل بهجوم روسي على دنيبرو

قُتل شخصان على الأقل وفقد ثالث وأصيب ثمانية في هجوم روسي على دنيبرو في شرق وسط أوكرانيا، وفق ما أعلنت السلطات الإقليمية الخميس.

«الشرق الأوسط» (كييف)

ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
TT

ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)

قال ​رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم الخميس، إنه ‌يشعر «بقلق متفاقم» ‌إزاء ازدياد ​استخدام ‌دول أجنبية ​وكلاء لتنفيذ هجمات في بريطانيا.

وأوضح ستارمر، بعد اجتماعه بأعضاء من المجتمع ‌اليهودي في بريطانيا: «أشعر بقلق متزايد من أن عدداً من الدول تستخدم وكلاء لتنفيذ هجمات في ​هذا البلد».

وتعهّد رئيس الوزراء البريطاني، وفقاً لوكالة «رويترز»، بتقديم تشريع جديد في ‌أعقاب ‌هجمات خلال ‌الآونة ‌الأخيرة.

وألقت ‌شرطة مكافحة الإرهاب في بريطانيا، الأربعاء، ​القبض على شخصين بتهمة التخطيط لتنفيذ هجوم إحراق متعمَّد بموقع مرتبط باليهود في لندن. وأعلنت شرطة العاصمة ‌لندن إطلاق سراح سبعة أشخاص آخرين بكفالة، بعد اعتقالهم في وقت سابق، ‌في إطار التحقيق.

وتُجري الشرطة البريطانية تحقيقات في سلسلة من الهجمات على مواقع مرتبطة باليهود في العاصمة، في إطار تصاعدٍ أوسع نطاقاً في التهديدات المُعادية للسامية والنشاط الإجرامي منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر ​(تشرين ​الأول) 2023.


5 جرحى في حالة حرجة جراء اصطدام قطارين بالدنمارك

TT

5 جرحى في حالة حرجة جراء اصطدام قطارين بالدنمارك

اصطدام قطارين في منطقة غابات شمال مدينة هيليرود بالدنمارك (رويترز)
اصطدام قطارين في منطقة غابات شمال مدينة هيليرود بالدنمارك (رويترز)

أسفر اصطدام قطارين، صباح الخميس، في الدنمارك، على بعد نحو 40 كيلومتراً شمال كوبنهاغن، عن إصابة 18 شخصاً؛ 5 منهم في «حالة حرجة»، وفق السلطات الأمنية.

وأكدت الشرطة أنها غير قادرة حالياً على تقديم أسباب وقوع هذا الحادث في منطقة غابات بشمال مدينة هيليرود.

وقالت الشرطة، في بيان، عند منتصف النهار، نقلاً عن «الخدمات الصحية»: «أصيب 18 شخصاً في الحادث؛ بينهم 5 في حالة حرجة».

وأوضحت الشرطة المحلية، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنها تلقت الإنذار في الساعة الـ06:29 (الـ04:29 بتوقيت غرينيتش).

وبيّن رئيس قسم الأطباء في خدمات الطوارئ بمنطقة كوبنهاغن، آندرس دام هييمدال، في وقت سابق، خلال مؤتمر صحافي: «تخيلوا قطارين يصطدمان وجهاً لوجه. هذا يسبب إصابات كثيرة؛ إذ يُقذف الناس في كل الاتجاهات».

وقد تسبب هذا الاصطدام الأمامي في أضرار جسيمة بمقدمة القطارين ذَوَيْ اللونين الأصفر والرمادي، حيث دُمرت غرف القيادة بالكامل وسُحقت بفعل قوة الاصطدام، كما تحطم الزجاج الأمامي والنوافذ تماماً، وفق ما أفادت به صحافية في «وكالة الصحافة الفرنسية» من المكان، وما أظهرته صور وسائل الإعلام المحلية. ولم يخرج القطاران ولا قاطرتاهما عن السكة.

فرق الإنقاذ بموقع اصطدام قطارين في الدنمارك (رويترز)

وأوضحت الشرطة في تحديث لاحق للمعطيات أن إجمالي عدد الركاب الذين كانوا على متن القطارين بلغ 37 راكباً.

ونُقل جميع الجرحى إلى مستشفيات المنطقة، فيما كانت فرق الإنقاذ قد أنهت عملها في منتصف الصباح، بعد تعبئة كبيرة شاركت فيها الشرطة وخدمات الإسعاف.

وقد خصصت بلدية هيليرود خدمة مرافقة ودعم لاستقبال الأشخاص غير المصابين وذويهم.

وقال منسّق عمليات الإنقاذ في البلدية، مايكل يورغن بيدرسن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «21 شخصاً حضروا إلى المركز، جاء معظمهم من القطار الآتي من الشمال ومن المتجهين إلى عملهم... كانوا في حالة صدمة مما حدث».

وتُجري الشرطة حالياً تحقيقات فنية في الموقع، وقد جرى تأمين محيط المنطقة بالكامل.


حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
TT

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

منذ اندلاع الحرب في إيران، برز السؤال الأكبر حول تداعياتها المحتملة على روسيا وملفات العلاقة الروسية الغربية، خصوصًا في سياق استعصاء التسوية الأوكرانية، وتبدُّل أولويات الإدارة الاميركية في التعامل مع الملفات المطروحة على أجندة العلاقة مع موسكو. انصبَّ التركيز في الأسابيع الماضية على الفرص التي وفَّرتها المواجهة القائمة للكرملين، لا سيما على صعيدَي تكثيف الهجمات في أوكرانيا، وتسريع محاولات تكريس وقائع ميدانية جديدة، مستفيداً من انشغال العالم بالحرب الجارية في الشرق الأوسط، فضلاً عن انتعاش آمال قطاعَي النفط والغاز بتخفيف جزئي أو كامل للعقوبات المفروضة على روسيا لتعويض النقص الحاصل في الأسواق. لكن في المقابل، بدا أنَّ الكرملين يواجه مخاطر جديدة انعكست في تسريع وتائر عسكرة أوروبا، وتفاقم التهديدات في المجال الحيوي المحيط بروسيا.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على مدخل قصر «الإليزيه» 13 مارس 2026 (أ.ب)

خسائر في حوض قزوين

يقول خبراء روس إنَّ حرب إيران، ومهما كان سيناريو التوصُّل إلى تسوية نهائية حولها، لعبت دورًا مهماً في تكريس واقع جديد في العلاقات الدولية، يقوم على تأجيج نزعات التسلح وإعلاء مبدأ استخدام القوة. وفي حين أنَّ موسكو كانت حذَّرت مرارًا في وقت سابق من أنَّ أوروبا تعمل على عرقلة التسوية في أوكرانيا، وتستعد بشكل حثيث لمواجهة مستقبلية محتملة مع روسيا، فإنَّ هذا المسار وفقاً لمحللين مقربين من الكرملين اتخذ منحى تصاعدياً سريعاً بعد صدمة المواجهة المشتعلة في الشرق الأوسط.

المستشار الألماني والرئيس الأوكراني يحضران عرضاً لعربة عسكرية «يتم التحكم فيها عن بعد» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

في هذا الإطار، لم يعد الحديث في موسكو يقتصر على التداعيات السلبية لـ«إضعاف» إيران على المصالح الروسية في منطقة حوض قزوين مثلاً، التي بالإضافة إلى البعد الجيوسياسي كون منطقة جنوب القوقاز تُشكِّل الخاصرة الرخوة لروسيا تاريخياً، فهي تُشكِّل عقدةً مهمةً للغاية للإمدادات الروسية وعمليات نقل البضائع، بصفتها جزءًا أساسيًا من ممرات النقل شمالي جنوب. ورغم ذلك، فإنَّ الخسائر الروسية المحتملة في هذه المنطقة لا تكاد تذكر بالمقارنة مع تأثيرات التمدد العسكري حول روسيا من جهة الغرب.

الاتحاد الأوروبي... كتلة عسكرية

عندما أطلق نائب رئيس مجلس الأمن القومي ديمتري مدفيديف تحذيره القوي قبل أسابيع قليلة من أنَّ الاتحاد الأوروبي يتحوَّل سريعاً إلى كتلة عسكرية تكاد تكون أخطر على روسيا من حلف شمال الأطلسي، تعامل كثيرون مع التحذير بوصفه نوعًا من التصريحات النارية المتكرِّرة التي أطلقها السياسي الروسي المتشدد، والتي كان بينها التلويح بالقوة النووية مرارًا لحسم المعركة في أوكرانيا.

لكن التطورات اللاحقة أظهرت أنَّ موسكو بدأت تتعامل بجدية مع تصاعد التهديدات على حدودها الغربية، بشكل يعيد رسم العلاقة بشكل كامل على المدى البعيد مع الاتحاد الأوروبي الذي كان حتى سنوات قريبة مضت الشريك الاقتصادي الأول لروسيا. وهذا يعني أنَّ المشكلة التي كانت محصورة فقط، في التعامل مع أسس التسوية الأوكرانية غدت أكثر اتساعًا وأبعد تأثيرًا؛ لأنَّ، وكما يقول سياسيون مقربون من الكرملين، «الصراع المقبل سيكون أطول عمراً بكثير من الصراع في أوكرانيا وحولها».

في هذا الإطار، جاءت التحذيرات الروسية المتتالية من تداعيات زيادة الإنفاق العسكري في أوروبا، وتحوُّل أولويات القارة نحو المواجهة، وتبني سياسات واستراتيجيات جديدة تضع روسيا مصدر تهديد محتمل، وعدوًا رئيسيًا.

صورة من قمر اصطناعي لنيران في مستودعات تخزين للنفط بمرفأ أوست - لوغا على بحر البلطيق الذي استُهدف مراراً بغارات أوكرانية (رويترز)

استراتيجية عسكرية ألمانية

وفي أحدث تجلٍّ لهذا التحوُّل، رأى الكرملين أنَّ إعلان ألمانيا استراتيجيتها العسكرية الجديدة التي تبنَّت للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية مبادئ تعدّ روسيا التهديد الأساسي لأمن أوروبا يضع القارة أمام استحقاق جديد وخطير يذكر بمراحل المواجهة الكبرى مع ألمانيا النازية.

وكان وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، رأى في أثناء عرضه المفهوم الدفاعي الشامل لبلاده في برلين: «تستعد روسيا لمواجهة عسكرية مع حلف (الناتو) وتواصل التسلح، كما تعدّ استخدام القوة العسكرية أداةً مشروعةً لتعزيز مصالحها». وقال إن موسكو تهدف إلى تدمير حلف «الناتو» بقطع الروابط الأوروبية الأميركية، وتسعى إلى توسيع نفوذها.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يستعرضان حرس الشرف أمام المستشارية الاتحادية في برلين أمس (د.ب.أ)

وأضاف: «نحن بصدد تحويل الجيش الألماني إلى أقوى جيش نظامي في أوروبا»، بينما قوات الاحتياط جزء لا يتجزأ من القوات المسلحة، وسيتم تزويد الجيش بالأسلحة والمعدات اللازمة. وتنصُّ عقيدة برلين الجديدة على تجنيد 460 ألف فرد على الأقل، بما يساعد «بالتعاون مع الحلفاء على التصدي لأي عدوان محتمل من روسيا».

كما نقلت وسائل إعلام حكومية روسية أنَّ شركة «راينميتال»، وهي أكبر مجمع للصناعات الدفاعية في ألمانيا، تعتزم تزويد الجيش الألماني، مستقبلًا بطائرات مسيّرة انقضاضية.

العقيدة النووية الفرنسية

قبل ذلك مباشرة، كانت موسكو أكدت أنها تدرس آليات عملية للرد على العقيدة النووية الفرنسية الجديدة، التي تنصُّ على التعاون مع بلدان أوروبية لنشر أسلحة نووية في القارة، وتنفيذ مناورات مشتركة لمواجهة تعاظم الخطر المقبل من روسيا.

وفي تصعيد جديد يعكس احتدام المواجهة غير المباشرة بين موسكو وأوروبا، حذَّرت وزارة الدفاع الروسية من أنَّ التوسُّع الأوروبي في إنتاج الطائرات المسيّرة لصالح أوكرانيا يمثل خطوةً خطيرةً تدفع القارة نحو «انزلاق تدريجي إلى الحرب»، عادّةً أنَّ هذه السياسات تحول الدول الأوروبية إلى عمق لوجستي واستراتيجي لدعم العمليات العسكرية ضد روسيا.

وقالت الوزارة إنَّ قرار عدد من الدول الأوروبية زيادة إنتاج وتوريد المسيّرات لكييف جاء على خلفية الخسائر البشرية ونقص الأفراد في الجيش الأوكراني، مشيرة إلى أنَّ التمويل المتزايد للمشروعات «الأوكرانية» و«المشتركة» داخل أوروبا يهدف إلى رفع وتيرة الهجمات على الأراضي الروسية باستخدام طائرات دون طيار هجومية ومكوناتها. وشدَّدت على أنَّ هذه الخطوات لا تعزز الأمن الأوروبي، بل تجر القارة إلى مواجهة أوسع ذات عواقب غير محسوبة.

الحدود البيلاروسية - البولندية القريبة من مدينة بريست (رويترز)

وفي هذا السياق، كشفت موسكو قائمة مفصلة تتضمَّن عناوين شركات ومراكز إنتاج مرتبطة بصناعة المسيّرات في دول أوروبية عدة، من بينها ألمانيا وبريطانيا وبولندا والتشيك، إضافة إلى شركات تعمل في تصنيع مكونات حساسة مثل المحركات وأنظمة الملاحة. وأثار هذا الكشف ردود فعل غاضبة في برلين، التي اتهمت موسكو بمحاولة «ترهيب الشركات» وخرق قواعد الأمن.

ومع تهديد موسكو باستهداف أي مواقع أو منشآت تنطلق منها تهديدات على روسيا حتى لو كانت خارج أراضي أوكرانيا يتخذ التطور، الآخذ في الاتساع، بعداً أكثر خطورة.

ويرى مراقبون أنَّ دخول ألمانيا بقوة إلى سباق إنتاج المسيّرات، إلى جانب شركات أوروبية أخرى، يعكس تحولاً نوعياً في طبيعة الصراع، حيث لم يعد مقتصراً على ساحات القتال في أوكرانيا، بل امتدَّ إلى بنية التصنيع العسكري في أوروبا.

حصار كالينينغراد

في هذا التوقيت بالتحديد برز تطوران مهمان، الأول إعلان البدء بصرف مساعدات عسكرية أوروبية لأوكرانيا تصل قيمتها إلى 90 مليار دولار، بعد تجاوز «الفيتو» الذي كانت هنغاريا قد وضعته سابقاً. والثاني إطلاق مناورات أطلسية واسعة الأربعاء، قرب جيب كالينينغراد الروسي.

وكما قال نائب وزير الخارجية الروسي، ألكسندر غروشك، فإنَّ المناورات التي تُجرى تحت رعاية المملكة المتحدة، يتم خلالها التدرب على سيناريوهات لحصار بحري كامل لمنطقة كالينينغراد. بهذا كما يقول السياسيون الروس فإنَّ الحلف الأطلسي يعمل على «تأجيج المواجهة في هذا الجزء من أوروبا».

اللافت أنَّ المناورات الجديدة شكَّلت تتويجًا لمسار إحكام تطويق روسيا عسكرياً بعدما أسفر انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف الأطلسي عن تحويل بحر البلطيق إلى «بحيرة أطلسية» بشكل كامل تقريبًا، ولم تتبقَّ لروسيا إلا إطلالة صغيرة على هذا البحر. وقبل أيام، أعلن نائب وزير الخارجية الليتواني السابق، داريوس يورغليفيتشوس، أنَّ الحلف لديه سيناريو جاهز لحصار كالينينغراد في حال حدوث مواجهة مباشرة مع موسكو.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً وزير الخارجية الروسي سرغي لافروف في بكين يوم 15 أبريل (إ.ب.أ)

وقبل ذلك، كان قائد القوات البرية لحلف «الناتو»، الجنرال كريستوفر دوناهو، قد أكد أنَّ دول الحلف خطَّطت لكبح جماح القدرات الدفاعية للقوات الروسية بسرعة. وقد حذَّر الرئيس فلاديمير بوتين مرات عدة خلال العام الأخير، من أنَّ أي حصار محتمل لمنطقة كالينينغراد سيؤدي إلى تصعيد غير مسبوق، وأنَّه سيتم القضاء على جميع التهديدات التي تواجه المنطقة.

اللافت أنه في هذه الأجواء عادت أوساط روسية للتحذير من مخاطر التصعيد المتواصل حول روسيا. وكتب المعلق السياسي لوكالة أنباء «نوفوستي» الرسمية: «هذه ليست مزحة، تتضمَّن النسخة الجديدة من العقيدة النووية الروسية بنوداً تتعلق مباشرةً بضمان أمن منطقة كالينينغراد. يُسمح الآن باستخدام الأسلحة النووية في حال وجود تهديد لسلامة أراضي البلاد ومحاولة لعزل مناطقها عن بقية البلاد براً وبحراً وجواً. لذلك، فإنَّ الاستفزازات في بحر البلطيق لا تؤدي فقط إلى تصعيد، بل إلى تصعيد نووي».