روسيا والصين لتعزيز «علاقة راسخة» في مواجهة «عالم مضطرب وتحديات جديدة»

عارضتا استئناف الحرب بالشرق الأوسط وحذرتا من خطر العودة إلى «قانون الغاب»

جانب من الاجتماعات الصينية - الروسية في العاصمة بكين (إ.ب.أ)
جانب من الاجتماعات الصينية - الروسية في العاصمة بكين (إ.ب.أ)
TT

روسيا والصين لتعزيز «علاقة راسخة» في مواجهة «عالم مضطرب وتحديات جديدة»

جانب من الاجتماعات الصينية - الروسية في العاصمة بكين (إ.ب.أ)
جانب من الاجتماعات الصينية - الروسية في العاصمة بكين (إ.ب.أ)

وضعت نتائج زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الصين إطاراً لتحرك مشترك يعزز مصالح موسكو وبكين على الصعيد الثنائي، وينظم أولويات البلدين في التعامل مع المتغيرات الدولية. وعكس البيان الختامي المشترك بعد جولات مطولة من المحادثات توجه موسكو وبكين إلى تمتين الشراكات في مجالات عدة، واستثمار الزخم القوي في العلاقات في مواجهة التحديات العالمية الجديدة.

الزعيم الصيني شي جينبينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستعرضان حرس الشرف أمام قاعة الشعب الكبرى في بكين (إ.ب.أ)

وإلى جانب التوقيع على عشرات الاتفاقيات الجديدة التي وسعت مجالات التعاون بين البلدين، ومنحت «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» أبعاداً أعمق، برزت مساعي الطرفين لإظهار تماسك العلاقة في مواجهة محاولات احتواء الصين وروسيا، وإطلاق رؤية مشتركة للتعامل مع التقلبات الدولية وسياسات واشنطن والغرب عموماً تجاه ملفات إقليمية ودولية تمس مصالح موسكو وبكين. وهو ما تم التعبير عنه بوضوح في وثيقتين أساسيتين تم توقيعهما في ختام المحادثات، الأولى تمثلت في إعلان مشترك حول «عالم متعدد الأقطاب» تلعب فيه روسيا والصين دوراً محورياً من خلال التكتلات الاقتصادية والسياسية والعلاقات التي تجمع البلدين مع شركائهما في العالم. والثانية تمثلت في بيان مشترك اشتمل على برنامج متكامل لتعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة.

ووفقاً لمساعد الرئيس الروسي، يوري أوشاكوف، فإن هذه الوثيقة عكست «برنامجاً سياسياً شاملاً يتكون من 47 صفة، ويحدد مسارات التنمية الرئيسية للعلاقات الثنائية متعددة الأوجه بين روسيا والصين، ورؤية مشتركة واضحة للقضايا الدولية الملحة، والصيغ الرئيسية للتعاون في الشؤون العالمية».

وفي هذا الإطار، عكست تصريحات الزعيمين الصيني والروسي في ختام القمة مستوى التفاهم على التحرك المشترك المطلوب للبلدين. وحذر بيانهما المشترك من أن «محاولات بعض الدول السيطرة على الشؤون العالمية بروح ‌العصر الاستعماري ‌باءت بالفشل، ‌لكن ⁠العالم يواجه خطر العودة ⁠إلى (قانون الغاب)».

جانب من الاجتماعات الصينية - الروسية في قاعة الشعب الكبرى بالعاصمة بكين (أ.ب)

وذكر البلدان في البيان الذي نشره الكرملين باللغة الروسية: «الوضع العالمي ⁠يزداد تعقيداً... تواجه ‌أجندة ‌السلام والتنمية ‌في العالم مخاطر وتحديات ‌جديدة، ويواجه المجتمع الدولي خطر التشرذم والعودة إلى (قانون الغاب)». وأضافا: «فشلت ‌محاولات عدد من الدول لإدارة ⁠الشؤون ⁠العالمية من جانب واحد، وفرض مصالحها على العالم بأسره، والحد من التنمية السيادية للبلدان الأخرى، بروح العصور الاستعمارية».

في الوقت نفسه، حذّر الرئيسان من التداعيات السلبية الكبيرة للحرب في منطقة الشرق الأوسط، وقال شي إن «استئناف العمليات العسكرية في الشرق الأوسط سيكون غير مناسب»، بعدما هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمعاودة الضربات على إيران. ونقلت وكالة الأنباء الرسمية (شينخوا) عن جينبينغ قوله: «الوضع في منطقة الخليج على مفترق طرق بين الحرب والسلم. من الضروري بشكل عاجل التوصل إلى وقف كامل للحرب». وأضاف: «استئناف العمليات العسكرية لن يكون مناسباً، ومواصلة المفاوضات أكثر أهمية من أي وقت مضى».

وأشاد الرئيس الروسي بالزخم «القوي والإيجابي» في التعاون بين روسيا والصين «حتى في ظل العوامل الخارجية غير المواتية». وردَّ الرئيس الصيني مشيداً بـ«العلاقة الراسخة» بين الصين وروسيا، وقال: «استطعنا باستمرار تعميق ثقتنا السياسية المتبادلة، وتنسيقنا الاستراتيجي، بصلابة تبقى راسخة على الرغم من التجارب والتحديات».

نموذج للعلاقات بين الدول

وفي تلخيص رئاسي لمجريات النقاش قال بوتين إن علاقات موسكو وبكين وصلت إلى مستوى عالٍ غير مسبوق، لتكون بمثابة «نموذج للشراكة الشاملة والتعاون الاستراتيجي الحقيقي». وأكد أن روسيا والصين تتشاركان هدفاً مشتركاً، ألا وهو ازدهار ورفاهية شعبيهما، وهو ما يفسر نجاح علاقاتهما في اجتياز كثير من اختبارات القوة والمرونة.

وأشار الرئيس الروسي إلى أنه تجري هناك «عملية معقدة لبناء عالم متعدد الأقطاب قائم على توازن مصالح جميع أطرافه»، مضيفاً أنه «جنباً إلى جنب مع أصدقائنا الصينيين، ندافع عن التنوع الثقافي والحضاري، ونحترم التنمية السيادية للدول، ونسعى جاهدين إلى بناء نظام عالمي أكثر عدلاً وديمقراطية».

وقال: «نعمل على تعزيز التنسيق على منصات الأمم المتحدة، ومجموعة (بريكس)، و(مجموعة العشرين)، وغيرها من المحافل، وسنواصل التفاعل الفعال في إطار منظمة شنغهاي للتعاون»، التي وصفها بأنها أصبحت «مثالاً رائعاً لكيفية حل المشكلات بشكل عادل وتعزيز التكامل في منطقة جغرافية مشتركة واسعة». وأكد أن روسيا تؤيد بشكل كامل أنشطة الرئاسة الصينية لمنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ هذا العام.

بوتين وبجانبه شي جينبينغ خلال حفل استقبال بقاعة الشعب الكبرى في بكين (أ.ب)

وزاد أن علاقات البلدين أظهرت قدرة على الاكتفاء الذاتي، موضحاً أن موسكو وبكين أنشأتا نظاماً مستداماً للتجارة المتبادلة محمياً من التأثيرات الخارجية والاتجاهات السلبية في الأسواق العالمية. وفي عام 2025، بلغ حجم التبادل التجاري الثنائي ما يقارب 240 مليار دولار. وتُجرى جميع معاملات الدفع تقريباً بين البلدين بالروبل واليوان. ولفت بوتين إلى أنه علاوة على ذلك، تُعد روسيا من أكبر مُصدّري النفط والغاز الطبيعي، بما في ذلك الغاز المسال، والفحم إلى الصين. كما يجري التعاون في قطاع الطاقة النووية: حيث يقترب بناء وحدات الطاقة المصممة روسياً من الاكتمال في محطتي تيانوان وشودابو للطاقة النووية. وأكد أن البلدين يعملان أيضاً على تعزيز شراكتهما في مجال العناصر والمعادن الحيوية لتسهيل التوسع في تبني التقنيات الخضراء. كما أشار إلى ازدياد حركة السياحة المتبادلة، ما يسهل نظام السفر المتبادل من دون تأشيرة. وفي عام 2025، وصل أكثر من مليوني روسي إلى الصين، بينما زار أكثر من مليون مواطن صيني روسيا.

صورة للرئيسين الروسي والصيني قبيل مباحثاتهما في بكين (أ.ف.ب)

بدوره ركز شي على «التغيرات الخطيرة التي يشهدها العالم وخطر العودة إلى قانون الغاب. وقال إن العالم يشهد مظاهر للهيمنة والانقسام في ظل الوضع الدولي المضطرب»، مؤكداً أن العلاقات بين روسيا والصين القائمة على الاحترام المتبادل والتعاون، تجعل العالم الغارق في الفوضى أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ به.

وأكد شي أن العلاقات بين روسيا والصين بلغت أعلى مستوياتها، وأن البلدين «يظهران شجاعة في دعم العدالة الدولية»، مشدداً على أنه يتعين على الصين وروسيا بناء نظام أكثر عدلاً للحوكمة العالمية. وأضاف: «في ظل هذه الخلفية، تتضح أكثر فأكثر أهمية وقيمة معاهدة حُسن الجوار والصداقة والتعاون بين الصين وروسيا».

وأكد أن موسكو وبكين التزمتا لسنوات كثيرة بمبدأ عدم الانحياز. حتى الآن، ومع بلوغ علاقاتهما الثنائية آفاقاً جديدة، يجب أن يكون كل منهما سنداً استراتيجياً للآخر. وزاد: «علينا تعميق التفاعل والتعاون في المحافل متعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة، ومنظمة شنغهاي للتعاون، ومجموعة (البريكس)، ومنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ، ... لتوحيد دول الجنوب العالمي».

اهتمام عالمي

وقد تصدرت زيارة الرئيس الروسي إلى الصين اهتمام وسائل الإعلام العالمية، التي رأت فيها محطة سياسية ودبلوماسية تحمل رسائل تتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين موسكو وبكين. وبينما ركزت بعض الصحف ووكالات الأنباء على متانة الشراكة الروسية الصينية التي تعززت خلال السنوات الأخيرة في مجالات التجارة والطاقة والأمن، عدّت أخرى أن الزيارة تمثل استعراضاً جديداً للتحالف المتنامي بين الطرفين في مواجهة النفوذ الأميركي والغربي. كما سلطت التغطيات الضوء على العلاقة الشخصية الوثيقة بين الرئيسين وعلى الرمزية السياسية والبروتوكولية للزيارة التي جاءت بعد أيام قليلة من زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العاصمة الصينية.


مقالات ذات صلة

أوكرانيا تستعيد «ستارشيلد» وتبحث عن استقلالها... هدنة إنسانية وحرب مستمرة

الولايات المتحدة​ توفر أقمار «ستارلينك» اتصال إنترنت سريعاً في جميع أنحاء العالم (أ.ف.ب) p-circle

أوكرانيا تستعيد «ستارشيلد» وتبحث عن استقلالها... هدنة إنسانية وحرب مستمرة

أوكرانيا تستعيد «ستارشيلد» وتبحث عن استقلالها... قالت إن الخدمة تعمل بسلاسة مجدداً بعد مكالمة هاتفية بين رئيس وزراء بريطانيا والرئيس الأميركي

إيلي يوسف
أوروبا أحد أجهزة «ستارلينك» التي تستخدمها أوكرانيا قرب باخموت في شرق البلاد (رويترز)

عودة خدمة «ستارلينك» في أوكرانيا لطبيعتها بعد أسبوع من تقييد سرعتها

‌قالت أوكرانيا، السبت، إن نظام الأقمار الاصطناعية «ستارلينك» ونسخته العسكرية «ستارشيلد» عادا للعمل بكامل طاقتهما.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الولايات المتحدة​ السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب (أ.ب)

«لولا تدخلي لاستحال إجلاؤهم»... ميلانيا ترمب تعلن هدنة في مدينة أوكرانية

أعلنت السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب أنها نجحت في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في مدينة أوكرانية خاضعة للسيطرة الروسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بوتين... المستفيد الأكبر (أ.ف.ب)

جولات ويتكوف... و«سيناريوهات» الحوار

قد يكون المشهد الحالي للأزمة الأوكرانية، بالإضافة إلى المواقف الأوروبية المتشددة حيال مسألة الضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بين أسباب مراجعة


احتجاجات تجتاح مدناً إيطالية اعتراضاً على ارتفاع تكاليف المعيشة

تظاهرة احتجاجية على ارتفاع تكاليف المعيشة في مدينة تورينو بإيطاليا (إ.ب.أ)
تظاهرة احتجاجية على ارتفاع تكاليف المعيشة في مدينة تورينو بإيطاليا (إ.ب.أ)
TT

احتجاجات تجتاح مدناً إيطالية اعتراضاً على ارتفاع تكاليف المعيشة

تظاهرة احتجاجية على ارتفاع تكاليف المعيشة في مدينة تورينو بإيطاليا (إ.ب.أ)
تظاهرة احتجاجية على ارتفاع تكاليف المعيشة في مدينة تورينو بإيطاليا (إ.ب.أ)

شهدت مدن إيطالية كبرى، السبت، احتجاجات اعتراضاً على ارتفاع تكاليف المعيشة تخللت بعضها أعمال عنف، وذلك بعد أسبوع من اندلاع اضطرابات في أنحاء البلاد.

ونشرت السلطات أعداداً كبيرة من الشرطة، بينما أغلقت متاجر كثيرة أبوابها احترازياً خشية وقوع أضرار محتملة، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وجاءت التظاهرات عقب اشتباكات وقعت، مطلع الأسبوع الماضي، بين محتجين والشرطة والتي شهدت أعمال نهب للمتاجر وتخريب للممتلكات.

واتسمت تظاهرات اليوم بالعنف في تورينو وروما وبولونيا، حيث اندلعت مواجهات بين قوات الأمن والمتظاهرين. أما في ميلانو، فكانت الاحتجاجات سلمية إلى حد بعيد.

متظاهر يحمل لافتة أمام الشرطة خلال تظاهرة في بولونيا بإيطاليا (رويترز)

ولم يرصد مراسلو وكالة «رويترز» أي أعمال نهب للمتاجر أو تخريب للممتلكات.

وبعد انتشار دعوات عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتنظيم مزيد من التظاهرات خلال الأسبوع الحالي، اتخذت السلطات ترتيبات أمنية واسعة، ونشرت أعداداً كبيرة من الشرطة لمنع تكرار أعمال العنف التي وقعت، مطلع الأسبوع الماضي.

وفي وقت سابق من اليوم، قالت الشرطة الإيطالية إنها احتجزت شخصاً يشتبه في صلته بتنظيم «حركة 17 أكتوبر» التي قادت احتجاجات، الأسبوع الماضي، واقتادته إلى مقر الشرطة في ميلانو لاستجوابه.


إعادة انتخاب بارديلا رئيساً لحزب التجمع الوطني اليميني المتطرف في فرنسا

مارين لوبان وجوردان بارديلا يشاركان في مراسم استقبال البابا ليو في باريس يوم 26 سبتمبر (أ.ب)
مارين لوبان وجوردان بارديلا يشاركان في مراسم استقبال البابا ليو في باريس يوم 26 سبتمبر (أ.ب)
TT

إعادة انتخاب بارديلا رئيساً لحزب التجمع الوطني اليميني المتطرف في فرنسا

مارين لوبان وجوردان بارديلا يشاركان في مراسم استقبال البابا ليو في باريس يوم 26 سبتمبر (أ.ب)
مارين لوبان وجوردان بارديلا يشاركان في مراسم استقبال البابا ليو في باريس يوم 26 سبتمبر (أ.ب)

أعيد انتخاب جوردان بارديلا، المقرب من مارين لوبان والمرشح الرئاسي الفرنسي المحتمل، رئيساً لحزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، خلال مؤتمر للحزب انعقد في مدينة أورليون، جنوب باريس، وفقاً لما أعلنه الحزب عبر منصة «إكس» اليوم السبت.

وتزامن المؤتمر مع احتجاجات مناهضة للحزب.

وذكرت وسائل إعلام فرنسية أن بارديلا حصل على نحو 99 في المائة من الأصوات، فيما بلغت نسبة المشاركة قرابة 68 في المائة. ولم تكن النتيجة مفاجئة، حيث كان بارديلا 31 عاماً المرشح الوحيد للمنصب الذي يتولاه منذ عام 2022.

وينظر إلى بارديلا باعتباره مقرباً من لوبان، وتشير استطلاعات الرأي إلى أنها ستتصدر حالياً قائمة المرشحين في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل.

وفي حال تعذر ترشح لوبان بسبب إدانتها في قضية اختلاس أموال من الاتحاد الأوروبي، فإن بارديلا يعد البديل الأبرز في صفوف الحزب.

ومن المقرر أن تنظم لوبان أول فعالية رئيسية ضمن حملتها الانتخابية غداً الأحد، عقب إعادة انتخاب رئيس الحزب.

ووفقاً للسلطات الإدارية المحلية، تظاهر نحو 13 ألف شخص ضد فعالية الحزب في أورليون، قرابة منتصف نهار اليوم. وأفادت السلطات بأن المسيرة مرت بصورة سلمية عبر المدينة، وعدلت السلطات مسارها مسبقاً.

وفي تلك الأثناء، أعلن عمدة المدينة فرض حظر تجوال ليلي على الأطفال والشباب، بهدف منع الإخلال بالنظام العام والحد من مخاطر اندلاع اضطرابات.


إجراءات أمنية غير مسبوقة تجنّب فرنسا تكرار «السبت الأسود»

انتشار أمني خلال مناوشات رافقت مظاهرة دعت إليها حركة «السترات الصفراء» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)
انتشار أمني خلال مناوشات رافقت مظاهرة دعت إليها حركة «السترات الصفراء» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)
TT

إجراءات أمنية غير مسبوقة تجنّب فرنسا تكرار «السبت الأسود»

انتشار أمني خلال مناوشات رافقت مظاهرة دعت إليها حركة «السترات الصفراء» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)
انتشار أمني خلال مناوشات رافقت مظاهرة دعت إليها حركة «السترات الصفراء» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)

نادراً ما عرفت فرنسا انتشاراً أمنياً كالذي شهدته البلاد في سبت التعبئة الثاني، الذي دعت إليه النقابات و«السترات الصفراء» والطلاب بدعم ومشاركة من أحزاب اليسار والخضر.

فالهم الأول للسلطات كان ألّا تشهد البلاد نسخةً جديدةً من العنف والمواجهات والحرائق، خصوصاً أعمال الشغب والنهب والسرقة التي طالت ما لا يقل عن 3 آلاف مخزن ومتجر، فضلاً عن إحراق مبنى بلدية مدينة ليموج التاريخي ومبنى المركز السياحي التاريخي أيضاً في مدينة ليون، ثالث المدن الفرنسية، ومقر رئيسة بلدية بوردو، واقتحام مقر بلدية مرسيليا.

جانب من الاشتباكات التي شهدتها مدينة ستراسبورغ يوم 24 أكتوبر (أ.ف.ب)

والصور التي نقلتها القنوات العالمية عمّا حصل في باريس ومدن أخرى كانت سيئة، لا بل مهينة للحكومة الفرنسية، التي أقرَّ وزير داخليتها، لوران نونيز، الاثنين الماضي، بأن قواته «فقدت السيطرة على الوضع». ورغم اعتقال، نهاية الأسبوع الماضي، 3 آلاف من المتظاهرين والمشاغبين والسارقين وسوقهم أمام المحاكم، فإنَّ الحذر الحكومي كان سيد الموقف.

وانعكس ذلك في التعبئة الأمنية الاستثنائية ليوم السبت. وبحسب وزارة الداخلية، فقد تمَّ نشر 70 ألف رجل شرطة ودرك مدعومين بفرق مكافحة الشغب وفرق النخبة المتخصصة الأخرى في قوى الأمن الداخلي. كذلك، استُدعيت وحدات من الجيش وفرق الخيالة والطوافات والمسيّرات والسيارات المصفحة. وباختصار، فإن السلطات أخرجت من ثكناتها كل ما تمتلكه للمحافظة على الأمن ودرء اتهامها بـ«التقصير». وكان الرئيس إيمانويل ماكرون قد اتهم جماعات من أقصى اليسار بأنها «تسعى لإسقاط الجمهورية».

شرطي يقف وراء سحابة من الغاز المسيل للدموع خلال مظاهرة في بوردو يوم 24 أكتوبر (أ.ف.ب)

واستبق نونيز، في كلمة له صباح السبت، انطلاق المظاهرات عبر البلاد ليؤكد «وجود دعوات مهمة صادرة عن حركات سياسية ومجموعات من المشاغبين لإثارة البلبلة»، في إشارة إلى اليسار الأكثر تطرفاً وراديكالية. وفي ردٍّ مسبق على الاتهامات الموجَّهة للقوى الأمنية بالإفراط باستخدام القوة، طمأن نونيز قواته بأنها «تحظى بدعم القيادات ووزير الداخلية»، مشيراً إلى أنها «تعمل في الإطار الشرعي والقانوني»، وأنَّ ردود فعلها «متناسبة» مع ما يقتضيه الوضع. واستطرد قائلاً: «لن نتساهل مطلقاً مع مثيري الشغب وممارسي أعمال النهب»، متعهداً بتنفيذ تدخلات أمنية «تتسم بقدر كبير من الحزم».

اتهامات للسلطة

لم تكتفِ السلطات بذلك، إذ عمدت عبر المديرين الأمنيِّين في المدن الكبرى والأقاليم إلى حظر التجول في المناطق الحساسة في المدن، وتعطيل حركة النقل العام، ومنع كثير من المظاهرات.

شارك 110 آلاف شخص في مظاهرة باريس التي انتهت باشتباكات محدودة مع رجال الأمن يوم 24 أكتوبر (رويترز)

كذلك، لجأت إلى «تكتيك» معروف يقوم على تحديد مسارات للمظاهرات التي سمحت بحصولها بعيداً عن وسط المدن ومقرات السلطة والشوارع التجارية، بحجة تجنب التكسير والنهب، وهو ما حصل في باريس ومرسيليا وأورليان وغيرها من المدن. وصدرت قرارات بمنع التظاهر في مدن كثيرة منها نيس، ومونبلييه، وبوردو، ونانسي، وميتز، وبيزانسون، وروان، وتولون، ولو هافر.

وحتى صباح السبت، كان الجدل ما زال قائماً بين النقابات التي دعت إلى التظاهر في باريس وبين مديرية الشرطة حول مسار المظاهرة الوحيدة في العاصمة التي سمح بها. وغيَّرت مديرية الشرطة مسارها في الساعات الأخيرة ما أوجد حالةً من البلبلة. إلا أنها انطلقت، في النهاية، من «ساحة إيطاليا» باتجاه شرق باريس وصولاً لما يُسمى «مدخل فانسان». واتهم بنجامين بال، الناطق باسم «تنسيقية السترات الصفراء»، الحكومة بانتهاك «حرية التظاهر» وانتهاج «سلوك سلطوي».

وفي باريس، أغلقت المتاحف أبوابها بوجه الزوار، وأولها متحف اللوفر، وتبعته متاحف «أورسيه»، و«بيكاسو»، و«القصر الكبير»، و«القصر الصغير».

وبالتوازي، توقّفت الزيارات في «قصر فرساي» منذ الظهيرة، وكذلك حال «المكتبة الوطنية الكبرى» و«أوبرا باريس» و«أوبرا باستيل». ولإعاقة تنقلات المتظاهرين وقطع الطريق على المشاغبين، أُغلقت كثير من محطات المترو وتوقف السير في عدد من الخطوط، بينما الأمر نفسه ينطبق على حافلات التروماي. وعمدت الشركة المشغلة للدراجات الهوائية في باريس، التي أُحرق كثير منها الأسبوع الماضي في «السبت الأسود»، إلى إغلاق 110 مراكز.

وباختصار، فإنَّ باريس نادراً ما شهدت هذا النوع من التدابير الأمنية التي حوَّلتها بشكل ما إلى «مدينة تحت الحصار».

مناوشات محدودة

الواضح أن هذه التدابير، مقرونة بالطقس العاصف، نجحت في خفض حدة التوتر. فبدت مظاهر العنف التي سادت نهاية الأسبوع الماضي أقلّ انتشاراً.

في باريس، أفادت مصادر الشرطة بأن 110 آلاف شخص شاركوا في المظاهرة وهي الوحيدة التي سُمح بها. وهذا العدد يتطابق مع عدد متظاهري العاصمة الأسبوع الماضي. وبعد أن سارت المظاهرة في العاصمة بهدوء، حصلت اشتباكات محدودة بنهايتها بين مجموعة من الأشخاص الملثمين ورجال الشرطة الذين عمدوا إلى توقيف العشرات من الأشخاص.

متظاهر خلال اشتباكات مع قوات الأمن خلال مظاهرة دعت إليها حركة «السترات الصفراء» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)

وسعت هذه المجموعة إلى إقامة حواجز في الشوارع، وألقت الحجارة وكل ما وقع بين يديها على الأمن الذي ردَّ بالقنابل المسيلة للدموع. وتسعى القوى الأمنية إلى منع هؤلاء المشاغبين من التفرُّق والولوج إلى أحياء العاصمة، بينما المواجهات تدور على أحد مداخلها.

وفي مدينة ليون، ثالث أكبر المدن الفرنسية، جرت عمليات كر وفر، وسعت قوات الأمن إلى منع مجموعات من المتظاهرين من الوصول إلى وسط المدينة. كذلك حصلت مناوشات محدودة في مدينة بوردو، رغم منع المظاهرة التي جمعت 15 ألف متظاهر. والأمر نفسه تكرَّر في مدينة كليمرون فيران (وسط فرنسا) مع القوى الأمنية التي لجأت، كالعادة، إلى استخدام الغاز المسيل للدموع.

أما في مدينة أورليان (جنوب باريس)، حيث يلتئم المؤتمر العام لحزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف الذي تقوده مارين لوبان، كان التوتر أكثر حدة. فقد خرج الآلاف من الرافضين لـ«التجمع الوطني» وآيديولوجيته للتظاهر. وحرصت مديرية الشرطة على منع الاحتكاك بينهم وبين أنصار لوبان، كما منعت مظاهرة مقررة الأحد.

انتشار أمني خلال مناوشات رافقت مظاهرة دعت إليها حركة «السترات الصفراء» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)

وتفيد استطلاعات الرأي بأن لوبان هي الأوفر حظاً في التأهل للجولة الانتخابية الحاسمة والفوز برئاسة الجمهورية في رابع محاولة لها. وليس سراً أن حالة فرنسا، خصوصاً المالية، تثير قلق شركائها في الاتحاد؛ بسبب ارتفاع مديونيتها (3600 مليار يورو)، وفائدة استدانتها (أكثر من 5 في المائة)، ونسبة الدين لناتجها الداخلي الخام (119 في المائة).

في أي حال، كان مرتقباً أن يتراجع العدد العام للمتظاهرين؛ بسبب منع التظاهر في عشرات المدن. كذلك، فإن كثيراً ممن تظاهروا الأسبوع الماضي (ما بين 550 ألفاً و800 ألف متظاهر) عدلوا عن النزول إلى الشوارع؛ إما بسبب الخوف من القنابل المسيلة للدموع، أو من الأسلحة الأخرى غير المميتة التي تستخدمها وحدات محاربة الشغب، ومن بينها القنابل الصوتية وقنابل فك الحصار (عن رجال الأمن) والرغبة في الابتعاد عن المشاغبين والغوغائيين واللصوص.

ولم يعرف ما إذا كان انفتاح الحكومة على الطلاب قد كان له أثر إيجابي. فالرئيس ماكرون استقبل ممثلين عنهم الجمعة، بينما يتوقّع أن يستقبلهم رئيس الحكومة الاثنين. ولم تتغيَّر المطالب؛ إن كان بالنسبة لطلبة التعليم الثانوي أو الجامعي، التي تتلخص بتوفير الأساتذة البدلاء، وإصلاح الأوضاع المادية للمدارس، والتخلي عن آلية توجيه الطلاب في المرحلة الجامعية، وتوفير ما لا يقل عن 250 ألف فرصة مقعد جامعي من مختلف الاختصاصات.

وسار التلامذة والطلاب، السبت، إلى جانب النقابات العمالية و«السترات الصفراء»، ما يعكس الترابط بين الأطراف؛ ذلك أن الجميع يشكو من غلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية مع مطالبة عامة برفع الرواتب، وتحديداً رواتب الحد الأدنى. بينما «السترات الصفراء» تشكو من ارتفاع أسعار المشتقات النفطية والغاز، وكلها تسهم في تدهور المستويات المعيشية. ويحصل ذلك كله وسط مناخ اجتماعي وسياسي متوتر بينما البلاد تتأهب لخوض الانتخابات الرئاسية بعد أقل من 200 يوم.

ميلونشون يتصدَّر مظاهرة باريس

وكما في الأسبوع الماضي، تصدَّر جان لوك ميلونشون، المرشح الرئاسي وزعيم حزب «فرنسا الأبية» المسيرة الباريسية، محاطاً بمسؤولين من حركته.

رجل شرطة خلال دورية قرب جادة «شانزليزيه» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)

وتتهم الحكومة واليمين، بجناحيه التقليدي والمتطرف والإعلام الموالي له، ميلونشون بالنفخ في نار التمرُّد، واستغلال المظاهرات سياسياً؛ الأمر الذي ينفيه قطعاً. ونبّه الأخير الرئيس ماكرون إلى أن عليه التجاوب مع المطالب المرفوعة. وحذَّره من أنه إذا لم يفعل، فإنه «سيفهم أن ما يحصل (اليوم) سوف يتكرَّر كل أسبوع».

وتتجه الأنظار منذ الآن إلى الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني)، حيث أطلقت نقابة «الكونفدرالية العامة للعمل» القريبة من «الحزب الشيوعي» دعوةً من أجل إضراب عام، ما يعني عملياً أن البلاد دخلت في دوامة من الحراك.

ويُجمع المراقبون على أن حصر التعامل مع الاحتجاجات في الجانب الأمني لن يسهم في إطفائها، وبالتالي فإنها تحتاج لحلول سياسية واقتصادية ومالية. لكن وضع ميزانية الدولة لا يتيح للحكومة أن تتجاوب مع رفع الرواتب أو تخصيص 10 مليارات يورو للتعليم الثانوي. من هنا، فإن ما يحصل راهناً لن يكون نهاية الحراك الاجتماعي.