انتخاب لولا دا سيلفا في البرازيل يوقف المد الترمبي بأميركا اللاتينية

صمت رسمي في واشنطن وترقب للموقف من عدم اعتراف بولسونارو بالهزيمة

الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (أ.ف.ب)
الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (أ.ف.ب)
TT

انتخاب لولا دا سيلفا في البرازيل يوقف المد الترمبي بأميركا اللاتينية

الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (أ.ف.ب)
الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (أ.ف.ب)

اختار البرازيليون طريقاً مختلفاً عن معظم جيرانهم في أميركا اللاتينية؛ إذ أعادوا انتخاب الرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا لولاية رابعة لا سابق لها، رافضين نهج السيناتور اليميني فلافيو بولسونارو، الذي تعهد الانضمام إلى مبادرة «درع الأميركتين» الأمنية والسياسية التي أطلقها الرئيس دونالد ترمب.

وبينما انهالت التهاني على لولا دا سيلفا من عواصم العالم، ساد الصمت واشنطن العاصمة حتى بعد ساعات من إعلان النتائج، رغم تشكيك معسكر ترمب، ومطالبات الديمقراطيين بالاعتراف الفوري بفوز الزعيم اليساري.

وبعد فرز 99.88 في المائة من مراكز الاقتراع، أعلنت المحكمة الانتخابية العليا حصول لولا على 51.76 في المائة من الأصوات، مقابل 48.24 في المائة لبولسونارو، الابن الأكبر للرئيس السابق جايير بولسونارو، بفارق يقارب 4.4 مليون صوت.

ورفض المرشح الخاسر الاعتراف بالهزيمة، وتعهد بالطعن في النتيجة والمطالبة بإلغاء الانتخابات.

وقبل إغلاق مراكز الاقتراع، اكتفى ترمب بأنه يتابع جولة الإعادة، من دون أن يعلن تأييد أي من المرشحين. لكن بعد إعلان النتيجة، نقلت وكالة «إفي» الإسبانية عنه، أن البرازيل طبقت للتو «كتاب قواعد» الرئيس السابق جو بايدن، من دون أن يقدم أي دليل على وجود مخالفات.

وقارنت الوكالة تصريحه بموقفه من خسارته أمام بايدن عام 2020، التي رفض الاعتراف بها، ونقلت عنه أيضاً قوله إن الشيوعيين لا يتخلون عن السلطة.

ويأتي هذا الموقف امتداداً لاهتمام ترمب الواضح بالسباق؛ فبعد الجولة الأولى، وصف تقدم بولسونارو بأنه «متقارب، لكنه انتصار كبير جداً جداً». وكان ترمب استقبل فلافيو بولسونارو بالبيت الأبيض في مايو (أيار) الماضي.

وعلى المستوى الرسمي، لم يصدر أي بيان عن البيت الأبيض أو وزارة الخارجية صباح اليوم التالي، الاثنين، يعترف بالنتيجة أو يطعن فيها.

عقوبات محتملة

مناصرون لفلافيو بولسونارو في مدينة ريو دي جانيرو (أ.ف.ب)

يكتسب صمت وزارة الخارجية دلالة خاصة. وكانت وكالة «رويترز» أفادت السبت، بأن مسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية دفعوا نحو فرض عقوبات على البرازيل ضمن مسعى لإضعاف لولا، وإعادة عائلة بولسونارو إلى السلطة. في المقابل، رفض البيت الأبيض بشدة الاتهامات بالتدخل في الانتخابات البرازيلية.

وكانت إدارة ترمب فرضت رسوماً جمركية على المنتجات البرازيلية، وعقوبات على مسؤولين بارزين، للضغط من أجل إسقاط الدعوى ضد جايير بولسونارو. كما خططت هذا الصيف لإرسال مسؤولين كبار للتشكيك في نزاهة الانتخابات. وبعد إدانة بولسونارو الأب العام الماضي، كتب وزير الخارجية ماركو روبيو على منصة «إكس»، أن إدارة ترمب سترد بما يناسب.

وداخل معسكر ترمب، انتقد دونالد ترمب الابن النتيجة، مشيراً إلى تمديد التصويت ساعتين، وقال إنه لو فعلت حكومة محافظة في البرازيل ذلك، لثارت ثائرة وسائل الإعلام الأميركية الكبرى.

في المقابل، رحّب ديمقراطيون بارزون بالنتيجة. وهنأ السيناتور التقدمي المستقل بيرني ساندرز، لولا على إعادة انتخابه، معتبراً أنه دافع عن العمال والديمقراطية، وسيواصل ذلك في السنوات الأربع المقبلة. وقال النائب الديمقراطي رو خانا، إن على ترمب احترام النتائج وعدم تقويض الانتخابات البرازيلية، كما علق النائب خواكين كاسترو على الفوز.

وسبق الاقتراع تحرك ديمقراطي في الكونغرس، تمثل في رسالة وجهها 3 سيناتورات ديمقراطيين إلى روبيو، اتهموا فيها إدارة ترمب باستخدام ضغوط دبلوماسية واقتصادية وسياسية تهدد بإضعاف المؤسسات الديمقراطية في البرازيل.

وعلى النقيض من الصمت الأميركي الرسمي، هنّأ عدد كبير من القادة لولا؛ بينهم الرئيسة المكسيكية كلاوديا شينباوم، ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني. وأعربت الصين عن تهانيها واستعدادها لمواصلة العمل مع البرازيل، فيما رحّب الكرملين بإعادة انتخاب لولا، وأشاد بدوره في مجموعة «بريكس»، وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، إن الديمقراطية والتعددية انتصرتا في البرازيل.

وتشكل النتيجة انتكاسة لإدارة ترمب، التي سعت إلى بناء كتلة محافظة موالية لواشنطن في المنطقة تضم الأرجنتين وكولومبيا ودولاً أخرى. وتأتي عكس موجة يمينية أوصلت مرشحين من اليمين إلى السلطة في الإكوادور وبوليفيا وهندوراس وتشيلي وكوستاريكا وكولومبيا وبيرو.

وتكتسب النتيجة دلالة إضافية لأن المزاج العام في البرازيل كان يميل نحو اليمين؛ فقد أظهر استطلاع لـ«داتافولها» في يوليو (تموز)، أن 44 في المائة من البرازيليين يميلون إلى اليمين، أو يمين الوسط، مقابل 39 في المائة لليسار.

ويستند بولسونارو في طعن قدمه فور إعلان النتائج، إلى قرار غير مسبوق بتمديد التصويت ساعتين؛ فقد طلبت حملتا المرشحين التمديد؛ الأولى بسبب نقص الحافلات في معاقل لولا، والثانية بسبب الأمطار في الجنوب. وأمر قاضي المحكمة العليا كريستيانو زانين، الذي عيّنه لولا، بإبقاء المراكز مفتوحة حتى السابعة مساء. لكن رئيس المحكمة الانتخابية أكد أن التمديد لم يغيّر النتيجة.

وقال لولا في خطاب النصر، إنه هزم «الإنكار والأكاذيب»، وتعهد تغيير أسلوب الحكم وتشديد الرقابة على المنصات الرقمية. وعندما يُنصّب في 5 يناير (كانون الثاني) المقبل، سيواجه برلماناً هو الأكثر محافظة منذ نهاية الديكتاتورية العسكرية عام 1985.


مقالات ذات صلة

أميركا تنفق 11.6 مليار دولار على أغلى انتخابات في تاريخها

الولايات المتحدة​ الملياردير إيلون ماسك في واشنطن العاصمة (رويترز)

أميركا تنفق 11.6 مليار دولار على أغلى انتخابات في تاريخها

بات الإنفاق على الإعلانات السياسية للانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي الأغلى في تاريخ في الولايات المتحدة، وسط توقعات بأن يصل إلى 11.6 مليار دولار.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نيكي ميناج إلى جانب الرئيس دونالد ترمب لدى وصولها لإلقاء كلمة خلال تجمع انتخابي بساحة ماكموران بليس في بورت هورون بولاية ميشيغان الأحد (أ.ب)

ترمب يسابق عقارب الساعة قبل يوم الاقتراع... مراهناً على النجوم

دخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأسبوع الأخير من حملة انتخابات التجديد النصفي مستعيناً بمزيج من التجمعات الجماهيرية المكثفة ونجوم الفن.

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال تجمُّع انتخابي بولاية ميشيغان يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ب) p-circle 01:19

ترمب يهاجم النرويج لعدم منحه جائزة نوبل للسلام

هاجم ترمب النرويج وأعلن رفضه استقبال مهاجرين منها لعدم منحه «نوبل للسلام»، بينما شدَّد وزير خارجيتها على استقلالية لجنة الجائزة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

تقرير: واشنطن مستعدة لضرب إيران خلال 96 ساعة من صدور أمر ترمب

أفاد مسؤولان أميركيان بأن القوات الأميركية على أهبة الاستعداد لتنفيذ عمليات عسكرية جديدة ضد إيران، وذلك «في غضون 96 ساعة من تلقي» أمر من ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أميركا اللاتينية الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يحتفل وسط أنصاره بالفوز بالانتخابات في ساو باولو (د.ب.أ)

لولا: البرازيل ليست الحديقة الخلفية لأحد

حقق لويس إيناسيو لولا دا سيلفا أكبر «ريمونتادا» في تاريخ أميركا اللاتينية، ونال 51.7 في المائة من الأصوات، مقابل 48.2 في المائة لمنافسه الذي سارع لرفض النتيجة.

شوقي الريّس (مدريد)

انتخاب لولا دا سيلفا في البرازيل يوقف المد الترمبي بأميركا اللاتينية

الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (أ.ف.ب)
الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (أ.ف.ب)
TT

انتخاب لولا دا سيلفا في البرازيل يوقف المد الترمبي بأميركا اللاتينية

الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (أ.ف.ب)
الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (أ.ف.ب)

اختار البرازيليون طريقاً مختلفاً عن معظم جيرانهم في أميركا اللاتينية؛ إذ أعادوا انتخاب الرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا لولاية رابعة لا سابق لها، رافضين نهج السيناتور اليميني فلافيو بولسونارو، الذي تعهد الانضمام إلى مبادرة «درع الأميركتين» الأمنية والسياسية التي أطلقها الرئيس دونالد ترمب.

وبينما انهالت التهاني على لولا دا سيلفا من عواصم العالم، ساد الصمت واشنطن العاصمة حتى بعد ساعات من إعلان النتائج، رغم تشكيك معسكر ترمب، ومطالبات الديمقراطيين بالاعتراف الفوري بفوز الزعيم اليساري.

وبعد فرز 99.88 في المائة من مراكز الاقتراع، أعلنت المحكمة الانتخابية العليا حصول لولا على 51.76 في المائة من الأصوات، مقابل 48.24 في المائة لبولسونارو، الابن الأكبر للرئيس السابق جايير بولسونارو، بفارق يقارب 4.4 مليون صوت.

ورفض المرشح الخاسر الاعتراف بالهزيمة، وتعهد بالطعن في النتيجة والمطالبة بإلغاء الانتخابات.

وقبل إغلاق مراكز الاقتراع، اكتفى ترمب بأنه يتابع جولة الإعادة، من دون أن يعلن تأييد أي من المرشحين. لكن بعد إعلان النتيجة، نقلت وكالة «إفي» الإسبانية عنه، أن البرازيل طبقت للتو «كتاب قواعد» الرئيس السابق جو بايدن، من دون أن يقدم أي دليل على وجود مخالفات.

وقارنت الوكالة تصريحه بموقفه من خسارته أمام بايدن عام 2020، التي رفض الاعتراف بها، ونقلت عنه أيضاً قوله إن الشيوعيين لا يتخلون عن السلطة.

ويأتي هذا الموقف امتداداً لاهتمام ترمب الواضح بالسباق؛ فبعد الجولة الأولى، وصف تقدم بولسونارو بأنه «متقارب، لكنه انتصار كبير جداً جداً». وكان ترمب استقبل فلافيو بولسونارو بالبيت الأبيض في مايو (أيار) الماضي.

وعلى المستوى الرسمي، لم يصدر أي بيان عن البيت الأبيض أو وزارة الخارجية صباح اليوم التالي، الاثنين، يعترف بالنتيجة أو يطعن فيها.

عقوبات محتملة

مناصرون لفلافيو بولسونارو في مدينة ريو دي جانيرو (أ.ف.ب)

يكتسب صمت وزارة الخارجية دلالة خاصة. وكانت وكالة «رويترز» أفادت السبت، بأن مسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية دفعوا نحو فرض عقوبات على البرازيل ضمن مسعى لإضعاف لولا، وإعادة عائلة بولسونارو إلى السلطة. في المقابل، رفض البيت الأبيض بشدة الاتهامات بالتدخل في الانتخابات البرازيلية.

وكانت إدارة ترمب فرضت رسوماً جمركية على المنتجات البرازيلية، وعقوبات على مسؤولين بارزين، للضغط من أجل إسقاط الدعوى ضد جايير بولسونارو. كما خططت هذا الصيف لإرسال مسؤولين كبار للتشكيك في نزاهة الانتخابات. وبعد إدانة بولسونارو الأب العام الماضي، كتب وزير الخارجية ماركو روبيو على منصة «إكس»، أن إدارة ترمب سترد بما يناسب.

وداخل معسكر ترمب، انتقد دونالد ترمب الابن النتيجة، مشيراً إلى تمديد التصويت ساعتين، وقال إنه لو فعلت حكومة محافظة في البرازيل ذلك، لثارت ثائرة وسائل الإعلام الأميركية الكبرى.

في المقابل، رحّب ديمقراطيون بارزون بالنتيجة. وهنأ السيناتور التقدمي المستقل بيرني ساندرز، لولا على إعادة انتخابه، معتبراً أنه دافع عن العمال والديمقراطية، وسيواصل ذلك في السنوات الأربع المقبلة. وقال النائب الديمقراطي رو خانا، إن على ترمب احترام النتائج وعدم تقويض الانتخابات البرازيلية، كما علق النائب خواكين كاسترو على الفوز.

وسبق الاقتراع تحرك ديمقراطي في الكونغرس، تمثل في رسالة وجهها 3 سيناتورات ديمقراطيين إلى روبيو، اتهموا فيها إدارة ترمب باستخدام ضغوط دبلوماسية واقتصادية وسياسية تهدد بإضعاف المؤسسات الديمقراطية في البرازيل.

وعلى النقيض من الصمت الأميركي الرسمي، هنّأ عدد كبير من القادة لولا؛ بينهم الرئيسة المكسيكية كلاوديا شينباوم، ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني. وأعربت الصين عن تهانيها واستعدادها لمواصلة العمل مع البرازيل، فيما رحّب الكرملين بإعادة انتخاب لولا، وأشاد بدوره في مجموعة «بريكس»، وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، إن الديمقراطية والتعددية انتصرتا في البرازيل.

وتشكل النتيجة انتكاسة لإدارة ترمب، التي سعت إلى بناء كتلة محافظة موالية لواشنطن في المنطقة تضم الأرجنتين وكولومبيا ودولاً أخرى. وتأتي عكس موجة يمينية أوصلت مرشحين من اليمين إلى السلطة في الإكوادور وبوليفيا وهندوراس وتشيلي وكوستاريكا وكولومبيا وبيرو.

وتكتسب النتيجة دلالة إضافية لأن المزاج العام في البرازيل كان يميل نحو اليمين؛ فقد أظهر استطلاع لـ«داتافولها» في يوليو (تموز)، أن 44 في المائة من البرازيليين يميلون إلى اليمين، أو يمين الوسط، مقابل 39 في المائة لليسار.

ويستند بولسونارو في طعن قدمه فور إعلان النتائج، إلى قرار غير مسبوق بتمديد التصويت ساعتين؛ فقد طلبت حملتا المرشحين التمديد؛ الأولى بسبب نقص الحافلات في معاقل لولا، والثانية بسبب الأمطار في الجنوب. وأمر قاضي المحكمة العليا كريستيانو زانين، الذي عيّنه لولا، بإبقاء المراكز مفتوحة حتى السابعة مساء. لكن رئيس المحكمة الانتخابية أكد أن التمديد لم يغيّر النتيجة.

وقال لولا في خطاب النصر، إنه هزم «الإنكار والأكاذيب»، وتعهد تغيير أسلوب الحكم وتشديد الرقابة على المنصات الرقمية. وعندما يُنصّب في 5 يناير (كانون الثاني) المقبل، سيواجه برلماناً هو الأكثر محافظة منذ نهاية الديكتاتورية العسكرية عام 1985.


لولا: البرازيل ليست الحديقة الخلفية لأحد

الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يحتفل وسط أنصاره بالفوز بالانتخابات في ساو باولو (د.ب.أ)
الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يحتفل وسط أنصاره بالفوز بالانتخابات في ساو باولو (د.ب.أ)
TT

لولا: البرازيل ليست الحديقة الخلفية لأحد

الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يحتفل وسط أنصاره بالفوز بالانتخابات في ساو باولو (د.ب.أ)
الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يحتفل وسط أنصاره بالفوز بالانتخابات في ساو باولو (د.ب.أ)

كان لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يعرف أن هذه الانتخابات قد تكون الشرفة التي يطلّ منها على التاريخ، أو على هاويته السياسية. وكان يدرك أيضاً أنها انتخابات وجودية بالنسبة إلى المشروع الذي كرّس له حياته.

4 نقاط كانت تفصله عن منافسه اليميني المتطرف، فلافيو بولسونارو، في نهاية الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، وكان يبدو شبه مستحيل، حتى بالنسبة إلى أنصاره وأقرب مستشاريه، أن يعكس النتيجة في الجولة الثانية. لكن «أبو الفقراء» الذي جاوز الـ80 من عمره أبى أن يسلّم العملاق البرازيلي إلى المعسكر اليميني المتطرف، الذي يهبّ كالإعصار على أميركا اللاتينية، فحقق أكبر «ريمونتادا» في تاريخ المنطقة، ونال 51.7 في المائة من الأصوات مقابل 48.2 في المائة لمنافسه، الذي سارع، على غرار والده في عام 2022، إلى رفض النتيجة والطعن فيها بحجة تمديد مدة الاقتراع ساعتين، متناسياً أن حزبه «الليبرالي» كان هو أيضاً انضم إلى الطلب الذي تقدم به حزب «العمال» إلى المحكمة العليا بسبب العراقيل في وسائل النقل، التي كانت تحول دون وصول الناخبين إلى مراكز الاقتراع.

برازيلي من أنصار الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يضع قناعاً للمرشح اليميني المهزوم فلافيو بولسونارو داخل قفص خلال الاحتفال بفوز لولا بالانتخابات في ساو باولو (أ.ف.ب)

فاز لولا بولايته الرئاسية الرابعة، وأصبح الرئيس البرازيلي الوحيد الذي يفوز بعد انهزامه في الجولة الأولى، واستطاع أن يوقف تمدد اليمين المتطرف رغم الحقد الذي يولّده لدى شريحة واسعة من البرازيليين، ورسّخ موقعه سدّاً تقدمياً منيعاً في وجه الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، ليقول في أول تصريح له بعد إعلان الفوز: «هزمنا التدخلات الخارجية والتعبئة الواسعة للمنصات الرقمية ضدنا، وقلنا للعالم إن البرازيل ليست الحديقة الخلفية لأحد».

الساعات الأخيرة من يوم الاقتراع كانت مشحونة بالتوتر والفوضى، عندما طلب حزب «العمال»، الذي يتزعمه لولا، تمديد مدة الاقتراع ساعتين تسهيلاً لوصول مئات الآلاف من المواطنين إلى الصناديق للإدلاء بأصواتهم بعد العراقيل التي وضعتها أمامهم سلطات محلية موالية للمعسكر اليميني، وتجاوبت المحكمة العليا مع الطلب الذي أيّده أيضاً الحزب «الليبرالي» المنافس، ربما لثقته بأن النتيجة ستكون لمصلحته.

ما بعد فرحة النصر

الفرحة كانت عارمة بين أنصار لولا الذين خرجوا بأعداد غفيرة إلى الشوارع للاحتفال بهذا النصر التاريخي، لكن لولا؛ الذي ناضل حتى الرمق الأخير في هذه المعركة، يعرف أن ولايته الأخيرة ستكون أقرب إلى الجحيم منها إلى أي شيء آخر؛ لأن خصومه يسيطرون على غالبية قياسية في مجلسَي النواب والشيوخ، ويملكون القدرة على تعيين أعضاء المحكمة العليا، فضلاً عن أن البرازيل اليوم محاطة من كل الجهات بحكومات يمينية متطرفة، وسيّد البيت الأبيض عازم على توسيع دائرة نفوذه في أميركا اللاتينية.

المرشح اليميني المهزوم فلافيو بولسونارو سار على خطى والده رافضاً نتائج الانتخابات (رويترز)

في تصريحاته الأولى من ساو باولو، جدّد لولا الوعود التي كان قطعها في الحملة الانتخابية التي حملته إلى الفوز في عام 2022 على والد منافسه الحالي، الذي يقضي عقوبة السجن في منزله لمشاركته يومذاك في المحاولة الانقلابية. وقال إنه سيواصل إعادة ترميم ما دمّره حكم بولسونارو الأب وسياسته الإقصائية ضد نصف البرازيليين.

القراءة الأولى لنتائج هذه الانتخابات، التي حصد لولا فيها 4 ملايين صوت أكثر من منافسه الذي كان تجاوزه بنحو العدد نفسه في الجولة الأولى، تظهر أن لولا نجح في رهانه على الناخبين الذين امتنعوا يومها عن التصويت، وحضّ أنصارَه على إقناع الذين لا يُلزمهم قانون الانتخاب بالاقتراع، أي أولئك الذين تجاوزوا الـ70 أو تتراوح أعمارهم بين الـ16 والـ17، والذين رجحّت مشاركتهم هذه المرة كفّة لولا. ومن بين التدابير التي أعلنها لاستقطاب هذه الشريحة الواسعة التي تقدر بما يزيد على 33 مليوناً، كان لولا أعلن عن قائمة طويلة شملت زيادة بنسبة 15 في المائة على المساعدات الشهرية التي توزع على 20 مليوناً من الأسر الفقيرة، وأصدر مرسوماً يمنع المراهنات الرياضية وألعاب الميسر عبر الشبكات الرقمية لمكافحة وباء الديون، الذي يجتاح البرازيل منذ عقود ويتسبب في مشكلات اجتماعية خطيرة، كما وعد بتقديم علاجات مجانية للتنحيف إلى الذين يعانون من البدانة، ومساعدات مالية سخية إلى ضحايا العنف المنزلي.

أنصار الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يحتفلون بفوزه بالانتخابات في ساو باولو (رويترز)

منذ اليوم الأول بعد نهاية الجولة الأولى، سادت الحملةَ الانتخابية أجواءٌ من الثقة المفرطة بالفوز داخل المعسكر اليميني بعد نتائج الجولة الأولى، قابلتها أجواء من القنوط والخمول في معسكر لولا، الذي كان يعرف أن هامش الحصول على الأصوات اللازمة لعكس النتيجة ضيّق جداً، لا سيما أن لولا كان مرشحاً عن تحالف جميع الأحزاب اليسارية والتقدمية، في حين كان بولسونارو ضمن أيضاً تأييد الأحزاب اليمينية والمحافظة التي خرجت من السباق الرئاسي بعد الجولة الأولى.

لكن لولا يعرف أن حلاوة هذا الفوز التاريخي، الذي يتوّج مسيرته السياسية الاستثنائية، لن تدوم طويلاً، وأن التحديات التي تنتظره كثيرة وكبيرة، وأن نصف البلاد يضمر له حقداً عميقاً دفع بالملايين إلى الارتماء في أحضان اليمين المتطرف. وليس أدلّ على ذلك من هذه العبارة التي وردت صباح الأحد في مقالة أوكتافيو كوستا، كبير المعلقين السياسيين في صحيفة «جورنال دو برازيل» الذي قال: «اليمين المتطرف يطرح حلولاً للمشكلات الأساسية التي يعاني منها المواطنون. إنها حلول سيئة جداً، لكنه يطرحها. أما اليسار فلا يطرح شيئاً ملموساً أو واضحاً».

وعندما يتسلّم لولا زمام ولايته الرئاسية الرابعة مطالع يناير (كانون الثاني) المقبل، فلن يجد فقط أعداءه السياسيين يحتلون غالبية المقاعد في البرلمان، بل سيجد اقتصاداً في طور الترهل والضمور، ودَيناً عاماً يبلغ نحو 83 في المائة من إجمالي الناتج القومي. وفضلاً عن ذلك، يعرف أن هذا الفوز الأخير قد فتح باب الخلافة لزعامة اليسار التي كان دائماً يتحاشى الخوض فيها، وأن اليوم التالي بعد لولا قد بدأ ولولا ما زال في السلطة.


لولا بفوز بولاية رئاسية رابعة للبرازيل وبولسونارو يسعى لإلغاء الانتخابات

مناصرون للرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يحتفلون في برازيليا بفوزه (رويترز)
مناصرون للرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يحتفلون في برازيليا بفوزه (رويترز)
TT

لولا بفوز بولاية رئاسية رابعة للبرازيل وبولسونارو يسعى لإلغاء الانتخابات

مناصرون للرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يحتفلون في برازيليا بفوزه (رويترز)
مناصرون للرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يحتفلون في برازيليا بفوزه (رويترز)

أعيد انتخاب الرئيس البرازيلي اليساري المنتهية ولايته لويس إيناسيو لولا دا سيلفا الذي سيبلغ قريبا 81 عاما، الأحد لولاية رابعة غير مسبوقة، بعد تغلبه على منافسه المحافظ فلافيو بولسونارو الذي أعلن نيته السعي لإلغاء الاقتراع.

ومع فوز لولا، لم تتجه البرازيل في نهاية المطاف نحو اليمين، على غرار الأرجنتين وتشيلي وكولومبيا، وهي دول تحظى بدعم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بل بقيت واحدة من المعاقل التقدمية القليلة في أميركا اللاتينية. وحصل لولا على نحو 51,8% من الأصوات مقابل 48,2% لابن الرئيس السابق جايير بولسونارو، بحسب النتائج الرسمية.

وقال بولسونارو إنه ‌لن ‌يعترف ​بهزيمته ‌أمام ⁠دا سيلفا، ‌مضيفا ​أنه ‌سيسعى ‌إلى إلغاء جولة الإعادة. وقال إن قرار قاضي ⁠المحكمة ⁠العليا كريستيانو زانين بتمديد فترة التصويت لمدة ساعتين أمر «غير ​مقبول».

وكانت هيئة الانتخابات في البرازيل أعلنت في وقت سابق أنها أوقفت مؤقتا إحصاء الأصوات في جولة الإعادة من الانتخابات الرئاسية، بعد أن قضى أحد قضاة المحكمة العليا بتمديد ساعات التصويت على مستوى البلاد ساعتين.

وكان من المقرر في البداية إغلاق صناديق الاقتراع في الخامسة مساء بالتوقيت المحلي (2000 بتوقيت غرينتش)، لكنها أغلقت في السابعة مساء، بعد أن وافق القاضي الأعلى كريستيانو زانين على طلب قدمته حملة لولا لتمديد فترة التصويت، مشيرا إلى مشاكل في وسائل النقل العام في ثلاث مدن بولاية بايا.

وكان التوتر شديدا في ظل توقع استطلاعات الرأي سباقا شديد التقارب، ووجه كلا المرشحين نداءات في اللحظة الأخيرة إلى السلطات الانتخابية لتمديد التصويت لمدة ساعتين في ولايات محددة. وطلب بولسونارو وقتا إضافيا في ثلاث ولايات، متذرعا بسوء الأحوال الجوية، في حين طلب لولا من السلطات الانتخابية تمديد التصويت في تسع ولايات بعد أن قالت حملته إن المسؤولين قلصوا خدمات النقل العام في يوم الانتخابات.

ويعتمد كثير من البرازيليين على وسائل النقل العام للتصويت في المدن المسجلين فيها، لكنهم قد لا يكونون مقيمين فيها حاليا. ويميل أنصار لولا إلى الاعتماد بنحو أكبر على وسائل النقل العام في هذه المدن. وأمرت محكمة في ولاية بايا، وهي معقل لولا في شمال شرق البرازيل، باعتقال مسؤول كبير في قطاع النقل في سلفادور على خلفية اتهامات بأنه أمر بتقليص أسطول حافلات المدينة.

وقال لولا للصحفيين «ينبغي ألا يتخلى أحد عن التصويت لأن رجل أعمال عديم الضمير أو رئيس بلدية فاسد وغير أمين حاول منعهم من ذلك».

وهيمنت على السباق الانتخابي فضائح الفساد والمخاوف الاقتصادية واتهامات بالتدخل الأميركي، وهو ما تنفيه واشنطن. وتأثرت حملة الانتخابات كذلك بتداعيات إدانة جايير بولسونارو عام 2025 بالتخطيط لانقلاب عام 2022. وتعهد فلافيو بإطلاق سراح والده في حال فوزه بالانتخابات.

ووصف ترمب هذه القضية بأنها «حملة استهداف»، وفرض في 2025 رسوما جمركية تبلغ 50 بالمئة على البرازيل في قرار ارتبط بوضوح بمحاكمة جايير بولسونارو. وعلى الرغم من تخفيف بعض هذه الإجراءات لاحقا، فرض ترمب خلال العام الحالي رسوما جديدة على البرازيل وعزا ذلك إلى ممارسات تجارية غير عادلة.

واعتبر لولا أن تقارب إدارة ترمب مع عائلة بولسونارو يندرج ضمن محاولات التأثير على الانتخابات، وانتقد الرسوم الجمركية وغيرها من التدابير العقابية ووصفها بأنها استقواء. ويواجه لولا على الصعيد الاقتصادي صعوبة في كسب تأييد الناخبين الذين يعانون من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراكم ديون الأسر رغم تراجع معدلات عدم المساواة والبطالة. ويشكل كذلك العنف المستشري الذي تمارسه عصابات إجرامية مصدر قلق للناخبين.

وسعى بولسونارو في المقابل لاستغلال المخاوف المتعلقة بتكاليف المعيشة متعهدا بتبني نهج صارم في مكافحة الجريمة يشمل إنشاء سجون شديدة الحراسة والإخصاء الكيميائي على مرتكبي الجرائم الجنسية الخطيرة.

وحصل بولسونارو على 47 بالمئة من الأصوات في الجولة الأولى، مقابل 45 بالمئة للولا. وأدى فوز عضو مجلس الشيوخ في الجولة الأولى إلى ارتفاع أسواق البرازيل وعملتها على خلفية التوقعات بإجراء إصلاحات مؤيدة لقطاع الأعمال.

وانعكس نجاحه في الجولة الأولى على انتخابات الكونغرس لصالح حزبه، الحزب الليبرالي، وسياسيين آخرين من تيار اليمين، وهو ما قد يمهد له الطريق التشريعي، أو يعقد عملية الحكم بالنسبة للولا.