يشهد حزب المؤتمر الوطني الأفريقي تراجعاً متصاعداً في شعبيته ونفوذه السياسي بجنوب أفريقيا، مع خسارته مزيداً من المقاعد في الانتخابات المحلية، في مسار يعكس تحولات عميقة في المشهد السياسي، وتآكل إرث الحزب الذي قاد البلاد إلى إنهاء نظام الفصل العنصري.
ويؤكد خبراء في الشؤون الأفريقية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن المشهد السياسي يتجه لتشكيل جديد من الائتلافات تحتم على الحزب الحاكم إعادة أوراقه قبل أي استحقاقات انتخابية جديدة.
وأفادت وكالة الأنباء الرسمية في جنوب أفريقيا بأن «اللجنة الانتخابية ستعلن نتائج الانتخابات المحلية لعام 2026»، مساء الأحد.
وأظهرت النتائج الأولية، الجمعة، أن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC) يتجه نحو تكبد خسائر فادحة في الانتخابات البلدية، وفق ما أوردت وكالة «رويترز»، وهو ما يمهد الطريق لمعارك سياسية لتشكيل ائتلافات متعددة الأحزاب بهدف السيطرة على جوهانسبرغ ومدن كبرى أخرى.
ويأتي هذا التوجه المحتمل خاصة وأنه مع فرز 81 في المائة من الأصوات حصل حزب المؤتمر الوطني الأفريقي على 32 في المائة من الأصوات، مقابل 25 في المائة لمنافسه الرئيسي التحالف الديمقراطي (DA)، حسب ما نقلته «رويترز».
وذكرت «رويترز» أنه إذا استمرت هذه النتائج فإن الحزب الذي هيمن على المشهد السياسي في جنوب أفريقيا منذ نهاية نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) سيكون قد فقد نحو 14 نقطة مئوية مقارنة بنتائج الانتخابات البلدية لعام 2021، والتي كانت في ذلك الوقت أسوأ نتيجة محلية يسجلها الحزب على الإطلاق.
ونقلت عن المحلل السياسي الجنوبي أفريقي رالف ماثيكغا، أن «المسار الأكثر مباشرة أمام حزب التحالف الديمقراطي لتشكيل حكومات مستقرة قد يتمثل في إبرام اتفاقات مع حزب المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC) شريكه في الحكومة الوطنية»؛ لكنه حذر من أن «خطوة كهذه قد تؤدي إلى نفور الناخبين الذين عاقبوا حزب المؤتمر الوطني الأفريقي للتو»، حسب الوكالة.
وأوضح خبير الشؤون الأفريقية في «المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط» حسين البحيري، أن «هذه النتائج تعكس تراجعاً في الحزب الحاكم سابقاً بعدما فقد بريقه بوفاة مؤسسه نيلسون مانديلا رمز التحرر من الاستعمار والقضاء على سياسات الفصل العنصري منذ 1994، وعدم قدرة القادة الحاليين لهذا الحزب على الحفاظ على القواعد الشعبية المؤيدة للحزب»، وفق رأيه.
ويعتقد أن هذه النتائج تعكس «تصويتاً عقابياً»، وأرجع ذلك إلى «عدم قدرة الحزب الحاكم على حل المشكلات الاقتصادية المتفاقمة في البلاد خلال الفترة الأخيرة، وهو ما ساهم في اتجاه الناخبين للتصويت لصالح الأحزاب المعارضة التي تقدم بدائل اقتصادية يمكن من خلالها تحسين الأوضاع الاقتصادية ومن ثم تحسين الأوضاع الاجتماعية والمعيشية التي شهدت تراجعاً بسبب عدم قدرة الحزب الحاكم سابقاً على حل هذه المشكلات».

ويرى المحلل السوداني المختص بالشأن الأفريقي محمد شمس الدين، أن «تقدم المعارضة المستمر يعكس تحولاً جذرياً وعميقاً في المزاج الشعبي العام في جنوب أفريقيا»، لافتاً إلى أن «حزب المؤتمر الوطني الأفريقي اعتمد على رصيده التاريخي كحركة تحرر وطني لضمان ولاء الناخبين، لكن هذا الرصيد لم يعد كافياً اليوم لضمان التفويض الانتخابي، في ظل معاناة جنوب أفريقيا من معدلات بطالة قياسية».
ويعتقد أن تقدم أحزاب المعارضة الكلاسيكية مثل «التحالف الديمقراطي» (DA) وصعود قوى جديدة مثل حزب «MKP» يعد استفتاءً واقعياً وليس مجرد تصويت عقابي مؤقت، كما أنه يعتبر إعادة تموضع استراتيجي للناخب الجنوب أفريقي نحو خيارات سياسية تعد بالمساءلة والكفاءة وكسر احتكار السلطة.
وقبل إعلان النتائج، قال زعيم حزب التحالف الديمقراطي جوردين هيل-لويس، إن حزبه بدأ بالفعل في التواصل مع شركاء محتملين لتشكيل ائتلافات، مضيفاً: «سنتعامل خلال الأسابيع القليلة المقبلة باحترام للتفويضات التي حصلت عليها تلك الأحزاب من ناخبيها، وبقدر من التواضع، مع الالتزام بالسعي لتشكيل حكومات محلية تضمن سير العمل بفاعلية في تلك المدن والبلدات».
ويرى البحيري أن الحزب الحاكم أصبح مطالباً في الوقت الراهن بتقديم بدائل ومشروعات لا تعتمد فقط على الإرث التاريخي، بقدر ما تعتمد على تحسين الأوضاع الاقتصادية داخل البلاد، ومن ثم الحفاظ على الكتلة التصويتية التي كان يعتمد عليها الحزب دوماً للبقاء على رأس السلطة.
ويوضح أن هذه النتائج تعد بمثابة رسالة مباشرة من الناخبين للحزب الحاكم بـ«ضرورة تغيير سياساته وإعادة التفكير في برنامجه الانتخابي والاعتماد على قدرته الفعلية على التحرك داخل الشارع في جنوب أفريقيا لاستعادة ثقة قواعده الشعبية مرة أخرى، لتجاوز أي إخفاقات في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة».
وعن المستقبل، يعتقد شمس الدين أن «مؤشرات الأداء المتراجعة لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي تشير إلى أن ما تشهده جنوب أفريقيا هو بداية تحول سياسي هيكلي وطويل الأمد وليس تعثراً انتخابياً عابراً يسهل احتواؤه»، لافتاً إلى أن البلاد قد دخلت فعلياً عصر «السياسة الائتلافية» وتأسيس حكومات الوحدة الوطنية.
