وزير بريطاني لـ«الشرق الأوسط»: زرت عدن لتأكيد شراكتنا مع اليمن

باحثون لا يرون أفقاً قريباً للحل... وفولكنر أكد اهتمام بلاده بـ«الحضور الكامل في المنطقة»

وزير الشرق الأوسط البريطاني أثناء زيارة مركز صحي بمخيم نازحين في عدن الثلاثاء 18 نوفمبر 2025 (إكس)
وزير الشرق الأوسط البريطاني أثناء زيارة مركز صحي بمخيم نازحين في عدن الثلاثاء 18 نوفمبر 2025 (إكس)
TT

وزير بريطاني لـ«الشرق الأوسط»: زرت عدن لتأكيد شراكتنا مع اليمن

وزير الشرق الأوسط البريطاني أثناء زيارة مركز صحي بمخيم نازحين في عدن الثلاثاء 18 نوفمبر 2025 (إكس)
وزير الشرق الأوسط البريطاني أثناء زيارة مركز صحي بمخيم نازحين في عدن الثلاثاء 18 نوفمبر 2025 (إكس)

سألت «الشرق الأوسط» وزير الشرق الأوسط في الخارجية البريطانية، هيمش فولكنر: هل ما زالت لديكم اتصالات مع الحوثيين؟ فأجاب الوزير: «نحافظ بالطبع على كل أنواع الاتصالات التي تتوقعها منا لضمان حضورنا الكامل في المنطقة، لكنني لا أرغب في الخوض حول تفاصيل ذلك في الوقت الحالي».

الحوار مع الوزير جرى عبر الهاتف، خلال زيارته عدن يوم الثلاثاء 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، وهو أرفع مسؤول بريطاني يزور العاصمة اليمنية المؤقتة منذ زيارة وزير الخارجية الأسبق جيريمي هنت في عام 2019.

إعادة الشراكة

رغم الجمود الذي يلم بالملف اليمني منذ شرع الحوثيون في هجمات بحرية هددت الملاحة بمزاعم نصرة غزة في نوفمبر 2023، فإن الوزير يقول: «جئت لإعادة تأكيد شراكة بريطانيا مع اليمن، وتعميق التنسيق العملي».

فولكنر والسفيرة البريطانية لدى اليمن خلال زيارتها خفر السواحل في عدن (إكس)

واستهلّ فولكنر زيارته بتفقّد مركز صحي داخل مخيم للنازحين، ثم توجّه إلى مقر خفر السواحل اليمني.

يقول الوزير: «أنا فخور بشراكتنا والعمل الذي نفذناه معاً. لقد اعترضوا عدداً متزايداً من الشحنات، بما في ذلك شحنات تحتوي على مواد تقنية عالية يمكن استخدامها لأغراض عسكرية».

يكرر القول إنه «سعيد جداً بزيارة اليمن بعد فترة طويلة لم يأتِ فيها إلى هنا أي وزير»، ويرجع ذلك إلى أهمية العلاقة بين المملكة المتحدة واليمن، مضيفاً أن «هناك مجموعة واسعة من القضايا التي جئت للعمل عليها مع الشركاء اليمنيين».

ويعدّ فولكنر التعاون بين لندن والرياض في هذه الملفات أيضاً «وثيقاً ومهماً... وهو عنصر أساسي في دعم الحكومة اليمنية والشعب اليمني وأمن المنطقة، سواء فيما يتعلّق بخفر السواحل أو في الجوانب الإنسانية والتنموية». ويستدل بفعالية مشتركة سيتم تنظيمها قريباً حول احتياجات خفر السواحل اليمني.

ومن الجانب اليمني، يصف الوزير علاقته مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الدكتور رشاد العليمي بأنها جيدة. ويذكّر بأن «هذه المرة الثانية التي أراه فيها خلال أسابيع قليلة. كنا معاً في القاهرة لحضور افتتاح المتحف المصري الكبير. وأجرينا اليوم نقاشات جيدة حول كل هذه القضايا، وسنبقى على تواصل وثيق».

أمن الملاحة

تبنّت الجماعة الحوثية المدعومة من إيران تنفيذ ما يربو على 228 هجوماً بحرياً على الأقل طبقاً لمزاعم زعيم الحركة عبد الملك الحوثي، وحسب تقديرات غربية، غرقت 4 سفن، وتم احتجاز خامسة، وقتل 9 بحارة على الأقل، في حين لا تزال الجماعة تحتجز 12 بحاراً.

اقتصادياً، تقول الحكومة اليمنية التي تتهم الحوثيين بأنهم يستخدمون الهجمات لتنفيذ مخطط إيراني وفي سبيل الدعاية، إن مصالح 55 دولة تأثرت من تلك الهجمات.

ودفعت الهجمات شركات كثيرة إلى تغيير مساراتها البحرية صوب رأس الرجاء الصالح، وهو ما يعني تكاليف مرتفعة للنقل والتأمين وتأخر سلاسل التوريد.

«لقد كنت واضحاً في ذلك»، يقول الوزير إن «اليمن والمنطقة والبحر الأحمر تحتاج إلى الأمن والاستقرار، والحكومة اليمنية شريك أساسي في ذلك... كنت واضحاً أيضاً في إدانة الخطوات التي اتخذها الحوثيون، بما في ذلك خطف العاملين الإنسانيين، وفرض القيود على المساعدات، وبالطبع دورهم المزعزع في البحر الأحمر».

لم تحرك المياه الراكدة في الأزمة اليمنية سوى التركيز على أمن الملاحة؛ حيث شكلت الولايات المتحدة تحالفاً وشكل الأوروبيون آخر، وصعّدت أميركا، ولم يصعد الأوروبيون، وشنت إسرائيل 19 موجة هجوم ضربت البنية التحتية ومواقع عسكرية ومصالح اقتصادية حوثية، فضلاً عن استهداف قيادات أبرزهم رئيس الحكومة غير المعترف بها دولياً أحمد الرهوي، وتقريباً الحكومة كاملة باستثناء نائبه الذي خلفه بالمنصب محمد مفتاح ووزراء اختفى بعضهم، إلى جانب مقتل رئيس الأركان الحوثي محمد الغماري، وهو الحدث الذي تكتمت الجماعة على إعلانه لنحو 4 أشهر، وبقي مصير آخرين غامضاً، ويرجح أنهم في وضع صحي خطر.

الملاحة وحدها لا تكفي!

يشعر يمنيون بانطباع سائد، يتمثل في عدم وضع واشنطن الحل السياسي اليمني ضمن الأولويات بقدر ما تركز على أمن الملاحة في البحر الأحمر.

وفي حديث مع «الشرق الأوسط»، تقول ميساء شجاع الدين، وهي «باحث أول» بمركز صنعاء للدراسات: «لا يكفي التعامل مع خفر السواحل؛ لأن مشكلة اليمن في جذرها سياسية، وتحتاج إلى معالجة جذرية، وقد تحتاج إلى معالجة عسكرية أيضاً لوزن القوى. كما تحتاج إلى تنسيق إقليمي ودولي لتحقيق ذلك».

وبسؤال الوزير البريطاني عن مدى استخدام المملكة المتحدة نفوذها مع واشنطن لإدراج اليمن ضمن الأولويات قال الوزير: «بالتأكيد ناقشنا كل هذه القضايا مع الجميع»، ثم وجّه دفة الحديث نحو لقائه برئيس مجلس القيادة في عدن، قائلاً: «قابلت الرئيس، ورئيس مجلس القيادة، ورئيس الوزراء، ووزير الخارجية، والقائد الأعلى لخفر السواحل اليمني. تحدثنا حول كل هذه الموضوعات. من الواضح، كما قلت، أن اليمن يحمل إرثاً ثقيلاً منذ سنوات الصراع. وقد رأيت آثار ذلك في كل مكان في عدن خلال يومي هذا. نحن نتحدث أيضاً مع شركائنا اليمنيين والسعوديين والأميركيين والإماراتيين بشأن الطريق المقبل... من الضروري أن يرى اليمن الاستقرار. ومن الضروري تطبيق القانون الدولي، ليس في اليمن فقط، بل في المنطقة والبحر الأحمر أيضاً كما ذكرت».

ودعمت المملكة المتحدة اليمن في سبتمبر (أيلول) 2025 بمبلغ 4 ملايين دولار إضافية لخفر السواحل اليمني. وشمل ذلك قوارب جديدة ومجددة.

يقول فولكنر: «كنت على متن السفينة (عدن)، التي لعبت دوراً مهمّاً. ورأيت بعض معدات الاتصالات التي تم ضبطها، وكانت مخفية ضمن شحنة وُصفت بأنها بضائع تجارية. هذا لم يكن مُعلناً على الإطلاق. وتم ضبطه بواسطة سفينة (عدن)، وهي من السفن التي ساعدت المملكة المتحدة في إعادة تأهيلها. وسعدت برؤية أن المساعدة البريطانية تُستخدم تماماً في الأغراض التي ذكرتها».

صعوبة الحل

لا يرى باحثون يمنيون أفقاً لمسار الحل السياسي، ويرجعون ذلك إلى عوامل عديدة داخل اليمن وخارجه.

يقول محمود شحرة، وهو زميل مشارك في المعهد الملكي البريطاني للعلاقات الدولية (تشاتام هاوس) لـ«الشرق الأوسط»، إن تغيير موازين القوى على الأرض هو الكفيل لدفع عملية سلام في اليمن.

أما ميساء شجاع الدين فتعتقد أنه وسط متغيرات المنطقة، وتعدد المشكلات «سيكون من الصعب إيجاد معالجات جذرية في اليمن، لأن أي معالجة جذرية لها تكلفتها على المدى القريب، رغم أنها مريحة على المدى البعيد»

وتضيف: «اليمن حالياً ليس أولوية لأي طرف إقليمي أو دولي، والتعامل مع الملف يعدّ محاولة تخفيف أكبر قدر ممكن من الضرر، لكن لا توجد استراتيجية واضحة حالياً لحل الأزمة اليمنية».

يعود محمود شحرة ليقول: «الحكومة اليمنية ضعيفة، ومن ثم لن تتمكّن من ملء الفراغ في حال انهارت سلطة الحوثيين أو نجحت إسرائيل في قتل عبد الملك الحوثي، لأن الوضع في اليمن لا يُشبه لبنان، حيث استطاعت الحكومة اللبنانية ملء فراغ (حزب الله)؛ لذلك، يجب على الحكومة اليمنية أن تستعيد مكانتها، وأن تستعد لملء أي فراغ محتمل، حتى تتمكّن من الجلوس مع الحوثيين حول طاولة المفاوضات بندية».

زيارة أولى

الوزير هيمش فولكنر سبق أن زار اليمن من قبل، لكنه لم يسبق له زيارة عدن. وكان في وصفه السريع واقعياً: «هذه أول مرة أزور عدن. وقد لقيت استقبالاً دافئاً؛ إنها مدينة جميلة، وكان يوماً مهماً ومفيداً، لكن يجب أن أقول إنني رأيت أيضاً أطفالاً يعانون سوء التغذية، ونازحين يكافحون للبقاء. رأيت أشخاصاً كثيرين بحاجة لمزيد من الدعم. هي مدينة جميلة، الاستقبال كان رائعاً، وأنا سعيد جداً بوجودي هنا، لكن لا يزال هناك الكثير مما يجب فعله».


مقالات ذات صلة

بن عيفان: مواني البحر العربي مرشحة لتصبح مراكز لوجستية عالمية

خاص مواني البحر العربي مرشحة لتصبح مراكز لوجستية عالمية (مواني البحر العربي)

بن عيفان: مواني البحر العربي مرشحة لتصبح مراكز لوجستية عالمية

مواني البحر العربي قادرة على أن تكون مراكز لوجستية عالمية، بما تمتلكه من ميزة تنافسية وإمكانيات متعددة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

أعلنت «أسبيدس» تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي الشارع اليمني متخوف من تبعات دخول الحوثيين في الحرب إلى جانب إيران (غيتي)

قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

يثير انخراط الحوثيين لنصرة إيران نقاشاً واسعاً بين اليمنيين وتتفاوت ردود الفعل بين قلق من التبعات وتوقعات بتأثير هذه الخطوة على مستقبل الجماعة الانقلابية.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

أقر البنك المركزي اليمني إجراءات لمعالجة شح السيولة وتعزيز الاستقرار النقدي، بالتوازي مع تحركات حكومية ودولية لدعم التعافي الاقتصادي ومواجهة الضغوط الإقليمية

«الشرق الأوسط» (عدن)
الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.