خلافات مركبة تؤخر تشكيل الحكومتين في بغداد وأربيل

«التنسيقي» يمنح نوابه حرية التصويت لأي مرشح لرئيس الجمهورية

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني يلتقي رئيس وزراء إقليم كردستان مسرور بارزاني في أربيل 2 فبراير 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني يلتقي رئيس وزراء إقليم كردستان مسرور بارزاني في أربيل 2 فبراير 2026 (رويترز)
TT

خلافات مركبة تؤخر تشكيل الحكومتين في بغداد وأربيل

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني يلتقي رئيس وزراء إقليم كردستان مسرور بارزاني في أربيل 2 فبراير 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني يلتقي رئيس وزراء إقليم كردستان مسرور بارزاني في أربيل 2 فبراير 2026 (رويترز)

أعرب الزعيم الكردي مسعود بارزاني، الخميس، عن أسفه لعدم التوصل إلى تشكيل كل من حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية في بغداد، عازياً ذلك إلى «مشاكل وخلافات كبيرة» بين القوى السياسية، في وقت فاجأ «الإطار التنسيقي» القوى السياسية بإعلانه منح نوابه حرية التصويت لأي مرشح كردي لمنصب رئيس الجمهورية.

وقال بارزاني، في كلمة ألقاها خلال مؤتمر عقد في مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان، إن «الانتخابات أُجريت، لكن لم تتشكل حكومة لا في الإقليم ولا في بغداد؛ لأن الخلافات كثيرة ومعقدة»، مضيفاً: «ينبغي أن نكون صرحاء أمامكم وأمام شعبنا».

وأكد الزعيم الكردي أن الجهود لا تزال مستمرة «لإنهاء هذه الخلافات من خلال إيجاد حلول مناسبة تخرِج الإقليم وبغداد من حالة الأزمة السياسية»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن التوتر الإقليمي المحيط بالعراق يزيد من تعقيد المشهد.

وقال بارزاني: «الوضع في المنطقة متوتر، ولا نأمل أن تندلع أي حرب؛ لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث هو الحرب»، معرباً عن أمله في أن تُحلّ الخلافات الإقليمية عبر الحوار والوسائل السلمية.

تأتي تصريحات بارزاني بعد أيام من محادثات أجراها مع وفد رفيع من «الإطار التنسيقي» ضم رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، وزعيم تحالف «الفتح» هادي العامري، والنائب الأول لرئيس البرلمان محسن المندلاوي، وهي مباحثات بدا أنها فشلت في التوصل إلى صيغة توافقية لحسم منصب رئيس الجمهورية، وهو المنصب الذي يخصص عرفاً للمكون الكردي منذ عام 2005.

زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني (روداو)

«حرية الاختيار»

في هذا السياق، أصدر «الإطار التنسيقي» مساء الأربعاء، عقب اجتماع عُقد في مكتب زعيم «تيار الحكمة» عمار الحكيم، أول قرار له بعد عودة وفده من أربيل والسليمانية، دعا فيه نوابه إلى أن يكونوا «أحراراً» في اختياراتهم إذا تعذر التوصل إلى مرشح كردي واحد.

وأكد بيان «الإطار» «أهمية احترام التوقيتات الدستورية والالتزام بها»، داعياً إلى «حسم ملف رئاسة الجمهورية خلال فترة قصيرة»، كما شدد على ضرورة أن «يولي الإخوة في إقليم كردستان اهتماماً بالمقترحات التي قدمها وفد (الإطار) خلال زيارته الأخيرة للإقليم بما يسهم في تسريع التوافق وإنهاء حالة التعطيل».

لكن البيان نفسه حذَّر من أن «استمرار تعطل مؤسسات الدولة لا ينسجم مع حجم التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تحيط بالبلاد»، وهو ما فهم في الأوساط السياسية على أنه ضغط مباشر على القوى الكردية، وتحديداً الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة بارزاني.

ويكتسب الموقف الجديد لـ«الإطار» أهمية إضافية في ضوء تحولات أوسع تشهدها خريطة التحالفات السياسية في العراق. فبارزاني كان أول المهنئين لزعيم «دولة القانون» نوري المالكي حين اختاره «الإطار» مرشحاً لرئاسة الوزراء في مرحلة سابقة، إلا أن تغريدة للرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن المالكي أعادت خلط الأوراق، وفتحت الباب أمام اصطفافات جديدة حتى بين الخصوم التقليديين.

وبينما أخفق وفد «الإطار التنسيقي» في فك عقدة رئاسة الجمهورية مع بارزاني، بدأت «عقدة المالكي» وفق تعبير سياسيين تدفع باتجاه تقارب غير معلن بين أبرز زعيم كردي، مسعود بارزاني، وأبرز زعيم سني، رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، لاحتمال تشكيل تحالف برلماني يهدف إلى تعطيل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، في حال توجه الإطار عملياً لدعم مرشح «الاتحاد الوطني الكردستاني» نزار آميدي.

زعيم «تيار الحكمة» عمار الحكيم (يمين) وزعيم ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي (يسار) في بغداد (إكس)

محاولة «ثلث معطل»

يعني هذا السيناريو، وفق مراقبين، محاولة تشكيل «ثلث معطل» داخل البرلمان يمنع تمرير رئيس جديد للجمهورية، ما لم يتم التوصل إلى تسوية سياسية أوسع.

في هذا الإطار، قال القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني محمود خوشناو لـ«الشرق الأوسط» إن «خيار (الإطار التنسيقي) يُعدّ خياراً محترماً في حال تعذر التوافق بين الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني»، مشيراً إلى أن «الاتحاد كان قد أبدى مرونة مبكرة بعدم مزاحمة (الديمقراطي الكردستاني) في تشكيل حكومة الإقليم، لكن ضمن تفاهمات وشروط لم يتم الالتزام بها لاحقاً».

وأضاف خوشناو أن «(الإطار التنسيقي) كان مطلعاً على جميع حيثيات التفاوض بين الحزبين الكرديين»، مرجحاً أن «يكون المزاج السياسي في بغداد أكثر انسجاماً مع الاتحاد الوطني لأسباب عديدة، من بينها مواقف سابقة جمعت الطرفين»، لافتاً إلى أن «الخلافات الكردية – الكردية لا تزال عميقة ومركبة».

من جهته، رأى أستاذ العلوم السياسية عصام فيلي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «ترك قوى (الإطار التنسيقي) نوابها أحراراً في التصويت لا يمكن فهمه إلا بوصفه تنصلاً واضحاً من أي التزام سياسي تجاه القيادات الكردية، خصوصاً في ملف رئاسة الجمهورية».

وأوضح أن «هذا القرار قد يعجّل بانهيار ما يُعرف بالثلث المعطل، خاصة أن (الإطار) نفسه منقسم داخلياً حول هذا المنصب»، محذراً من أن «المشهد السياسي العراقي مقبل على أزمة أعمق، في ظل الأنباء المتضاربة عن إمكانية التوصل إلى اتفاق بين الحزبين الكرديين، وهو أمر لم يتحقق حتى الآن».


مقالات ذات صلة

محاولات عراقية لحصر «قرار الحرب بيد الدولة»

المشرق العربي أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)

محاولات عراقية لحصر «قرار الحرب بيد الدولة»

كشفت مصادر أمنية عراقية عن تطور لافت في مسار التحقيقات المرتبطة بهجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت مواقع مختلفة.

حمزة مصطفى (بغداد)
رياضة عالمية لاعبو بوليفيا في فرحة عارمة عقب الفوز (أ.ف.ب)

بوليفيا تقلبها على سورينام… وتواجه العراق في نهائي الملحق العالمي

قلبت بوليفيا تأخرها إلى فوز 2-1 على سورينام في الدور قبل النهائي للملحق العالمي بين الاتحادات القارية في مونتيري يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (مونتيري)
المشرق العربي أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب) p-circle

عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

فوق أنقاض مستوصف عسكري بغرب العراق صار ركاماً بعد غارة جوية، يقف أحمد مع اثنين من زملائه العاملين في الوحدة الطبية، غير مصدّقين أنهم نجوا من غارة.

«الشرق الأوسط» (الحبانية)
المشرق العربي الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)

الحبّانية… منتجع عراقي للسياحة والحروب

من قاعدة بريطانية إلى رمز للسيادة، ومن منتجع سياحي إلى موقع عسكري حساس، تظل الحبّانية مرآة لتحولات العراق.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي صورة تُظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وملك الأردن عبد الله الثاني (وكالة الأنباء العراقية)

العراق والأردن يُحذران من الآثار المترتبة على الحرب في المنطقة

بحث رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني، الخميس، مع العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني تطورات الأحداث في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (عمّان - بغداد)

إعادة تموضع للجيش والأمن اللبنانيين بالجنوب لتجنب الوجود على تماس مع الإسرائيليين

دورية للجيش اللبناني جنوب لبنان (أرشيفية - مديرية التوجيه)
دورية للجيش اللبناني جنوب لبنان (أرشيفية - مديرية التوجيه)
TT

إعادة تموضع للجيش والأمن اللبنانيين بالجنوب لتجنب الوجود على تماس مع الإسرائيليين

دورية للجيش اللبناني جنوب لبنان (أرشيفية - مديرية التوجيه)
دورية للجيش اللبناني جنوب لبنان (أرشيفية - مديرية التوجيه)

ينفّذ الجيش والقوى الأمنية اللبنانية إعادة انتشار لوحداتهما في الجنوب «وقائياً»، تحت ضغط النيران الإسرائيلية، في خطوة يُنظر إليها بوصفها استراتيجية لتجنّب وجود العناصر الرسمية على تماس مباشر مع القوات الإسرائيلية أو حدوث احتكاك بينها.

ويأتي ذلك في ظل غياب قرار سياسي بمواجهة التوغلات الإسرائيلية عسكرياً، كما يُفسَّر الإجراء على أنه تطبيق لـ«تكتيكات الحماية» لعناصرهما في منطقة تشهد اشتباكات.

عناصر من الجيش اللبناني قرب الأنقاض جنوب لبنان (أرشيفية - مديرية التوجيه)

وقال مصدر أمني لبناني مطّلع لـ«الشرق الأوسط»، إن القوى الأمنية تعتمد مبدأ ميدانياً ثابتاً يقوم على البقاء إلى جانب الأهالي حتى اللحظة الأخيرة، موضحاً أن «العناصر تبقى حيث يوجد المدنيون، وتنسحب فقط بعد اكتمال النزوح، وقبل أي توغل إسرائيلي محتمل، بما يضمن عدم تعريضهم أو تعريض السكان للخطر».

وحسب المصدر، يرتبط انتشار القوى الأمنية مباشرة بحركة النزوح وواقع كل بلدة، إذ «يُشكّل وجود الأهالي عاملاً حاسماً في بقاء مخافر قوى الأمن».

ويكشف المصدر أنه «لا يجري إخلاء المخافر وفق خطة مركزية معلنة، بل استناداً إلى معطيات ميدانية متغيرة»، إذ «كلّ بلدة تُخلى من سكانها يُصار حكماً إلى إخلاء مخفرها، وتلتحق العناصر بأقرب نقطة عسكرية». وفي هذا السياق، برزت بلدة الخيام بوصفها «من آخر النقاط التي حافظت على وجود أمني إلى جانب السكان حتى المراحل الأخيرة من النزوح، قبل أن يتم إخلاؤها».

انكفاء عسكري ورفض أهلي للإخلاء

تعكس بلدة دبل تعقيد التداخل بين القرار الأمني ورد الفعل المحلي. إذ كشف مصدر من أبناء البلدة لـ«الشرق الأوسط» أن الجيش اللبناني كان يمتلك نقطة متقدمة عند أطرافها، إلا أنه ومع بدء توغلات إسرائيلية محدودة في محيطها، جرى سحب هذه النقطة ليلاً إلى داخل البلدة، وتحديداً إلى المدرسة الرسمية.

دورية مؤلّلة للجيش اللبناني برفقة قوّات الأمم المتّحدة (أرشيفية - مديرية التوجيه)

ويضيف المصدر أن «الانسحاب لم يتوقف عند هذا الحد، إذ جرى في اليوم التالي، سحب العناصر بالكامل من دبل باتجاه رميش، ما أدّى إلى غياب أي وجود عسكري فعلي داخل البلدة، مع بقاء العناصر من أبناء دبل في منازلهم بلباس مدني».

الأكثر حساسية كان طرح قرار بنقل العسكريين من أبناء البلدة مع عائلاتهم إلى خارج البلدة، وهو ما فُهم محلياً بوصفه تمهيداً لإفراغ البلدة. إلا أن هذا التوجه قوبل برفض واسع من الأهالي.

ويكتسب هذا الرفض ثقله من المعطى العددي، إذ يناهز عدد العناصر الأمنية من أبناء دبل نحو 200 بين الجيش والقوى الأمنية، ما يعني أن خروجهم مع عائلاتهم كان سيؤدي عملياً إلى تفريغ البلدة بشكل شبه كامل. وقد أدى تحرك سياسي أهلي، شمل وزارتي «الدفاع» و«الداخلية» ومرجعيات دينية، إلى تجميد هذا التوجه.

ورغم التوتر، يؤكد المصدر أن البلدة ليست محاصرة، مشيراً إلى أن طريق «دبل - رميش» لا يزال مفتوحاً، ما سمح بتراجع فكرة الإجلاء. وفي ظل هذا الواقع، يلتزم الأهالي والعناصر منازلهم، فيما تبقى المراكز العسكرية والمخافر قائمة في بلدات مجاورة مثل عين إبل ورميش.

وكانت وسائل إعلام محلية قد أفادت بأن الجيش اللبناني أعاد التموضع عند حاجز الخردلي، المدخل الأساسي إلى منطقة جنوب الليطاني من القطاع الشرقي، كما يستعد لإعادة الانتشار عند حاجز كفرا، في ضوء تقدم القوات الإسرائيلية نحو بيت ليف ووادي العيون المقابلين له من الجهة الجنوبية.

قيادة الجيش: رفع الجهوزية ومواجهة الشائعات

في موازاة هذه التحركات، تَفقَّد قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل عدداً من الوحدات في بيروت وصيدا، واطّلع على التدابير الأمنية المتخذة في قطاعات مسؤوليتها.

وتوجّه إلى العسكريين مشدداً على ضرورة الحفاظ على الجهوزية «لمنع الإخلال بالأمن، والحزم في وجه أي محاولة للمساس بالاستقرار الداخلي».

وقال: «رغم الشائعات وحملات التحريض التي تسعى إلى التقليل من شأن تضحيات العسكريين وجهودهم، لن يتوانى الجيش عن تحمّل مسؤولياته الوطنية»، داعياً العسكريين إلى «عدم التأثر بهذه الشائعات، والتمسك بعقيدتهم والالتزام بأداء واجبهم الوطني».

خيار وقائي

في قراءة عسكرية، قال النائب السابق والعميد المتقاعد شامل روكز لـ«الشرق الأوسط»، إن ما يجري «لا يمكن توصيفه بكونه حالةَ انسحاب عسكري تقليدي، بل يندرج ضمن إعادة تموضع ميدانية مدروسة تفرضها طبيعة المواجهة غير المتكافئة، في ظل التفوق الجوي والناري الإسرائيلي، وما يرافقه من فرضية استهداف مباشر للنقاط المكشوفة».

وأوضح أن «الجيش اللبناني يتحرك ضمن هامش تحدده السلطة السياسية، إذ لا يوجد حتى الآن قرار صادر عن مجلس الوزراء يقضي بالتصدي أو الانخراط في مواجهة مباشرة مع الجيش الإسرائيلي».

وأضاف أن المؤسسة العسكرية «تدير انتشارها على هذا الأساس، بما يوازن بين الحضور الميداني ومتطلبات السلامة».

وفيما يتعلق بإخلاء بعض النقاط، ومنها ما يُتداول بشأن دبل، شدد روكز على أن «المسألة لا ترتبط بتخلٍّ عن الأرض أو انهيار في الجبهة، بل بإجراءات وقائية تفرضها الوقائع الميدانية؛ حيث تصبح بعض المواقع أهدافاً سهلة تحت القصف».

وأشار إلى أن إعادة التموضع «تحمل بُعداً عملياتياً ومعنوياً، إذ تهدف إلى تجنب الاحتكاك المباشر في ظل غياب قرار سياسي، والحفاظ على معنويات العسكريين وعدم زجّهم في مواجهات غير متكافئة»، معتبراً أنّ «القيادة العسكرية تعتمد مرونة عالية في إدارة الانتشار، عبر الانتقال من مواقع مكشوفة إلى أخرى أكثر أماناً».

ولفت إلى أن ما يجري «يندرج ضمن تكتيكات الحماية وإعادة الانتشار المعتمدة في بيئات عالية الخطورة»، مؤكداً أن «المشهد يعكس إدارة دقيقة للتوازن بين القرار السياسي والواقع الميداني؛ حيث لا يمكن فصل أداء الجيش عن توجيهات الدولة، ولا عن طبيعة التهديد القائم».


إسرائيل و«حزب الله» يستعدان لقتال طويل في جنوب لبنان

جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
TT

إسرائيل و«حزب الله» يستعدان لقتال طويل في جنوب لبنان

جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)

يستعد «حزب الله» لقتال طويل في جنوب لبنان، مشترطاً الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، قبل التوصل إلى أي اتفاق يقضي بوقف إطلاق النار، وذلك «تجنباً لنتائج الحرب الماضية»، حسبما قالت مصادر لبنانية مواكبة لمحادثات «حزب الله» مع المسؤولين السياسيين، فيما تشير التحشيدات الإسرائيلية المتواصلة إلى أن الجيش يستعد أيضاً لقتال طويل في جنوب لبنان.

وتفسر المعلومات في لبنان عن عدد المقاتلين الذين يتم استهدافهم في غارات، التي تتعزز بالصور الإسرائيلية للملاحقات في مناطق القتال، استراتيجية «حزب الله» العسكرية التي تظهر تبدلاً عما كان يتبعه في الحرب الماضية، عبر تصغير المجموعات القتالية إلى مقاتلين اثنين أو ثلاثة بالحد الأقصى، منعاً للاستنزاف، كما أعطى المجموعات على الأرض صلاحيات من دون الرجوع إلى القيادات الأعلى منها، «بما تراه مناسباً في الميدان».

دمار ناتج عن غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في بلدة السكسكية جنوب لبنان أسفرت عن وقوع قتلى (أ.ب)

وقالت المصادر المواكبة لمحادثات الحزب مع المسؤولين السياسيين اللبنانيين إنه «يستعد لمعركة طويلة»، وإنه «لن يقبل بأي اتفاق سياسي لا يضمن الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية قبل دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، تجنباً لأن تستفيد إسرائيل من أي تعليق للقتال، لنسف مزيد من البيوت أو فرض أمر واقع بتثبيت نقاط عسكرية داخل الأراضي اللبنانية». وقالت المصادر إن الحزب «يقول إن مجموعاته ستواصل مقاومة التوغلات الإسرائيلية، حتى انسحابها بالكامل، مهما طال الوقت»، فيما «يكفل أي اتفاق سياسي عودة الأسرى» الذين ازداد عددهم منذ بدء الحرب القائمة، وعودة النازحين إلى قراهم ومنازلهم».

المفاوضات معلقة

وتُظهر تلك التسريبات أن الحزب رفع سقف شروطه تمهيداً لأي اتفاق مسبق، علماً أنه «لا مفاوضات قائمة، ولا رسائل متبادلة» مع الجانب الإسرائيلي عبر أي وسيط دولي حتى الآن، في وقت رفعت فيه إسرائيل سقف شروطها إلى الحد الأقصى أيضاً، عبر المطالبة بمفاوضات سياسية مع الدولة اللبنانية تحت النار وفي ظل الاحتلال لأراضٍ لبنانية، وتترافق مع إجراءات لبنانية تتخذها الحكومة لجهة نزع سلاح «حزب الله» وتأمين شمال إسرائيل بالكامل، وإنهاء أي تهديد لها، حسبما قالت مصادر دبلوماسية لـ«الشرق الأوسط».

آليات لقوات «اليونيفيل» قرب مبانٍ مدمرة نتيجة غارات إسرائيلية جنوب لبنان (أ.ف.ب)

ويلتقي ذلك مع التصريحات الإسرائيلية، إذ قال الجيش الإسرائيلي، في بيان: «إذا لم تقم الحكومة اللبنانية بنزع سلاح (حزب الله) فسنفعل ذلك»، في وقت حذّر فيه مسؤول في الأمم المتحدة من «أننا نشهد خطاباً مقلقاً بشكل متزايد بشأن أنشطة في جنوب لبنان من الجيش والسلطات الإسرائيلية»، مضيفاً: «ما نحتاجه هو احترام وحدة أراضي لبنان وسيادته بشكل كامل».

توغل 10 كيلومترات

واستطاعت القوات الإسرائيلية تحقيق توغل استراتيجي على الساحل اللبناني، إذ أحرزت تقدماً يناهز 10 كيلومترات من النقطة الحدودية، جنوب غربي الناقورة، باتجاه نقطة البياضة، الواقعة على بعد نحو 12 كيلومتراً عن مدينة صور الساحلية. وقالت مصادر محلية في الجنوب إن التقدم على هذا المحور يُنظر إليه على أنه سلس، بالنظر إلى أن دفاعات «حزب الله» موجودة إلى الشرق، وهي الجهة التي سيسلكها الجيش الإسرائيلي للوصول إلى شمع وطير حرفا، والسيطرة على المرتفعات المحيطة، بما يمكنه من الإشراف على وديان زبقين ومجدل زون، وهي المنطقة التي لم يستطع التقدم إليها في الحرب الماضية، رغم سيطرته على بلدة شمع.

ومن جهة أخرى، أحرز الجيش الإسرائيلي تقدماً إضافياً في بلدة القنطرة، حتى بات يلامس أطراف وادي الحجير، وهو وادٍ استراتيجي، كان قبل الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000 آخر نقاط السيطرة الإسرائيلية، ومن شأن الوصول إليه أن يقطع خطوط إمداد مقاتلي «حزب الله» من الوادي، ومجرى نهر الليطاني، باتجاه العمق.

دبابة إسرائيلية تتوغل باتجاه الأراضي اللبنانية من سياج شائك (إ.ب.أ)

وفي مقابل التوغل الإسرائيلي، أعلن «حزب الله» عن سلسلة عمليات عسكرية استهدفت دبابات إسرائيلية ونقاط تجمع، ونشر صوراً لاستهداف مدرعات في ديرسريان والطيبة بصواريخ موجهة ومسيّرات. ويقول إن مقاتليه يشتبكون مع القوات الإسرائيلي من مسافة صفر في بعض نقاط التوغل وداخل أحياء القرى. ولامس عدد العمليات العسكرية، يوم الخميس، 90 عملية، أعلن عنها في بيانات منفصلة، وهو الرقم الأكبر منذ بدء الحرب في 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، ما يشير إلى تصعيد كبير.

وبلغ عدد القرى التي تسيطر عليها إسرائيل بشكل كامل 11 بلدة، تتنوع بين الخط الأول والثاني والثالث للحدود.

وبالتزامن، استهدفت الغارات الإسرائيلية منطقة الزهراني، ما أسفر عن وقوع قتلى وجرحى في بلدتي الصرفند والسكسكية، كما استهدفت منطقة البزالية في البقاع، شرق لبنان، وعشرات القرى في أقضية صور والنبطية وبنت جبيل ومرجعيون وجزين، فضلاً عن استهداف في الضاحية الجنوبية لبيروت.

تحذيرات من الوضع الإنساني

إنسانياً، قالت المسؤولة في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، المعنية بلبنان، كارولينا ليندهولم بيلينغ، إن التقديرات تشير إلى أن نحو 150 ألف شخص معزولون بعد تدمير الجسور على نهر الليطاني. وأضافت: «لا يزال الوضع مقلقاً للغاية، وهناك خطر فعلي لوقوع كارثة إنسانية».

نازحون من الضاحية الجنوبية لبيروت ينتظرون مساعدة غذائية في مركز للإيواء في بيروت (أ.ب)

بالموازاة، قال ماركولويجي كورسي، ​ممثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) في لبنان، خلال مؤتمر ‌صحافي، الجمعة، ​إن ‌النازحين ⁠في ​لبنان لا ⁠يجدون ملاذاً آمناً حتى في العاصمة بيروت، وذلك ⁠في خضم ‌الهجوم ‌الإسرائيلي ​على ‌«حزب الله».


محاولات عراقية لحصر «قرار الحرب بيد الدولة»

أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)
أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)
TT

محاولات عراقية لحصر «قرار الحرب بيد الدولة»

أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)
أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)

كشفت مصادر أمنية عراقية عن تطور لافت في مسار التحقيقات المرتبطة بهجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت مواقع دبلوماسية وأمنية في البلاد، في وقت تتصاعد فيه الضغوط السياسية والقانونية لحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة.

وقال مصدر أمني مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن «معلومات بشأن مطلقي الصواريخ والمسيّرات بدأت تتوافر لدى الجهات الرسمية»، موضحاً أن هذه المعطيات «تم الحصول عليها بعد اعتقال ثلاثة عناصر ينتمون إلى أحد الفصائل المسلحة، صدرت بحقهم مذكرات توقيف».

وأضاف أن «قوة أمنية اعتقلت أيضاً مجموعة أخرى يُشتبه في ضلوعها بالهجمات التي استهدفت السفارة الأميركية في بغداد».

ورجح المصدر العراقي «صدور المزيد من مذكرات القبض بحق آخرين توافرت معلومات بشأن خرقهم للقوانين، على خلفية شن هجمات باستخدام الصواريخ والمسيرات».

تحذيرات القضاء

وبينما لم تعلن الحكومة رسمياً أسماء الجهات المسؤولة عن تلك الهجمات، فإن فصائل مسلحة دأبت على تبني عمليات مماثلة عبر بيانات أو منصات رقمية، ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني ويضعف قدرة الدولة على ضبط السلاح خارج إطارها الرسمي.

وجاءت هذه المعلومات في أعقاب تحذير أطلق رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان من «تداعيات خطيرة» بسبب انفراد بعض الفصائل وجهات غير رسمية بقرارات ذات طابع عسكري، معتبراً أن ذلك يمثل خرقاً صريحاً للدستور ويعرّض البلاد لمخاطر العزلة الدولية والعقوبات.

وأوضح زيدان أن إعلان حالة الحرب يخضع لآلية دستورية محددة تتطلب موافقة ثلثي البرلمان بناءً على طلب مشترك من رئيسي الجمهورية والوزراء.

وتعكس هذه التطورات احتدام التوتر بين الدولة والفصائل المسلحة، في ظل مساعٍ لإعادة فرض سلطة المؤسسات الرسمية، خصوصاً مع تزايد الانتقادات الداخلية والخارجية بشأن تعدد مراكز القرار الأمني، واستمرار الهجمات التي تهدد البعثات الدبلوماسية وتفاقم الضغوط على العراق في محيطه العربي والدولي.

وفي سياق أوسع من التحديات التي يواجهها العراق، وصف مسؤولون ما يجري بانخراط غير مباشر في «جغرافية الحرب» الإقليمية، مع تكرار الهجمات على مواقع مرتبطة بالوجود الأميركي، سواء في بغداد أو أربيل، بالتوازي مع ضربات جوية استهدفت مواقع عسكرية داخل البلاد.

ومنذ بدء الحرب في الشرق الأوسط، تستهدف هجمات تتبناها فصائل عراقية المصالح الأميركية. وتنفّذ إيران ضربات ضد مجموعات كردية إيرانية معارضة موجودة في شمال العراق، فيما تتعرّض مقار لـ«الحشد الشعبي» ولفصائل عراقية مسلحة موالية لطهران لغارات تنسب إلى الولايات المتحدة وإسرائيل.

حريق مشتعل خارج محيط سفارة الولايات المتحدة في المنطقة الخضراء المحصنة ببغداد في 17 مارس 2026 (أ.ف.ب)

قرار الحرب

سياسياً، تتصاعد الدعوات داخل العراق لتأكيد حصرية قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الدستورية. وأكد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني أن الحكومة «هي الجهة الوحيدة المخولة بهذا القرار»، رغم أنها تعمل حالياً بصفة تصريف أعمال بعد التغيرات البرلمانية الأخيرة.

وأكدت وزارة الخارجية العراقية رفض الحكومة القاطع لأي اعتداء أو استهداف يطول دول الخليج، مشددة على تضامنها الكامل مع الدول الشقيقة، وحرصها على أمنها واستقرارها، انطلاقاً من أن أمن الخليج «لا يتجزأ من الأمن القومي العراقي»، وأن استقرار المنطقة يمثل مصلحة مشتركة لجميع شعوبها.

وكانت السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر والأردن قد أدانت الاعتداءات التي تشنها فصائل مسلحة موالية لإيران من العراق على دول في المنطقة ومنشآتها وبنيتها التحتية، مما يشكل خرقاً للقوانين والمواثيق الدولية.

جانب من الدمار جرّاء غارة على مستوصف عسكري في غرب العراق (أ.ف.ب)

سلاسل الطاقة

إلى ذلك، جدد رئيس الجمهورية عبد اللطيف جمال رشيد، الجمعة، موقف البلاد الرسمي الرافض للحرب، معرباً عن بالغ القلق من اتساع دائرة الصراع في المنطقة، وحثّ على الوقف «الفوري» للأعمال العسكرية، واعتماد الحوار سبيلاً لحل الأزمات بين الأطراف المتنازعة.

وشدّد الرئيس العراقي، في اتصال هاتفي أجراه مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، على أن استمرار الحرب لا يخدم مصالح أي من دول المنطقة، بل يهدد الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.

وأشار إلى أن العراق، شعباً وحكومةً، يدعو إلى السلام، ويعبّر عن تضامنه مع الشعب الإيراني الصديق، مثمّناً صموده في مواجهة «الاعتداءات».

وفي جنيف، جددت ممثلية جمهورية العراق لدى مكتب الأمم المتحدة، الجمعة، التأكيد بأن توسيع رقعة النزاع الدائر في المنطقة سيؤدي إلى تعميق الأزمات، وتقويض الاستقرار فيها.

وحذر جعفر محمد، السكرتير الثاني للممثل الدائم لجمهورية العراق لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف، من التداعيات الاقتصادية جراء عرقلة سلاسل إمداد الطاقة عبر مضيق هرمز، وتأثيرها على بلدان العالم بأسره.