وزير الداخلية اليمني لـ«الشرق الأوسط»: ضبط عناصر من «حزب الله» في عدن

أكد فاعلية الشراكة الأمنية مع السعودية... وقال إن الحوثيين في أضعف حالاتهم

TT

وزير الداخلية اليمني لـ«الشرق الأوسط»: ضبط عناصر من «حزب الله» في عدن

كشف وزير الداخلية اليمني أن الأجهزة الأمنية ألقت القبض على عناصر إيرانيين ومن حزب الله اللبناني (تصوير تركي العقيلي)
كشف وزير الداخلية اليمني أن الأجهزة الأمنية ألقت القبض على عناصر إيرانيين ومن حزب الله اللبناني (تصوير تركي العقيلي)

كشف وزير الداخلية اليمني اللواء إبراهيم حيدان أن الأجهزة الأمنية اليمنية ضبطت عناصر من «حزب الله» وسوريين وإيرانيين ضالعين في أنشطة تهريب المخدرات ودعم الحوثيين، مضيفاً أن هذه العناصر على ارتباط بشبكات تهريب المخدرات التي انتقلت إلى اليمن بعد سقوط نظام الأسد في سوريا.

وقال الوزير إن الأجهزة الأمنية ألقت القبض في مطار عدن الدولي على عنصرين؛ أحدهما من «حزب الله»، والآخر سوري، مبيناً أن العملية جاءت بعد قصف مطار صنعاء الذي يسيطر عليه الحوثيون وتعطُّل الرحلات؛ حيث حاول هؤلاء الخبراء المرور عبر مطار عدن كسياح. وأضاف أن «المتهمين لا يزالان قيد الاحتجاز في عدن».

وأوضح الوزير في حوار موسَّع مع «الشرق الأوسط» أن محكمة يمنية أصدرت قبل أيام حكماً بإعدام 6 إيرانيين قاموا بتهريب أطنان من المخدرات، بعد إدانتهم بالمشاركة في عمليات تهريب واسعة مرتبطة بشبكات إقليمية تموّل الميليشيات الحوثية.

ويتهم الوزير إيران بأنها، وبعد سقوط بعض أذرعها التقليدية في المنطقة، باتت تركّز جهودها على اليمن، من خلال نقل خبراء عسكريين ومصانع للمخدرات والطائرات المسيّرة.

كشف وزير الداخلية اليمني أن الأجهزة الأمنية ألقت القبض على عناصر إيرانيين ومن حزب الله اللبناني (تصوير تركي العقيلي)

ووصف اللواء حيدان الشراكة الأمنية بين بلاده والسعودية بأنها تمر بأفضل مراحلها، مشيراً إلى أن التعاون الأمني بين البلدين حقق نجاحات كبيرة في القبض على عناصر إرهابية، وعناصر إجرامية.

ويعتقد وزير الداخلية اليمني أن الجماعة الحوثية «في أضعف حالتها»، ووصف العمليات الأخيرة (الإسرائيلية) التي طالت قيادات مدنية وعسكرية حوثية واعترفت بها الجماعة نفسها، بأنها شكّلت ضربة قوية وحساسة أدّت إلى شرخ وانشقاق في الصف الداخلي للجماعة.

الشراكة الأمنية مع السعودية

وفي حين أكد وزير الداخلية اليمني اللواء إبراهيم حيدان أن الشراكة الأمنية بين بلاده والسعودية «تمرّ بأفضل مراحلها»، فإنه وصف إياها بأنها «نموذج متميّز للتعاون الأمني المثمر» الذي بُني على مراحل متراكمة من التنسيق الوثيق بين قيادات البلدين.

ولفت الوزير إلى التعاون الأمني بين الجانبين، وكيف «أثمر نجاحات كبيرة على الأرض»، من أبرزها العملية الأمنية المشتركة في محافظة المهرة «التي أسفرت عن القبض على خلية تابعة لتنظيم (داعش) وعدد من أخطر عناصرها، بفضل التنسيق المباشر مع الأجهزة الأمنية السعودية عبر الوحدات الخاصة».

وقال الوزير إن «التنسيق المعلوماتي بين وزارة الداخلية اليمنية والجهات الأمنية المختصة في المملكة كان عاملاً حاسماً أيضاً في النجاحات الأخيرة بمجال مكافحة تهريب المخدرات؛ حيث تمكّنت الأجهزة الأمنية من إحباط عدد من العمليات وضبط كميات كبيرة من المواد المحظورة»، مؤكداً أن الدعم السعودي لا يقتصر على العمليات الميدانية، وأن الدعم يشمل كذلك التدريب والتأهيل ورفع كفاءة الكوادر الأمنية.

أبرز مظاهر هذا الدعم البرامج التدريبية التي نُفّذت، العام الماضي، لتأهيل العاملين في المنافذ البرية والجوية والبحرية، ومن بينها دورة متخصصة في سيئون ركّزت على تقنيات التفتيش الحديثة، وطرق كشف عمليات تهريب المخدرات والأسلحة والممنوعات، وكيفية التعامل مع الأجهزة التقنية المتطورة.

الوضع الأمني في المناطق المحررة

يرى حيدان أن تقييم الوضع الأمني في محافظة عدن والمناطق المحررة يجب أن يأخذ في الاعتبار طبيعة المرحلة التي تمر بها البلاد، موضحاً أن «اليمن يعيش حالة غير مستقرة منذ انقلاب الميليشيات الحوثية على مؤسسات الدولة في عام 2014، وسيطرتها على مقدرات الجيش والأمن في صنعاء».

وقال الوزير إن الأجهزة الأمنية «اضطرت للانطلاق من الصفر بعد الانقلاب»، مبيناً أن «الميليشيات الحوثية حين هربت من المدن التي كانت تسيطر عليها، عمدت إلى تفجير وتخريب ونهب مقرات الأجهزة الأمنية ومرافقها الحيوية»، مؤكداً على دور محوري لتحالف دعم الشرعية في اليمن بقيادة السعودية ومشاركة الإمارات في إعادة تأهيل تلك المنشآت ورفع كفاءة الأجهزة الأمنية وقدراتها، مشيراً إلى أن «أحد أهم الإنجازات يتمثل في تحقيق الربط والقيادة والسيطرة بين إدارات الأمن في مختلف المحافظات، ما يتيح سرعة التبليغ والتحرك والقبض على الخارجين عن القانون عند وقوع أي حادثة أمنية أو إرهابية».

كما أسهم هذا التطور التقني والتنظيمي في تعزيز التعاون الإقليمي، وفقاً للوزير الذي تحدث أيضاً عن تنسيق مستمر وتبادل للمعلومات مع السعودية ودول التحالف شمل تسليم عدد من المطلوبين والمجرمين بين الجانبين.

توحيد الأجهزة الأمنية

يعتقد وزير الداخلية اليمني أن «تحسن الأداء الأمني في عدن بات واضحاً وملموساً»، لكنه يوقن بأن «العائق الأكبر أمام الوصول إلى مستويات أعلى من الكفاءة يكمن في عدم استكمال توحيد الأجهزة الأمنية تحت مظلة وزارة الداخلية».

يؤكد حيدان أن العائق الأكبر أمام الوصول إلى مستويات أعلى من الكفاءة يكمن في عدم استكمال توحيد الأجهزة الأمنية (تصوير: تركي العقيلي)

ويقول إن «العملية الأمنية في عدن والمناطق المحررة تواجه تحديات مرتبطة بتأخر تنفيذ بنود دمج الوحدات الأمنية والعسكرية، المنصوص عليها في إعلان نقل السلطة وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي»، موضحاً أن «اللجنة الأمنية والعسكرية بذلت جهوداً كبيرة في هذا الإطار، إلا أن عملية الدمج لم تُستكمل حتى الآن في بعض المحافظات، ومن بينها عدن».

في الوقت نفسه، يؤكد الوزير أن التنسيق الحالي بين الأجهزة الأمنية في عدن والمحافظات المحرَّرة قائم ومتفاعل: «لكن عندما يكون القرار موحداً والقيادة واحدة، فستكون النتائج أكثر فاعلية، وسينعكس ذلك بشكل مباشر على تعزيز الأمن والاستقرار في المدينة وسائر المناطق المحررة».

الخلايا الحوثية

أكد اللواء إبراهيم حيدان أن الأجهزة الأمنية «نجحت خلال الفترة الماضية في تفكيك وضبط عدد كبير من الخلايا الحوثية الإرهابية» التي تنشط في المحافظات المحررة»، مبيناً أن تلك الخلايا تعمل على «تجنيد واستقطاب الشباب، مستغلة أوضاعهم الاقتصادية الصعبة، لإرسالهم إلى معسكرات تدريب في مناطق سيطرة الميليشيات، قبل إعادتهم لتنفيذ مهام عدائية».

وأضاف أن الأجهزة الأمنية «أحبطت مخططات متقدمة لزرع عبوات ناسفة وعمليات اغتيال في محافظات عدن ومأرب وشبوة وحضرموت»، لافتاً إلى أنه «لا تمر فترة شهرين دون ضبط خلية جديدة».

كشف الوزير أن جماعة الحوثي الإرهابية في أضعف حالتها (تصوير: تركي العقيلي)

وبحسب الوزير، فإن آخر عملية نوعية نُفذت في عدن بجهود الحزام الأمني «أسفرت عن ضبط نحو 70 شخصاً جرى تجنيدهم من قبل الحوثيين»، بينما «تم ضبط خلية أخرى في حضرموت تضم 16 عنصراً كانوا في طريقهم إلى مناطق الانقلابيين».

وشدد الوزير حيدان على أن «الداخلية تخوض حرباً أمنية موازية لمعركة الجيش الوطني في الجبهات»، مضيفاً أن «الوزارة تؤمّن الخطوط الخلفية وتواجه محاولات الحوثيين اختراق المناطق المحررة عبر خلاياها النائمة».

مكافحة التهريب

أكد وزير الداخلية اليمني أن وزارته «تتبنّى استراتيجية مرنة في مواجهة شبكات التهريب، تتكيّف مع طبيعة كل مجال، سواء كان بحرياً أو برياً»، مشيراً إلى أن «مكافحة التهريب تمثل اليوم إحدى أهم أولويات العمل الأمني في البلاد».

وأوضح اللواء حيدان أن «التهريب البحري يشكّل تحدياً مع محدودية إمكانات خفر السواحل»، مبيناً أن الوزارة «عوّضت هذا النقص بالاستعانة بالصّيادين كمصادر معلومات ميدانية؛ الأمر الذي أسهم في نجاح الحملة الأخيرة في باب المندب - رأس العارة، التي نُفّذت بقيادة العميد حمدي شكري وجهاز مكافحة المخدرات، وتم خلالها ضبط كميات كبيرة من المواد المخدّرة».

سفينة إيرانية اعترضتها القوات اليمنية كانت تحمل شحنة ممنوعات للحوثيين (إكس)

وكشف الوزير عن ضبط «سفينة إيرانية قبل أسبوع بالتعاون مع البحرية الباكستانية وخفر السواحل اليمنية، كانت تحمل شحنة ضخمة من المخدرات»، مؤكداً أن «إيران تموّل أنشطتها وأذرعها عبر تجارة المخدرات، وتسعى لتوسيع هذا النشاط عبر الأراضي والمياه اليمنية».

وشدّد اللواء إبراهيم حيدان على أن التهريب البري لا يقل خطورة، موضحاً أن «الأجهزة الأمنية ضبطت خلال الفترة الماضية شحنات من المتفجرات والأسلحة وأجهزة اتصالات حساسة في منفذ صرفيت، بعضها يُستخدم في صناعة الطائرات المسيّرة»، مضيفاً أن «قبل ثلاثة أسابيع تم إحباط محاولة تهريب مصنع لإنتاج المخدرات في منفذ شحن كان في طريقه إلى مناطق الحوثيين، ولا تزال القضية قيد التحقيق».

وبيّن الوزير أن «إيران وبعد سقوط بعض أذرعها التقليدية في المنطقة، باتت تركّز جهودها على اليمن، من خلال نقل خبراء عسكريين ومصانع للمخدرات والطائرات المسيّرة».

وأفاد الوزير بأن اليمن لديه معلومات مؤكدة عن تورط «عناصر حوثية في تدريب حركة الشباب الصومالية على استخدام الطيران المسيّر مقابل تنسيق عملياتي لرصد السفن في البحر الأحمر».

مكافحة الإرهاب

أكد اللواء إبراهيم حيدان أن مكافحة الإرهاب «تمثل إحدى أولويات الحكومة، في ظل الوضع الأمني الهش الذي تمرّ به البلاد»، مشيراً إلى أن التنظيمات الإرهابية «تستغل فترات عدم الاستقرار لتوسيع نفوذها وتحقيق مكاسب مالية وسياسية».

وقال حيدان إن «العناصر الإرهابية تحاول التخفي خلف لافتات مختلفة لتبرير نشاطها وتمويل عملياتها»، موضحاً أن «العملية الأخيرة في مديرية المحفد بمحافظة أبين كشفت حجم هذا التهديد؛ حيث حاولت مجموعة إرهابية اقتحام المجمع الحكومي، لكن تمّ إفشال الهجوم بعد اشتباكات أسفرت عن مقتل ستة من عناصر التنظيم، فيما ارتقى عدد من أبطال الجيش شهداء، وأُصيب آخرون».

أكد اللواء حيدان أن الشراكة الأمنية بين بلاده والسعودية تمر بأفضل مراحلها (تصوير تركي العقيلي)

وأوضح الوزير أن «الطبيعة الجغرافية الصعبة في محافظات أبين وشبوة والبيضاء تشكّل ملاذاً للتنظيمات الإرهابية، التي تتخفّى تحت غطاء القبيلة والعلاقات الاجتماعية»، مبيناً أن «تلك الجماعات الإرهابية (مثل الحوثيين) توجَد أيضاً في حضرموت والمهرة، لكنها لا تنفذ عمليات إرهابية هناك، بل تستخدم هذه المحافظات لممارسة أنشطة تجارية لتمويل عملياتها».

الحوثي في أضعف حالاته

قال وزير الداخلية اليمني إن «جماعة الحوثي الإرهابية في أضعف حالاتها»، مُشيراً إلى أن «العمليات الأخيرة التي طالت قيادات حكومية وعسكرية، واعترفت بها الجماعة نفسها، شكّلت ضربة قوية وحساسة أدّت إلى شرخ وانشقاق في الصف الداخلي للجماعة».

وأوضح اللواء حيدان أن «بقاء الجماعة متماسكة ظاهرياً في هذه المرحلة لا يعود إلى قوّتها، بقدر ما يعكس حسابات ومصالح بعض الدول التي تريد استمرار المشهد على ما هو عليه»، محذراً من «يراهنون على الحوثي ويظنّونه سنداً» بأنه «سيُغرِقهم».

وأشار الوزير إلى أن «هجمات الحوثي على الملاحة في البحر الأحمر، واستهداف السفن التجارية والدولية قد كشفت للرأي العام الدولي والعربي الوجه الحقيقي للمشروع الذي يخدم حسابات خارجية، وليس مصالح الشعب اليمني».

التحول الرقمي

أكد وزير الداخلية اليمني أن الوزارة «حققت نقلة نوعية في مسار التحول الرقمي خلال السنوات الأخيرة»، وقال إن «الخطوة الأولى كانت إدخال نظام البصمة البيومترية، وهو النظام الذي تطبّقه معظم دول العالم كأساس للتحوّل نحو الحكومة الإلكترونية».

أكد حيدان أن الوزارة حققت نقلة نوعية في مسار التحول الرقمي خلال السنوات الأخيرة (سبأ)

وأوضح الوزير أن «البطاقة الذكية التي أنجزت بدعم سعودي أصبحت الأساس لكل الخدمات الإلكترونية، ومنها الجواز الإلكتروني، ونظام المرور، والبصمة الجنائية، وبصمة اللاجئين».

وكشف اللواء حيدان أن «مشروع الجواز الإلكتروني الجاري العمل عليه سيمثّل مرحلة متقدمة في تعزيز الشفافية ورفع قيمة الجواز اليمني دولياً».

التعاون مع الولايات المتحدة

أكد وزير الداخلية أن العلاقات الأمنية بين بلاده والولايات المتحدة الأميركية «ممتازة وتشهد تطوراً متدرجاً نحو استعادة مستوى الشراكة الذي كان قائماً قبل انقلاب الحوثيين عام 2014»، مشيراً إلى أن التعاون بين الجانبين «يعود تدريجياً إلى مساره الطبيعي بعد سنوات من الانقطاع».

وأضاف الوزير: «استطعنا من خلال التواصل المستمر والتعاون الميداني أن نعيد الثقة تدريجياً مع الأصدقاء في الولايات المتحدة، وبدأنا بالفعل بالحصول على فرص تدريبية لعناصر مكافحة الإرهاب، في عدد من الدول الصديقة برعاية أميركية»، مشيراً إلى أن بلاده «تسعى حالياً إلى تطوير هذا التعاون ليشمل تزويد وزارة الداخلية بأجهزة نوعية متقدمة في مجال مكافحة الإرهاب».


مقالات ذات صلة

نائب أمير الرياض يُتوِّج الفائزين بـ«جائزة الملك فيصل 2026»

الخليج الفائزون بـ«جائزة الملك فيصل 2026» في دورتها الـ48 (واس)

نائب أمير الرياض يُتوِّج الفائزين بـ«جائزة الملك فيصل 2026»

تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ونيابة عنه، كرّم الأمير محمد بن عبد الرحمن نائب أمير منطقة الرياض، الفائزين بـ«جائزة الملك فيصل 2026».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره الروسي سيرغي لافروف (الشرق الأوسط)

فيصل بن فرحان ولافروف يناقشان جهود تعزيز أمن المنطقة

ناقش الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، الأربعاء، مستجدات الأوضاع في المنطقة والجهود الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس) p-circle 00:33

نقاشات سعودية - باكستانية تبحث التطورات والعلاقات

بحث ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف، مجريات أوضاع المنطقة، ومستجدات محادثات أميركا وإيران في إسلام آباد.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
يوميات الشرق صناعة الخوص بسعف النخيل (واس)

من «حرفة» إلى «قطاع»... السعودية تؤسس مظلة نظامية للصناعات اليدوية

دخلت الحرف والصناعات اليدوية في السعودية حقبة جديدة من التنظيم المؤسسي، مع إقرار «نظام الحرف والصناعات اليدوية» الذي وضع حجر الأساس لإطار تشريعي متكامل.

أسماء الغابري (جدة)
خاص يشير استعداد المستخدمين للدفع مقابل أداء أفضل إلى فرصة إيرادية قد تضيف للمشغلين ما يصل إلى شهرين إضافيين من متوسط العائد السنوي لكل مستخدم (شاترستوك)

خاص «إريكسون» لـ«الشرق الأوسط»: جودة الشبكة المضمونة تحسم 53 % من قرار الاشتراك

تظهر دراسة «إريكسون» أن المستهلك السعودي بات يمنح الأداء المضمون وزناً أكبر في اختيار الشبكة مع فرص نمو مدفوعة بالجيل الخامس والذكاء الاصطناعي.

نسيم رمضان (لندن)

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.


اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
TT

اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)

أكدت الحكومة اليمنية أمام مجلس الأمن أن أي عملية سياسية مستقبلية يجب أن تقوم على أسس واضحة، في مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وإنهاء مظاهر التمرد الحوثي المسلح، إذ شدّد مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب موقفاً دولياً عملياً يدعم الحكومة في بسط سلطتها على كامل التراب الوطني.

وفي هذا السياق، جدّدت الحكومة تمسكها بمرجعيات الحل السياسي المتفق عليها، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 2216، بصفته الإطار الناظم لأي تسوية عادلة وشاملة. كما أكدت أن بناء نظام سياسي قائم على الشراكة الوطنية واحترام الدستور وسيادة القانون يمثل المدخل الحقيقي لتحقيق الاستقرار.

وأشار السعدي إلى أن استمرار امتلاك الحوثيين للسلاح والتكنولوجيا العسكرية يمثل تحدياً جوهرياً أمام أي عملية سياسية، ويقوض أسس بناء الدولة، ويهدد الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة، ما يستدعي تحركاً دولياً أكثر حزماً.

وفي لهجة حازمة، حذّرت الحكومة اليمنية من استمرار التدخلات الإيرانية في الشأن الداخلي، عبر دعم وتسليح وتمويل الميليشيات الحوثية، عادّةً أن ذلك يدفع اليمن إلى الانخراط في صراعات إقليمية تخدم أجندات خارجية.

المندوب اليمني لدى الأمم المتحدة عبد الله السعدي (أ.ب)

وأدانت الحكومة اليمنية «الاعتداءات الإيرانية السافرة» التي استهدفت دول الخليج والأردن، عادّةً أنها انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. وأكدت أن هذا السلوك يعكس إصرار طهران على تصدير الأزمات وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

وربطت الحكومة اليمنية بشكل مباشر بين الحوثيين والمشروع الإيراني، مشيرة إلى أن انخراط الجماعة في الدفاع عن إيران يوضح طبيعة العلاقة الوثيقة بين الطرفين. كما عدّت أن تحويل اليمن إلى منصة للابتزاز وتهديد الملاحة الدولية يمثل خطراً على السلم والأمن الدوليين.

وخلال إحاطته أمام مجلس الأمن حذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من مخاطر انجرار البلاد إلى مواجهة إقليمية شاملة، خصوصاً بعد الهجمات التي شنتها الجماعة الحوثية ضد إسرائيل، التي أثارت قلقاً دولياً من توسع الصراع. وأكد أن هذه المخاطر لا تزال قائمة رغم تجنب اليمن حتى الآن الانزلاق الكامل إلى تلك المواجهة.

ملف الأسرى

برز ملف الأسرى والمحتجزين في اليمن كونه من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية المطروحة في جلسة مجلس الأمن، إذ أكدت الحكومة اليمنية دعمها الكامل للجهود التي تقودها الأمم المتحدة في هذا المسار، مجددةً التزامها بإنجاحه لإنهاء معاناة آلاف الأسر.

ودعت إلى تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، دون قيد أو شرط، كما نص عليه اتفاق استوكهولم، عادّةً أن هذا الملف يمثل مدخلاً أساسياً لبناء الثقة بين الأطراف وتهيئة الأرضية لأي عملية سلام شاملة.

في المقابل، أعرب المبعوث الأممي عن أسفه لعدم توصل المفاوضات الأخيرة في عمّان إلى اتفاق نهائي، رغم تحقيق تقدم ملحوظ، مشيراً إلى أن الأطراف مطالبة بتقديم تنازلات إضافية لإتمام عمليات الإفراج.

المبعوث الأممي إلى اليمن قدم إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن (أ.ب)

كما أثار ملف المحتجزين من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية قلقاً بالغاً، حيث لا يزال العشرات محتجزين لدى الحوثيين، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي. وعدّ المبعوث الأممي أن هذه الاحتجازات تمثل انتهاكاً لامتيازات الأمم المتحدة، وتؤثر بشكل مباشر على قدرتها على تقديم المساعدات الإنسانية.

وفي السياق ذاته، حذرت الحكومة اليمنية من لجوء الحوثيين إلى محاكمات غير شرعية بحق مختطفين، بينهم موظفون دوليون، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.

تحديات اقتصادية ومسار هش

على الصعيد الداخلي، عرضت الحكومة اليمنية ما وصفته بخطوات إصلاحية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي، من بينها إقرار الموازنة العامة لعام 2026 لأول مرة منذ سنوات، ودعم استقلالية البنك المركزي، وتحسين كفاءة المؤسسات.

كما أشادت بالدعم السعودي، ورأت أنه يمثل ركيزة أساسية لصمود مؤسسات الدولة، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار المالي في ظل ظروف معقدة.

لكن المبعوث الأممي أشار إلى أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي هشاشة الوضع الاقتصادي، في ظل تأثر اليمن بالتداعيات الإقليمية، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتراجع التحويلات المالية، إضافة إلى استمرار انقسام المؤسسات الاقتصادية.

جانب من جلسة مجلس الأمن بشأن اليمن (أ.ب)

وفي حين أكد المبعوث الأممي أن اليمنيين لا يزالون يعانون من ضعف الخدمات وتأخر الرواتب، وأن الفئات الأكثر هشاشة تتحمل العبء الأكبر من هذه الأزمات، شدّد على أن خفض التصعيد الذي تحقق منذ هدنة 2022 يمثل إنجازاً مهماً، لكنه لا يزال هشاً، في ظل مؤشرات مقلقة على تحركات عسكرية وتصاعد أعمال العنف، بما في ذلك سقوط ضحايا مدنيين.

ومع تأكيد غروندبرغ أن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد القابل للاستمرار، دعا الأطراف اليمنية إلى عدم الرهان على المتغيرات الإقليمية، والعمل بدلاً من ذلك على تسوية تضمن مستقبلاً آمناً ومستقراً لليمن، وتحفظ أمن المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بحرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.


الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended