الصين تدعو إلى عقد مؤتمر للسلام في الشرق الأوسط

السعودية أكدت على وحدة وسلامة الأراضي العربية... والإمارات ومصر تحثان على تدفق المساعدات لغزة

صورة مجمعة للقادة المشاركين في «منتدى التعاون العربي - الصيني» (الرئاسة المصرية)
صورة مجمعة للقادة المشاركين في «منتدى التعاون العربي - الصيني» (الرئاسة المصرية)
TT

الصين تدعو إلى عقد مؤتمر للسلام في الشرق الأوسط

صورة مجمعة للقادة المشاركين في «منتدى التعاون العربي - الصيني» (الرئاسة المصرية)
صورة مجمعة للقادة المشاركين في «منتدى التعاون العربي - الصيني» (الرئاسة المصرية)

دعت الصين إلى «عقد مؤتمر للسلام لإنهاء الحرب في غزة»، مؤكدة استعدادها للعمل مع الجانب العربي لتشكيل «الأطر الخمسة للتعاون» لتعزيز بناء مجتمع المستقبل المشترك للصين والدول العربية.

وشهدت العاصمة بكين، الخميس، أعمال الجلسة الافتتاحية لـ«منتدى التعاون الصيني - العربي» الذي يعد منصة لتعزيز العلاقات الثنائية بين الدول العربية والصين، وتعميق التفاهم المتبادل والتعاون الاستراتيجي بين الجانبين.

وقال الرئيس الصيني شي جينبينغ، الخميس، إن بلاده سوف تستضيف القمة الصينية - العربية الثانية عام 2026، واصفاً ذلك بأنه سيمثل «علامة فارقة» أخرى في مسيرة العلاقات الصينية - العربية.

وأضاف خلال كلمته في «الدورة العاشرة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون العربي - الصيني» في بكين، الخميس، أن «العلاقات الصينية - العربية واصلت الارتقاء إلى آفاق جديدة منذ بداية القرن الجديد»، مشيراً إلى أن «القمة الصينية - العربية الأولى التي عقدت في الرياض 2022 شهدت اتفاقاً بالإجماع على بناء مستقبل مشترك».

وأضاف شي جينبينغ أن الصين ستعمل مع الجانب العربي على توطيد التعاون في المجالات الاقتصادية الرئيسية مثل النفط والغاز والتجارة والبنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيتم أيضاً تكثيف التعاون في مجالات النمو الجديدة مثل الذكاء الاصطناعي والاستثمار والتمويل والطاقة الجديدة.

الأطر الخمسة

ولفت إلى أن الصين مستعدة للعمل مع الجانب العربي لتشكيل «الأطر الخمسة للتعاون» لتعزيز بناء مجتمع المستقبل المشترك للصين والدول العربية.

وخلال القمة الصينية - العربية الأولى التي عقدت في الرياض بالسعودية في ديسمبر (كانون الأول) عام 2022، طرح شي «الأعمال الثمانية المشتركة» للتعاون العملي. وتشتمل الأطر الخمسة على إطار أكثر ديناميكية للابتكار، وإطار موسع للتعاون في الاستثمار والمالية، وإطار متعدد الأوجه للتعاون في مجال الطاقة، وإطار أكثر توازناً للعلاقات الاقتصادية والتجارية المتبادلة المنفعة، وإطار أوسع للتبادلات الشعبية.

وفيما يتعلق بالشرق الأوسط. قال الرئيس الصيني إن الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي «تصاعد بقوة وسبب معاناة هائلة للشعب الفلسطيني»، مؤكداً «ضرورة وقف الحرب في قطاع غزة». وأضاف أن «الحرب يجب ألا تستمر إلى أجل غير مسمى، والعدالة يجب ألا تغيب إلى الأبد، والالتزام بحل الدولتين يجب ألا يتأرجح حسب الأهواء». وأعرب شي أمام الوفود الحاضرة الخميس، عن دعمه لمؤتمر سلام «واسع النطاق» لحل النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين.

واستضافت بكين الشهر الماضي كلاً من حركتي «حماس» و«فتح» لإجراء «محادثات معمّقة وصريحة بشأن دعم المصالحة بين الفلسطينيين.

وأكدت الدول العربية والصين، في بيان لها، الخميس، أن «منتدى التعاون العربي - الصيني» ساهم في تعزيز العلاقات العربية - الصينية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية والتنموية.

الرئيس الإماراتي

وأكد رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، أهمية إيجاد أفق للسلام العادل والشامل في منطقة الشرق الأوسط استناداً إلى حل الدولتين. وقال خلال مشاركته في المنتدى، إن منطقة الشرق الأوسط تشهد توترات متصاعدة نتيجة لاستمرار الحرب في قطاع غزة وما تسببه من أوضاع إنسانية صعبة لسكانه، الأمر الذي يزيد من أهمية العمل العربي - الصيني المشترك، مشيراً إلى الجهود الدولية من أجل الوقف الفوري لإطلاق النار في القطاع وتوفير الحماية لسكانه وتأمين تدفق المساعدات الإنسانية إليه. وأضاف بن زايد أن الاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون العربي الصيني، يأتي في وقت يحتاج فيه العالم إلى التكاتف والتضامن لمواجهة التحديات المشتركة.

ملك البحرين

وألقى ملك البحرين الملك حمد بن عيسى آل خليفة كلمة قال فيها «إنه لمن حسن الطالع، أن ينعقد هذا المنتدى في أعقاب قمة البحرين، التي تميزت بما طرحته من قضايا ذات أولوية قصوى، وبما نتج عنها من قرارات مهمة ومبادرات طموحة لتلبية احتياجات شعوب المنطقة، لتوفير خدمات التعليم والرعاية الصحية للمتأثرين بتداعيات الحروب والنزاعات في المنطقة، إلى جانب طرح مبادرة نوعية تهتم بتعزيز التعاون العربي في مجال التكنولوجيا المالية والتحول الرقمي، بما يحمله هذا القطاع من فرص استثمارية ومجالات عمل واعدة للشباب العربي». وأضاف: «انطلاقاً من مسؤولية رئاستنا للقمة العربية، في دورتها الحالية، سنسعى جاهدين من أجل تنسيق المواقف وحشد الدعم اللازم لهدف السلام الدائم، وندعو في هذا الخصوص، إلى سرعة انعقاد مؤتمر دولي للسلام، لدعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وقيام دولته الوطنية»، مؤكداً استعداد البحرين لـ«استضافة هذا المؤتمر المهم، كما أنها لن تدخر أي جهد لوقف الحرب المدمرة على قطاع غزة، وتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية للسكان المدنيين، والدفاع عن حقهم في الحياة الكريمة الذي كفلته القوانين الدولية والشرائع السماوية».

الرئيس المصري

في حين دعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أطراف المجتمع الدولي الفاعلة للاضطلاع بمسؤولياتها الأخلاقية والقانونية لـ«وقف الحرب الإسرائيلية الغاشمة». وطالب بالعمل دون إبطاء على «الإنفاذ الفوري والمستدام للمساعدات الإنسانية لقطاع غزة لوضع حد لحالة الحصار الإسرائيلي». وشدد السيسي خلال المنتدى على «ضرورة التصدي لكل محاولات التهجير القسـري للفلسـطـينيين من أراضــيهم»، معرباً عن التقدير العربي الكبير للسياسات الصينية تجاه القضية الفلسطينية، ودعم بكين المستمر للوقف الفوري لإطلاق النار في غزة ولحق الفلسطينيين المشروع في إقامة دولتهم المستقلة، مؤكداً أنه لا يوجد سبيل للوصول إلى السلام، والاستقرار الإقليمي والدولي، المنشودين؛ إلا من خلال المعالجة الشاملة لجذور القضية الفلسطينية، وذلك بالالتزام «الجاد والفوري بحل الدولتين والإقرار للفلسطينيين بحقهم المشروع في الحصول على دولتهم المستقلة».

الرئيس التونسي

كما أكد الرئيس التونسي قيس سعيد، أن المجتمع الإنساني بدأ في الانتفاضة ضد جرائم العدوان الإسرائيلي الغاشمة التي ترتكب كل ساعة في حق الفلسطينيين لسلب أرضه وحقه في الحياة. وجدد سعيد في كلمته أمام المنتدى التأكيد على موقف بلاده الثابت والراسخ بحق الشعب الفلسطيني في استعادة حقه وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، مشيراً إلى تشكل نظام عالمي جديد الآن أقرب إلى العدالة.

وقال سعيد إن «المجتمع الإنساني بدأ اليوم يتشكل بطريقة جديدة ويتجاوز النظام الدولي القديم»، مشيراً إلى أن «ما نراه من مظاهرات في أنحاء العالم كافة دليل على أن هناك شيئاً جديداً بدأ يظهر في تاريخ الإنسانية كلها».

أبو الغيط

وفي كلمته، أكد الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، أن الجامعة تؤكد التزامها بدفع العلاقات بين الدول العربية والصين إلى مستقبل أفضل. وقال أبو الغيط «نحتفل بمرور 20 عاماً على إنشاء منتدى التعاون العربي - الصيني الذي تم تأسيسه عام 2004 في القاهرة والذي مثل طفرة حقيقية في تاريخ العلاقات بين الجانبين؛ إذ ساهم في وضع هذه العلاقات في إطار مؤسسي شامل؛ حيث يمكن متابعة تطورها وإمكاناتها المستقبلية الواعدة، وصار المنتدى منذ إنشائه قصة نجاح في التعاون الدولي متعدد الأطراف، في ضوء ما تمخض عنه من آليات ومذكرات مختلفة للتعاون في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية».

وزير الخارجية السعودي

في سياق ذلك، شدد وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، على ضرورة الوقف الفوري والدائم لإطلاق النار، وضمان الدخول الكافي والمستمر للمساعدات، وإيجاد مسارٍ موثوق ولا رجعة فيه لحل الدولتين.

وألقى وزير الخارجية السعودي، كلمة في المنتدى، نوه في بدايتها بمرور عقدين على إنشاء منتدى التعاون العربي الصيني، الذي جسد منذ إنشائه إطاراً حضارياً للتعاون المشترك بين الدول العربية وجمهورية الصين الشعبية، القائم على أسس الاحترام المتبادل لسيادة الدول واستقلالها، قائلاً: «كما جسدت آليات تعاون المنتدى وبرامجه وأنشطته المختلفة خلال السنوات الماضية مبادئ ميثاق الأمم المتحدة ومقاصِده لتحقيق عالم يسوده السلام والأمن والازدهار والتقدم».

وأشار فيصل بن فرحان، إلى أن استضافة المملكة للقمة الأولى العربية الصينية في 2022 والزيارة الناجحة للرئيس شي جينبينغ إلى الرياض، جسدتا نقطة تحول تاريخية في مسيرة التعاون المشترك في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ونقلها إلى مستويات التعاون الاستراتيجي بما يحقق تطلعات القيادة والمصالح المشتركة للشعوب، مثمناً مواقف الصين الداعمة باستمرار لوقف الحرب في غزة بما يحقق تنفيذ حل الدولتين، مشدداً في هذا الصدد على ضرورة إيجاد مسار موثوق ولا رجعة فيه لحل الدولتين، بما يكفل حصول الشعب الفلسطيني على حقه الأصيل في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة على حدود 1967م وعاصمتها القدس الشرقية، وفقاً لمبادرة السلام العربية وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.

وقال إن «تعزيز علاقات التعاون المشترك وتنميتها يتطلبان من الجميع استمرار الحوار والتشاور في حل القضايا بالمنطقة عبر طُرق سياسية وسلمية، وضرورة الحفاظ على وحدة وسلامة أراضي الدول العربية ورفض التدخلات الأجنبية فيها، واستمرار الجهود في منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في المنطقة حفاظاً على الأمن والاستقرار والحفاظ على المكتسبات الوطنية».

وزير الخارجية السوري

أيضاً أكد وزير الخارجية والمغتربين السوري، فيصل المقداد، أن «نجاح منتدى التعاون الصيني - العربي سيكون أمثولة لبقية دول العالم، لوضع الأمور في نصابها الصحيح، وتحقيق فرص عمل لكل مواطن في المنظومة المشتركة القائمة على أسس اقتصادية سليمة». وأضاف أن الكيان الإسرائيلي يمارس في منطقتنا سياسة إرهاب الدولة ضد الشعب العربي في فلسطين والجولان السوري المحتل، وهو يلقى دعماً مالياً ومعنوياً من بعض الدول بحجج واهية أصبحت معروفة للمجتمع الدولي.

وجدد المقداد تأكيد سوريا على حق الصين التاريخي في وحدة أراضيها، وفي عودة تايوان إلى السيادة الصينية مهما طال الزمن، مشدداً على أن سوريا لا تعترف إلا بصين واحدة، وتدعم جهودها في مواجهة محاولات التدخل الخارجي في شؤونها الداخلية، سواء في تايوان أو هونغ كونغ أو شين غيانغ.

وزير الخارجية اليمني

كما قال وزير الخارجية وشؤون المغتربين اليمني، شائع الزنداني، إن المنتدى العربي - الصيني يعد إطاراً مهماً لتعزيز الحوار والتعاون المشترك بين الصين والدول العربية، وتطوير التعاون في مختلف المجالات، التي شهدت قفزة استراتيجية خلال العقدين الماضيين ووصلت إلى ما يزيد على 15 آلية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية والتنموية، إضافة إلى تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الدول العربية وجمهورية الصين الشعبية من أجل السلام والتنمية. وثمن مساعي المملكة العربية السعودية وحرصها على إنهاء الحرب وتحقيق السلام في اليمن وصولاً إلى وضع خريطة طريق بجهود مشتركة مع الأشقاء في سلطنة عمان، متطرقاً إلى تصعيد ميليشيات الحوثي الإرهابية في البحر الأحمر، والبحر العربي وهجماتها على السفن المدنية، وما يشكله من تهديد على الملاحة البحرية وحرية التجارة الدولية.

وتطرق الزنداني إلى ما يتعرض له الشعب الفلسطيني في قطاع غزة منذ ثمانية أشهر من إبادة جماعية وتجويع متعمد، مؤكداً أن الأولوية القصوى الآن تتطلب الوقف الفوري وغير المشروط للحرب الإسرائيلية الظالمة، وفتح ممرات الإغاثة الإنسانية لقطاع غرة، مجدداً التأكيد على أهمية مواصلة الجهود من أجل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

وزير الخارجية الصومالي

في حين أشار وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي الصومالي، أحمد معلم فقي أحمد، إلى دعم الصومال الثابت لمبدأ الصين الواحدة، مشدداً على ضرورة احترام سيادة الصين واستقلالها السياسي، معرباً عن قلقه العميق إزاء تدهور الوضع في فلسطين، وأدان العدوان الإسرائيلي والإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني، مجدداً التأكيد على أهمية الدعم العربي والدولي للتصدي لهذه الانتهاكات، مؤكداً دعم الصومال لمبادرة السلام العربية وجميع الجهود الرامية إلى تأمين الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.


مقالات ذات صلة

السيسي: الواقع الإقليمي والدولي فرض على مصر «تحديات وأعباء هائلة»

العالم العربي السيسي في كلمته بمناسبة ذكرى «23 يوليو» (الرئاسة المصرية)

السيسي: الواقع الإقليمي والدولي فرض على مصر «تحديات وأعباء هائلة»

قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إن الواقع الإقليمي والدولي الراهن فرض على بلاده «تحديات جديدة وأوضاعاً مركَّبة»، فضلاً عن «أعباء هائلة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينيون يسيرون في قرية سوسيا جنوب الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

منظمة: إسرائيل تضخ الأموال إلى البؤر الاستيطانية غير المصرح بها في الضفة الغربية

خصّصت الحكومة الإسرائيلية ملايين الدولارات لحماية المزارع الصغيرة غير المرخصة في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
آسيا لقطة عامة لإحدى المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية

اليابان تفرض عقوبات على أربعة مستوطنين إسرائيليين

تتخذ اليابان ترتيبات لفرض أولى عقوباتها لتجميد أصول مستوطنين إسرائيليين بسبب العنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية.

رياضة عربية سيُحاط الوفد الإسرائيلي ببروتوكولات أمنية مهمة في أولمبياد باريس (أ.ب)

الأولمبية الفلسطينية تطالب بـ«إقصاء فوري» لإسرائيل من أولمبياد باريس

دعت اللجنة الأولمبية الفلسطينية نظيرتها الدولية، الاثنين، إلى تعليق المشاركة الإسرائيلية في أولمبياد باريس الذي ينطلق، الجمعة، «بسبب خرق الهدنة الأولمبية».

«الشرق الأوسط» (رام الله )
رياضة عربية السباحة الفلسطينية فاليري ترزي (رويترز)

رياضيون فلسطينيون: مشاركتنا في أولمبياد باريس ليست فقط للرياضة (صور)

قال رياضيون فلسطينيون إن مجرد مشاركتهم في أولمبياد باريس 2024 انتصار لبلدهم في ظل الصراع في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (باريس)

مخاوف يمنية من التبعات الإنسانية جراء التصعيد الحوثي الإسرائيلي

حرائق خزانات الوقود في ميناء الحديدة دفعت السكان للسهر على أضوائها حتى الصباح (غيتي)
حرائق خزانات الوقود في ميناء الحديدة دفعت السكان للسهر على أضوائها حتى الصباح (غيتي)
TT

مخاوف يمنية من التبعات الإنسانية جراء التصعيد الحوثي الإسرائيلي

حرائق خزانات الوقود في ميناء الحديدة دفعت السكان للسهر على أضوائها حتى الصباح (غيتي)
حرائق خزانات الوقود في ميناء الحديدة دفعت السكان للسهر على أضوائها حتى الصباح (غيتي)

قضى عبد الرحمن مشهور وعدد من أصدقائه ليلة السبت على كورنيش مدينة الحديدة اليمنية (غرب) يتسامرون حتى وقت متأخر، ورغم مضايقات مسلحي الجماعة الحوثية، فإنهم أمضوا ليلتهم على أضواء حرائق خزانات النفط في الميناء الذي قصفته إسرائيل.

بالنسبة لمشهور ورفاقه، فهم غالباً ما يقضون ليالي الصيف على الكورنيش مثل المئات من أهالي الحديدة للاستمتاع بلطافة الجو التي توفرها الرياح الخفيفة المقبلة من البحر، والهروب من قسوة الحر في المنازل، خصوصاً مع الارتفاع الكبير لأسعار الكهرباء التي يحصلون عليها من محطات خاصة، أو المحطات العمومية التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية.

لم تكن المرة الأولى التي تتعرض الحديدة فيها للقصف لكن كان الهدف أشد حساسية (أ.ف.ب)

يقول مشهور، وهو موظف عمومي، لـ«الشرق الأوسط» إن مزيجاً من الغضب والقلق والتوتر ساد بين أهالي الحديدة عقب معرفة مصدر القصف، فليست المرة الأولى التي تتعرض فيها المدينة لمثل هذه الضربات، لكن مصدرها هذه المرة إسرائيل التي يكن لها اليمنيون العداء ومشاعر الكراهية، نتيجة جرائمها ضد الفلسطينيين، وبوصفها خصماً تاريخياً للعرب.

في المقابل، كانت مشاعر أخرى من اللامبالاة في أوساط السكان، إذ تعودوا على القصف، وأصبحوا يتوقعون حدوثه عقب كل إعلان للجماعة الحوثية عن عملياتها في البحر الأحمر أو إرسال الطائرات المسيرة باتجاه إسرائيل، إلا أنه ولأول مرة يشاهدون آثاراً للقصف بمثل هذا الحجم والأثر.

وإلى جانب كل ذلك، كانت هناك حالة من القلق المعيشي الذي سببه الدمار وطبيعة القصف، عندما شاهد السكان مخازن الوقود تحترق، ودفعهم ذلك إلى التفكير بالمآلات التي يمكن أن يؤدي إليها انعدام الوقود ودمار ميناء الحديدة، وهو ما دفع الآلاف منهم إلى التسابق لشراء الوقود والسلع الأساسية وتخزينها تحسباً لأي أزمات مقبلة.

وأعرب سائقو سيارات الأجرة عن مخاوفهم من حدوث أزمة في الوقود كما يحدث غالباً عقب أي تطورات عسكرية، إلى جانب الأزمات التي تخلقها الجماعة الحوثية باستمرار، وذكر سكان في العاصمة المختطفة صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أنهم واجهوا صعوبة في التنقل ليلة السبت ونهار الأحد بفعل المخاوف من حدوث أزمة وقود. وعدّ سائقو الحافلات هذه التطورات تهديداً مباشراً لمصدر دخلهم الرئيسي.

طوابير سيارات أمام محطات الوقود في صنعاء بعد الضربة الإسرائيلية بالحديدة بساعات (فيسبوك)

وازدحمت محطات تعبئة الوقود بالسيارات بعد أقل من ساعة من القصف، وتسبب الزحام بإغلاق عدد من الشوارع، وبينما كانت الجماعة الحوثية تحاول طمأنة السكان بعدم تأثر مخزونها النفطي بالقصف الإسرائيلي؛ اضطرت عشرات المحطات إلى الإغلاق.

وتراجعت حركة المرور، نهار الأحد، بشكل ملحوظ فسره مراقبون بمحاولة ملاك السيارات ادخار الوقود لأجل المهام الضرورية، في حين عانى الكثير من الحصول على سيارات أجرة، واشتكوا من لجوء سائقي سيارات التاكسي إلى المبالغة في طلب أجرة المشاوير.

خدمة إسرائيلية للحوثي

يختلف التعاطي مع الحدث في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية الشرعية نوعاً ما، فموقف المجتمع لم يتغير من الجماعة الحوثية التي يرى السكان أنها تتخذ معاناة الفلسطينيين تحت العدوان والحصار الإسرائيليين مبرراً لممارساتها، وسبباً لمغامراتها التي تضيف مزيداً من المعاناة لليمنيين.

وكانت الحكومة اليمنية حذرت إسرائيل وإيران من تحويل اليمن إلى ساحة لحروبهما «العبثية»، وحملت إسرائيل المسؤولية الكاملة عن أي تداعيات جراء الغارات الجوية، مثل تعميق الأزمة الإنسانية التي فاقمتها جماعة الحوثي بهجماتها الإرهابية على المنشآت النفطية وخطوط الملاحة الدولية، واتهمتها بالمساهمة في تقوية موقف الجماعة الحوثية المدعومة من إيران، وادعاءاتها المضللة.

الجماعة الحوثية حشدت أنصارها في مدينة الحديدة للتنديد بالهجمات الإسرائيلية (إعلام حوثي)

ووصف عيبان السامعي القيادي الاشتراكي في محافظة تعز (جنوب غرب) الضربات الإسرائيلية على محافظة الحديدة بالاعتداء السافر والإجرامي، والإمعان في انتهاك السيادة الوطنية، نافياً أن تؤدي هذه الضربات ومن قبلها الضربات الأميركية البريطانية إلى إضعاف الحوثيين أو زعزعة قدراتهم العسكرية.

ونوه السامعي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن هذه الضربات تعزز موقف الحوثيين داخلياً وخارجياً، وتقدّمهم في صورة أبطال في المخيال الشعبي اليمني والعربي، إلى جانب أثرها على السكان البسطاء، بدليل أن جلّ ضحاياها من المدنيين، واستهدافها منشآت حيوية مدنية لتضاعف معاناة اليمنيين، وتفاقم من سوء الأوضاع المعيشية والاقتصادية.

وذهب صلاح أحمد غالب المحامي والناشط الحقوقي في مدينة تعز، إلى أن ما جرى هو إحدى نتائج المشروع التدميري الإيراني في المنطقة باستثمار الحوثي في القضية الفلسطينية، وهو المعروف لدى اليمنيين بالأداة الطائفية لنظام الخميني التي دمرت البلد بالانقلاب والحرب والمشروع الطائفي منذ التمرد قبل عشرين عاماً، وحالياً باستدعاء التدخلات الأجنبية.

وأضاف غالب لـ«الشرق الأوسط»: «الميليشيا الحوثية استدعت تحالفاً دولياً لعسكرة البحر الأحمر، واستدعت مؤخراً إسرائيل للضرب في ميناء الحديدة، وهي الدولة المارقة التي تبحث عن مبررات لحروبها وجرائمها».

مخاوف من التنكيل

يبدي ناشطون وكتّاب في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية مخاوفهم من أن تكون الهجمات الإسرائيلية سبباً جديداً للممارسات الحوثية ضدهم، خصوصاً في ظل الاستنفار الحوثي المتواصل منذ أشهر، ومزاعم الجماعة المتكررة عن ضبط خلايا تجسسية مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل، فضلاً عن خلايا أخرى مزعومة تقدم خدمات لوجيستية على الأرض لتحالف «حارس الازدهار» الذي تقوده واشنطن.

وتحدث عدد من الكتّاب والناشطين في صنعاء ومدن أخرى لـ«الشرق الأوسط» عمَّا لاحظوه من نشوة وزهو ناشطي وأتباع الجماعة الحوثية منذ لحظة الإعلان عن الهجوم المميت في قلب العاصمة الإسرائيلية تل أبيب، وهجومهم على كل من انتقد الهجوم أو شكك به، وخلال يوم ونصف اليوم فقط تحول الموقف إلى التلويح بمعاقبة من يصفونهم بعملاء إسرائيل في الداخل.

أسرة يمنية فقيرة في مدينة الحديدة التي تعاني أزمات معيشية عميقة (أرشيفية - رويترز)

وتوقع أحد الكتّاب أن تبدأ الجماعة الحوثية عمليات اختطافات وتنكيل جديدة ضد أفراد من مختلف الفئات والمهن والتخصصات، معرباً عن قلقه من أن يجري تقديم ضحايا جدد من أهالي مدينة الحديدة بوصفهم متهمين بالتخابر مع إسرائيل وتسهيل هجماتها، وهو ما دأبت عليه الجماعة خلال السنوات الماضية، وآخرها الخلية المزعومة في الحديدة قبل شهرين.

وكشف أحد الناشطين الحقوقيين في صنعاء عن أنه بادر بإرسال عائلته إلى مدينة تعز بعيداً عن نفوذ الجماعة الحوثية تخوفاً من أي إجراءات قد تُتخذ ضده، رغم أن العائلة لم تكن قد قضت لديه أكثر من أسبوع فقط منذ عودتها إلى المنزل، بعد أن اضطرت إلى السفر للمخاوف نفسها منذ ما يقارب الشهرين.

وأظهر عبد الملك الحوثي زعيم الجماعة الحوثية سعادته بالهجوم الإسرائيلي لأنه حوّل المواجهة بين الطرفين إلى معركة المباشرة، بعد أن اقتصرت سابقاً على مواجهة جماعته بالعملاء.

ويرى المتابعون للشأن اليمني أن موقف الجماعة الحوثي ينذر بالتصعيد، وهو ما يهدد بإغراق اليمن في مزيد من الحروب والأزمات والكوارث.

عاجل استقالة مديرة جهاز الخدمة السرية الأميركية بسبب حادث إطلاق النار على ترمب