تصفية ناشط في سجون الحوثيين تكشف استهداف موظفي ومنظمات الإغاثة

الحكومة اليمنية تطالب بمحاسبة مرتكبي جرائم الإخفاء القسري والتعذيب

أنشأت الجماعة الحوثية مجلساً استخباراتياً للرقابة على نشاط المنظمات الإغاثية بزعم التنسيق لتوزيعها (أ.ف.ب)
أنشأت الجماعة الحوثية مجلساً استخباراتياً للرقابة على نشاط المنظمات الإغاثية بزعم التنسيق لتوزيعها (أ.ف.ب)
TT

تصفية ناشط في سجون الحوثيين تكشف استهداف موظفي ومنظمات الإغاثة

أنشأت الجماعة الحوثية مجلساً استخباراتياً للرقابة على نشاط المنظمات الإغاثية بزعم التنسيق لتوزيعها (أ.ف.ب)
أنشأت الجماعة الحوثية مجلساً استخباراتياً للرقابة على نشاط المنظمات الإغاثية بزعم التنسيق لتوزيعها (أ.ف.ب)

بينما كانت عائلة مسؤول الأمن والسلامة في مكتب منظمة «إنقاذ الطفولة» في صنعاء تنتظر الوعود التي قطعها جهاز استخبارات الحوثيين بالإفراج عنه مقابل عدم الحديث عن واقعة اختطافه، تلقت منتصف ليل الثلاثاء الماضي اتصالاً من موظفين في الجهاز يطلب منها الحضور لاستلام جثته.

لمدة عامين ظل هشام الحكيمي يطالب المنظمة التي عمل فيها لمدة 15 عاماً بإعادته إلى صنعاء، المدينة التي أحبها رغم انعدام مقومات الحياة الكريمة، بعدما نقلته لإدارة العمليات الإنسانية في مخيمات اللاجئين السوريين في الأردن، ولم يخطر على باله بأن عودته كانت تقرب حياته من نهايتها في أقبية أحد أكثر أجهزة الاستخبارات سوءاً.

في مطلع سبتمبر (أيلول) الماضي، وبينما كان الحكيمي عائداً من عمله اعترضته وحدة من عناصر مخابرات الحوثيين التي كانت تتربص به، واقتادته معصوب العينين، وفق زملاء شهدوا الواقعة إلى جهة غير معلومة، وانقطعت أخباره تماماً عن عائلته من حينه.

مصادر من عائلة الحكيمي ذكرت لـ«الشرق الأوسط» أن أصدقاءه ألحوا عليها بعدم الحديث لوسائل الإعلام عن واقعة الاختطاف حتى لا يتشدد الحوثيون في رفض إطلاق سراحه، وهو ما التزمت به العائلة حتى ليلة إبلاغها بالقدوم لاستلام جثته.

العاملون في المنظمات الإغاثية عرضة بشكل دائم لاستهداف الحوثيين (منظمات إغاثية)

رفضت عائلة الحكيمي استلام جثته، وتطالب بتشريحها أولاً لمعرفة أسباب الوفاة، لأنها تشك في أنه تعرض للتعذيب في المعتقل حتى فارق الحياة، خاصة أنه اختطف ولم يكن يعاني من أي أمراض، كما أنه كان يتمتع بصحة جيدة، ورفضت العائلة مزاعم سلطة مخابرات الحوثيين أنه فارق الحياة نتيجة إصابته بذبحة صدرية.

وحسب العائلة، فإن منعهم من زيارته أو معرفة التهم الموجهة إليه أو توكيل محامٍ للدفاع عنه طوال فترة الاختطاف، أسباب تزيد من شكوكها بأن الوفاة لم تكن طبيعية، وأنه تعرض للتعذيب، في حين اكتفت المنظمة بتأكيد حالة الوفاة دون الإشارة إلى أنه كان مختطفاً لدى مخابرات الحوثيين.

الجميع متهمون بالتجسس

يقول علي، وهو أحد العاملين في منظمة إغاثية دولية لـ«الشرق الأوسط»، إن جميع موظفي المنظمات الإغاثية الأممية والدولية جواسيس وعملاء في نظر الجماعة الحوثية وقيادييها وعناصرها، مشيراً إلى أن جميع العاملين في هذه المنظمات ينتظرون أدوارهم في الاختطاف، إلا في حالة قبولهم بالعمل كجواسيس للحوثيين على الجهات التي يعملون لديها.

يضيف علي: «كلنا في مرمى الاستهداف الحوثي، رغم أنهم أوقفوا المرتبات واستحوذوا على العمل الإغاثي والتجاري، لكنهم يصرون على محاربة الناس في أرزاقهم».

هشام الحكيمي العامل في منظمة «إنقاذ الطفولة» أحدث ضحايا استهداف الجماعة الحوثية للعاملين في المجال الإنساني (فيسبوك)

وبالتزامن مع هذه الحادثة، ذكرت مصادر إغاثية لـ«الشرق الأوسط» أن عناصر الجماعة الحوثية اقتحموا منزل موظف لدى مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في صنعاء، بعد نحو 3 أشهر من اختطافه وإخفائه عندما كان في طريقه من صنعاء إلى مصر.

وطبقا لما ذكرته المصادر؛ فإن مخابرات الحوثيين داهمت منزل مبارك العنوة، الذي ينتمي إلى محافظة صعدة ويعمل موظفا لدى مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان في اليمن، ونهبت جهاز كمبيوتر خاص به وهواتف زوجته وأولاده، وعبثت بمحتويات المنزل مسببة حالة من الرعب في أوساط الأطفال والنساء.

وأفادت المصادر أن مخابرات الحوثيين، ومنذ اختطاف العنوة، لم تفصح عن التهم الموجهة إليه، كما لم تسمح لعائلته بزيارته أو التواصل معه، وأنها أودعته سجناً تابعاً لها في محافظة إب لمدة شهر، قبل أن تنقله إلى أحد سجون المخابرات السرية في صنعاء.

ويكشف ناشطون في محافظة صعدة، المعقل الرئيسي للحوثيين، أن مخابرات الجماعة تمارس انتهاكات واسعة بحق السكان الذين تشك في ولائهم، إذ أُغلقت المحافظة منذ بداية الحرب بشكل كامل، وتُفرض قيود مشددة على القادمين إليها، ويخضعون لاستجواب معمق حول أهداف زيارتهم، كما يتم إخضاعهم لمراقبة شديدة طوال وجودهم هناك.

حياة تحت الرقابة

يذكر عاملون في منظمات إغاثية في مناطق سيطرة الميليشيات لـ«الشرق الأوسط» أن الجهاز الاستخباري الحوثي الذي يشرف على عمل المنظمات الإغاثية، والمسمى بـ«المجلس الأعلى للشؤون الإنسانية»، أبلغ جميع المنظمات بمنع تحرك أي موظف محلي إلى خارج صنعاء أو مناطق سيطرة الحكومة، إلا بعد الحصول على تصريح مرور مسبق ينبغي تقديمه إلى المجلس قبل أسبوعين من موعد المهمة.

اقتحم الحوثيون منزل مبارك العنوة بعد اختطافه واحتجازه لمدة 3 أشهر (فيسبوك)

وتوضح المصادر أن مخابرات الجماعة الحوثية تلزم مقدم الطلب بتحديد وجهة الموظف والمهمة التي أوكلت إليه، والأشخاص الذين سيلتقيهم بالتفاصيل الدقيقة، على أن يُلزم هذا الموظف بتقديم تقرير مفصل إلى الجهاز المخابراتي عند عودته من المهمة.

ويلزم الموظف باحتواء تقريره على شرح تفاصيل رحلته من بدايتها إلى النهاية، وطبيعة اللقاءات التي عقدها، وماذا دار من نقاشات مع الأشخاص الذين التقاهم، وإلا سيكون عرضة للاستجواب والاعتقال.

واستنكرت الحكومة اليمنية تصفية المسؤول في منظمة إنقاذ الطفولة في سجن تابع لمخابرات الحوثيين، وطالبت المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومبعوثها الخاص ومنظمات حقوق الإنسان بمغادرة مربع الصمت، وإصدار إدانة واضحة للجريمة التي وصفتها بالنكراء.

وأدان وزير الإعلام والثقافة والسياحة اليمني معمر الإرياني «بأشد العبارات» تصفية هشام الحكيمي أحد موظفي منظمة إنقاذ الطفولة، تحت التعذيب، بعد قرابة شهرين من اختطافه من أحد شوارع العاصمة صنعاء، وإخفائه قسراً.

مقر الأمن السياسي في صنعاء الذي تسيطر عليه الجماعة الحوثية ضمن 237 سجناً رسمياً احتلتها، و128 سجناً سرياً أنشأتها (إكس)

واتهم الإرياني الجماعة الحوثية باختطاف عدد من العاملين في الأمم المتحدة، و11 موظفاً في السفارة الأميركية والوكالة الأميركية للتنمية، منذ قرابة عامين، وإخفائهم قسراً في ظروف غامضة، دون توجيه أي تهم لهم، أو السماح بمقابلة أسرهم.

مطالب حكومية بالتحقيق

تشير التقارير الحقوقية، بناء على تصريحات الإرياني، إلى أن الجماعة الحوثية تدير نحو 641 سجناً، منها 237 سجناً رسمياً احتلتها، و128 سجناً سرياً استحدثتها بعد الانقلاب، وأن 32 مختطفاً تعرضوا للتصفية الجسدية، فيما انتحر آخرون، للتخلص من قسوة وبشاعة التعذيب، وسُجلت 79 حالة وفاة للمختطفين و31 حالة وفاة لمختطفين بنوبات قلبية، بسبب الإهمال الطبي ورفض إسعافهم للمستشفيات.

ونوّه الوزير اليمني إلى أن وزارة حقوق الإنسان اليمنية رصدت أكثر من 350 حالة قتل تحت التعذيب من إجمالي 1635 حالة تعرضت للتعذيب في معتقلات الحوثيين، كما وثّقت منظمات حقوقية متخصصة ارتكابهم جريمة الإخفاء القسري بحق 2406 من المدنيين في معتقلات غير قانونية، حيث يتعرضون لأبشع صنوف التعذيب النفسي والجسدي، والحرمان من الرعاية الصحية.

يواصل الحوثيون اختطاف 11 يمنياً كانوا موظفين سابقين لدى السفارة الأميركية في صنعاء (إكس)

ودعا الوزير إلى تحقيق عاجل وشفاف في جرائم تعذيب الأسرى والمختطفين والمحتجزين قسراً في معتقلات ميليشيات الحوثي، وملاحقة ومحاكمة مرتكبيها في المحاكم المحلية والدولية باعتبارهم «مجرمي حرب».

واتهم قيادات حوثية بالمشاركة في هذه الجرائم، بينهم عبد القادر المرتضى رئيس فريق الأسرى والمعتقلين لدى الجماعة، مناشداً المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومبعوثها الخاص إلى اليمن ومنظمات حقوق الإنسان بإصدار إدانة واضحة لهذه الجريمة النكراء، وممارسة ضغط حقيقي على الحوثيين للكشف عن مصير كافة المخفيين قسرا، وإطلاقهم فوراً.

كما دعا الولايات المتحدة الأميركية إلى إعادة تصنيف الجماعة الحوثية كمنظمة إرهابية، وملاحقة ومحاكمة قادتها المسئولين عن هذه الجرائم المروعة.


مقالات ذات صلة

الصواريخ... غطاء الحوثيين الناري للتقدم الميداني

العالم العربي أضواء انفجارات سببتها الصواريخ الحوثية على مدينة المخا منتصف أغسطس (آب) الماضي (رويترز)

الصواريخ... غطاء الحوثيين الناري للتقدم الميداني

تكشف الهجمات الصاروخية الحوثية عن نمط استهداف لعمق سيطرة القوات الحكومية بوصف ذلك تمهيداً للتقدم الميداني بضرب المنشآت الحيوية وإرهاب السكان ومراكز الإمداد

وضاح الجليل (عدن)
خاص بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ) p-circle

خاص قائد خفر السواحل اليمنية: سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها في البحر الأحمر

قال رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية إن سيطرة الحوثيين على باب المندب وجزر البحر الأحمر تمثل «تحولاً نوعياً» في طبيعة التهديد الذي تشكله الجماعة

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي وزير خارجية جيبوتي عبد القادر عمر يلقي كلمة بالجمعية العامة للأمم المتحدة (وكالة أنباء جيبوتي)

جيبوتي تحت ضغوط «اضطرابات الجوار»

وجدت جيبوتي نفسها تحت وطأة تدفق آلاف الفارين من جحيم النزاعات وسط تصاعد الأزمات في دول الجوار، لا سيما في إثيوبيا واليمن.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي يتحدث في خطاب للشعب بمناسبة ذكرى ثورة 26 سبتمبر (سبأ)

العليمي يدعو الشعب اليمني إلى التعبئة العامة والنفير لمواجهة الحوثيين

دعا رئيس مجلس القيادة اليمني، رشاد العليمي، أبناء الشعب إلى التعبئة العامة والنفير الوطني والالتفاف حول القوات المسلحة والأمن، والالتحاق بصفوفها.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي العقوبات الأميركية تضرب شبكات إيران المغذية للحوثيين (إ.ب.أ)

دبلوماسي أميركي: العقوبات تضرب شبكات إيران المغذية للحوثيين

تعمل الولايات المتحدة مع السعودية ودول أخرى على تعزيز التعاون الإقليمي والدولي؛ لوقف التدفقات غير المشروعة لمكونات الأسلحة وأنظمة التوجيه المتطورة للحوثيين...

عبد الهادي حبتور (الرياض)

مخلَّفات الهجمات الحوثية تقتل مزيداً من الأطفال

أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
TT

مخلَّفات الهجمات الحوثية تقتل مزيداً من الأطفال

أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)

في اليمن، لا ينتهي الخطر بالنسبة للأطفال بانحسار صوت القصف أو مغادرة مناطق القتال. فالألغام الأرضية الحوثية ومخلَّفات الحرب غير المنفجرة تظل كامنة في الطرقات والمنازل ومحيط التجمعات السكانية، لتحوِّل الحياة اليومية إلى رحلة محفوفة بالمخاطر.

ومع تجدد القتال في غرب البلاد، تجد آلاف العائلات نفسها مضطرة إلى الفرار، بينما يواجه الأطفال مخاطر جديدة لا تتوقف عند النزوح وفقدان الأمان والتعليم؛ بل تمتد إلى خطر قد يكون مختبئاً تحت أقدامهم.

وبعد 11 عاماً من الحرب التي أشعلها انقلاب الحوثيين على الحكومة المعترف بها دولياً، يواجه الأطفال في اليمن مجدداً بعضاً من أعنف موجات القتال منذ سنوات؛ حيث أدت الاشتباكات المتجددة في محافظتَي تعز والحديدة، غربَي البلاد، إلى نزوح نحو 18500 شخص خلال 72 ساعة فقط، ما أجبر عائلات على ترك منازلها، وأدى إلى تعطُّل تعليم الأطفال وتفاقم احتياجات الأسر النازحة.

مخيَّم للنازحين من هجمات الحوثيين في مديرية جبل حبشي بتعز (إعلام محلي)

وترى منظمة «وور تشايلد» الدولية، أن المخاطر التي تهدد الأطفال في اليمن تتجاوز القتل والإصابات الناجمة عن القتال المباشر. فقد سُجِّل مقتل عدد أكبر من الأطفال جرَّاء الألغام الأرضية ومخلفات الحرب غير المنفجرة، خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026 مقارنة بعام 2025 كله، في مؤشر مقلق على حجم المخاطر التي يواجهها الأطفال في حياتهم اليومية.

حاجة للمساعدات

وتشير المنظمة الدولية إلى أن أكثر من 12.2 مليون طفل في أنحاء اليمن يحتاجون بصورة عاجلة إلى المساعدات الإنسانية. وفي ظل التصعيد الأخير، تعمل المنظمة على تقييم آثاره والاستجابة للاحتياجات العاجلة للأطفال والأسر المتضررة، بما يشمل توفير المستلزمات الأساسية، ودعم رفاهية الأطفال وحمايتهم، ومساعدتهم على الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وحتى الآن، وزَّعت المنظمة 400 حزمة إغاثية تضمنت مواد أساسية، مثل الفرش والأغطية ومعدات الطهي ومستلزمات النظافة الشخصية. إلا أن حجم الاحتياجات يزداد مع استمرار فرار مزيد من العائلات من مناطق العنف بحثاً عن مكان أكثر أماناً.

بدورها، أفادت جمعية «الهلال الأحمر اليمني» بأن التغير السريع في خطوط المواجهة، إلى جانب قيود التنقل وتعطل شبكات الاتصالات، أجبر عائلات على مغادرة منازلها في وقت قصير، وغالباً من دون أن تتمكن من اصطحاب سوى القليل من ممتلكاتها الأساسية، أو من دون أي ممتلكات على الإطلاق.

أرقام مختلفة

وعزت جمعية «الهلال الأحمر اليمني» الاختلافات بين أرقام النازحين الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة وصندوق الأمم المتحدة للسكان والوحدة الحكومية لإدارة مخيمات النازحين، إلى اختلاف فترات إعداد التقارير، والنطاق الجغرافي الذي تغطيه كل جهة، ومنهجيات جمع البيانات المستخدمة.

وأوضحت أن آلية «تتبع النزوح السريع» التابعة للمنظمة الدولية للهجرة توفر رصداً سريعاً وجزئياً لحالات النزوح، بينما تجمع الوحدة الحكومية لإدارة المخيمات بيانات التسجيل الواردة من المحافظات المتضررة. ولذلك، ينبغي التعامل مع هذه الأرقام بوصفها بيانات مكملة بعضها لبعض، وليست أرقاماً يمكن مقارنتها بصورة مباشرة.

أطفال فارُّون من التصعيد في غرب محافظة تعز (الأمم المتحدة)

كما أن بيانات النزوح السريع تحتاج إلى التحقق المستمر، نظراً إلى استمرار تغيُّر حركة السكان وتبدل أماكن وجود الأسر النازحة.

وبالإضافة إلى حالات النزوح التي ترصدها مجموعات البيانات الخارجية المتاحة، تشير عمليات الرصد والمعلومات التشغيلية الخاصة بفروع جمعية «الهلال الأحمر اليمني» إلى أن آثار التصعيد تمتد جغرافياً إلى نطاق أوسع.

وقد حددت الجمعية الاحتياجات الحالية للاستجابة في محافظات تعز والضالع والحديدة والجوف ومأرب وصعدة ولحج.

كما حُددت محافظات عمران وذمار وعدن بوصفها مناطق مواجهة، أو مناطق استقبال ووجهات مؤكدة لتحركات السكان، ما دفع الجمعية إلى حشد موارد الاستجابة وتوجيهها نحو نقاط استقبال النازحين.

وفي أحدث تقاريرها، أكدت الجمعية أن هذه الملاحظات الميدانية تخضع لعمليات تحقق مستمرة، في ظل عدم استقرار حركة السكان، وعدم توفر تغطية شاملة حتى الآن لجميع المواقع المتضررة ضمن مجموعات بيانات النزوح المتاحة.

وحذَّرت الجمعية من أن استمرار هذه التحركات يزيد الضغط على القدرات المحدودة أصلاً في مجالات الإيواء والمياه والصحة والخدمات الأساسية، سواء في المناطق المتضررة من القتال أو في مناطق استقبال النازحين.


الحوثيون يلاحقون سكان صنعاء على خلفية معارك تعز

بالتزامن مع التصعيد العسكري يُشدد الحوثيون الرقابة على السكان في صنعاء (أ.ف.ب)
بالتزامن مع التصعيد العسكري يُشدد الحوثيون الرقابة على السكان في صنعاء (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يلاحقون سكان صنعاء على خلفية معارك تعز

بالتزامن مع التصعيد العسكري يُشدد الحوثيون الرقابة على السكان في صنعاء (أ.ف.ب)
بالتزامن مع التصعيد العسكري يُشدد الحوثيون الرقابة على السكان في صنعاء (أ.ف.ب)

بالتزامن مع تصاعد المواجهات العسكرية في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن) كثَّفت الجماعة الحوثية حملات الملاحقة والاعتقال في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، مستهدفة مواطنين تتهمهم بتأييد القوات الحكومية والمقاومة الشعبية في تعز، أو التعبير عن مواقف رافضة للتصعيد العسكري الذي تشهده المحافظة.

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط»، إن مسلحين حوثيين نفَّذوا خلال الأيام الأخيرة عمليات مداهمة واستدعاء في عدد من أحياء صنعاء، بحثاً عن أشخاص تتهمهم الجماعة بالتعاطف مع القوات الحكومية والمقاومة في تعز.

وأضافت المصادر أن الحملة شملت مداهمة منازل واستدعاء أشخاص وتوقيف آخرين في الطرقات وأماكن عملهم، قبل اقتياد عدد منهم إلى جهات أمنية تابعة للجماعة، وسط مخاوف أسرهم من استمرار احتجازهم وعدم الكشف عن أماكن وجودهم أو التهم الموجهة إليهم.

حملة حوثية سابقة استهدفت سكاناً في إحدى المناطق اليمنية (إكس)

وحسب المصادر، جاءت الاعتقالات على خلفية مواقف شخصية ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تتناول التطورات الميدانية في تعز، أو تنتقد التصعيد العسكري الحوثي، إلى جانب اتهامات لبعض السكان بإبداء التعاطف مع القوات الحكومية والمقاومة الشعبية.

عائلات تبحث عن أبنائها

وكشفت أسر بعض المختطفين الجدد في صنعاء عن محاولات متكررة لمعرفة أماكن احتجاز ذويها، الذين قالت إن مسلحي الجماعة اعتقلوهم خلال اليومين الماضيين من مناطق متفرقة في العاصمة، وسط خشية من نقلهم بين مواقع احتجاز مختلفة أو إبقائهم بمعزل عن أسرهم.

وأوضحت الأسر أن أبناءها لم يكونوا طرفاً في القتال، وأن توقيفهم جاء نتيجة مواقف أو منشورات تتناول الأحداث في تعز. كما تخشى عائلات أخرى في صنعاء من أن تؤدي التطورات العسكرية المتسارعة في المحافظة إلى توسيع دائرة الاشتباه داخل صنعاء؛ خصوصاً مع تشدد الجماعة في التعامل مع المنشورات والتعليقات التي تتناول سير المعارك أو خسائرها.

سعي الحوثيين إلى السيطرة على تعز كبَّدهم مئات القتلى والجرحى (إعلام عسكري)

ويقول «عصام»، قريب أحد المختطفين، لـ«الشرق الأوسط»، إن أسرته فوجئت باقتياد قريبه من وسط حي الأصبحي في مديرية السبعين بصنعاء، بعد اتهامه بالتعاطف مع القوات الحكومية في تعز، مؤكداً أن العائلة تحاول منذ ذلك الوقت معرفة مكان احتجازه.

وفي حالة أخرى، أوضحت أسرة أحد السكان في حي الحصبة بمديرية الثورة شمال صنعاء، أن قريبها لم يكن مقاتلاً، وأن ما أثار غضب الحوثيين -حسب الأسرة- كان تفاعله مع أخبار المعارك في تعز، ومشاركته منشورات تتحدث عن تطورات المواجهات.

مراقبة إلكترونية

وحسب المصادر المحلية، كثفت الجماعة خلال الأيام الأخيرة إجراءات المراقبة داخل صنعاء، بما في ذلك متابعة نشاط السكان على مواقع التواصل الاجتماعي، ورصد المنشورات والتعليقات ذات الصلة بالمعارك والتطورات العسكرية في تعز.

وتقول المصادر إن أجهزة الجماعة الحوثية تعتمد كذلك على شبكة من العناصر والمخبرين لمتابعة تحركات السكان، وجمع المعلومات عن الأشخاص الذين يُشتبه في تعاطفهم مع القوات الحكومية أو المقاومة الشعبية.

ولا تقتصر المخاوف -وفق المصادر- على الأشخاص الذين يشاركون بصورة مباشرة في القتال؛ إذ تقول إن مجرد التعبير عن موقف مؤيد للقوات الحكومية أو التعاطف مع المقاومة الشعبية في تعز قد يثير الشبهات لدى أجهزة الحوثيين.

عدد الفارِّين من الهجمات الحوثية الأخيرة تجاوز 200 ألف يمني (أ.ب)

وتأتي هذه التحركات بعد حملات أمنية سابقة شهدتها صنعاء ومناطق أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين، واستهدفت ناشطين وإعلاميين ووجاهات اجتماعية، وفق تقارير حقوقية وإعلامية.

وكانت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» قد أعلنت توثيق 1033 جريمة وانتهاكاً قالت إن الجماعة الحوثية ارتكبتها خلال الفترة من 3 إلى 27 سبتمبر (أيلول)، بالتزامن مع التصعيد العسكري، وشملت حالات قتل واختطاف وإخفاء قسري ومداهمة منازل.


مصر تنسق مع إريتريا والسودان والصومال بشأن اضطرابات «القرن الأفريقي»

لقاء ثنائي السبت بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس إريتريا آسياس أفورقي عشية قمة تشاورية رباعية في العلمين ستجمع أيضاً قائدي السودان والصومال (الرئاسة المصرية)
لقاء ثنائي السبت بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس إريتريا آسياس أفورقي عشية قمة تشاورية رباعية في العلمين ستجمع أيضاً قائدي السودان والصومال (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تنسق مع إريتريا والسودان والصومال بشأن اضطرابات «القرن الأفريقي»

لقاء ثنائي السبت بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس إريتريا آسياس أفورقي عشية قمة تشاورية رباعية في العلمين ستجمع أيضاً قائدي السودان والصومال (الرئاسة المصرية)
لقاء ثنائي السبت بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس إريتريا آسياس أفورقي عشية قمة تشاورية رباعية في العلمين ستجمع أيضاً قائدي السودان والصومال (الرئاسة المصرية)

تستضيف مدينة العلمين المصرية بالساحل الشمالي، الأحد، «قمة رباعية» تجمع زعماء مصر وإريتريا والسودان والصومال، على هامش اجتماعات «منتدى العلمين - أفريقيا»، وذلك للتنسيق بشأن التطورات الأمنية في منطقة «القرن الأفريقي».

وقالت الرئاسة المصرية، في بيان، السبت، إن الرئيس عبد الفتاح السيسي سيشارك في «قمة العلمين التشاورية»، التي ستجمع أيضاً قادة إريتريا آسياس أفورقي، والسودان الفريق عبد الفتاح البرهان، والصومال حسن شيخ محمود، مشيرة إلى أن «القمة تأتي في إطار التشاور والتنسيق بشأن القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك».

وتأتي القمة في وقت تشهد فيه منطقة القرن الأفريقي تطورات أمنية متصاعدة مرتبطة بالصراعات في إثيوبيا وتأثيراتها على دول الجوار.

وعشية انعقاد القمة، أجرى الرئيس المصري لقاءات ثنائية مع رئيسي إريتريا والصومال، على هامش «منتدى العلمين - أفريقيا»، وناقش معهما «التطورات الإقليمية خصوصاً في القرن الأفريقي»، حسب الرئاسة المصرية.

الرئيس المصري في مشاورات موسعة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود بالعلمين (الرئاسة المصرية)

وخلال لقائه الرئيس الإريتري، أكد السيسي «دعم بلاده الكامل لأمن واستقرار إريتريا، واحترام سيادتها ووحدة وسلامة أراضيها»، وشدد على «رفض بلاده القاطع لأي انتهاك لسيادة الدول أو مساس بوحدتها الإقليمية، بما يخالف مبادئ القانون الدولي، والنظام التأسيسي للاتحاد الأفريقي».

وحسب الرئاسة المصرية، أكد السيسي «حرص بلاده على مواصلة التنسيق والتشاور مع إريتريا، بشأن القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، بما يسهم في تعزيز الاستقرار في القرن الأفريقي، ودعم جهود تسوية الأزمات بالوسائل السلمية، وتعزيز التعاون لتحقيق أمن واستقرار البحر الأحمر».

الرسالة نفسها أكدها الرئيس المصري، خلال لقائه مع نظيره الصومالي، وشدد على «ثوابت مواقف القاهرة الداعمة لسيادة الصومال ووحدة وسلامة أراضيه، ودعم مؤسساته الوطنية»، ودعا السيسي إلى «تعزيز التوافق الوطني بين مختلف المكونات الصومالية، بما يدعم وحدة الدولة ويحافظ على استقرارها ويجنبها التحديات الأمنية».

وتركز القمة الرباعية التشاورية في العلمين على تطورات الأوضاع في القرن الأفريقي، وتداعيات الصراع المسلح الداخلي في إثيوبيا على دول الجوار، وفق عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير صلاح حليمة، الذي قال إن «قمة العلمين تأتي لتأكيد تضامن الدول الأربع بشأن التهديدات التي تشهدها تلك المنطقة، وتعزيز التنسيق لصون استقرارها».

ويرى حليمة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «القمة ستركز على التحديات التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي، خصوصاً ما يتعلق بالتصرفات الأحادية في نهر النيل، وتأثيرها على الأمن المائي المصري، ومحاولات دول، منها إثيوبيا، الحصول على منفذ بحري بالبحر الأحمر»، مشيراً إلى أن «القاهرة تستهدف تعزيز التنسيق مع تلك الدول، لضمان ضبط النفس وعدم التصعيد، واحتواء الصراعات القائمة، على أساس المواثيق والقوانين الدولية».

وأكد الرئيس الإريتري، خلال لقائه مع الرئيس المصري، «وجود توافق كبير بين القاهرة وبلاده بشأن التطورات الإقليمية، لا سيما ما يتعلق بضرورة احترام سيادة الدول ووحدتها الإقليمية وعدم التدخل في شؤونها الداخلية»، حسب الرئاسة المصرية.

ويأتي اجتماع العلمين الرباعي في توقيت مهم تواجه فيه المنطقة تحديات بالممرات البحرية، وفق مساعد وزير الخارجية المصري السابق، السفير حسام عيسى، وقال إن «الاجتماع يجب أن يخرج برسالة واضحة، ضد أي محاولات لإشعال الوضع بمنطقة لا تحتمل مزيداً من الصراعات الإقليمية أو الداخلية»، مشيراً إلى أن «عدم الاستقرار لا يؤثر فقط على أطراف الصراع، ولكن يمتد للمحيط الجغرافي وأيضاً الدولي».

ويؤكد عيسى، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «اجتماعات الرئيس المصري مع قادة إريتريا والصومال والسودان، ليست موجهة ضد أحد»، لكنها تستهدف «التنسيق والتشاور لحماية سلامة تلك الدول الإقليمية، والتصدي لتحركات أي كيانات انفصالية بالمنطقة»، وقال إن التطورات الأخيرة في إثيوبيا وفي جنوب البحر الأحمر، «تستدعي التنسيق المستمر بين القاهرة وهذه الدول».