منغصات حوثية في صنعاء... وجبايات ترهق السكان

ميادين وشوارع مغلقة... ونقاط تفتيش تكبل حركة المرور

حوثيون خلال عملهم على تجهيز ميدان السبعين للاحتفال بالمولد النبوي (إعلام حوثي)
حوثيون خلال عملهم على تجهيز ميدان السبعين للاحتفال بالمولد النبوي (إعلام حوثي)
TT

منغصات حوثية في صنعاء... وجبايات ترهق السكان

حوثيون خلال عملهم على تجهيز ميدان السبعين للاحتفال بالمولد النبوي (إعلام حوثي)
حوثيون خلال عملهم على تجهيز ميدان السبعين للاحتفال بالمولد النبوي (إعلام حوثي)

بعد انتظار استمر وقتاً طويلاً حتى امتلاء حافلة الركاب في إحدى محطات شوارع العاصمة اليمنية، صنعاء، نفد صبر الطالب الجامعي أيمن الخديري، ودخل مع زميلين له وبقية الركاب في مشادة مع السائق الذي أبلغهم بأن الأجرة ستكون مضاعفة، مبرراً ذلك بإغلاق غالبية الشوارع في المدينة للاحتفال بالمولد النبوي، ما سيضطره لسلوك شوارع فرعية وجانبية بعيدة، حتى الوصول إلى أمام الجامعة.

تبلغ المسافة بين المحطة وجامعة صنعاء 7 كيلومترات تقريباً، وتقطعها الحافلات بالوقوف المتكرر لإقلال وإنزال الركاب في مدة لا تتجاوز 20 دقيقة في الأوقات العادية، بينما قد تصل المدة في أوقات الذروة إلى الضعف، لكن إغلاق ميدان السبعين، جنوب العاصمة صنعاء، والشوارع المؤدية إليه، أجبر الحافلات على الوصول في مدة تتجاوز 80 دقيقة، بحسب طلاب جامعة صنعاء.

تسبب إغلاق ميدان السبعين للاحتفال بالمولد النبوي في زحام مروري خانق طوال اليوم (إكس)

بعد تشاور الخديري وزميليه قرروا العودة وعدم الذهاب إلى الكلية، إذ لا يملك ثلاثتهم ما يكفي لأجرة الحافلات التي ضاعفها السائقون ذهاباً وإياباً، فضلاً عن أنهم أدركوا، من خلال حديث السائق، أنهم لن يصلوا إلى الكلية إلا وقد انتصفت المحاضرة، وربما لن يُسمح لهم بالدخول، فقرروا النزول من الحافلة رفقة عدد من الركاب.

وكان الحوثيون قرروا، مطلع الشهر الحالي، الاستعداد للاحتفال بالمولد النبوي الذي يوافق السابع والعشرين من الشهر ذاته، وتخصيص ميدان السبعين وسط العاصمة باتجاه الجنوب، وملعب الثورة شمالها لتنظيم الاحتفالات، وتكثيف أعمال النظافة في الشوارع والمداخل، ومنع السكان من مزاولة أنشطتهم وحركتهم فيهما وفي محيطيهما.

وتتضمن الاستعدادات تنظيم احتفالات مصغرة بشكل يومي بوصفها بروفات للاحتفال في يوم المولد، وتحديد المواقف الخاصة بوسائل النقل وتوسعتها، ونشر الزينات والأضواء.

الجباية بالمظاريف

منذ السادس من هذا الشهر، أغلق الحوثيون ميدان السبعين، والشوارع والطرق المؤدية إليه كافة، ليسبب هذا الإغلاق حالة ازدحام وشللاً في حركة المرور، منعا الطلاب والموظفين والعمال من الوصول إلى مدارسهم وجامعاتهم ومقار أعمالهم، وبُرّر ذلك في البداية بأن الإغلاق بسبب أعمال إنشائية... مطالبين المواطنين باستخدام الطرق البديلة.

وكثفت الجماعة من إجراءاتها الأمنية التي زادت من الزحام والاختناق المروري، حيث نشرت نقاطاً وحواجز تفتيش في غالبية شوارع العاصمة والمدن الرئيسية، خصوصاً بالقرب من الساحات المخصصة للاحتفالات.

وبحسب ما روته مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط»، فإن الجماعة كلفت مشرفيها تولي مهام الجباية من سكان وأهالي أحياء العاصمة، صنعاء، ومختلف المناطق والمدن لصالح الاحتفال، من خلال مظاريف فارغة كُتب على كل منها اسم رب العائلة المكلف دفع الجبايات، إلى جانب رقم مسلسل، من أجل حصر المتخلفين عن الدفع في تلك المظاريف.

يقنع الحوثيون أنصارهم بأن صبغ أجسادهم باللون الأخضر من ضمن القربات إلى الله (إعلام حوثي)

وألزمت الجماعة الحوثية، المدعومة من إيران، مسؤولي الأحياء (يُعرفون محلياً بعقال الحارات) بالتعاون مع المشرفين لحشد أهالي الأحياء إلى فعاليات احتفالية بالمولد النبوي في ميدان السبعين وملعب الثورة خلال الأيام والأسابيع التي تسبق ذكرى المولد، إلى جانب اجتماعات في المساجد بعد الصلاة؛ للتنسيق لتلك الفعاليات وإبلاغ المصلين بحضورها.

ولم يكن الطلاب الجامعيون وحدهم المتضررون من إغلاق الشوارع في العاصمة صنعاء؛ إذ أجبرت هذه الاحتفالات سائقي السيارات الخاصة ومركبات الأجرة والنقل على تغيير مساراتهم إلى مناطق وشوارع بعيدة من ميدان السبعين، ما أدى إلى اتساع رقعة الزحام وامتدادها إلى غالبية شوارع العاصمة طوال ساعات النهار والليل.

ويقع ميدان السبعين في قلب العاصمة صنعاء، في منطقة تتوسط غالبية أحياء جنوب وشرق ووسط وغرب العاصمة صنعاء، وتمر به غالبية الطرق السريعة التي تخفف من الزحام المروري، التي يؤدي إغلاقها إلى حدوث اختناقات مرورية في أغلب شوارع هذه الأحياء.

مدينة ملطخة بالأخضر

يضطر جمال الجنيد، الذي يعمل في شركة أدوية، إلى الخروج قبل مواعيده المعتادة بساعة كاملة من أجل إيصال أطفاله إلى المدرسة قبل التوجه إلى العمل، لكن هذه الساعة لا تكفي كما يقول، إذ لا يجد بسهولة سيارة أجرة يوافق سائقها على أخذه في المشوار إلى المدرسة التي تقع بالقرب من ميدان السبعين.

مشردون يفترشون الرصيف أمام مظاهر الاحتفالات الحوثية وصبغ المدن باللون الأخضر (فيسبوك)

غير أن مهندس أجهزة إلكترونية في مستشفى السبعين العمومي الواقع على بعد أمتار من الميدان، اكتشف حيلة بسيطة لتبرير تأخره عن الدوام، حيث يبلّغ القادة الحوثيين المسيطرين على المستشفى بأنه يتأخر يومياً لأنه يمر على الميدان للمشاركة في الاستعدادات للاحتفال بالمولد النبوي، وهو التبرير الذي ينال استحسانهم.

وتقول مصادر «الشرق الأوسط» إن الميليشيات عمّمت على ملاك المحال والمولات التجارية والمطاعم الكبرى في صنعاء، توجيهات بتلوين الأبواب والأرصفة بالطلاء الأخضر، وتعليق ونشر الزينات باللون نفسه، الذي تستخدمه للاحتفال بالمولد النبوي منذ انقلابها، وتوعدت من يتخلف عن ذلك بالغرامات وإجراءات عقابية أخرى.

ويعد الاحتفال بـ«المولد النبوي» أحد أهم مظاهر هيمنة الميليشيات الحوثية على المناطق الواقعة تحت سيطرتها، حيث تستخدمه للاستعراض السياسي، وحشد أنصارها إليه، وإجبار السكان على المشاركة فيه بالترغيب والترهيب.

حتى المواشي لم تنجُ من صبغها باللون الأخضر في مناطق سيطرة الحوثيين (إكس)

كما يعد هذا الاحتفال أحد أهم مصادر الجباية وجمع الموارد لصالح الجماعة، من خلال إجبار مختلف شرائح السكان على التبرع له، ومصادرة أموال المؤسسات الحكومية لصالحه.

وخلال الأسابيع الماضية ألزمت الجماعة الحوثية أكبر البيوت التجارية، بالتبرع بمليارات الريالات اليمنية لصالح الاحتفال بالمولد النبوي، في حين يتهكم السكان، كل بطريقته، من تحويل مظاهر الحياة وصبغها باللون الأخضر الفاقع، الذي يقولون إنه يسبب لهم الإزعاج البصري والاكتئاب.


مقالات ذات صلة

«التحالف» يدين استهداف موكب شكري في لحج

الخليج عناصر أمنية تتفقد موقع الهجوم بسيارة مفخخة بالقرب من عدن (إ.ب.أ)

«التحالف» يدين استهداف موكب شكري في لحج

أدان «تحالف دعم الشرعية في اليمن»، بأشد العبارات، الهجوم الإرهابي الجبان الذي استهدف موكب العميد حمدي شكري قائد الفرقة الثانية بقوات العمالقة ومرافقيه في لحج.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج جانب من توقيع اتفاقية شراء المشتقات النفطية لتشغيل 70 محطة كهرباء (البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن)

اتفاقية سعودية لتشغيل 70 محطة كهرباء يمنية

وقَّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، الأربعاء، اتفاقية لشراء مشتقات نفطية بهدف تشغيل أكثر من 70 محطة كهرباء في جميع المحافظات اليمنية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي من آثار التفجير الذي استهدف موكب القائد العسكري حمدي شكري في عدن (إكس)

نجاة قائد عسكري رفيع من تفجير سيارة مفخخة في عدن

نجا العميد حمدي شكري الصبيحي من تفجير سيارة مفخخة استهدف موكبه في شمال عدن، وأسفر الهجوم عن مقتل وإصابة عدد من مرافقيه وسط تحقيقات أمنية.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي الوالي: «لقاءات الرياض» لحظة حاسمة في تاريخ القضية الجنوبية اليمنية play-circle 27:37

الوالي: «لقاءات الرياض» لحظة حاسمة في تاريخ القضية الجنوبية اليمنية

وصفَ عبد الناصر الوالي، الوزير اليمني السابق والسياسي الجنوبي المخضرم، لحظة لقاء القيادات الجنوبية اليمنية في الرياض للتشاور والحوار من أجل قضيتهم بأنها «حاسمة»

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي «تحالف دعم الشرعية» يشرف على تطبيع الحياة وتحسين الخدمات في عدن (إعلام حكومي)

«التحالف» يكثِّف لقاءاته مع الفاعلين في المجتمع العدني

«تحالف دعم الشرعية» يكثف لقاءاته مع المجتمع العدني لإعادة الطابع المدني، عبر إخراج المعسكرات وتحسين الخدمات وتعزيز الأمن، بشراكة محلية ورؤية شاملة للتعافي.

محمد ناصر (عدن)

نجاة قائد عسكري رفيع من تفجير في عدن


حمدي شكري الصبيحي له دور بارز في تثبيت الأمن بمناطق سيطرة قواته لا سيما في لحج (إكس)
حمدي شكري الصبيحي له دور بارز في تثبيت الأمن بمناطق سيطرة قواته لا سيما في لحج (إكس)
TT

نجاة قائد عسكري رفيع من تفجير في عدن


حمدي شكري الصبيحي له دور بارز في تثبيت الأمن بمناطق سيطرة قواته لا سيما في لحج (إكس)
حمدي شكري الصبيحي له دور بارز في تثبيت الأمن بمناطق سيطرة قواته لا سيما في لحج (إكس)

شهدت العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، أمس، انفجار سيارة مفخخة استهدفت موكباً للعميد حمدي شكري الصبيحي، قائد الفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وأحد أبرز القادة الذين أسهمت قواته في فرض الأمن في عدن. وتفيد المعلومات بأن العميد الصبيحي نجا من التفجير الذي وقع خلال مرور الموكب العسكري في منطقة جعولة التابعة لمديرية دار سعد، وهي من المناطق الحيوية التي تشهد حركة مرورية نشطة.

وجاء التفجير غداة كشف السلطات المحلية في مدينة المكلا، كبرى مدن حضرموت، عن سجون سرية ومتفجرات تستخدم في الاغتيالات كانت في عهدة مجموعات من «المجلس الانتقالي الجنوبي» تديرها الإمارات قبل خروج الأخيرة من اليمن منذ نحو ثلاثة أسابيع.

وأعادت الحادثة إلى الواجهة المخاوف الأمنية، في وقت يسعى فيه تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية إلى إعادة الاستقرار للمحافظات الجنوبية وتوحيد القوات العسكرية والأمنية بعد حلّ ما كان يسمى «المجلس الانتقالي».


هل تكسر رسائل ترمب «الداعمة» لمصر جمود مفاوضات «سد النهضة»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
TT

هل تكسر رسائل ترمب «الداعمة» لمصر جمود مفاوضات «سد النهضة»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)

في الوقت الذي جدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب تأكيده على أن بلاده مولت بناء «سد النهضة» الإثيوبي على نهر النيل ووصفه بأنه «أمر فظيع يمنع تدفق المياه عن مصر ويتعين عليه حل الأزمة بشأنه»، رأت مصادر مصرية وإثيوبية مطلعة تحدثت لـ«الشرق الأوسط» أن احتمالات نجاح ترمب في كسر جمود مفاوضات السد تظل ضعيفة، مع وجود عدة عوامل متشابكة في هذه الأزمة.

وخلال مؤتمر صحافي، الثلاثاء، جدد ترمب حديثه عن أنه «أوقف قتالاً» بين مصر وإثيوبيا كأحد إنجازاته في وقف الحروب حول العالم، كما أبدى تعجبه من تمويل بلاده لـ«سد النهضة»، مشيراً إلى أن «مصر ليس لديها ما يكفي من المياه»، وأنها تحتاج لمياه النيل في عديد من الاستخدامات.

ويأتي حديث ترمب بعد ثلاثة أيام من إرساله خطاباً إلى نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، مؤكداً فيه استعداد واشنطن للتدخل واستئناف المفاوضات حول «سد النهضة» وحل الأزمة بشكل نهائي، وهو ما رحب به السيسي.

أستاذ العلوم السياسية ورئيس وحدة أبحاث أفريقيا في مجلس الوزراء المصري، رأفت محمود، قال إن تصريح ترمب جاء نتيجة الرسالة المصرية التي وصلته من مستشاره للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، بعدما التقى السيسي الشهر الماضي وناقشا عدة ملفات، منها ما يتعلق بالسودان وأرض الصومال، وأيضاً ملف سد النهضة والهواجس المصرية، «وبالتالي ترمب التقط الرسالة وأخذها فرصة لينشط الوساطة الأميركية في سبيل صفقة ما تخص المنطقة».

وأضاف محمود قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «هذه بمثابة محاولة محتملة من ترمب لإعادة ضبط المشهد السياسي المحيط بالأزمة، ورغبة واضحة في استعادة دور الوسيط الأميركي المؤثر».

وتابع: «في الإجمال، الخطاب الأميركي يجعل أديس أبابا تواجه أحد خيارين: إما الانخراط الجاد في مسار تفاوضي منظم، أو مواجهة ضغوط سياسية قد تؤثر على صورتها الدولية. ووفقاً للسلوك الإثيوبي في المفاوضات السابقة، فإن تمسك أديس أبابا بالنهج الذي اتبعته ورغبتها في السيطرة على مجرى نهر النيل النابع من أراضيها دون الالتزام باتفاقية ملزمة تدير تدفق المياه من سد النهضة هو العامل المرجح حالياً، خصوصاً مع ارتباط ملف سد النهضة بحسابات الداخل الإثيوبي والتي تشبعت خلال الفترة الماضية بأن هذا الملف يعد مشروعاً قومياً ضمن سيادة إثيوبيا».

وتابع: «هناك عدد من التغيرات السياسية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر حدثت مؤخراً استدعت التدخل الأميركي في هذا الملف، خاصة فيما يتعلق بأرض الصومال واعتراف إسرائيل بها، وهو ما أثار غضباً دولياً بالمنطقة. وهناك أيضاً ملف السودان وملف اليمن، وهذه الملفات حدث فيها تشابك بين عدد من القوى في الإقليم وبما قد يؤثر على المصالح الأميركية».

واستطرد: «لكن نجاح التدخل الأميركي مرهون بالقدرة على تحويل التصريح إلى أدوات فعل، وقدرة ترمب على إدارة صفقة ترضي كافة الأطراف، ومنها إثيوبيا التي ترغب في الوصول إلى البحر الأحمر؛ وهو أمر تظل احتمالات نجاحه ضعيفة في الوقت الحالي».

وكان ترمب قد خرج بتصريح مثير للجدل في منتصف يونيو (حزيران) الماضي، عبر منصته «تروث سوشيال»، قال فيه إن الولايات المتحدة «موَّلت بشكل غبي سد النهضة، الذي بنته إثيوبيا على النيل الأزرق، وأثار أزمة دبلوماسية حادة مع مصر». لكن أديس أبابا نفت ذلك بشدة، مؤكدة أن السد «بُني بأموال الشعب الإثيوبي».

وفي الرابع من يوليو (تموز)، كرَّر ترمب الحديث نفسه خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، في البيت الأبيض قائلاً: «الولايات المتحدة موَّلت السد، وسيكون هناك حل سريع للأزمة». ومساء الثامن من يوليو، قال للمرة الثالثة في خطاب أمام أعضاء مجلس الشيوخ في واشنطن إنه «سيعمل على الأزمة بين مصر وإثيوبيا على المدى الطويل».

الرئيس المصري خلال مصافحة رئيس الوزراء الإثيوبي في عام 2019 (الرئاسة المصرية)

مستشار وزارة المياه والطاقة الإثيوبية، محمد العروسي، قال إنه «في ظل حساسية اللحظة وتعقيد المشهد السياسي المحيط بملف سد النهضة، من المهم التفريق بهدوء بين التصريحات السياسية ذات الطابع الخطابي والتحولات الفعلية في موازين التفاوض».

وتابع قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن تبني الرئيس الأميركي لوجهة نظر مصر أو التعبير عن تفهمه لمخاوفها «لا يعني بالضرورة وجود استراتيجية أميركية متكاملة لاستهداف المصالح الإثيوبية، لكن التجربة العملية مع الوساطة الأميركية في هذا الملف تجعلنا حذرين بطبيعتنا من باب القراءة الواقعية للتاريخ القريب، وليس من باب العداء لواشنطن».

ويرى العروسي، وهو عضو بالبرلمان الإثيوبي ورئيس «مجموعة الصداقة البرلمانية لدول غرب آسيا»، أن الوساطة الأميركية في محطتها السابقة «لم تكن محايدة بالكامل»، وأنه لا يمكن تجاهل أن ترمب نفسه «سبق أن أدلى بتصريحات خطيرة تحدث فيها صراحة عن احتمال قيام مصر بتفجير السد».

ومضى قائلاً: «كما أن تصريحاته الأخيرة التي تُفهم على أنها انحياز كامل لرواية طرف واحد تعزز القناعة بأن أي دور أميركي محتمل سيبقى محكوماً باعتبارات سياسية داخلية وتحالفات تقليدية أكثر من كونه سعياً نزيهاً لحل عادل ومتوازن».

وتابع: «من هذا المنطلق فإن حالة الفرح السريع والتهافت على فكرة الوساطة الأميركية لمجرد صدور تصريح إيجابي من واشنطن تبدو أقرب إلى قراءة عاطفية»؛ محذراً من تحويل التصريحات السياسية إلى «أوهام»، وهو «ما قد يعمق الجمود بدل أن ينهيه».

واستضافت واشنطن عام 2020، خلال ولاية ترمب الأولى، جولة مفاوضات بمشاركة البنك الدولي، لكنها لم تصل إلى اتفاق نهائي بسبب رفض الجانب الإثيوبي التوقيع على مشروع الاتفاق الذي جرى التوصل إليه وقتها، حيث اتهمت إثيوبيا الولايات المتحدة بـ«الانحياز».


محللون: تعاون المغرب وإثيوبيا عسكرياً «لا يثير قلقاً مصرياً»

أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

محللون: تعاون المغرب وإثيوبيا عسكرياً «لا يثير قلقاً مصرياً»

أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)

أثار اجتماع بين المغرب وإثيوبيا بشأن تعاون عسكري بينهما تساؤلات حول موقف مصر، خصوصاً وأنها على خلاف مع أديس أبابا بسبب تهديد الأمن المائي جراء «سد النهضة».

وفي حديث مع «الشرق الأوسط»، الأربعاء، قال مصدر مصري مطلع إن ذلك التعاون العسكري المغربي - الإثيوبي، الذي لم تعلق عليه القاهرة رسمياً بعد، «لا يقلق القاهرة، وسيكون هناك حديث عبر الدبلوماسية الهادئة مع الرباط بشأنه».

ويتفق معه خبير عسكري كان مسؤولاً بارزاً سابقاً بالجيش المصري، مؤكداً أن ذلك التعاون «ليس مقلقاً للقاهرة»، لكنه تعجب من إبرام تعاون مغربي مع إثيوبيا التي يصفها بأنها «باتت عدواً للقاهرة وتقف ضد حقوقها المائية».

سد النهضة الإثيوبي (صفحة رئيس وزراء إثيوبيا على فيسبوك)

غير أنّ برلمانياً إثيوبياً نفى في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن يكون هذا التعاون مع المغرب «موجهاً للقاهرة أو يحمل رسائل تهديد أو نية للمواجهة»، مشيراً إلى أن «أديس أبابا تركز على نهضة بلادها وتنميتها، ولا تنوي أي مناكفات عسكرية تجاه أحد».

اجتماع مثير للجدل

كانت صحيفة «هسبريس» المغربية قد أفادت، منتصف يناير (كانون الثاني) الحالي، بأن اللجنة العسكرية المشتركة المغربية الإثيوبية عقدت اجتماعها الأول في أديس أبابا، وأن الاجتماع تناول «دراسة مخطط عمل في مجال التعاون العسكري والدفاعي بين البلدين».

ونصت اتفاقية التعاون العسكري، الموقعة في يونيو (حزيران) 2025 في الرباط، على إنشاء هذه اللجنة العسكرية المشتركة، بالإضافة للتعاون في مجالات التكوين والتدريب، والبحث العلمي، والطب العسكري، وفق المصدر ذاته.

وفي اليوم التالي، أفادت وكالة الأنباء الإثيوبية، بأن أديس أبابا والرباط عقدتا أول اجتماع للجنة الدفاع المشتركة على الإطلاق، بهدف تعزيز التعاون الثنائي عبر مختلف المجالات العسكرية.

وشملت المناقشات «دفع التعاون العسكري بين البلدين بطرق تضمن المنفعة المتبادلة لمؤسساتهما الدفاعية، والتعاون في التعليم والتدريب، والصناعات الدفاعية، ونقل التكنولوجيا، ومجالات أخرى من المشاركة العسكرية»، وفق الوكالة.

وأكد المدير العام للعلاقات الخارجية والتعاون العسكري في قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، تشومي جيميتشو، آنذاك أن العلاقات بين إثيوبيا والمغرب تتعزز باطراد عبر قطاعات متعددة، وأن الصداقة طويلة الأمد بين البلدين تعكس التضامن الأفريقي والالتزام المشترك بالعمل معاً من أجل المصالح المشتركة.

وذكر أيضاً أن اجتماع اللجنة المشتركة «يمثل علامة فارقة تاريخية في العلاقات الإثيوبية - المغربية، ويفتح مرحلة جديدة للتنفيذ العملي لمجالات التعاون المتفق عليها».

ونقلت وكالة الأنباء الإثيوبية عن العميد عبد القهار عثمان، مدير مديرية التموين في القوات المسلحة المغربية، وصفه الاتفاق الذي تم التوصل إليه خلال الاجتماع بأنه «تطور مهم في العلاقات العسكرية»، وتأكيده أن «المغرب عازم على زيادة رفع مستوى التعاون الدفاعي مع إثيوبيا».

«الدبلوماسية الهادئة»

وتعليقاً على ذلك، قال مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن ذلك التعاون المغربي - الإثيوبي «بحاجة لتوضيح، لكنه بشكل عام ليس مقلقاً، خصوصاً وعلاقات القاهرة مع الرباط جيدة جداً».

وهو يعتقد أن «الدبلوماسية الهادئة» ستكون مسار التعامل مع الرباط، وأنه سيكون هناك حديث في هذا الأمر «ليس في إطار إلقاء اللوم، ولكن معرفة طبيعة الموضوع، ومناقشة الشواغل المصرية بشأنه».

وتزامن ذلك الاجتماع المغربي - الإثيوبي مع توجيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، منتصف يناير الحالي، رسالة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، عارضاً التوسط في أزمة مياه النيل وملف سد النهضة الإثيوبي الذي قال أكثر من مرة إن إدارته منعت حرباً بين القاهرة وأديس أبابا بشأنه، دون مزيد من التفاصيل.

ويعتقد المصدر المصري المطلع أن إثيوبيا تحاول إرسال رسائل لمصر، وستزداد بعد إعلان ترمب الوساطة، وسط تجاوب مصري وسوداني وعدم تعليق من أديس أبابا.

في المقابل، يرى البرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد أن التعاون مع المغرب ليس تعاوناً عسكرياً فحسب، بل يشمل التجارة والدبلوماسية، ويحمل رسائل مفادها تقوية العلاقات مع دول المنطقة، وليس أي تهديد لأحد.

وشدّد في حديث لـ«الشرق الأوسط» على أن مصر بلد شريك لبلاده «لم يتقاتلا ولن يتقاتلا، خصوصاً وأن أديس أبابا تهتم بالنهوض والازدهار، وليس لديها أي نية للقتال مع مصر أو غيرها».

غير أن الخبير الاستراتيجي العسكري المصري اللواء سمير فرج رفض تلك التبريرات الإثيوبية، ووصف أديس أبابا، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بأنها «عدوة لحقوق مصر المائية»؛ لافتاً إلى أن مصر «لا يقلقها هذا التعاون».

إلا أنه تساءل: «كيف لدولة بالجامعة العربية أن تتعاون مع أخرى تهدد مصالح مصر؟».

ولا يعتقد فرج أن الرسائل الإثيوبية من تلك الاجتماعات تحمل أي تأثير على مصر سواء كان أمنياً أو عسكرياً، متوقعاً ألا تثير مصر هذا الأمر مع الرباط فوراً، لكن ذلك ربما يحدث في أي لقاءات مستقبلية بين البلدين «حيث ستبدي موقفاً دون أي تأثير يذكر على العلاقات المصرية - المغربية».