الخسائر وإغلاق التهريب يدفعان الحوثيين للانتقام من المدنيين

المخا في مرمى التصعيد بعد تضييق الإمدادات

صورة مأخوذة من فيديو بثه الحوثيون لإطلاق صاروخ على ميناء المخا (رويترز)
صورة مأخوذة من فيديو بثه الحوثيون لإطلاق صاروخ على ميناء المخا (رويترز)
TT

الخسائر وإغلاق التهريب يدفعان الحوثيين للانتقام من المدنيين

صورة مأخوذة من فيديو بثه الحوثيون لإطلاق صاروخ على ميناء المخا (رويترز)
صورة مأخوذة من فيديو بثه الحوثيون لإطلاق صاروخ على ميناء المخا (رويترز)

كشف الهجوم الصاروخي الواسع الذي نفَّذته الجماعة الحوثية على ميناء المخا، الأحد، واستهدف منشآت مدنية ومخازن للمواد الغذائية ومساكن الأطباء والعمال، طبيعة الرد على الضغوط العسكرية واللوجستية المتزايدة التي تعرضت لها الجماعة خلال الأيام الأخيرة؛ خصوصاً في مناطق التماس جنوب الحديدة، بالتزامن مع تشديد الرقابة وإغلاق مسارات التهريب التي تعتمد عليها الجماعة في نقل الأسلحة والمعدات والخبراء.

ويرى ناشطون وكتاب سياسيون أن التصعيد الحوثي الأخير لا ينفصل عن الخسائر التي تكبدتها الجماعة في جبهات جنوب الحديدة، في وقت تواجه فيه تضييقاً متزايداً على خطوط إمدادها، ما يدفعها إلى محاولة ترميم صورة عسكرية تعرضت لضربة قاسية عبر إطلاق الصواريخ والطائرات المُسيَّرة على منشآت حيوية، مع تقديم مبررات تتحدث عن استهداف أهداف عسكرية.

لكن طبيعة المواقع التي طالها القصف تشير -وفق مصادر عسكرية وسياسية- إلى اتساع دائرة الاستهداف الحوثي، لتشمل منشآت مدنية واقتصادية، في تحول بدأ يظهر أيضاً في استهداف مناطق مدنية أخرى.

الحوثيون تكبَّدوا خسائر ميدانية خلال المواجهات الأخيرة في جنوب الحديدة (إعلام حكومي)

ويؤكد العقيد وضاح الدبيش، الناطق الرسمي باسم القوات الحكومية في الساحل الغربي، أن التطورات الميدانية الأخيرة في الحيس والخوخة والتحيتا تمثل أحد العوامل التي لا يمكن فصلها عن التصعيد الحوثي؛ مشيراً إلى ما تعرضت له مواقع وتشكيلات تابعة للجماعة في تلك المناطق، بما فيها ما يعرف بـ«لواء المندب»، من ضربات وخسائر ميدانية.

ضربة في الميدان

لكن الخسائر التي تكبدتها الجماعة في جنوب الحديدة ليست العامل الوحيد وراء التصعيد؛ إذ تتزامن مع تطور أكثر حساسية يتمثل في إغلاق منافذ ومسارات تهريب ظلت تستخدمها لنقل الأسلحة والمعدات والخبراء.

ويقول الدبيش إن من بين الأسباب الأساسية للقصف المكثف على ميناء المخا، وقبل ذلك على تجمعات مدنية في مأرب، تشديد الخناق على مسارات الإمداد والتهريب التي استفادت منها الجماعة، سواء عبر المسارات البرية والرقابة على المنافذ في اتجاهات سيئون والجوف ومأرب، أو عبر تشديد الرقابة البحرية على الساحل الغربي والبحر الأحمر.

ويضيف أن تكرار استهداف ميناء المخا يمكن قراءته -من هذا المنظور- بوصفه محاولة للرد على الضغوط العسكرية والاقتصادية واللوجستية المتزايدة، ونقل المواجهة من الميدان العسكري إلى منشأة مدنية واقتصادية حساسة؛ خصوصاً مع ما يمثله تطوير الميناء وتوسيع نشاطه التجاري من أهمية للساحل الغربي.

استهداف حوثي طال مساكن الأطباء والعمال في مدينة المخا ومينائها (إعلام حكومي)

ويتساءل الدبيش: «إذا كان الهدف عسكرياً، فلماذا لا تُستهدف المعسكرات والمواقع العسكرية المعروفة؟ ولماذا يتكرر التركيز على الميناء والرصيف والمنشآت الاقتصادية؟».

ويؤكد أن المواقع التي تعرضت للقصف داخل الميناء ذات طبيعة مدنية واقتصادية، نافياً وجود مخازن عسكرية فيها كما تروج الجماعة الحوثية، ومشيراً إلى أن الأضرار طالت منشآت مدنية وخدمية، بينما سقط العسكريون الموجودون في نطاق الحراسة والبوابات نتيجة الشظايا الناجمة عن القصف.

خنق خطوط الإمداد

ويرى «محمد» -وهو كاتب سياسي يقيم في مناطق سيطرة الحوثيين- أن إغلاق منافذ التهريب الممتدة من سواحل وصحراء المهرة، مروراً بصحراء حضرموت ومأرب، وصولاً إلى الجوف، شكَّل ضربة لشبكات الإمداد التابعة للجماعة.

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن هذه الإجراءات تعني بالنسبة للحوثيين فقدان أحد مسارات تهريب الأسلحة والخبراء العسكريين القادمين من إيران و«حزب الله» اللبناني، إضافة إلى نقل عناصر الجماعة إلى مناطق التدريب على الأسلحة والتقنيات الحديثة.

ويُجمع كتاب ونشطاء على أن الهجوم على ميناء المخا جاء في توقيت تواجه فيه الجماعة ضغطاً مزدوجاً: خسائر عسكرية متزايدة على خطوط التماس في جنوب الحديدة وجبهات الضالع، وتضييقاً على خطوط الإمداد والتهريب التي تحتاج إليها للحفاظ على قدراتها العسكرية.

إغلاق مسارات التهريب يضيق خطوط إمداد الأسلحة إلى الحوثيين (إعلام حكومي)

وتدفع هذه المعطيات إلى قراءة التصعيد الحوثي بوصفه محاولة للرد على الضغوط والخسائر التي تعرضت لها الجماعة، أكثر من كونه تحركاً عسكرياً لتحقيق مكاسب ميدانية جديدة.

كما يحمل انتقال القصف الحوثي إلى منشأة مدنية مثل ميناء المخا دلالة أخرى على طبيعة الخيارات التي تلجأ إليها الجماعة في ظل عجزها عن تحقيق تقدم ميداني، مع اتجاه متزايد نحو استهداف المناطق والمنشآت المدنية والحيوية، وهو مسار بدأ ظهوره في مأرب التي تؤوي 62 في المائة من النازحين اليمنيين داخلياً.

ويُنظر إلى هذا التحول بوصفه مؤشراً على أن الجماعة، كلما واجهت صعوبة في الوصول إلى أهداف عسكرية مباشرة، قد تلجأ إلى ضرب أهداف مدنية وحيوية لإظهار قدرتها على الرد وفرض تكلفة على خصومها.

ولا تقتصر تداعيات هذا النهج على الأضرار المباشرة التي تلحق بالمدنيين والمنشآت؛ بل تمتد إلى الاقتصاد وحركة التجارة والإمدادات الغذائية؛ خصوصاً أن ميناء المخا يمثل جزءاً من البنية الحيوية للنشاط التجاري والإنساني على الساحل الغربي.


مقالات ذات صلة

هجوم المخا يفاقم خطر التهديد الحوثي في اليمن

العالم العربي صورة مأخوذة من فيديو وزعه الحوثيون لإطلاق مسيرة باتجاه ميناء المخا اليمني (إ.ب.أ)

هجوم المخا يفاقم خطر التهديد الحوثي في اليمن

يوسع هجوم الحوثيين على المخا دائرة التصعيد في اليمن، وسط تحذير أممي من عودة الحرب واستهداف المدنيين والمنشآت الحيوية وتهديد أمن الملاحة الدولية...

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

غروندبرغ يحذر من عودة الحرب الشاملة في اليمن بعد تصعيد الحوثيين

حذّر هانس غروندبرغ، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، من أن التصعيد العسكري الأخير لجماعة الحوثي يهدد بإعادة اليمن إلى دائرة نزاع واسع.

عزيز مطهري (الرياض)
العالم العربي دخان يتصاعد إثر هجمات الحوثيين على ميناء المخا اليمني (إكس)

هجوم حوثي واسع يستهدف ميناء المخا

فتحت الجماعة الحوثية المدعومة من إيران جبهة جديدة للتصعيد في الساحل الغربي اليمني، باستهداف ميناء المخا غرب محافظة تعز بهجوم واسع بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي دخان يتصاعد إثر هجمات الحوثيين على ميناء المخا اليمني (إكس)

الحوثيون يوسّعون هجماتهم التصعيدية إلى ساحل اليمن الغربي

هجوم حوثي واسع بالصواريخ والمسيرات استهدف ميناء المخا، موقعاً قتلى وجرحى، ومسبباً أضراراً في منشآت مدنية، وسط تحذيرات من تهديد الملاحة والاقتصاد اليمني

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي حصن «دار المعلا» في البيضاء قبل تفجيره من قبل الحوثيين (إعلام محلي)

الحوثيون يفجّرون حصناً تاريخياً لاستغلال موقعه عسكرياً

فجّر الحوثيون حصن «دار المعلا» التاريخي في البيضاء، وسط سعيهم لتحويل الموقع منصةً عسكريةً، في اعتداء جديد يهدد ذاكرة اليمن وتراثه...

محمد ناصر (عدن)